مقال متميز - ENA عربي
مقال متميز
هل تريد مصر سوداناً مستقراً أم جاراً أضعفه الصراع ؟
Oct 22, 2026 755
بقلم: يسون تيسفاي 22 أكتوبر 2026 (إينا) لا يعني بالضرورة أن كل حرب تدمر بلداً ما تتعارض مع مصالح جيرانه؛ فبالنسبة لبعض القوى الإقليمية، يمثل عدم الاستقرار طويل الأمد فرصة مثالية لتوسيع النفوذ، وإعادة صياغة الحسابات السياسية، وتأجيل مواجهة حاسمة مع جارٍ ينبغي التعامل معه كطرفٍ ندٍّ ومساوٍ. وفيما يتعلق بالعلاقات بين مصر والسودان، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت مصر متورطة في الحرب السودانية، بل أصبح يتمحور حول مدى هذا التورط، والأهداف الاستراتيجية الأعمق التي تسعى القاهرة لتحقيقها من خلال تأجيج الصراع عبر دعم فصيل عسكري بعينه. وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد العروسي أن التدخل المصري المستمر في السودان يهدد سيادة البلاد، ويقوض الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأكملها. وتشير قراءة متأنية للتطورات على الأرض وفي المشهد السياسي إلى أن نهج مصر في السودان لا يهدف إلى إنهاء الحرب بقدر ما يهدف إلى ضمان استمرارها، والعمل على تنصيب نظامٍ موالٍ لها وخاضع لتوجهاتها؛ حتى وإن كان ذلك على حساب إطالة معاناة الشعب السوداني واستنزاف مقدرات الدولة الوطنية. استراتيجية المياه، ونهب الموارد، والمخاوف بشأن سد النهضة تكشف الأرقام عن حجم الدمار الممنهج الذي لحق بالبنية التحتية الاقتصادية في السودان منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل 2023. وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن إنتاج الحبوب في عام 2025 انخفض بنسبة 22% مقارنة بالعام السابق، وبنحو 19% عن متوسط السنوات الخمس التي سبقت ذلك. كما أفاد البنك الدولي بأن الناتج المحلي الإجمالي للسودان قد انكمش بنسبة 29.4% في عام 2023، تلاه انكماش إضافي بنسبة 14% في عام 2024. إن حالة الشلل الاقتصادي والسياسي هذه تخدم مصالح استراتيجية مصرية حيوية ومباشرة. إذا ما حقق السودان الاستقرار وتعافى، فسيصبح قادراً على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن إدارة مشاريع نهر النيل، وعلى رأسها "سد النهضة الإثيوبي الكبير"؛ وهو مشروع يكتسب أهمية بالغة للسودان، إذ يساعد في الحد من الفيضانات المدمرة، ويوفر إمدادات حيوية من الكهرباء يمكن الاستفادة منها في تنمية شرق السودان. علاوة على ذلك، فإن السودان المستقر -الذي يملك زمام أموره- سيعمل على تنظيم حصصه المائية؛ مما يعني وقف هدر كميات ضخمة من المياه التي كانت تتدفق سابقاً من السودان نحو مصر. وهذا الاحتمال يثير مخاوف الحسابات الاستراتيجية المصرية، التي تعتبره تهديداً لما تراه "أمناً مائياً" تقليدياً خاصاً بها. ولهذا السبب تحديداً، يعمل السياسيون المصريون ليل نهار على إبقاء السودان غارقاً في حالة من عدم الاستقرار، سعياً منهم للحفاظ على نظام إقليمي يظل فيه السودان تابعاً، وعاجزاً عن بسط سيطرته الكاملة على موارده الخاصة. ولا تقتصر مكاسب مصر من ضعف السودان على قضية مياه النيل فحسب؛ فعدم الاستقرار في السودان يثير أيضاً مخاوف بشأن الاستخراج غير المشروع لثرواته وتهريبها؛ حيث تشير تقارير إلى عمليات تهريب عابرة للحدود تشمل الموارد الطبيعية، والثروة الحيوانية، والمواد الخام، مما يهدد السيادة الاقتصادية للسودان. ويستغل السياسيون في القاهرة حالة الفوضى وغياب الرقابة على الحدود لدعم اقتصادهم وتلبية احتياجاتهم، على حساب موارد الشعب السوداني المنهك. وكما يؤكد الباحث البارز عبد الشكور عبد الصمد، فإن النهج المصري ينظر إلى استنزاف السودان باعتباره ضمانة تمنعه من المطالبة بحصته العادلة من المياه، أو استغلال أراضيه وموارده الشاسعة. وهذا يضمن استمرار تدفق المياه والثروات نحو الشمال دون انقطاع، مع إبقاء السودان مكبلاً بقيود التبعية والخضوع. النزاع الحدودي وفرض الأمر الواقع في حلايب يتجلى استغلال مصر لضعف السودان بشكل أوضح في قضية منطقة "حلايب وشلاتين وأبو رماد" المحتلة. فبينما تمسك السودان تاريخياً بسيادته على هذه المنطقة الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، استغلت مصر الأزمات السياسية والعسكرية المتلاحقة في الخرطوم لترسيخ سيطرتها العسكرية والإدارية، وفرض أمر واقع على الأرض. إن استمرار الحرب وتفكك المؤسسات السودانية يوفران لمصر غطاءً مثالياً لحسم هذه القضية سياسياً ودبلوماسياً. فقد أصبحت القيادة السودانية عاجزة تماماً عن طرح مسألة السيادة على حلايب، أو حتى مجرد المطالبة بها لفظياً. ويعكس هذا معادلةً واضحةً من التبعية السياسية: قبولٌ ضمني بالسيطرة على الأراضي مقابل الحصول على الأسلحة والدعم الدبلوماسي. الدعم العسكري والانحياز المباشر لطرف دون الآخر على الرغم من التصريحات الرسمية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن "حماية مؤسسات الدولة السودانية" - والتي كان آخرها خلال لقائه مع عبد الفتاح البرهان في 4 أكتوبر 2026 - إلا أن الممارسات الفعلية للجيش المصري تتجاوز دعم مفهوم "الدولة" لتصل إلى الانخراط المباشر في مساندة طرف عسكري واحد على حساب الشعب السوداني. لم يعد التدخل المصري مقتصرًا على الدعم الدبلوماسي؛ فقد كشف تقرير موثق لوكالة "رويترز" بتاريخ 2 فبراير 2026، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وتقييمات استخباراتية، عن نشر طائرات مسيّرة قتالية في قواعد مصرية بالقرب من الحدود السودانية، لاستخدامها في دعم عمليات الجيش السوداني. إن هذا التدخل التقني والعسكري المباشر يحوّل مصر -التي يُفترض بها أن تكون طرفًا راعيًا للسلام- إلى شريك مباشر في إدارة المعارك على الأرض، مما يؤدي إلى تأجيج الصراع وإطالة أمد المواجهات. انتهاك السيادة السودانية بلغ الانخراط العسكري المصري مستويات غير مسبوقة من خلال انتهاك صريح للسيادة السودانية؛ حيث أفادت تقارير بمقتل ما لا يقل عن 200 منقب سوداني وإصابة آخرين جراء استهداف مواقع للتعدين في منطقة "شمال الوادي" بالسودان. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات التي طالت مدنيين تندرج ضمن التدخل المصري -المباشر وغير المباشر- في الصراع الدائر بالسودان، بهدف تعظيم مصالحها الخاصة. وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الإثيوبية ، أكد عبد الشكور عبد الصمد، الباحث الأول في "مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرة التكامل الإقليمي"، أن مصر تسعى لإطالة أمد الحرب في السودان لضمان استمرار استفادتها من الموارد المائية للبلاد. وفي هذا السياق، لم تكن هذه الغارات الجوية مجرد انتهاك للحدود الدولية وللقانون الدولي -الذي يحظر استخدام القوة ضد أراضي دول أخرى- بل أسفرت أيضًا عن وقوع ضحايا مدنيين، من بينهم منقبون سودانيون. وقد عكست الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في المدن السودانية تنديدًا شعبيًا بهذا القصف، كما أثارت غضبًا تجاه الصمت المريب للسلطات السودانية، التي وُجهت إليها اتهامات بالتواطؤ والتخلي عن واجبها في حماية المواطنين، مقابل الحصول على دعم عسكري مصري. إن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية يؤكد أن القاهرة باتت تتعامل مع المجال الجوي والجغرافيا السودانية كعمق أمني مفتوح لأنشطتها، متجاهلةً تماماً مبادئ السيادة والقانون الدولي. الأجندة الهيمنية الإقليمية ومستقبل السودان تدرك مصر أن السودان المستقل، الذي يُدار ديمقراطياً وتدعمه مؤسسات مدنية قوية، سيتخذ قراراته بناءً على المصالح الوطنية السودانية حصراً؛ وهي مصالح قد تتعارض بالضرورة مع الحسابات المصرية المتعلقة بالمياه والحدود والتحالفات الإقليمية. ووفقاً لمراقبين سياسيين، تهدف الاستراتيجية المصرية الراهنة إلى تشكيل سودان يظل ضعيفاً ومفتتاً وتابعاً للقاهرة، بحيث يعجز عن بسط سيطرته الكاملة على موارده أو تبني أجندة إقليمية مستقلة. إن إصرار مصر على فرض الحلول العسكرية ودعم طرف عسكري بعينه يعرقل أي مسار نحو تسوية سياسية شاملة تضم القوى المدنية وتضمن استعادة الحكم الدستوري. فالهدف ليس بناء السلام، بل إحكام السيطرة على صنع القرار السياسي والعسكري في الخرطوم، مما يتيح لمصر لاحقاً ممارسة الضغوط على الإقليم وعرقلة المشاريع التنموية الإقليمية التي لا تخدم مصالحها المباشرة. السيادة لا تُمنح، بل تُستعاد لا يمكن تأمين مستقبل السودان وحماية سيادته من خلال الاعتماد على قوى خارجية تبني مصالحها على حساب معاناة الشعب السوداني. إن الاختبار الحقيقي لمصداقية شعار "احترام سيادة السودان" الذي ترفعه مصر يتطلب وقفاً فورياً للتدخلات العسكرية المباشرة، واحترام الأراضي والمجال الجوي السوداني، والكف عن تسليح طرفٍ دون غيره على حساب التوصل إلى حل سياسي شامل. وفي نهاية المطاف، يواجه الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية حقيقة لا لبس فيها؛ وهي أنه لا يمكن بناء سودان قوي ومستقل طالما ظلت موارده ومصيره رهينةً لرغبات حلفاء إقليميين يرون في ضعف السودان ضمانةً لاستقرارهم، وفي تدمير ركائزه ونهب ثرواته وسيلةً لترسيخ نفوذهم.
إثيوبيا نحو مرحلة جديدة من التحديث والتنمية المستدامة في ظل حكومة (ميديمير)
Oct 22, 2026 532
بقلم: ديسالين كاسا 22 أكتوبر 2026 (إينا ) تدخل إثيوبيا فصلاً سياسياً واقتصادياً جديداً، تسعى من خلاله إلى تحويل إرثها التاريخي الغني إلى تنمية مستدامة، وبناء مؤسسات ديمقراطية أكثر قوة، وتعزيز دورها الإقليمي. ففي أعقاب الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2026، جاء تشكيل حكومة "ميديمير" الجديدة في أكتوبر ليُمثّل مرحلة أخرى في جهود البلاد الرامية إلى تعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ الاعتماد الاقتصادي الذاتي، وتسريع الابتكار التكنولوجي، وتعميق التعاون الإقليمي. تتمحور الأجندة التنموية للحكومة حول استثمارات استراتيجية في قطاعات الطاقة، والزراعة، والتكنولوجيا الرقمية، والتعدين، والسياحة. وتهدف هذه المبادرات - بدءاً من "سد النهضة الإثيوبي الكبير" ، مروراً بتحديث القطاع الزراعي، ووصولاً إلى توسيع نطاق الخدمات العامة الرقمية - إلى تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية، وخلق فرص العمل، وتحسين سبل عيش المواطنين. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الطموحات يتطلب وجود مؤسسات فعالة، وتوافقاً سياسياً، ونمواً شاملاً، وتوزيعاً عادلاً لمكاسب التنمية. طموحات التحديث في إثيوبيا تُشكّل التجربة التاريخية لإثيوبيا أساساً مهماً لطموحاتها المعاصرة؛ فقد برزت مملكة "أكسوم" القديمة كقوة سياسية وتجارية وثقافية كبرى، ربطت أفريقيا بالشرق الأوسط وآسيا عبر قنوات التجارة والدبلوماسية. كما ساهم التاريخ الطويل للدولة الإثيوبية، وما اقترن به من مقاومة للهيمنة الاستعمارية، في ترسيخ مكانتها في التاريخ العالمي. وتسعى إثيوبيا اليوم للبناء على هذا الإرث من خلال تعزيز اقتصادها، وحشد الموارد المحلية، وتحديث المؤسسات العامة، وتوسيع نطاق التكامل الإقليمي. غير أن الإنجازات التاريخية وحدها لا تكفي لضمان الرخاء المستقبلي؛ إذ يعتمد استمرار تقدم البلاد على قدرتها على معالجة التحديات التنموية القائمة، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وتلبية احتياجات سكانها الذين يتزايد عددهم بوتيرة سريعة. الطاقة والتحول الاقتصادي على الرغم مما تتمتع به إثيوبيا من موارد طبيعية وفيرة، وإمكانات زراعية هائلة، وموقع استراتيجي متميز، إلا أنها لا تزال تواجه تحديات اقتصادية جسيمة؛ تشمل فجوات في البنية التحتية، وقيوداً في النقد الأجنبي، ومعدلات البطالة، والاعتماد على الواردات. لذا، يظل توسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز القدرات الصناعية، وتنويع الصادرات، ركائز أساسية في مساعي البلاد نحو تحقيق نمو مستدام واعتماد اقتصادي ذاتي. يُمثّل سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي افتُتح في سبتمبر 2025 بطاقة مركبة تبلغ حوالي 5150 ميغاواط، علامة فارقة في هذا التحول. ونظراً لتمويله بشكل رئيسي من خلال الموارد المحلية -بما في ذلك مساهمات المواطنين والمؤسسات الإثيوبية- يُبرهن هذا المشروع على قدرة البلاد على حشد الموارد الوطنية لتنفيذ مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق. وإلى جانب توليد الكهرباء، من المتوقع أن يدعم السد عملية التصنيع، ويوسع نطاق الوصول إلى الكهرباء، ويزيد من فرص تصدير الطاقة إلى الدول المجاورة. ولتحقيق هذه المنافع، يتطلب الأمر استثمارات مستمرة في شبكات النقل، وأنظمة التوزيع، والربط الكهربائي العابر للحدود. فتوفر طاقة موثوقة وبأسعار معقولة يمكن أن يسهم في خفض تكاليف الإنتاج، ورفع الإنتاجية الصناعية، وتهيئة ظروف أكثر ملاءمة للتصنيع والاستثمار. وبالتوازي مع تطوير قطاع الطاقة، تهدف إصلاحات اقتصادية أوسع نطاقاً إلى جذب الاستثمارات، وتعزيز الصناعات المحلية، وتحسين بيئة الأعمال، وتنويع الصادرات. وتكتسب هذه التدابير أهمية خاصة في تخفيف الضغوط على النقد الأجنبي، وتوسيع فرص التوظيف، وتقليل مدى تأثر الاقتصاد بالصدمات الخارجية. التحول الرقمي أصبح التحول الرقمي ركيزة أساسية أخرى في استراتيجية التنمية في إثيوبيا؛ حيث يتم توظيف التكنولوجيا بشكل متزايد لتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الإنتاجية، وخلق فرص اقتصادية جديدة. ومن خلال مبادرتي "إثيوبيا الرقمية 2025" و"إثيوبيا الرقمية 2030" تسعى الحكومة إلى تحديث الإدارة العامة، وتوسيع نطاق الخدمات المالية الرقمية، وتطوير المهارات اللازمة للمشاركة في الاقتصاد الرقمي العالمي. ومن أبرز هذه المبادرات "مبادرة الخمسة ملايين مبرمج إثيوبي"، التي أطلقها رئيس الوزراء أبي أحمد في يوليو 2024. وتهدف المبادرة إلى تزويد المشاركين بمهارات عملية في مجالات تطوير الويب، وبرمجة تطبيقات "أندرويد"، وتحليل البيانات، والذكاء الاصطناعي. وقد توسعت قاعدة المشاركين لتصل إلى سبعة ملايين بحلول أغسطس 2026، مما يعكس حجم الطموحات الوطنية المتعلقة بالمهارات الرقمية. كما يجري تطوير آليات تقديم الخدمات العامة من خلال منصات مثل "ميسوب" ، التي صُممت لدمج الإجراءات الحكومية وتسهيل وصول المواطنين والشركات إلى الخدمات. وفي الوقت ذاته، نجح برنامج الهوية الرقمية الوطنية "فايدا" في تسجيل أكثر من 40.9 مليون شخص. التعدين والتنمية الصناعية توفر الموارد المعدنية في إثيوبيا -بما في ذلك الذهب، والبوتاس، والمعادن الصناعية، والغاز الطبيعي- فرصاً لتنويع الصادرات، وتوفير فرص العمل، وتزويد الصناعات المحلية بالمواد الخام. ويُعد الذهب مصدراً مهماً للعملة الصعبة، في حين يمتلك كل من البوتاس والغاز الطبيعي إمكانات كبيرة لتوسيع قاعدة الصادرات ودعم التنمية الصناعية. تشير الأرقام المتعلقة بهذا القطاع إلى أن التعدين حقق ما يقرب من 5.7 مليار دولار أمريكي من العملة الصعبة خلال السنة المالية الإثيوبية 2018، حيث شكل الذهب الجزء الأكبر من هذه العائدات. وقد قُدِّر إنتاج الذهب -سواء من قِبل شركات التعدين أو المنقبين التقليديين- بنحو 44 طناً، مما درَّ إيرادات بلغت قرابة 5.65 مليار دولار. وتتطلب هذه الأرقام مطابقتها مع السجلات الرسمية، لا سيما فيما يتعلق بالفترة الزمنية المشمولة بالتقرير، وحجم الإنتاج، وآليات احتساب الإيرادات. كما أفادت تقارير بأن وزارة المناجم حددت هدفاً لتحقيق إيرادات بقيمة 6.7 مليار دولار من هذا القطاع خلال السنة المالية الحالية؛ لذا ينبغي التحقق من هذا الهدف وإطاره الزمني، والتمييز بوضوح بين الإيرادات المتوقعة ومكاسب العملة الصعبة المحققة فعلياً قبل نشر هذه البيانات. ولا تقتصر طموحات الحكومة على استخراج المواد الخام وتصديرها فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز الروابط بين قطاع التعدين والتصنيع المحلي -مثل إنتاج الأسمدة ومعالجة الحديد- مما يسهم في الاحتفاظ بقيمة اقتصادية أكبر داخل البلاد، وتحفيز الاستثمار، وخلق فرص عمل في القطاعات المرتبطة. ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات استثمارات مستمرة في مجالات الاستكشاف الجيولوجي، ومرافق المعالجة، والبنية التحتية للنقل، والخبرات الفنية. كما يعد تبني ممارسات شفافة في منح التراخيص، والإدارة المسؤولة للموارد، وتطبيق الضوابط البيئية، وضمان مشاركة فعالة للمجتمعات المحلية، أموراً ضرورية لضمان مساهمة الثروة المعدنية في تحقيق تنمية شاملة ومستدامة. الإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي لا يزال قطاع الزراعة يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد الإثيوبي؛ إذ يدعم سبل عيش الملايين، ويلبي احتياجات الأسواق المحلية، ويوفر المواد الخام للصناعة. ومن ثم، فإن تحسين الإنتاجية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتقليل الاعتماد على السلع الزراعية المستوردة، تُعد عناصر جوهرية في أجندة التحول الاقتصادي للبلاد. وقد أصبح إنتاج القمح محوراً رئيسياً لهذه الجهود؛ فمن خلال "المبادرة الوطنية لتطوير إنتاج القمح"، توسعت إثيوبيا في زراعة هذا المحصول -لا سيما عبر الاعتماد على الري في موسم الجفاف- مما ساعد في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات. كما أثبت التوسع في الزراعة المروية إمكانية رفع حجم الإنتاج ليتجاوز حدود الدورات الزراعية التقليدية المعتمدة على مياه الأمطار. تشير الأرقام المتعلقة بهذه المبادرة إلى أن مساحة زراعة القمح المروي ارتفعت من حوالي 20 ألف هكتار في عام 2020 إلى 3.5 مليون هكتار في عام 2025. كما يُذكر أن الإنتاج في موسم الجفاف ارتفع من 600 ألف قنطار إلى 128 مليون قنطار خلال الفترة نفسها. وباحتساب موسمي الأمطار والجفاف معاً، وصلت مساحة زراعة القمح إلى 7.8 مليون هكتار في عام 2025، بإنتاج إجمالي بلغ نحو 280 مليون قنطار. أما الإنتاج في موسم الأمطار، فقد ارتفع -وفقاً للتقارير- من 53 مليون قنطار في عام 2020 إلى 152 مليون قنطار في عام 2025. وتقديراً لجهود إثيوبيا في التنمية الزراعية، تسلّم رئيس الوزراء أبي أحمد "ميدالية أغريكولا" (Agricola Medal) من منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في يناير 2024. ولضمان استمرار التقدم في إنتاج الغذاء، يتطلب الأمر مواصلة الاستثمار في مجالات الري، والميكنة الزراعية، والبذور المحسنة، والأسمدة، والبحوث الزراعية، ومرافق التخزين، وشبكات النقل. وفي الوقت ذاته، لا تزال تحديات مثل التغيرات المناخية، وتدهور الأراضي، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والخسائر التي تلي الحصاد تشكل عقبات رئيسية. وتتطلب مواجهة هذه التحديات تعزيز الخدمات الإرشادية الزراعية، وتوسيع نطاق الوصول إلى التمويل الزراعي، وتحسين الربط بالأسواق، واعتماد تقنيات تُمكّن المزارعين من زيادة المحاصيل مع إدارة المخاطر المرتبطة بالمناخ في آنٍ واحد. السياحة والتنويع الاقتصادي تعكس هوية إثيوبيا، بصفتها "مهد الأصول"، تاريخها العريق وتنوعها الثقافي ومناظرها الطبيعية الاستثنائية. وتُعد هذه المقومات ركيزةً لتطوير قطاع السياحة ليصبح مصدراً أقوى للنقد الأجنبي، وفرص العمل، والاستثمار، والنمو الاقتصادي المحلي. وقد أطلقت الحكومة مبادرات كثيرة بهدف تحسين مرافق الزوار، وتطوير البنية التحتية السياحية، وتوسيع الفرص الاقتصادية للمجتمعات المحلية. يمكن لهذه التطورات أن تدعم الشركات المحلية، وتحفز الطلب على المنتجات الزراعية والحرف اليدوية، وتخلق فرص عمل في قطاعات الضيافة والنقل والخدمات المرتبطة بها. ومع ذلك، فإن مساهمتها على المدى الطويل ستعتمد على سهولة الوصول، وجودة الخدمات، وحماية البيئة، والترويج الفعال في الأسواق الدولية. كما أن الحفاظ على التراث الثقافي والنظم البيئية الطبيعية، مع ضمان استفادة المجتمعات المحيطة بشكل مباشر من عائدات السياحة، يُعد أمراً جوهرياً لبناء قطاع تنافسي ومستدام. دولة "ميديمير" يمثل تشكيل حكومة "ميديمير" الجديدة في إثيوبيا، في أكتوبر 2026، مرحلة أخرى في جهود البلاد الرامية إلى مواءمة الحوكمة السياسية مع التحول الاقتصادي. ويتمحور فلسفتها السياسية حول مفهوم "ميديمير -وهو مصطلح باللغة الأمهرية يشير إلى التآزر، والعمل المشترك- حيث تؤكد هذه الفلسفة على المسؤولية الجماعية، والتعاون، والوحدة الوطنية كأساس لمعالجة الخلافات والسعي نحو تحقيق أهداف تنموية مشتركة. وتظل الوحدة الوطنية، والسلام، والتنمية الاقتصادية، وحماية المصالح الوطنية، في صميم أولويات هذه الإدارة. ولتحويل هذه الأهداف إلى تقدم ملموس ومستدام، يتطلب الأمر تعزيز المؤسسات الديمقراطية، واحترام سيادة القانون، وترسيخ حوكمة تتسم بالمساءلة، وتشجيع التفاعل البنّاء بين مختلف المكونات السياسية والاجتماعية. كما ترتبط طموحات إثيوبيا الإقليمية ارتباطاً وثيقاً بهذه الأولويات الداخلية؛ إذ يمكن لتعميق التعاون مع دول الجوار، وتوسيع نطاق التجارة، وتحسين الربط عبر البنية التحتية، واعتماد نهج منسق لمواجهة التحديات الأمنية والتنموية المشتركة، أن يعزز مكانة إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي. ولن يقتصر دور السلام الإقليمي والتكامل الاقتصادي على دعم التجارة العابرة للحدود فحسب، بل سيسهم أيضاً في خلق بيئة أكثر استقراراً للاستثمار والتنمية طويلة الأمد. خاتمة تجمع أجندة التنمية في إثيوبيا بين الاستثمارات في قطاعات الطاقة، والتكنولوجيا الرقمية، والتعدين، والزراعة، والسياحة، وذلك بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، وتوسيع القدرة الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على الصمود. تُضفي حكومة "ميديمير" الجديدة بُعداً سياسياً على هذه الأجندة، من خلال وضع الوحدة الوطنية، والقدرات المؤسسية، والمسؤولية الجماعية جنباً إلى جنب مع التحول الاقتصادي. ويُعدُّ الإرث التاريخي لإثيوبيا مصدراً للثقة الوطنية، في حين توفر مواردها الطبيعية ورأس مالها البشري وموقعها الاستراتيجي فرصاً لمزيد من التنمية. وتُظهر جهود إثيوبيا المستمرة لإعادة بناء مشهدها الاقتصادي والسياسي التزاماً راسخاً بحق تقرير المصير والاعتماد على الذات على المدى الطويل. ومن خلال الاستفادة من موقعها الاستراتيجي، ومواردها الطبيعية الغنية، وشبابها الحيوي، وضعت البلاد ركائز أساسية في مجالات البنية التحتية للطاقة، والأنظمة الرقمية، والزراعة العصرية، والسياحة الثقافية. وتُقدم الرؤية السياسية التي تتبناها فلسفة "ميديمير" إطاراً نظرياً لتوحيد هذه المبادرات القطاعية في استراتيجية متماسكة للتنمية الوطنية. والأهم من ذلك، تولي الإدارة الجديدة اهتماماً بالغاً للتنفيذ والتوزيع العادل للمكاسب، وضمان استفادة المواطنين منها في حياتهم اليومية؛ بدءاً من خفض تكاليف المعيشة وتوفير فرص عمل مجدية، وصولاً إلى تعزيز الحوكمة الشفافة وتحقيق الاستقرار الاجتماعي من خلال بناء توافق سياسي، وتقوية المؤسسات العامة، وردم الفجوات الرقمية والاقتصادية. وبذلك، لن تكتفي إثيوبيا بالحفاظ على إرثها التاريخي فحسب، بل ستضمن أيضاً ترسيخ مكانتها كدولة قوية ومزدهرة، ورائدة في منطقة القرن الأفريقي وما وراءها.
اقتصاد الهجرة في إريتريا: هل تستطيع الدولة البقاء من دون تحويلات مالية قسرية ؟
Oct 20, 2026 513
بقلم هيئة التحرير أديس أبابا 20أكتوبر/ 2026 (إينا ) كشف إنذار بريطانيا لإريتريا في أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن تناقضٍ جوهريٍّ في نظام أسياس أفورقي. إذ تُروّج إدارة أسمرة للاعتماد على الذات، رافضةً في الوقت نفسه الميزانيات الوطنية الثابتة والتبعية الخارجية. ومع ذلك، فإن نظامها قائمٌ على القوى نفسها التي تدّعي تجاوزها: فالخدمة الوطنية غير المحددة المدة تُحفّز الهجرة، بينما تُساهم التحويلات المالية من الإريتريين في الخارج في تمويل النظام الذي يُجبرهم على المغادرة. وأعلنت وزيرة الداخلية شبانة محمود أن إريتريا ستواجه حظرًا تامًا على تأشيرات مواطنيها ما لم تستأنف أسمرة التعاون في إعادة طالبي اللجوء المرفوضين والمجرمين الأجانب. وقد سُحبت بالفعل المعاملة التفضيلية للمسؤولين، وفُرضت قيودٌ على سفر الدبلوماسيين خارج لندن. جاء هذا الإعلان في وقتٍ شكّل فيه الإريتريون أكبر جنسية بين الوافدين عبر القوارب الصغيرة في العام المنتهي في يونيو 2026، حيث بلغ عددهم المسجل حوالي 5875 وافدًا، أي ما يقارب 18% من الإجمالي، واحتلوا المرتبة الثانية في إجمالي طلبات اللجوء، بنسبة قبول أولية تقارب 83-84%. ورغم أن إريتريا استخفت بهذا الضغط ووصفته بأنه "حيلة سياسية لا طائل منها"، إلا أن تسلسل الأحداث يستدعي دراسة متأنية للاقتصاد السياسي الذي حوّل الهجرة المستمرة إلى مصدر للتحويلات المالية. يرتكز هذا الاقتصاد السياسي، الذي تسيطر عليه حكومة الشعبية في عهد الرئيس أسياس أفورقي منذ الاستقلال، على ثلاثة أركان مترابطة: الخدمة الوطنية غير المحددة المدة، وهيمنة الحزب على الاقتصاد الموجه، والاستيلاء المنهجي على التدفقات المالية الخارجية. ورغم تباين هذه الأركان ظاهريًا، إلا أنها تعمل كآلية واحدة تحوّل السكان إلى قوة عاملة مُستعبدة في الداخل ومصدر للتمويل في الخارج. وقد بُني هذا الإطار حول الاستغلال المستمر للقيمة من هذه الهجرة، مما أدى إلى احتكار النظام بشكل دائم. في عام ١٩٩٧، صادقت إريتريا على دستور ظلّ معلّقًا لما يقارب ثلاثة عقود. وفي عام ٢٠٠١، أُغلقت وسائل الإعلام المستقلة بعد أن دعا كبار قادة الحزب إلى انتخابات ديمقراطية وإنفاذ الدستور. ونتيجةً لذلك، تحوّل ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه تعبئة مؤقتة في زمن الحرب إلى بنية دولة دائمة، أُعيد فيها تعريف المواطنة نفسها لتصبح واجبًا لا حقًا. ورغم أن الخدمة الوطنية كانت محددة رسميًا بـ ١٨ شهرًا بموجب الإعلان رقم ٨٢/١٩٩٥، إلا أنها ظلت سارية دون تاريخ انتهاء منذ حرب الحدود بين عامي ١٩٩٨ و٢٠٠٠. يُنهي طلاب المرحلة الثانوية عامهم الأخير في مركز ساوا للتدريب العسكري قبل تعيينهم في أدوار عسكرية أو مدنية قد تستمر لعقود، ويتقاضون راتبًا زهيدًا يتراوح بين ٤٥٠ و٥٠٠ ناكفا شهريًا، أي ما يعادل ٣٠ دولارًا أمريكيًا تقريبًا. وصفت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة هذه الظروف بأنها "شبيهة بالعبودية"، وربطتها بالاعتقال التعسفي والعقاب الجماعي للأسر. تُؤدي هذه الممارسات إلى هجرة مستمرة، حيث لا يُعدّ هذا التدفق فشلاً سياسياً، بل مصدراً مُتعمّداً للدخل. وبينما تُقدّر أعداد السكان المقيمين بنحو 3.6 مليون نسمة، تتراوح أعداد المغتربين بين 600 ألف و900 ألف مهاجر ولاجئ مُسجّل، حيث يعيش ما يصل إلى ثلث السكان المولودين في إريتري خارج البلاد. ووفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لنهاية عام 2025، بلغ عدد اللاجئين نحو 555 ألفاً، بالإضافة إلى أكثر من 118 ألف طالب لجوء، ليبلغ إجمالي عدد الأشخاص الذين تُعنى بهم المفوضية ما بين 670 ألفاً و679 ألفاً، مع تجاوز طلبات اللجوء الجديدة في عام 2025 وحده 53 ألف طلب. ورغم أن الاقتصاد الرسمي لا يزال خاضعاً لهيمنة الشركات المرتبطة بالشعبية والدولة، فإن نشاط القطاع الخاص خارج نطاق التجارة العائلية الصغيرة مُقيّد بضوابط العملة، وقيود التراخيص، ونظام الخدمة الوطنية. ويُعدّ رأس المال البشري المُصدّر، الذي يخضع للضرائب، المورد الحاسم. يعتمد بقاء معظم الأسر على التحويلات الخارجية التي تُقدّر بنحو 200 إلى 300 مليون دولار أمريكي سنويًا، أي ما يعادل حوالي 30% من الناتج المحلي الإجمالي لإريتريا. تُسهم هذه التدفقات في الحفاظ على استقرار الأسر ماليًا في ظل محدودية الفرص المحلية، بينما تُفرض ضريبة موازية بنسبة 2% على المغتربين الإريتريين في الخارج، وتُجبى عبر السفارات وشبكات غير رسمية. تتركز الملكية الاقتصادية في هياكل يسيطر عليها الحزب: يعمل صندوق هيدري الائتماني كأداة مركزية لإدارة المصالح التجارية لحزب الشعب، وتتمتع مؤسسة البحر الأحمر التجارية باحتكار فعلي للواردات الرئيسية، وتُعدّ قناة رئيسية للعملات الأجنبية، وتُنفّذ شركات البناء مثل سيجن وبيدو مشاريع ضخمة غالبًا باستخدام عمالة الخدمة الوطنية، وتُدير شركة هيمبول للخدمات المالية التحويلات المالية والمعاملات ذات الصلة. توجد بنوك حكومية، ومع ذلك يحتفظ الحزب بقنوات مالية موازية خارج نطاق الرقابة المالية التقليدية، في ظل عدم نشر ميزانية وطنية شاملة منذ الاستقلال. يؤدي هذا الوضع إلى تقليل الحاجة لخلق فرص عمل منتجة، ويُنشئ حلقة مغلقة؛ حيث تؤدي الخدمة الوطنية غير المحددة زمنياً والقيود السياسية إلى دفع المواطنين للهجرة، وهو ما يترتب عليه تدفق التحويلات المالية التي تشكل مصدراً لإيرادات الدولة. وإذا ما قورن ذلك بالعقيدة الرسمية التي تتبناها إريتريا، والقائمة على "الاعتماد على الذات" _ والتي ترفض التبعية للمساعدات الخارجية بينما تتعامل مع المواطنين كقوة عاملة مجانية وممولين من الخارج— فإن العزلة عن المؤسسات المالية الدولية تصبح مبررة، بينما يُصوَّر التعدد السياسي كتهديد للوحدة الوطنية والسيادة. ويخلق هذا توازناً فريداً؛ حيث تُحتكر السلطة السياسية، وتظل ميزانيات النظام وحجم أصول الحزب الحاكم بعيدة عن أي رقابة عامة. لقد حوّل الاقتصاد السياسي في إريتريا جزءاً كبيراً من سكانه إلى مورد عابر للحدود؛ إذ تُستغل قوة العمل في ظل ظروف قسرية، بينما يوفر المغتربون العملة الصعبة، مما يخلق حالة من التوازن القائم على القمع والركود الاقتصادي. ونتيجة لذلك، تتحمل الدول المضيفة التكاليف الاجتماعية والمالية، في حين يقوم نظام "الجبهة الشعبية" الحاكم بتصدير هذه الأعباء إلى الخارج مع الاستحواذ على العوائد المالية. وبناءً عليه، لا تُعد "اقتصاديات الهجرة" في إريتريا نتاجاً عرضياً غير مقصود للعزلة، بل هي المنطق التشغيلي لنظام سياسي يحوّل شعبه إلى المورد الرئيسي لبقائه واستمراره. وما يترتب على ذلك هو الاستنزاف المستمر لجيلٍ بأكمله، وضمان ديمومة نظامٍ منغلقٍ يعتمد على هذا الاستنزاف.
إثيوبيا تعزز مصالحها الاستراتيجية ودبلوماسيتها وأمنها الإقليمي هذا الأسبوع
Oct 19, 2026 1051
بقلم: هيئة التحرير 19 أكتوبر 2026 (إينا) اختتمت إثيوبيا هذا الأسبوع بسلسلة من التطورات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية الهامة، مما يؤكد عزمها على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعميق الشراكات الدولية، وتعزيز دورها الاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فمن تشكيل إدارة مؤقتة لمدة ستة أشهر في إقليم تيغراي، إلى تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك، سعت إثيوبيا لتحقيق أولويات متعددة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الوطني وتسريع وتيرة التنمية. كما سلطت المحادثات الهاتفية التي أجراها رئيس الوزراء أبي أحمد مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الضوء على الانخراط الثنائي النشط لإثيوبيا. وفي الوقت ذاته، أكد إيجاز أمني قُدِّم للملحقين العسكريين الأجانب على تركيز الحكومة على حماية السيادة الوطنية ومعالجة الفجوات المعلوماتية المتعلقة بالوضع الأمني في البلاد. وإلى جانب الأولويات السياسية والأمنية العاجلة، شهد الأسبوع دعوات متجددة لتعزيز الوحدة الوطنية، وتطوير القدرات التكنولوجية، وبناء المرونة في مواجهة التغير المناخي، فضلاً عن طموح وطني أوسع لتأمين منفذ بحري موثوق وتوسيع مساهمة إثيوبيا في تحقيق السلام الإقليمي والتكامل الاقتصادي. ومع بدء إثيوبيا فصلاً سياسياً جديداً مدته خمس سنوات في ظل حكومة "ميديمير" ، تعكس هذه التطورات أجندة مترابطة؛ تتمثل في ترسيخ السلام داخلياً، وحشد الموارد من أجل التنمية، والدفاع عن مصالح البلاد من خلال التعاون الإقليمي والانخراط الدولي. إدارة مؤقتة في إقليم تيغراي أنشأت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية إدارة مؤقتة لإقليم تيغراي لمدة ستة أشهر، مُكلفة بمهام استعادة السلام، وإحياء المؤسسات والخدمات العامة، وإعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها الحرب، والتمهيد لإجراء انتخابات حرة وشفافة. وجاء هذا القرار بناءً على قرار صادر عن مجلس الاتحاد، تلاه قرار ملزم من مجلس الوزراء بتشكيل إدارة مؤقتة للإقليم. ووفقاً لبيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، فقد جاء هذا الإجراء بعد أن واجهت الجهود المتكررة لحل النزاع -وفقاً لاتفاق بريتوريا- عقباتٍ أُرجع سببها إلى قيادة "جبهة تحرير شعب تيغراي" (TPLF). اتهم البيان القيادةَ بتقويض عملية السلام والعودة إلى الصراع، مؤكداً أنه ينبغي ألا يظل سكان الإقليم عالقين في حلقة مفرغة من العنف المتكرر. وشددت الحكومة الفيدرالية على أن تحقيق سلام دائم يتطلب إعطاء الأولوية للتنمية، وتعزيز مكانة إقليم تيغراي ضمن النظام الفيدرالي الإثيوبي، وتعميق التعاون مع بقية شعوب البلاد. ومن المتوقع أن تعمل الإدارة المؤقتة على استعادة عمل المؤسسات الحكومية، وتسهيل استئناف الخدمات الاجتماعية الأساسية، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، ودعم عودة النازحين داخلياً إلى ديارهم. وتضع هذه المبادرةُ التعافي المؤسسي، وإرساء السلام، واستعادة الخدمات الأساسية في صميم الجهود الرامية لمعالجة تحديات الإقليم. وسيكون تنفيذ هذه المبادرة وما يتحقق من تقدم نحو إجراء انتخابات ذات مصداقية مؤشراً مهماً على مدى قدرة الترتيبات الانتقالية على المساعدة في تهيئة بيئة سياسية أكثر استقراراً. إثيوبيا تكثف دبلوماسيتها الاقتصادية وتسعى لجذب رؤوس أموال استثمارية جديدة كثفت إثيوبيا من انخراطها الاقتصادي الدولي خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك بتايلاند، وذلك بهدف تحويل الإصلاحات الاقتصادية الجارية والتقدم المحرز في إعادة هيكلة الديون إلى شراكات استثمارية أقوى وتمويل تنموي. وقد أجرى الوفد الإثيوبي -بقيادة محافظ البنك الوطني الإثيوبي، الدكتور إيوب تيكالين، وبمشاركة وزيرة الدولة للمالية، تيغيست فيسيها- مباحثات مع مؤسسات مالية دولية وشركاء في التنمية ومسؤولين ماليين رفيعي المستوى حول الأولويات الاقتصادية للبلاد. وشكلت هذه الاجتماعات منصة لمناقشة الإصلاحات الاقتصادية الكلية، والاستقرار المالي، واستدامة الديون، والاستثمار الخاص، وتوفير التمويل اللازم لطموحات إثيوبيا التنموية. وأكد المحافظ إيوب أن إثيوبيا تتطلع -إلى جانب جهود إعادة هيكلة الديون- إلى جذب رؤوس أموال استثمارية جديدة وبناء شراكات دولية ذات قيمة عالية، بما يتناسب مع حجم سوقها وإمكاناتها الاقتصادية وأولوياتها التنموية. ويأتي هذا التوجه في وقت تواصل فيه إثيوبيا مفاوضاتها مع الدائنين الخارجيين؛ حيث أفاد الوفد بأنه تم التوصل إلى اتفاقات نهائية مع الدائنين الثنائيين، بينما تحرز المفاوضات مع المقرضين التجاريين تقدماً ملموساً، عقب التوصل إلى اتفاق مبدئي مع حاملي السندات الدولية (اليوروبوند). كما عقد الوفد لقاءات مع ممثلين عن مؤسسات مالية دولية ودول شريكة لاستكشاف فرص تعزيز التعاون والاستثمار. ولا يقتصر هدف إثيوبيا على تأمين تمويل إضافي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تعزيز ثقة المستثمرين، وتوسيع نطاق الوصول إلى الموارد التنموية، وضمان أن تدعم الشراكات الدولية التحول الاقتصادي طويل الأمد في البلاد. ومع استمرار إثيوبيا في تنفيذ إصلاحاتها الاقتصادية، ستظل قدرتها على تحويل الالتزامات الدولية إلى استثمارات منتجة، وخلق فرص عمل، وتحسين سبل عيش السكان، بمثابة اختبار جوهري لنجاح دبلوماسيتها الاقتصادية. إثيوبيا تؤكد مجدداً على سيادتها خلال إطلاع الملحقين العسكريين الأجانب على الأوضاع الأمنية جددت إثيوبيا التأكيد على التزامها بحماية سيادتها وسلامة أراضيها، وذلك خلال جلسة إحاطة حول الوضع الأمني في البلاد قُدمت للملحقين العسكريين الأجانب في قاعدة "بيشوفتو" الجوية. وتضمنت الإحاطة تزويد الممثلين العسكريين الأجانب بمعلومات حول التطورات التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بما في ذلك الحوادث الأمنية والتدابير التي اتخذتها قوات الدفاع الوطني الإثيوبية. كما عُرضت أمام الممثلين أسلحة قيل إنه تمت مصادرتها خلال عمليات أمنية نُفذت مؤخراً في إقليم تيغراي والمناطق المجاورة له. وفقاً لما ورد حول الإيجاز، وصف الملحقون العسكريون هذا التواصل المباشر بأنه كان مفيداً في سد فجوات المعلومات والرد على التقارير المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات إعلامية أخرى. كما أعربوا عن دعمهم لحق إثيوبيا في حماية سيادتها وسلامة أراضيها. دبلوماسية هاتفية رفيعة المستوى تعزز الانخراط الدولي لإثيوبيا أجرى رئيس الوزراء أبي أحمد محادثات هاتفية منفصلة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ناقش خلالها العلاقات الثنائية وقضايا إقليمية ومتعددة الأطراف ذات اهتمام مشترك. وعقب محادثته مع نتنياهو، وصف رئيس الوزراء النقاش بأنه كان مثمراً وبنّاءً، مشيراً إلى أن الزعيمين بحثا العلاقات الثنائية وأبرز التطورات الإقليمية، كما أكدا مجدداً التزامهما بتعزيز التعاون. وفي محادثته مع روبيو، ناقش رئيس الوزراء أبي فرص تحويل العلاقات التاريخية بين إثيوبيا والولايات المتحدة إلى شراكة أكثر استراتيجية وعملية. ورحّب رئيس الوزراء بتأكيد واشنطن استمرار دعمها لإثيوبيا، مشدداً على المصلحة المشتركة في دفع التعاون الثنائي قدماً ومعالجة الأولويات الإقليمية ومتعددة الأطراف. وتعكس هذه اللقاءات جهود إثيوبيا المستمرة للحفاظ على حوار رفيع المستوى مع الشركاء الدوليين، مع العمل في الوقت ذاته على تعزيز مصالحها الدبلوماسية والاستراتيجية. وبالنسبة لدولة ترتبط أولوياتها الاقتصادية والأمنية ارتباطاً وثيقاً بالتطورات في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر، ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع، يظل الانخراط الدبلوماسي المستمر أمراً بالغ الأهمية لبناء الشراكات، ومعالجة المخاوف المشتركة، ودعم التعاون الإقليمي. يوم العلم الوطني يجدد الدعوة إلى الوحدة والتوافق والازدهار المشترك احتفلت إثيوبيا بيوم العلم الوطني في نسخته التاسعة عشرة في 12 أكتوبر، تحت شعار "علمنا من أجل التوافق الوطني والوحدة"، مجددةً الدعوات إلى التماسك الوطني، واحترام التنوع، والمسؤولية الجماعية تجاه مستقبل البلاد. وفي رسالته بهذه المناسبة، أكد رئيس الوزراء أبي أحمد أن الوحدة الوطنية ركيزة أساسية في مساعي إثيوبيا نحو الازدهار، مشيراً إلى أن العلم الوطني يمثل التاريخ المشترك للبلاد وسيادتها وقوتها الكامنة في تنوعها. وتأتي هذه المناسبة في وقت تظل فيه ترسيخ السلام، وتعزيز المؤسسات العامة، وتوسيع نطاق التوافق الوطني أولوياتٍ هامة للمرحلة الانتقالية السياسية في إثيوبيا. وإلى جانب دلالته الرمزية، شكّل اليوم الوطني للعلم فرصةً لتسليط الضوء على أهمية الحوار والتفاهم المتبادل والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع الإثيوبي. وقد أكدت الرسالة على أن التنمية المستدامة تتطلب ما هو أكثر من مجرد النمو الاقتصادي؛ فهي تعتمد أيضاً على التماسك الاجتماعي، والمسؤولية المشتركة، والقدرة على السعي نحو تحقيق أهداف وطنية مشتركة مع احترام التنوع الذي تزخر به البلاد. التكنولوجيا والقدرات الأرصادية تعزز الصمود في مواجهة التغير المناخي شددت إثيوبيا على الأهمية المتزايدة للبحث العلمي، والتقدم التكنولوجي، والبنية التحتية الموثوقة للبيانات في تعزيز الصمود أمام التغير المناخي ودعم التنمية الوطنية. وخلال زيارة له إلى المعهد الإثيوبي للأرصاد الجوية، أبرز رئيس الوزراء أبي أحمد دور المعهد في توفير المعلومات الأرصادية، وتعزيز قدرة البلاد على توقع الظروف الجوية المتغيرة والاستجابة لها. كما أكد رئيس الوزراء على ضرورة مواصلة جمع البيانات، وإجراء البحوث العلمية، وتحديث التقنيات، وذلك لتعزيز القدرات المؤسسية وتحسين الاستفادة من المعلومات المتعلقة بالطقس والمناخ. وتعد الخدمات الأرصادية الموثوقة ركيزةً حيوية لقطاعات رئيسية في الاقتصاد الإثيوبي، لا سيما الزراعة، وإدارة المياه، والطاقة، والنقل، والتأهب للكوارث. ومن شأن تحسين أنظمة التنبؤ والإنذار المبكر مساعدة المجتمعات والمؤسسات العامة على الاستعداد للظواهر الجوية المتطرفة، والحد من الخسائر المحتملة، واتخاذ قرارات تنموية أكثر دقة واستنارة. ومع تزايد تأثير المخاطر المرتبطة بالمناخ على الاقتصادات الأفريقية، فإن تعزيز القدرات الوطنية في مجالي التنبؤ والإنذار المبكر سيساهم أيضاً في الجهود الأوسع الرامية إلى حماية سبل العيش ودعم التنمية المستدامة. فصل سياسي جديد في إثيوبيا يضع الوصول إلى البحر والتكامل الإقليمي في صدارة الأولويات مع دخول إثيوبيا مرحلة سياسية جديدة مدتها خمس سنوات في ظل حكومة "ميديمير" (Medemer)، يظل تأمين الوصول السيادي إلى البحر طموحاً وطنياً استراتيجياً واقتصادياً بارزاً. وباعتبارها واحدة من أكثر الدول الحبيسة (غير الساحلية) اكتظاظاً بالسكان في العالم، تولي إثيوبيا أهمية قصوى لتأمين وصول موثوق إلى طرق التجارة البحرية، وذلك من خلال ترتيبات تحقق المنفعة المتبادلة مع الشركاء الإقليميين. ومن شأن هذا الوصول الموثوق إلى البحر أن يسهم في تخفيف القيود اللوجستية، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، وجذب الاستثمارات، وتوطيد اندماج إثيوبيا في الأسواق الإقليمية والعالمية. وتكتسي هذه القضية أيضاً أهمية إقليمية أوسع؛ إذ إن النمو الاقتصادي لإثيوبيا، وحجم سكانها، وموقعها في قلب منطقة القرن الأفريقي، يجعل من الربط البحري عاملاً مؤثراً في مجالات التجارة، وتطوير البنية التحتية، والتعاون الاقتصادي العابر للحدود. وبناءً عليه، يتقاطع سعي إثيوبيا للوصول إلى البحر مع أجندة وطنية أشمل تهدف إلى تعزيز المرونة الاقتصادية، وتنويع طرق التجارة، وبناء شراكات إقليمية قادرة على تحقيق ازدهار مشترك. طموح إثيوبيا البحري مرتبط باستقرار البحر الأحمر احتل سعي إثيوبيا لتأمين وصول موثوق إلى البحر مكانة بارزة في الأجندة الاستراتيجية لهذا الأسبوع، وهو ما يعكس المصالح الاقتصادية للبلاد، فضلاً عن الدور المحوري الذي يلعبه البحر الأحمر في التجارة والأمن على الصعيد العالمي. وبفضل موقعها الاستراتيجي، وإمكاناتها الاقتصادية، وسجلها الطويل في حفظ السلام، يمكن لإثيوبيا أن تسهم في تعزيز الأمن البحري الإقليمي وحماية طرق التجارة الحيوية، وذلك من خلال التعاون البنّاء مع الدول المطلة على البحر، والالتزام بالقانون الدولي، وإرساء ترتيبات تحقق المصالح المشتركة. إن تأمين الوصول إلى البحر، وتوطيد التعاون الإقليمي، وضمان استقرار البحر الأحمر، هي أولويات مترابطة من شأنها فتح آفاق جديدة للتجارة والاستثمار والازدهار المشترك في منطقة القرن الأفريقي. منتدى "تانا" يضع إثيوبيا في قلب الحوار الأفريقي حول السلم والأمن تستعد إثيوبيا لاستضافة النسخة الثانية عشرة من منتدى "تانا" رفيع المستوى حول السلم والأمن في أفريقيا، وذلك في مدينة بحر دار خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر/تشرين الأول. ويجمع المنتدى قادة أفارقة، وصنّاع سياسات، وباحثين، وخبراء في الشؤون الأمنية لمناقشة التحديات المتطورة التي تواجه السلم والأمن في القارة. ويحمل المنتدى هذا العام عنوان "مسارات نحو السلام في أفريقيا: السيادة الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية"، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن تحقيق سلام مستدام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالاستقلال الاقتصادي. وفي جميع أنحاء القارة، لا تزال النزاعات، وعدم الاستقرار السياسي، والتنافسات الخارجية، والهشاشة الاقتصادية تعقد الجهود الرامية إلى تحقيق سلام وتنمية مستدامين. ويوفر "منتدى تانا" فرصة لبحث سبل تعزيز الاستجابات التي تقودها الدول الأفريقية محلياً، وتعميق التعاون الإقليمي، ومواءمة استراتيجيات السلم والأمن مع أولويات التنمية في القارة. كما يسلط التركيز على "السيادة الاقتصادية" الضوء على أهمية حشد الموارد المحلية، وبناء اقتصادات مرنة، وضمان امتلاك الدول الأفريقية قدرة أكبر على صياغة القرارات التي تؤثر في مستقبلها. وبالنسبة لإثيوبيا، فإن استضافة هذا المنتدى تعزز دور أديس أبابا -والبلاد ككل- في الدبلوماسية القارية، وتوفر منصة إضافية لدفع الحوار حول الحلول التي يقودها الأفارقة لمواجهة التحديات المشتركة. نظرة مستقبلية: الربط بين الاستقرار الوطني والفرص الإقليمية تُظهر تطورات هذا الأسبوع الطبيعة المترابطة للأولويات الداخلية لإثيوبيا وطموحاتها الدولية. فالإدارة المؤقتة في إقليم تيغراي تضع قضايا السلام، والتعافي المؤسسي، واستعادة الخدمات العامة في صلب التحديات الداخلية للبلاد. وفي الوقت ذاته، تعكس الدبلوماسية الاقتصادية -كما تجلى في التحركات في بانكوك- سعياً لتحويل التقدم المحرز في الإصلاحات وإعادة هيكلة الديون إلى استثمارات جديدة وتمويل للتنمية. كما تعكس المحادثات الهاتفية رفيعة المستوى والإحاطات العسكرية استمرار التفاعل مع الشركاء الدوليين حول القضايا الدبلوماسية والأمنية. وفي الوقت نفسه، تبرز مناسبات مثل "يوم العلم الوطني"، والاستثمارات في القدرات الأرصادية، والتحضيرات لـ "منتدى تانا"؛ أهمية التماسك الوطني، والتحديث التكنولوجي، وتبني نهج أفريقي في معالجة قضايا السلام والتنمية. ويضيف سعي إثيوبيا للحصول على منفذ سيادي إلى البحر بُعداً استراتيجياً طويل الأمد لهذه الأجندة، حيث يربط بين التنافسية الاقتصادية والترابط الإقليمي واستقرار منطقة البحر الأحمر. وخلاصة القول، تشير هذه الأولويات إلى هدف وطني أوسع، يتمثل في: ترسيخ الاستقرار الداخلي، وحشد الموارد من أجل تنمية شاملة، وبناء شراكات دولية تخدم مصالح إثيوبيا وتساهم في الوقت ذاته في تعزيز التعاون الإقليمي.
لماذا تُعد عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر مكسباً لا غنى عنه للسلام والاستقرار الإقليميين؟
Oct 18, 2026 905
بقلم: أمباي وريتاو 18 أكتوبر 2026 (إينا) تمتلك إثيوبيا تاريخاً طويلاً من المساهمة في بعثات حفظ السلام على المستويات الإقليمية والقارية والدولية، انطلاقاً من التزامها بالأمن الجماعي، ومبادئ الوحدة الأفريقية، والاستقرار الإقليمي. ويمثل سعيها للحصول على منفذ بحري موثوق فرصةً لتوسيع هذا الدور، من خلال المساهمة في الأمن البحري، وحماية التجارة الدولية، وتعزيز سلام دائم في منطقة البحر الأحمر. وبحكم موقعها في قلب القرن الأفريقي، تمتلك إثيوبيا موارد بشرية هائلة، وإمكانات اقتصادية، وقدرات أمنية يمكن أن تسهم في حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم. ومن خلال الانخراط الإقليمي البنّاء، والشراكات المؤسسية، والتعاون الفعّال في مجال الأمن البحري، تستطيع إثيوبيا المساعدة في معالجة التحديات الأمنية المشتركة، مع تعزيز الأمن الجماعي، والتكامل الاقتصادي، والازدهار الإقليمي. ولا تقتصر المساهمة المحتملة لإثيوبيا على حماية مصالحها الاقتصادية فحسب؛ إذ يمكن لمشاركتها في المبادرات البحرية الإقليمية أن تدعم جهود مكافحة الاتجار غير المشروع، وردع التهديدات البحرية، وحماية الملاحة التجارية، وتحسين التنسيق بين الأطراف الفاعلة في المنطقة. علاوة على ذلك، يمكن لهذا الانخراط البحري أن يعزز القدرات الإقليمية على الاستجابة للتهديدات الناشئة، ويسهم في بناء هيكل أمني أكثر تنسيقاً. التكامل الإقليمي أكد جيزاشيو أسرات، رئيس هيئة الأركان والباحث الأول في شؤون القرن الأفريقي بمعهد الشؤون الخارجية (IFA)، في مقابلة حصرية أجرتها معه وكالة الأنباء الإثيوبية مؤخراً، على الأهمية الاستراتيجية لسعي إثيوبيا نحو الحصول على منفذ بحري موثوق وسيادي، رابطاً هذه المسألة بالسلام الإقليمي، والتكامل، والأمن الجماعي. وأكد قائلاً: "إن عودة إثيوبيا إلى منفذ بحري موثوق تُعد أمراً حيوياً للسلام، والتكامل الإقليمي، والأمن الجماعي في منطقة القرن الأفريقي وما وراءها". وباعتبارها واحدة من أكثر الدول الأفريقية اكتظاظاً بالسكان وفاعلاً اقتصادياً رئيسياً في القرن الأفريقي، فإن لإثيوبيا مصلحة جوهرية في أمن وكفاءة طرق التجارة البحرية الإقليمية. ومن شأن الوصول الموثوق إلى هذه الطرق أن يعزز القدرة التنافسية التجارية، ويقوي الروابط الإقليمية، ويدعم مرونة الاقتصادات المترابطة. كما شدد جيزاشيو على ضرورة النظر إلى مشاركة إثيوبيا في المبادرات البحرية الإقليمية باعتبارها فرصة للمنطقة ككل. قال: «إن إشراك إثيوبيا في منصة البحر الأحمر يُعد مكسباً للمنطقة»، مؤكداً على أهمية التعاون والشراكة في مواجهة التحديات المشتركة. ويشير تقييمه إلى الفوائد المحتملة لنهج إقليمي تتكامل فيه الثقل الاقتصادي والقدرات المؤسسية لإثيوبيا مع جهود الدول المجاورة لتأمين الممرات البحرية وتعزيز التكامل الإقليمي. التعاون الأمني لا تقتصر المساهمة المحتملة لإثيوبيا في الأمن البحري على موقعها الاستراتيجي فحسب، بل تمتد لتشمل مواردها البشرية، وقدراتها الأمنية، وإمكاناتها الاقتصادية. ويمكن لهذه المقومات أن تدعم المبادرات الإقليمية الرامية إلى حماية الملاحة التجارية، وتحسين تبادل المعلومات، وتعزيز الاستجابة للتهديدات العابرة للحدود. وكما أوضح "غيذاتشو"، فإن ما تمتلكه إثيوبيا من "موارد بشرية، وقدرات عملياتية أمنية قوية، وإمكانات اقتصادية واعدة ونمو متزايد، سيشكل إضافة نوعية لأطر التعاون الإقليمي المعنية بالربط البحري والقضايا الأمنية التي تُدار على أساس الشراكة". وتسعى إثيوبيا إلى تحويل هذه القدرات إلى مساهمات عملية من خلال الحوار المستمر، والتعاون المؤسسي، والترتيبات المشتركة. ومن خلال مواءمة أولوياتها الوطنية مع الأهداف الإقليمية المشتركة، يمكن لإثيوبيا أن تسهم في تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري وبناء الثقة بين الدول المجاورة. كما يمكن لهذا الانخراط أن يشجع على تنسيق أوثق بين المؤسسات المعنية بالأمن البحري والمبادرات الاقتصادية الإقليمية. فالتنسيق في تبادل المعلومات، ومنع الأنشطة غير المشروعة، وحماية الملاحة التجارية، من شأنه أن يساعد في مواجهة التهديدات المشتركة بفعالية أكبر مقارنة بالجهود الوطنية المنفردة. الربط البحري تتجاوز الأهمية الاستراتيجية للانخراط البحري المتجدد لإثيوبيا مجرد مسارات الشحن والبنية التحتية للموانئ؛ فهي تتعلق أيضاً بالتحدي الأوسع المتمثل في تجاوز حالة انعدام الأمن المزمنة، وتحسين الربط الإقليمي، وإرساء نظام أكثر تعاوناً في منطقة القرن الأفريقي. فعلى مدى عقود، أدت الفجوات في البنية التحتية، والنزاعات المتكررة، وشبكات النقل المشتتة، إلى تقييد الإمكانات الاقتصادية للمنطقة. ومن شأن تحسين الربط البحري -مدعوماً بترتيبات وصول موثوقة وتخطيط إقليمي منسق- أن يساعد في تقليل هذه العوائق، وتسهيل التجارة، وتعزيز الترابط الاقتصادي. وبالنسبة لإثيوبيا، يرتبط الوصول الموثوق إلى طرق التجارة البحرية ارتباطاً وثيقاً بالمرونة الاقتصادية، والقدرة التنافسية للصادرات، والاندماج في الأسواق العالمية. أما بالنسبة للدول المجاورة، فقد تفتح روابط النقل والتجارة الأقوى آفاقاً للاستثمار، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتوسيع نطاق التبادل التجاري. وعليه، فإن سعي إثيوبيا للوصول إلى ممرات البحر الأحمر وخليج عدن يحمل أبعاداً وطنية وإقليمية على حد سواء. وإذا ما تم تحقيق ذلك من خلال المفاوضات السلمية، والاتفاقيات التي تحقق المنفعة المتبادلة، واحترام القانون الدولي، فإنه قد يشكل رافداً للجهود الأوسع الرامية إلى بناء منطقة قرن أفريقي أكثر أمناً وترابطاً وازدهاراً. التجارة العالمية تكتسي مسألة أمن البحر الأحمر أهمية دولية بالغة؛ نظراً لكون هذا الممر يربط بين مسارات تجارية رئيسية تصل بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. يمكن للاضطرابات أن تؤدي إلى تأخير الشحنات، وزيادة تكاليف النقل، والتأثير على أسواق الطاقة، وفرض ضغوط إضافية على الاقتصادات التي تعتمد على تدفقات تجارية يمكن التنبؤ بها. كما أن عدم الاستقرار على طول هذه المسارات قد يعرض السفن التجارية والبحارة لتهديدات أمنية، مما يؤكد الحاجة إلى تنسيق فعال بين الأطراف المعنية على المستويين الإقليمي والدولي. ويمكن لمشاركة إثيوبيا البنّاءة أن توسع القاعدة الاقتصادية والمؤسسية للتعاون الأمني الإقليمي؛ إذ من شأن مواردها البشرية وإمكاناتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي أن تشكل إضافة للمبادرات القائمة، شريطة أن تتم هذه المشاركة من خلال آليات إقليمية ملائمة وترتيبات متفق عليها بين الأطراف. ويبرز تقييم "غيذاتشيو أسرات" فرصة جوهرية؛ فمشاركة إثيوبيا في الإطار الأمني للبحر الأحمر قد تعود بالنفع على المنطقة الأوسع، إذا ما تأسست على الشراكة والمصلحة المتبادلة والالتزام المشترك بتحقيق الاستقرار. إن تبني نهج أكثر شمولاً للأمن البحري من شأنه أن يساعد دول المنطقة على تنسيق استجاباتها للتهديدات المشتركة، مع تعزيز الروابط بين الأمن والتجارة والتنمية الاقتصادية. ونظراً للأهمية الدولية لهذا الممر، فإن فوائد هذا التعاون قد تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من منطقة القرن الأفريقي. فرصة استراتيجية ينبع سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري موثوق من رغبتها في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتعزيز المرونة الوطنية، وتوطيد اندماجها في شبكات التجارة الإقليمية والعالمية. وفي الوقت ذاته، يمثل هذا المسعى فرصة لتعميق مساهمة إثيوبيا في ترسيخ السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر على نطاق أوسع. وبفضل مواردها البشرية الضخمة، وإمكاناتها الاقتصادية، وموقعها الاستراتيجي، تستطيع إثيوبيا أداء دور بنّاء في حماية التجارة البحرية، وتعزيز التعاون الإقليمي، ومواجهة التهديدات الأمنية المشتركة. ولتحقيق هذه الإمكانات، تواصل إثيوبيا انتهاج دبلوماسية مستمرة، وبناء شراكات مؤسسية عملية، والتوصل إلى ترتيبات تخدم المصالح المشروعة لجميع الأطراف. وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون تطلعات إثيوبيا البحرية وأمن البحر الأحمر أولويتين متنافستين؛ إذ يمكن -من خلال الانخراط السلمي وتحقيق المنفعة المتبادلة- أن يصبح السعي نحو منفذ بحري موثوق جزءاً من جهد إقليمي أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وبناء منطقة قرن أفريقي أكثر تكاملاً وازدهاراً.
العقيدة الاستراتيجية المصرية في باب المندب ومحور أسمرة بوصفه نظاماً بالوكالة
Oct 17, 2026 493
بقلم: برونو جومبا 17 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية) على مدى أكثر من قرن، اتسمت سياسة القاهرة تجاه القرن الأفريقي والمياه الاستراتيجية في مضيق باب المندب بعقيدة أمنية واحدة تقوم على مبدأ المحصلة الصفرية، وتتمثل في السيطرة الكاملة على حوض النيل والهيمنة المطلقة على الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. ويُدرج إطار الأمن القومي المصري كلاً من نهر النيل والممر البحري الرابط بين قناة السويس وباب المندب صراحةً ضمن القضايا الأمنية، إذ يتعامل مع أي تنمية مستقلة على امتداد هذين الشريانين الحيويين باعتبارها تحدياً مباشراً لهيمنته. وفي ظل هذه الرؤية الاستراتيجية، لا يُنظر إلى إثيوبيا القوية والموحدة والمزدهرة اقتصادياً، باعتبارها المرتكز الجغرافي الطبيعي لشرق أفريقيا، بوصفها شريكاً في تحقيق النمو المشترك، بل باعتبارها تهديداً وجودياً. ولمنع إثيوبيا من تحقيق إمكاناتها الحقيقية وترسيخ موقعها الطبيعي على امتداد الممر البحري للبحر الأحمر وباب المندب، سعت مصر باستمرار إلى نقل حالة عدم الاستقرار إلى الأراضي الإثيوبية. وسواء أكان ذلك من خلال دعم الحركات المسلحة الانفصالية، أم استغلال الانقسامات الداخلية، أم مساندة العناصر المناهضة للدولة في مراحل مختلفة، فقد ظلت استراتيجية القاهرة في القرن الأفريقي دون تغيير: إبقاء إثيوبيا منشغلة بشؤونها الداخلية، ومستنزفة في أزماتها المحلية، ومحرومة من الوصول البحري الذي يضمن سيادتها. محور أسمرة: نظام بالوكالة صُمم لتطويق إثيوبيا يجب فهم استمرار نظام شعبية في إريتريا ضمن إطار جيوسياسي أوسع. ففي الحقبة الاستعمارية، خاض الوطنيون الإريتريون نضالاً بطولياً ضد الاحتلال الإيطالي الفاشي، والتفوا حول شعار «إثيوبيا أو الموت»، وهو ما يجسد رغبتهم في الوحدة والاستقلال. فماذا حدث بعد انفصال إريتريا عن إثيوبيا؟ في الواقع، لم يكن صعود شعبية في القاهرة مجرد تطور داخلي، بل خطوة جيوسياسية مدروسة استهدفت إضعاف إثيوبيا. ففي منتصف القرن العشرين، وبينما كانت إثيوبيا تؤكد سيادتها ونفوذها الإقليمي، ولا سيما فيما يتعلق بمنابع النيل الحيوية، سعت مصر إلى بسط سيطرتها على الممر البحري للبحر الأحمر ومواجهة الدور الإقليمي المتنامي لإثيوبيا. ومن خلال توفير الملاذ الآمن والدعم المالي والبنية الدبلوماسية للجماعات السياسية والطلاب المنفيين في القاهرة، أسهمت مصر فعلياً في إنشاء قاعدة سياسية حوّلت المظالم الداخلية إلى تمرد مسلح تدعمه أطراف خارجية. كما عملت وسائل إعلام مدعومة من الدولة، من بينها البث الإذاعي من القاهرة، على نشر الروايات الانفصالية في عمق شمال إثيوبيا، مما أجج الانقسامات وأضعف الوحدة الوطنية. وأفضت هذه الاستراتيجية إلى صراع طويل الأمد استمر عقوداً، واستنزف الموارد البشرية والمادية لإثيوبيا، وأسهم عمداً في تفتيت نسيجها الوطني وصرف اهتمامها عن التنمية طويلة الأجل والاضطلاع بدور قيادي في المنطقة. وحتى بعد انفصال إريتريا عن إثيوبيا، لم يوجه نظام شعبية موارده نحو تطوير البنية التحتية أو تعزيز التنمية الاقتصادية أو تحسين رفاه المواطنين، بل حوّل النظام في أسمرة الدولة إلى أداة لزعزعة الاستقرار الإقليمي. وقد صاغ المحور المدعوم من القاهرة استراتيجية جيوسياسية تهدف إلى قطع صلة إثيوبيا نهائياً بسواحلها التاريخية في عصب ومصوع. ومنذ نشأته، عمل النظام الإريتري مركزاً استراتيجياً للمصالح الخارجية التي تسعى إلى إبقاء إثيوبيا دولة حبيسة، وضعيفة أمام التهديدات، ومقيدة اقتصادياً. ويكشف سجل النظام في أنحاء القرن الأفريقي الكثير عن طبيعة هذا الدور؛ إذ أثار اشتباكات مسلحة مع اليمن، وخاض نزاعات حدودية مع جيبوتي، وشن حروباً مدمرة ضد إثيوبيا، وتدخل مراراً في الشؤون الداخلية للسودان والصومال. العدوان الخارجي في السودان والإفلات الإقليمي من المساءلة تتجلى اليوم بوضوح العواقب الفعلية لهذا التدخل العدواني في مختلف أنحاء المنطقة. ففي السودان، حيث تعاني البلاد من صراع داخلي مدمر، بلغ التدخل الخارجي مستويات مثيرة للقلق. وتُظهر الضربات العسكرية المصرية الأخيرة التي استهدفت منقبين تقليديين عن الذهب من المدنيين في السودان، ونُفذت دون مراعاة لحياة البشر، استخفافاً خطيراً بالأعراف الدولية وسيادة دول المنطقة. إن شعور السلطات السودانية، المنغمسة في صراع يهدد وجودها، بأنها مضطرة إلى ضبط النفس بدلاً من التصدي لهذه الانتهاكات بحزم، يكشف مدى استغلال مصر مواطن الضعف الإقليمية لبسط نفوذها دون مساءلة. ومن وادي النيل إلى ساحل البحر الأحمر، لا يزال التدخل الخارجي يؤخر إحلال السلام ويمزق النسيج الاجتماعي للقرن الأفريقي. التكلفة الاقتصادية الباهظة لفرض العزلة البحرية تتمثل أخطر عواقب سياسة الاحتواء الجيوسياسي هذه في حرمان إثيوبيا بصورة مصطنعة من الوصول إلى البحر، وتحويل دولة عريقة يناهز عدد سكانها 135 مليون نسمة إلى أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان. ولا يزال فقدان إثيوبيا منفذها إلى البحر الأحمر بعد عام 1991 يمثل خيانة لا تُغتفر لسيادتها. فقد وافقت إدارة انتقالية غير منتخبة، تفتقر إلى التفويض الشعبي والسلطة الدستورية، من جانب واحد على انفصال إريتريا والتخلي عن موانئ حيوية مثل عصب، دون الرجوع إلى الشعب الإثيوبي. وبإقرارها ذلك الاستفتاء، مع حرمان الأمة من إبداء رأيها، نزعت هذه العملية المتسرعة وغير القانونية عن دولة ذات مكانة تاريخية سواحلها البحرية دون اتباع الإجراءات القانونية الواجبة، تاركةً أكثر من 135 مليون إثيوبي في دولة حبيسة تعتمد على الموانئ الأجنبية. وفي كل عام، تضطر إثيوبيا إلى تحويل مليارات الدولارات من خزينتها الوطنية لدفع رسوم الموانئ الأجنبية وخدمات العبور. ويؤدي هذا الاستنزاف المالي الضخم إلى حرمان البلاد من رأس المال الذي كان ينبغي توجيهه إلى بناء المستشفيات الحديثة، وتوسيع الجامعات، وإنشاء المناطق الصناعية، وتحديث الزراعة. كما تثقل تكاليف الخدمات اللوجستية المرتفعة كاهل المنتجين المحليين، وتقلل القدرة التنافسية للصادرات الإثيوبية في الأسواق العالمية، وتجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية التي تصيب سلاسل الإمداد. ولو لم تُعزل إثيوبيا بصورة منهجية عن منافذها البحرية، لأُعيد استثمار تلك المليارات من الدولارات مباشرة في التنمية المحلية، مما كان سيحولها إلى قوة اقتصادية أكبر بكثير، ويسهم في الارتقاء بالقرن الأفريقي بأكمله. عقيدة إثيوبيا ذات المنفذين المائيين من أجل تأمين مستقبلها وضمان الاستقرار الإقليمي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر وممر باب المندب، تتمسك إثيوبيا بقوة بعقيدتها الأساسية القائمة على المنفذين المائيين: أولاً، تؤكد إثيوبيا حقها المطلق في الانتفاع العادل بمياه النيل الأزرق. وتمثل مشروعات مثل سد النهضة انتصاراً للاعتماد على الذات، إذ صُممت لتوليد الطاقة الكهرومائية النظيفة، ودعم التصنيع الإقليمي، وانتشال ملايين الأشخاص من براثن الفقر، دون الإضرار بدول المصب. ثانياً، تتمسك إثيوبيا بضرورة ضمان وصول مباشر وموثوق وسيادي إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب. فالوصول السيادي إلى البحر ليس ترفاً، بل ضرورة أساسية للدفاع الوطني والنمو الاقتصادي والتكامل الإقليمي. ولا يمكن مطالبة دولة ذات سيادة يزيد عدد سكانها على 135 مليون نسمة بقبول العزل البحري الدائم أو التخلي عن حقوقها الجغرافية الطبيعية. قرن أفريقي مسالم ترتكز دعائمه على إثيوبيا على الرغم من عقود من التدخل الخارجي والعدوان عبر الوكلاء ومحاولات التطويق المتعمدة، لا تزال إثيوبيا تمثل الدولة المحورية الصامدة في شرق أفريقيا. ويجب ألا يُترك مستقبل القرن الأفريقي والبحر الأحمر ومضيق باب المندب الاستراتيجي رهينة للتخريب الخارجي أو العقائد العسكرية القائمة على مبدأ المحصلة الصفرية. وتتقاسم شعوب إثيوبيا والسودان وإريتريا والصومال وجيبوتي تاريخاً وثقافات ومصائر متشابكة. فعندما تزدهر إثيوبيا، تستفيد المنطقة بأكملها من خلال شبكات الطاقة النظيفة المشتركة، وممرات التجارة العابرة للحدود، والتعاون الأمني الجماعي. إن القرن الأفريقي يستحق سلاماً دائماً، وسيادةً لا تنتقص، وتنميةً مستدامة. وتشكّل إثيوبيا القوية والآمنة، التي تضمن الوصول إلى البحر، المفتاح لفتح الطريق أمام هذا المستقبل المزدهر.
من سيناء إلى النيل: لا يمكن لمصر أن تطالب إسرائيل بالسلام بينما تهدد إثيوبيا بالحرب
Oct 16, 2026 547
بقلم: البروفيسور المريام (أستاذ فخري ومحامٍ) 16 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية) (ما ينطبق على طرف يجب أن ينطبق على الطرف الآخر). في 14 أكتوبر 2026، رد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على تحذيرات أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، مفادها أن مصر ستفقد شبه جزيرة سيناء إذا هاجمت إسرائيل. وأكد السيسي أن بلاده كافحت من أجل أرضها، وأنها لا تعتزم ضم أي أراضٍ، وأنها لا تريد سوى الأمن والاستقرار. ويستند تصريح السيسي إلى مبدأ دبلوماسي سليم، مفاده أن الدول لا تحتاج إلى تهديد سيادة دولة أخرى وسلامة أراضيها من أجل الدفاع عن مصالحها الخاصة وسلامة أراضيها وأمنها. لم توجه إثيوبيا قط أي تهديد من أي نوع باحتلال الأراضي المصرية أو مهاجمتها. ويُعد بناء سد النهضة وتشغيله على النيل الأزرق مشروعاً تنموياً إثيوبياً اكتمل في سبتمبر 2025 بفضل دماء الإثيوبيين وعرقهم وتضحياتهم. وينحصر الخلاف حول سد النهضة في مسألة ملء السد وتشغيله، والأمن المائي لدول المصب، وغياب اتفاق مشترك للتعاون، وليس في أي مطالبة إثيوبية بأراضٍ مصرية. لم تنكر إثيوبيا قط حق مصر في مياه نهر النيل بموجب القانون الدولي. كما تتمتع إثيوبيا بحق سيادي لا جدال فيه في تنمية مواردها المائية وتوليد الطاقة الكهرومائية لاقتصادها، بما يتفق مع اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، التي تلزم الدول المتشاطئة بالاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة، مع عدم التسبب في ضرر ذي شأن للدول الأخرى. وعلى غرار الرسالة التي وجهها السيسي إلى إسرائيل، ينبغي له أن يوجه رسالة مماثلة إلى إثيوبيا بشأن التعايش السلمي، قائلاً: «مصر لا تريد الحرب مع إثيوبيا. وليس لمصر أي أطماع إقليمية في إثيوبيا. تحترم مصر سيادة إثيوبيا، وتتوقع المعاملة بالمثل من إثيوبيا. ولا تدعم مصر، ولن تدعم، أي جماعات إرهابية أو دولاً ترعى جماعات إرهابية لارتكاب أعمال إرهابية في إثيوبيا، أو تزويدها سراً بالأسلحة وغيرها من المعدات العسكرية تحت جنح الليل أو بأي وسيلة أخرى. ويجب تسوية الخلافات بين البلدين من خلال المفاوضات والقانون الدولي والتعاون التكنولوجي والضمانات الأمنية المتبادلة». وفي الواقع، ينبغي أن يكون هذا هو المعيار الذي تتعامل مصر بموجبه مع إسرائيل وإثيوبيا وجميع الدول الأخرى في القرن الأفريقي. وينبغي تسليط الضوء على ثلاثة مبادئ وردت في تصريح الرئيس السيسي. أولاً، يرى أن سيناء أرض مصرية، وأنه ينبغي الحفاظ على سلامة أراضيها. وثانياً، يؤكد أن مصر تريد الدفاع عن أراضيها، لا ضم أراضي الآخرين. وثالثاً، فإن الأمن القومي المصري لا يتطلب المساس بسيادة دولة أخرى. وتنطبق هذه المبادئ الثلاثة على إثيوبيا بالقدر نفسه. لا يمكن لمصر أن تصر بصورة منطقية على احترام إسرائيل للأراضي المصرية، بينما تعتبر تنمية إثيوبيا لمواردها من خلال بناء سد على أراضيها تهديداً يبرر اتخاذ إجراءات عسكرية قسرية. وقد أعلنت إثيوبيا مراراً وتكراراً، وعلى الملأ، استعدادها لمراعاة المخاوف المصرية المشروعة بشأن الأمن المائي لدول المصب، من خلال مفاوضات سلمية تقوم على روح الأخوة والاحترام المتبادل والترتيبات القانونية الملزمة التي تحمي المصالح المشروعة لإثيوبيا والسودان ومصر. ولا تنكر إثيوبيا أن مياه النيل ضرورية للزراعة المصرية، وإمدادات مياه الشرب، والصناعة، والاقتصاد الوطني. لكن الحقيقة تظل أن مصر تعتمد اعتماداً كبيراً على نهر النيل، في حين تمثل إثيوبيا المصدر الرئيسي لمنابع النيل الأزرق؛ إذ تنبع 86 في المئة من مياه النيل من إثيوبيا. ولا تمنح المخاوف الأمنية المصرية مصر حق النقض على التنمية الإثيوبية. وتؤكد هذه الحقائق الجغرافية وجود حاجة مشتركة إلى التعاون الاقتصادي، لا حقاً حصرياً لمصر في تحديد كيفية تنمية إثيوبيا لمواردها المائية. ويمثل سد النهضة مصدراً للطاقة التي تحتاج إليها إثيوبيا لإنتاج الكهرباء ودفع عجلة تنميتها الاقتصادية. ويمكن معالجة المخاوف الرئيسية بشأن تأثير السد في توقيت تصريف المياه من خزانه خلال فترات الجفاف من خلال عملية شفافة لتبادل المعلومات، والتنسيق في تشغيل السد، وتطبيق نظام صارم لسلامة السدود، وإنشاء نظام مشترك لإدارة الجفاف. وفي يناير 2020، حُددت مجالات معينة للتوافق في بيان مشترك صدر عن مصر وإثيوبيا والسودان والولايات المتحدة والبنك الدولي، شملت الملء المرحلي للخزان، وإدارة الجفاف، والتشغيل طويل الأجل للسد، والتنسيق، وتبادل المعلومات، وتسوية النزاعات. المشكلة تكمن في التنفيذ. فقد كانت مصر عائقاً رئيسياً أمام هذه العملية. وتتمسك مصر بصورة مفرطة بنهج يقوم على التشهير بإثيوبيا وإلقاء اللوم عليها، كما لا تزال أسيرة اتفاقيات الحقبة الاستعمارية المتقادمة. ونادراً ما يمر أسبوع دون أن تطلق مصر حملة إعلامية لتشويه صورة إثيوبيا. وقد استخدمت مصر شعار «الإجراءات الأحادية» ضد إثيوبيا، متهمة إياها بتجاهل مصالح دول المصب وانتهاك القانون والمعايير الدولية. وتواصل إثيوبيا التمسك بموقفها المتمثل في تأكيد حقها في التنمية وضمان الاعتراف بحقها المشروع في استخدام الموارد المائية المشتركة. ويوفر إعلان المبادئ لعام 2015 بين إثيوبيا ومصر والسودان، إلى جانب مبادئ القانون الدولي للمجاري المائية، إطاراً للحل. وتتمثل المبادئ التي ينص عليها الإعلان والقانون المتعلق بالمجاري المائية في إمكانية استخدام مياه النيل بصورة عادلة ومعقولة، من خلال التعاون وبذل العناية الواجبة لتجنب إلحاق الضرر بالدول الأخرى. والنقطة المهمة هنا هي أن حق دولة المصب في الأمن المائي لا يعادل حقاً مطلقاً في التحكم في الموارد المائية لدول المنبع. وفي المقابل، لا تعني سيادة دول المنبع أنه يجوز تجاهل الآثار المترتبة على دول المصب. ويتمثل السبيل للخروج من هذا الجمود في التفاوض على قواعد عملية تستند إلى الأدلة وتقوم على المعاملة بالمثل. إن التهديدات المصرية والتلويح بالحرب ضد إثيوبيا بسبب نهر النيل يجعلان الدعوة إلى تبني مصر نهجاً سلمياً تجاه إثيوبيا أمراً يستند إلى وقائع، وليس إلى التكهنات أو التخمينات. فهناك تاريخ طويل وموثق من الخطاب المصري الذي يتضمن التحذيرات بشأن الخيارات العسكرية والإشارات العسكرية الإقليمية المرتبطة بالنزاع حول النيل. ومن المهم التمييز بين التهديد والتصريح السياسي والقرار الفعلي باستخدام القوة. ويبين السجل التاريخي أسباباً تدعو إثيوبيا إلى التعامل بجدية مع الخطاب المصري العدائي المتواصل. ففي عام 1979، حذر الرئيس المصري أنور السادات من أن مصر لن تقبل بصورة سلبية أي تهديد لإمداداتها المائية. وأعلن بلهجة حادة: «إذا اتخذت إثيوبيا أي إجراء لمنعنا من حقنا في مياه النيل، فلن يكون أمامنا بديل سوى استخدام القوة». وفي عام 2013، أعلن الرئيس محمد مرسي، خلال اجتماع متلفز، أن مصر ستدعم القوات المسلحة في إثيوبيا، بل وستهاجم السد أيضاً. وخلال السنوات السبع الماضية، حذر الرئيس السيسي من أن المساس بالأمن المائي المصري المرتبط بالنيل يمثل خطاً أحمر، وأن تداعيات ذلك ستطال المنطقة بأسرها. ولتجنب الظهور بمظهر شديد العدوانية، دأب السيسي أيضاً على تبني خطاب مزدوج، إذ أعلن تفضيله الدبلوماسية على استخدام القوة العسكرية، وأكد أن مصر تعترف بحق إثيوبيا في إنتاج الكهرباء، شريطة الحفاظ على أمنها المائي. لكن استخدام القوة العسكرية المصرية ضد إثيوبيا ليس خياراً مقبولاً. وينبغي أن تكون الهزائم التي تكبدتها مصر عندما غزت قواتها إثيوبيا في القرن التاسع عشر درساً لها في عدم اللجوء إلى القوة العسكرية. فقد شنت القوات العسكرية المصرية في الماضي حملات لتوسيع النفوذ المصري في القرن الأفريقي، بما يشمل البحر الأحمر والمرتفعات الإثيوبية. ويعلمنا التاريخ أن العمل العسكري ضد إثيوبيا لن يجعل مصر الدولة المهيمنة، ولن يضمن لها حقاً حصرياً في مياه النيل، ولن يحل الخلافات بين البلدين بما يحقق سلاماً دائماً. وقد شن الخديوي إسماعيل باشا غزوات عسكرية على الإمبراطورية الإثيوبية في عامي 1874 و1876، بهدف السيطرة على حوض نهر النيل بأكمله وإنشاء إمبراطورية في أفريقيا. وفي معركة قونديت عام 1875، سحقت القوات الإثيوبية القوات المصرية. وأشار أحد الباحثين المعروفين إلى أن «الجيوش المصرية، التي قادها في كثير من الأحيان ضباط أوروبيون وأمريكيون، هُزمت وأُبيدت عملياً على أيدي القوات الإثيوبية بقيادة الإمبراطور يوحنس في مناسبات عدة». وفي معركة قُرَع عام 1876، هزمت القوات الإثيوبية القوات المصرية الغازية هزيمة ساحقة. وذكر أحد الباحثين أن «معركة غورا، التي وقعت بعد ستة أشهر من معركة قونديت، تؤكد التفوق في قدرات الجيش الإثيوبي». وأشار باحث آخر إلى أن «يوحنس واجه المصريين في حماسين، وهزمهم هزيمة حاسمة في معركة غورا التي استمرت ثلاثة أيام، من 7 إلى 9 مارس 1876». وفي معركة عدوة ضد إيطاليا الاستعمارية، التي وقعت في الأول من مارس 1896، سحقت إثيوبيا جيشاً أوروبياً حديثاً ومدججاً بالأسلحة خلال ساعات قليلة. وكتب مؤرخ معاصر يحظى بتقدير كبير: «على خلاف حملة نابليون في روسيا، انتهت حملة عدوة بالنصر. هذه هي العظمة». والدرس التاريخي المستفاد هنا هو أنه لا يمكن اعتبار إثيوبيا دولة تستسلم لأعدائها بسبب التفوق العسكري لهم. فامتلاك المعدات العسكرية المتفوقة لا يضمن تحقيق الأهداف الاستراتيجية. ولم تنجح الغزوات التي شنتها مصر ضد إثيوبيا في القرن التاسع عشر، وستكون النتيجة ذاتها في أي حرب جديدة تُشن ضد إثيوبيا. وليس من المبالغة عقد مقارنة بين حروب إسرائيل مع مصر والحملات المصرية ضد إثيوبيا في القرن التاسع عشر. ففي حرب الأيام الستة في يونيو 1967، هُزمت مصر أمام إسرائيل وحلفائها العرب. وانهار الجيش المصري في سيناء، وتمكنت إسرائيل من السيطرة على شبه جزيرة سيناء. وخلال حرب أكتوبر عام 1973، حققت مصر انتصارات أولية عندما عبرت قناة السويس واخترقت الدفاعات الإسرائيلية في سيناء. لكن إسرائيل ردت بعبور قناة السويس ومحاصرة الجيش المصري الثالث. وفي نهاية المطاف، استعادت مصر سيناء عبر الدبلوماسية، عقب توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979، عندما انسحبت إسرائيل من سيناء عام 1982. وتتمثل الأهمية الاستراتيجية والتداعيات السياسية لهذه الحرب في أنها أتاحت لمصر استعادة سيناء من خلال الدبلوماسية واتفاق السلام لعام 1979. وفي النزاع حول النيل، يتمثل الدرس الذي ينبغي لمصر استخلاصه في أن تاريخها نفسه يثبت جدوى الانتقال من المواجهة العسكرية إلى الحلول الدبلوماسية. فقد استعادت مصر سيناء من خلال الدبلوماسية واتفاقية سلام، بعد خوضها بعض العمليات العسكرية. ولا تحتاج مصر إلى البقاء في حالة حرب مستمرة مع إسرائيل. إن العمل العسكري ضد إثيوبيا لن يؤدي إلى فرض الهيمنة المصرية على النيل، ولن يضمن سلامة إمدادات المياه المصرية، ولن يجبر إثيوبيا على التحول إلى دولة تابعة للاستعمار أو خاضعة للنفوذ المصري. وبدلاً من التهديد بالحرب ومهاجمة إثيوبيا، ينبغي للرئيس السيسي أن يبعث برسالة قوية إلى إثيوبيا ودول حوض النيل تؤكد التعايش السلمي والازدهار من خلال الاستخدام العادل لمياه النيل. وينبغي لمصر، في الواقع، أن توقع الاتفاقية الإطارية الشاملة، التي تنشئ إطاراً مؤسسياً لتنسيق إدارة حوض النيل وتنميته على نطاقه الكامل. لا ينبغي أن يكون نهر النيل عقبة بين إثيوبيا ومصر، بل يجب أن يصبح حلقة وصل بين البلدين. فبما أن البلدين تجمعهما عوامل مشتركة عديدة، من بينها تاريخ النهر والمصالح الاقتصادية، ينبغي لهما أن يتكاتفا لتحويل مياه النيل إلى محرك للسلام والازدهار. لن ترهب مصر إثيوبيا عسكرياً، ولن تهددها، فيما يتعلق باستخدامها المشروع لمياه النيل. وبالتأكيد، لا تنوي إثيوبيا ولا ترغب في تهديد مصر أو زعزعة استقرارها، أو استخدام الوسائل العسكرية لفرض الطريقة التي تطور بها مصر نفسها. وتُظهر أحداث قونديت وغورا أن إثيوبيا لن ترضخ للترهيب وتتخلى عن سيادتها. كما تبين الأحداث المرتبطة بالحرب العربية الإسرائيلية أن النصر والهزيمة في ساحة المعركة لا يؤديان بالضرورة إلى حل المشكلات السياسية القائمة. وتؤكد استعادة سيناء فوائد الدبلوماسية والاتفاقيات. إن النصر الحقيقي هو الذي يحافظ على السلام وسيادة الدولة. ويشير تاريخ الإثيوبيين إلى أنهم كانوا دائماً أقوياء ومتحدين في الدفاع عن وطنهم. وسواء في معركتي قونديت وغورا أو في معركة عدوة، أظهر الشعب الإثيوبي قدرته على تنظيم قواته واستغلال التضاريس الوعرة لصد أعدائه. كما يقدم الدفاع عن إثيوبيا في مواجهة الغزو الصومالي خلال عامي 1977 و1978 مثالاً إضافياً على قدرة الإثيوبيين على مقاومة الغزاة وطردهم. ومن الدروس التي يمكن استخلاصها من هذه المعارك أن الشعب الإثيوبي أظهر دائماً عزيمة كبيرة وقدرة على الصمود والدفاع عن أرضه كلما تعرضت سيادة إثيوبيا للتحدي. ويمثل هذا الإرث المجيد جزءاً من هوية كل إثيوبي. لكن الدرس الأهم الذي يعلّمنا إياه هذا الإرث هو أن أعظم انتصار هو ذلك الذي يتحقق من دون خوض أي معركة. ومع ذلك، إذا أصبحت المعركة حتمية، فإن كل إثيوبي مستعد للقتال دفاعاً عن وطنه، الأمر الذي يجعل قوات الدفاع الوطني الإثيوبية قوة لا تُقهر. ما العمل؟ ينبغي لإثيوبيا ومصر والسودان الالتزام بعدم الاعتداء، والتعهد بعدم تهديد بعضها بعضاً أو استخدام القوة ضد بعضها بعضاً بما يخالف ميثاق الأمم المتحدة، وعدم دعم الإرهاب ضد أي منها، والامتناع عن القيام بأي أعمال من شأنها زعزعة استقرار المنطقة. كما ينبغي للدول الثلاث وضع ترتيبات عملية لتبادل المعلومات، وضمان سلامة السدود، والحد من مخاطر الجفاف، وتنسيق عمليات تشغيل الخزانات. ومن المهم ضمان حق إثيوبيا في إدارة مواردها المائية بصورة عادلة ومعقولة، مع أخذ مخاوف دول المصب في الاعتبار. ويمكن تسوية الخلافات الفنية من خلال المفاوضات والمشاورات. وإضافة إلى ذلك، ينبغي إجراء اتصالات وحوارات عسكرية منتظمة تحت إشراف الاتحاد الأفريقي، ومعالجة القضايا بحسن نية وروح إيجابية. إذا كانت حجة مصر هي أن احترام السيادة الإقليمية يزيل احتمالات الحرب، فعليها أن تنظر إلى إثيوبيا في ظل الظروف نفسها. وإذا كانت مصر ترى أن أمنها يتحقق على أفضل وجه من خلال المفاوضات السلمية بينها وبين إسرائيل، فيجب التعامل مع إثيوبيا وفق الشروط ذاتها. ولا ينبغي أن يتعلق الأمر بخسارة مصر أو انتصار إثيوبيا، بل بالتوصل إلى حل لا تُجبر فيه أي من الدولتين على الاختيار بين تحقيق التنمية وضمان أمن جارتها. وينبغي للقادة المصريين أن يدركوا المفارقة في إصدار تصريحات تؤكد عدم وجود خطة سرية ضد إسرائيل، في الوقت الذي لا تزال فيه التهديدات العسكرية جزءاً من الخطاب العام بشأن استخدام إثيوبيا لمياه النيل. لقد أعلن الرئيس السيسي سياسة تستحق الالتزام بها، وهي أن مصر لا تحتاج إلى أراضي أي دولة أخرى لضمان أمنها. وإثيوبيا لا تحتاج إلى أن تشعر مصر بانعدام الأمن حتى تتمكن من تحقيق التنمية. ويجب إدارة نهر النيل من خلال التعاون، لا الإكراه؛ ومن خلال الاتفاق، لا التهديدات؛ ومن خلال الاحترام، لا العداوات التاريخية. هذه هي سياسة السلام التي تحتاج مصر إلى تطبيقها تجاه إثيوبيا، وهي المعيار الذي ينبغي أن يُقاس به خطابها. فلنتكاتف معاً لضمان ازدهارنا جميعاً بوصفنا دولاً ضمن حوض النيل، ولنجعل كل واحد منا يسهم في جعل النيل عظيماً!
إثيوبيا تفتح فصلاً سياسياً جديداً: الوصول السيادي إلى البحر في صميم الطموح الوطني
Oct 15, 2026 662
بقلم: هيئة التحرير 15 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية) تفتتح إثيوبيا فصلاً سياسياً جديداً يمتد لخمس سنوات بطموح وطني محوري يتمثل في بناء دولة سلمية وديمقراطية ومزدهرة، بالتوازي مع السعي إلى تحقيق الوصول السيادي إلى البحر. وفي ظل حكومة التآزر، تتزايد التوقعات بأن تتمكن الحكومة من ترجمة التفويض الانتخابي إلى تحسينات ملموسة في حياة المواطنين، مع تعزيز الموقع الاستراتيجي لإثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي. وفي صميم هذه الأجندة، يبرز طموح إثيوبيا إلى الوصول السيادي إلى البحر. وباعتبارها واحدة من أكثر الدول الحبيسة اكتظاظاً بالسكان في العالم، فإن لإثيوبيا مصلحة اقتصادية كبيرة في ضمان الوصول الموثوق إلى التجارة البحرية. ومن شأن تأمين هذا الوصول من خلال ترتيبات تحقق المنفعة المتبادلة أن يسهم في تخفيف القيود اللوجستية، وتحسين القدرة التنافسية للصادرات، وجذب الاستثمارات، وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي. ومع ذلك، فإن الوصول إلى البحر يشكل جزءاً من تحول وطني أوسع نطاقاً. وسيتوقف نجاح الفصل السياسي الجديد في إثيوبيا بالقدر نفسه على ترسيخ السلام، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ودفع المصالحة الوطنية، وبناء اقتصاد شامل. وتوفر فلسفة التآزر، التي تؤكد التعاون والتكامل والتقدم الجماعي، إطاراً لمتابعة هذه الأولويات. وستعتمد مصداقيتها في نهاية المطاف على قدرة الحكومة على تحويل التزاماتها السياسية إلى نتائج ملموسة قابلة للقياس. كما يحمل التقدم الداخلي لإثيوبيا أهمية إقليمية. فباعتبارها الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي، وفاعلاً سياسياً واقتصادياً رئيسياً في القرن الأفريقي، تمتلك البلاد مصلحة استراتيجية في الاستقرار الإقليمي، إلى جانب فرصة الإسهام في تحقيقه. وستكون إثيوبيا الأقوى، المدعومة بمؤسسات موثوقة واقتصاد قادر على الصمود، في وضع أفضل لتعزيز مصالحها الوطنية، مع دعم السلام والتعاون في مختلف أنحاء المنطقة. الوصول السيادي إلى البحر: أولوية وطنية استراتيجية بالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الوصول إلى البحر يتجاوز كونه مسألة جغرافية؛ إذ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن والتجارة والقدرة التنافسية الاقتصادية والتنمية الوطنية والمصالح الاستراتيجية طويلة الأجل. ويعرّض الاعتماد على الممرات البحرية الخارجية الاقتصاد الإثيوبي لتكاليف النقل والاختناقات اللوجستية والاضطرابات في التجارة الدولية. ومن شأن الوصول الموثوق والمتنوع إلى البنية التحتية البحرية أن يساعد الشركات الإثيوبية على الوصول إلى الأسواق الدولية بكفاءة أكبر، وتعزيز سلاسل الإمداد، وتحسين القدرة التنافسية للصادرات. ويجب أن تكون إثيوبيا جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الأمنية للبحر الأحمر. وباعتبارها فاعلاً إقليمياً رئيسياً له إسهامات طويلة الأمد في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وجهود السلام والأمن في مختلف أنحاء القرن الأفريقي، فإن لإثيوبيا مصلحة استراتيجية كبيرة في أمن هذا الممر البحري الحيوي، كما أنها تمتلك إسهاماً مهماً يمكن تقديمه في هذا المجال. إن استبعاد دولة تتمتع بأهمية إقليمية مثل إثيوبيا من القرارات المتعلقة بأمن البحر الأحمر من شأنه أن يُبقي طرفاً أساسياً خارج عملية لها تداعيات مباشرة على مصالحه الاقتصادية والوطنية. ولذلك، ينبغي أن يكون لإثيوبيا مقعد فاعل على طاولة المفاوضات، بما يمكّنها من الإسهام في الأمن البحري، وحماية الملاحة الدولية، وتعزيز الاستقرار الإقليمي، والمساعدة في حماية أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم. وفي نهاية المطاف، سيُقاس التقدم بمدى قدرة إثيوبيا على توسيع خياراتها البحرية، والحد من القيود التجارية، وتعزيز قدرتها الاقتصادية على الصمود، بالتزامن مع الإسهام في تحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي. الوحدة الوطنية أساس الطموح الاستراتيجي لا يمكن لأي طموح وطني أن يستمر من دون الاستقرار الداخلي والشعور المشترك بالهدف. ولذلك، ينبغي أن يبدأ الفصل السياسي الجديد في إثيوبيا بتحمل مسؤولية تعزيز الوحدة الوطنية، ومعالجة المظالم المتراكمة منذ زمن طويل، وإعادة بناء ثقة الجمهور. إن التنوع الثقافي للبلاد، وتاريخها المعقد، وتباين المصالح السياسية فيها، تجعل بناء دولة شاملة أمراً ضرورياً. ولا يمكن تحقيق الوحدة بمجرد إطلاق التصريحات، بل تتطلب المواطنة المتساوية، والحماية الدستورية، وتكافؤ فرص الوصول إلى الإمكانات، ووجود مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات سلمياً. ويمكن لنهج التآزر أن يساعد في إيجاد أرضية مشتركة بين الأحزاب السياسية، والمؤسسات الحكومية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، والقيادات التقليدية، والمجتمعات المحلية. كما توفر عملية الحوار الوطني فرصة لمعالجة المظالم التاريخية، وتحديد المصالح المشتركة، وبناء أساس أقوى للتوافق. ولكي تنجح هذه العملية، يجب أن تكون المشاركة فاعلة، وأن تُسمع وجهات النظر المتنوعة، وأن تُترجم التوصيات إلى إصلاحات عملية. ولا ينبغي اختزال المصالحة الوطنية في شعار سياسي، بل يجب أن تسفر عن تعزيز الثقة، وتحسين العلاقات بين المجتمعات، وإيجاد آليات أكثر فاعلية لحل النزاعات. المؤسسات الديمقراطية: تحويل التفويض إلى ثقة عامة ستعتمد استدامة التحول السياسي في إثيوبيا بدرجة كبيرة على أداء مؤسساتها الديمقراطية. إذ يجب على البرلمان والسلطة القضائية والهيئات الانتخابية والمؤسسات التنفيذية أن تعمل ضمن صلاحياتها الدستورية، وأن توفر آليات فاعلة للمساءلة. وتتحمل مجلس نواب الشعب مسؤولية لا تقتصر على سن التشريعات، بل تشمل أيضاً مراقبة أداء الحكومة، وفحص الإنفاق العام، وضمان استجابة السياسات الوطنية لاحتياجات المواطنين. ويمكن للرقابة البرلمانية الفاعلة أن تساعد في تحديد الثغرات في التنفيذ، وتحسين الإنفاق العام، وتعزيز المساءلة. كما لا تقل أهمية وجود سلطة قضائية مستقلة ويسهل الوصول إليها؛ إذ يجب أن يتمكن المواطنون من المطالبة بإنصافهم عندما تُنتهك حقوقهم، وأن تُحل النزاعات من خلال إجراءات قانونية محايدة. ومن شأن التطبيق المتسق للقانون أن يعزز الحماية المتساوية، ويرفع مستوى الثقة في المؤسسات العامة. كما تتحمل الأحزاب السياسية مسؤولية تعزيز الممارسات الديمقراطية من خلال تقديم بدائل سياسية موثوقة، والانخراط في نقاشات بنّاءة، واحترام الإجراءات الدستورية. وفي المقابل، يجب على الحكومة حماية المشاركة السياسية المشروعة، والانخراط المدني، والانتقادات العامة. ويكتسب التصدي للفساد، والحد من أوجه القصور الإدارية، وتحسين الخدمات العامة أهمية مماثلة. ومن شأن المشتريات الحكومية الشفافة، والإدارة المالية المسؤولة، وآليات تقديم الشكاوى المتاحة للجميع، أن تساعد في ضمان استخدام الموارد العامة للأغراض المخصصة لها. وترتبط هذه الإصلاحات ارتباطاً مباشراً بالطموحات الاستراتيجية الأوسع لإثيوبيا. فالمؤسسات المستقرة والحوكمة الخاضعة للمساءلة من شأنهما تعزيز ثقة المستثمرين، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم التنفيذ الفاعل لمشروعات البنية التحتية والتنمية. كما أن الحكومة التي تكسب ثقة الجمهور في الداخل تكون في وضع أفضل لبناء شراكات موثوقة في الخارج. ولذلك، فإن المساءلة الديمقراطية ليست منفصلة عن الاستراتيجية الوطنية، بل تمثل أحد الأسس التي يعتمد عليها التقدم الوطني المستدام. التحول الاقتصادي وبناء القدرات اللازمة للسيادة يجب أن يستند سعي إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر إلى اقتصاد قادر على تحويل تحسن الترابط إلى ازدهار. ويمكن للوصول إلى الموانئ والأسواق الدولية أن يخلق فرصاً جديدة، غير أن الاستفادة منها ستعتمد على الإنتاجية المحلية، والصناعات التنافسية، والقدرة على توليد القيمة المضافة. وفي هذا الصدد، تؤدي حركة «صُنع في إثيوبيا» الصناعية دوراً مهماً في تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم إحلال الواردات، وتوسيع القدرات التصنيعية للبلاد. ومن خلال تشجيع الصناعات المحلية على إنتاج السلع التي كانت تُستورد سابقاً من الخارج، تدعم هذه المبادرة الاعتماد الاقتصادي على الذات، وتقلل الاعتماد على الواردات، وتوفر فرصاً للاستثمار المحلي وخلق فرص العمل. وتظل الزراعة عنصراً محورياً في الأمن الغذائي والاقتصاد الإثيوبيين. وفي ظل فلسفة التآزر، أحرزت البلاد تقدماً ملحوظاً، ولا سيما في إنتاج القمح. ويمكن أن يؤدي توسيع نطاق الري، والميكنة الزراعية، والبحوث، والتصنيع الزراعي إلى زيادة الإنتاجية، والحد من التأثر بالتغيرات المناخية، ورفع دخول المزارعين. كما يشكل التصنيع والتوسع الصناعي والتحول الرقمي عناصر حيوية لتنويع الصادرات، وخلق فرص العمل، وتعزيز الإنتاج المحلي. وسيكون توفير الطاقة الموثوقة، والخدمات اللوجستية الفاعلة، وإمكانية الحصول على التمويل، والقوى العاملة الماهرة، أمراً أساسياً لبناء شركات قادرة على المنافسة. ومن شأن تحسين الترابط البحري أن يخفض الحواجز التجارية ويربط المنتجين الإثيوبيين بالأسواق العالمية، في حين ستساعد الصناعات المحلية الأقوى البلاد على تحقيق قيمة أكبر من التجارة الدولية. التعاون من أجل الازدهار المشترك في القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر يرتبط مستقبل إثيوبيا الوطني ارتباطاً وثيقاً بالتطورات في مختلف أنحاء القرن الأفريقي. فالصراعات والنزوح وانعدام الأمن الغذائي والضغوط المناخية كثيراً ما تتجاوز الحدود، في حين يمكن للتوترات السياسية أن تعطل التجارة وتهدد سبل عيش المجتمعات الحدودية. ولذلك، يجب التعامل مع السعي إلى الوصول إلى البحر ضمن إطار أوسع للتعاون الإقليمي. وينبغي ربط المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لإثيوبيا بساحل البحر الأحمر في المستقبل القريب، بما يحقق المنافع المتبادلة. ويمكن لعمليات الموانئ، وممرات النقل، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية العابرة للحدود أن تخلق فرصاً تجارية للدول المشاركة. كما يمكن لتحسين الترابط أن يعزز سلاسل الإمداد الإقليمية، ويوسع الأسواق، ويشجع الاستثمار في النقل والتصنيع والخدمات المرتبطة بالتجارة. ومن شأن وجود قرن أفريقي أكثر استقراراً وترابطاً أن يخدم الطموحات البحرية لإثيوبيا، ويدعم في الوقت نفسه الأولويات التنموية لدول الجوار. ولذلك، لن يتوقف نفوذ إثيوبيا الإقليمي على حجم طموحاتها فحسب، بل سيعتمد أيضاً على قدرتها على بناء الثقة، واستدامة الحوار، وإثبات أن التعاون قادر على تحقيق منافع ملموسة. القدرة على الصمود أمام تغير المناخ والأمن المائي في نهر النيل وبقدر أهمية طموح إثيوبيا إلى الوصول السيادي إلى البحر، يتعين على حكومة التآزر الجديدة تعظيم الإمكانات التنموية لنهر أباي (النيل الأزرق)، من خلال المضي قدماً في تنفيذ مشروعات إضافية لتوليد الطاقة الكهرومائية والري. ويُعد تسخير هذا المورد الاستراتيجي أمراً حيوياً لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتعزيز الأمن الغذائي، وتسريع التحول الاقتصادي. وتظل القدرة على الصمود أمام تغير المناخ عنصراً محورياً في هذا الطموح. فالجفاف والفيضانات وتغير أنماط هطول الأمطار تهدد الزراعة والإمدادات المائية والبنية التحتية وسبل العيش في مختلف أنحاء القرن الأفريقي. ولذلك، يجب أن تسير استثمارات إثيوبيا في الطاقة الكهرومائية والري جنباً إلى جنب مع الإدارة المستدامة للمياه، وحماية البيئة، والتكيف مع تغير المناخ. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن تعظيم الاستفادة من إمكانات نهر أباي لا يمثل مجرد أولوية في مجالي الطاقة والري، بل يشكل ركيزة استراتيجية للسيادة الاقتصادية والأمن الغذائي والتنمية الوطنية طويلة الأجل. الشباب والمرأة: توسيع أسس التقدم الوطني يمثل الشباب في إثيوبيا فرصة كبيرة للنمو الاقتصادي والابتكار والتجديد الوطني. ويتطلب تحقيق هذه الإمكانات أكثر من مجرد توسيع نطاق التعليم؛ إذ يستلزم توفير المهارات المناسبة، وفرص العمل المنتجة، وريادة الأعمال، والمشاركة الفاعلة في الحياة العامة. ويمكن لمحدودية فرص العمل أن تعمق الإحباط، لا سيما عندما يشعر الشباب بأنهم مستبعدون من القرارات التي تؤثر في مستقبلهم. ومن شأن الاستثمار في التعليم التقني والمهني، والمهارات الرقمية، والقطاعات كثيفة العمالة، أن يساعد في ربط التعليم باحتياجات الاقتصاد. كما يمكن لتعزيز الروابط بين المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب وأصحاب العمل أن يحسن الانتقال من التعليم إلى سوق العمل. ويمكن كذلك لدعم ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة أن يمكّن الشباب من تحويل مهاراتهم وأفكارهم إلى أنشطة اقتصادية منتجة. وتكتسب مشاركة الشباب أهمية مماثلة في المصالحة الوطنية، وتنمية المجتمعات المحلية، والنقاش العام. ومن شأن توفير فرص حقيقية للشباب للإسهام في الشؤون العامة أن يعزز التماسك الاجتماعي، ويضمن استجابة السياسات الوطنية لأولوياتهم. كما تمثل مشاركة المرأة عنصراً أساسياً آخر في التنمية الشاملة. ومن شأن توسيع فرص الوصول إلى التعليم والعمل والتمويل والخدمات العامة والمناصب القيادية أن يتيح لمزيد من المواطنين الإسهام في التقدم الوطني، ويعزز رفاه الأسر. وتحمل هذه الاستثمارات أهمية استراتيجية؛ إذ من شأن وجود سكان يمتلكون المهارات والإنتاجية والتمكين الاقتصادي أن يعزز الصناعات المحلية، ويحسن القدرة التنافسية للصادرات، ويساعد إثيوبيا على الاستفادة من التوسع في التجارة الإقليمية والدولية. ويصبح الطموح الوطني أكثر استدامة عندما يكون للمواطنين دور حقيقي في تحقيقه. ولذلك، فإن تمكين الشباب والمرأة ليس مجرد هدف اجتماعي، بل هو استثمار في القدرات الإنتاجية لإثيوبيا، واستقرارها، وازدهارها على المدى الطويل. من الطموح الوطني إلى النتائج القابلة للقياس ستعتمد مصداقية الفصل السياسي الجديد في إثيوبيا في نهاية المطاف على التنفيذ. إذ يتعين على الحكومة تحويل أولوياتها إلى أهداف واضحة، وتخصيص الموارد وفقاً للاحتياجات الوطنية، وإنشاء آليات لتقييم التقدم المحرز. وينبغي أن يكون الأمن والتوظيف وتقديم الخدمات العامة والمساءلة المؤسسية والقدرة الاقتصادية على الصمود من بين المعايير الأساسية لتقييم الأداء. ومن شأن نشر تقارير عامة عن الأداء أن يتيح للمواطنين تقييم التزامات الحكومة وتحديد المجالات التي تتطلب إجراءات تصحيحية. كما يجب على السلطات الاتحادية والإقليمية تنسيق مسؤولياتها مع احترام الصلاحيات الدستورية والظروف المحلية. ويمكن للتشاور مع المجتمعات المحلية والشركات والجمعيات المهنية والمجتمع المدني أن يحسن عملية صنع القرار، ويساعد في تحديد المشكلات الناشئة. كما ستسهم الإدارة الفاعلة للمالية العامة، وتعزيز أنظمة المشتريات، واتخاذ تدابير فعالة لمكافحة الفساد، في ضمان تحقيق الموارد المحدودة نتائج ملموسة. ويتعين على الحكومة أيضاً تحقيق التوازن بين الاستثمارات طويلة الأجل في البنية التحتية والاحتياجات العامة العاجلة. فالمواطنون يتطلعون إلى تحسين فرص الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والغذاء بأسعار معقولة وفرص العمل والأمن الشخصي. وسيؤثر التقدم في هذه المجالات في مستوى ثقة الجمهور بالإدارة. وينبغي أن يعزز الطموح الاستراتيجي المسؤوليات الداخلية، وأن تدعم المسؤوليات الداخلية الطموح الاستراتيجي. فالوصول إلى البحر يمكن أن يوسع الفرص الاقتصادية، لكن الاستفادة الكاملة منه ستعتمد على وجود صناعات منتجة، ومؤسسات كفؤة، وعمالة ماهرة، وبيئة سياسية مستقرة. ويتمثل الاختبار النهائي في مدى قدرة السياسات الوطنية على تحسين حياة المواطنين، مع تعزيز قدرة إثيوبيا على متابعة مصالحها من خلال الانخراط السلمي والبنّاء. وبوجه عام، يتيح الفصل السياسي الجديد في إثيوبيا، الممتد لخمس سنوات، فرصة لتعزيز أسس دولة سلمية وديمقراطية ومزدهرة. وسيتوقف نجاحه على قدرة الحكومة على ترجمة تفويضها الانتخابي وفلسفة التآزر إلى تقدم ملموس في مجالات الوحدة الوطنية والأمن والمساءلة المؤسسية ومستويات المعيشة. ويتمثل الطموح الاستراتيجي الأساسي للبلاد في الوصول السيادي إلى البحر. ومن شأن السعي إلى تحقيق ذلك من خلال ترتيبات تحقق المنفعة المتبادلة أن يساعد في تخفيف القيود التجارية، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات، وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي، فضلاً عن ضمان سلام دائم. وخارج حدودها، يتعين على إثيوبيا تعزيز علاقاتها البنّاءة مع الدول المجاورة، ودفع التعاون في مجالات التجارة والبنية التحتية والطاقة والقدرة على الصمود أمام تغير المناخ، ودعم الجهود الإقليمية لمنع الصراعات. ويمكن لانخراطها في الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) أن يساعد في تحقيق هذه الأهداف، عندما يستند إلى دبلوماسية ثابتة والتزامات عملية. ولذلك، فإن مسؤولية الحكومة وطنية وإقليمية في آن واحد: بناء دولة يثق بها المواطنون، واقتصاد يوسع الفرص، وسياسة خارجية تعزز المصالح الوطنية مع احترام المصالح المشروعة للآخرين. وقد يكون الوصول السيادي إلى البحر في صميم الطموح الوطني لإثيوبيا، لكن الوحدة الوطنية والحوكمة الديمقراطية والتحول الاقتصادي هي العوامل التي ستحدد نجاحه. وسيتمثل المعيار الحاسم لنجاح دولة التآزر في قدرتها على تحويل هذا الطموح إلى تحسينات مستدامة في حياة المواطنين، مع الإسهام في بناء قرن أفريقي أكثر سلاماً واستقراراً وتكاملاً اقتصادياً.
مصفاة الذهب الإثيوبية تدشن عهدًا جديدًا من التحول الصناعي
Oct 14, 2026 357
بقلم: برونو جومبا 14 أكتوبر 2026 – (إينا) تمضي إثيوبيا نحو الاستفادة من مزيد من الثروات الكامنة تحت أرضها، مع افتتاح مصفاة جديدة للمعادن الثمينة تفتح الباب أمام مستقبل أكثر اعتمادًا على القيمة المضافة في قطاع التعدين بالبلاد. وتُمثل مصفاة المعادن الثمينة الوطنية، التي افتتحها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في المنطقة الاقتصادية الخاصة «بولي ليمي» بالعاصمة أديس أبابا، خطوة مهمة في مساعي إثيوبيا لتجاوز مرحلة استخراج الموارد المعدنية، وتوسيع دورها في معالجتها وتكريرها وتسويقها. وبالنسبة إلى بلد تحقق فيه صناعة الذهب عائدات متزايدة من النقد الأجنبي، تعالج هذه المنشأة فجوة قائمة منذ فترة طويلة في سلسلة القيمة المعدنية، تتمثل في محدودية القدرة المحلية على تكرير المعادن الثمينة وفق المعايير التي تتطلبها الأسواق الدولية. ولهذا التمييز أهمية اقتصادية؛ فاستخراج الذهب يدر الإيرادات، لكن تكريره وتطوير الصناعات المرتبطة به يمكن أن يوفرا فرصًا إضافية للاستثمار والتوظيف والتقدم التكنولوجي والنمو الصناعي. ومن خلال المنشأة الجديدة، تسعى إثيوبيا إلى الاحتفاظ بحصة أكبر من هذه القيمة داخل البلاد، بالتوازي مع إرساء الأسس اللازمة لبناء صناعة تعدين أكثر تكاملًا. وتقع المصفاة في المنطقة الاقتصادية الخاصة «بولي ليمي»، وتبلغ طاقتها الأولية المخططة لمعالجة المعادن الثمينة أكثر من 600 طن سنويًا، مع قدرة تقديرية على معالجة معادن تبلغ قيمتها نحو 80 مليار دولار أمريكي سنويًا. وتشير هذه الأرقام إلى القدرة المعلنة للمنشأة على المعالجة والتقييم، ولا تعكس حجم إنتاج إثيوبيا السنوي من الذهب أو عائدات صادراتها المتوقعة. ويُنفذ المشروع في إطار شراكة بين شركة القابضة للاستثمارات الإثيوبية، التي تمتلك حصة تبلغ 51 بالمئة، وشركة «سام للمعادن الثمينة»، التي تمتلك النسبة المتبقية البالغة 49 بالمئة. وبعيدًا عن حفل الافتتاح، تطرح المنشأة سؤالًا أوسع بشأن التحول الاقتصادي في إثيوبيا: كيف يمكن للبلاد تحويل ثرواتها المعدنية المتنامية إلى قاعدة صناعية محلية أقوى؟ الاحتفاظ بحصة أكبر من اقتصاد الذهب داخل البلاد تكمن الأهمية الحقيقية للمصفاة في ما يحدث للذهب بعد خروجه من المنجم. فالذهب المستخرج من باطن الأرض غالبًا ما يحتاج إلى الاختبار والصهر والتكرير قبل تحويله إلى سبائك تستوفي المواصفات التي يطلبها المشترون والمؤسسات المالية الدولية. وتُسهم هذه العمليات في خلق قيمة اقتصادية من خلال الخبرات الفنية وضمان الجودة والخدمات الصناعية المتخصصة. وعندما لا تتوافر مثل هذه المنشآت محليًا، يضطر المنتجون إلى الاعتماد على خدمات المعالجة في الخارج، ما يتيح لأسواق وشركات أخرى الاستحواذ على جزء من القيمة التي يولدها المعدن. وتمنح المصفاة الجديدة إثيوبيا فرصة لتنفيذ مزيد من هذه الأنشطة داخل حدودها، بما قد يقلل الاعتماد على خدمات التكرير الأجنبية، ويسمح بالاحتفاظ بحصة أكبر من المنافع الاقتصادية المرتبطة بصناعة الذهب. وخلال حفل الافتتاح، شدد رئيس الوزراء آبي أحمد على أهمية تجاوز استخراج المواد الخام وتصديرها إلى معالجتها محليًا وتحويلها إلى منتجات صناعية. وتعكس هذه الطموحات أولوية تنموية أوسع، تتمثل في ضرورة ألا تقتصر وظيفة الموارد الطبيعية على توفير الإيرادات الفورية، بل أن تشكل أيضًا أساسًا لبناء الصناعات الإنتاجية وتطوير الخبرات الفنية وتوسيع الفرص الاقتصادية. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يمكن أن يساعد تكرير الذهب محليًا في إقامة روابط أقوى بين عمليات التعدين والمختبرات والخدمات الصناعية والشركات التصنيعية والأسواق الدولية. وعليه، لا يقتصر الهدف على معالجة معدن ذي قيمة مرتفعة، بل يتمثل في تطوير منظومة اقتصادية أوسع حوله. تنامي إسهام الذهب في الاقتصاد يأتي إنشاء المصفاة في وقت يكتسب فيه الذهب أهمية متزايدة ضمن جهود إثيوبيا الرامية إلى زيادة إيرادات التعدين وتوليد النقد الأجنبي. ووفقًا لأرقام الأداء التي عرضتها وزارة المناجم في وقت سابق، أنتجت إثيوبيا نحو 44 طنًا من الذهب خلال السنة المالية المنتهية، محققة رقمًا قياسيًا بلغ 5.65 مليار دولار أمريكي من عائدات النقد الأجنبي. وتؤكد هذه الأرقام تنامي أهمية الذهب للاقتصاد الوطني، والحاجة إلى تطوير البنية التحتية اللازمة لمعالجة الإنتاج واعتماده وتسويقه بكفاءة. ومع زيادة الإنتاج، تكتسب القدرات المحلية في فحص الذهب وتكريره وتخزينه بصورة آمنة واعتماد جودته أهمية متزايدة. فالمشترون الدوليون يحتاجون إلى التأكد من نقاء الذهب الذي يشترونه وإمكانية تتبع مصدره وسلامة التعامل معه. ويمكن لمصفاة حديثة أن تساعد في ربط المنتجين الإثيوبيين بهذه المتطلبات، بما قد يجعل بعض المراحل الواقعة بين الاستخراج والبيع أكثر كفاءة. كما يمكن أن توفر وجهة محلية للمنتجين الراغبين في الحصول على خدمات الاختبار والمعالجة الاحترافية، بما يسهم في تعزيز تنظيم سوق الذهب. غير أن حجم المنافع الاقتصادية سيتوقف على عدة عوامل، من بينها تكاليف تشغيل المصفاة، وكمية الذهب التي تعالجها، وجودة إنتاجها، والشروط التجارية المقدمة للمنتجين. فمجرد امتلاك القدرة المحلية على التكرير لا يضمن تلقائيًا زيادة عائدات الصادرات أو ارتفاع الأرباح. وتكمن أهميتها في توفير بنية تحتية تمكّن إثيوبيا من السعي إلى تحقيق هذه المكاسب، بالتوازي مع تطوير مزيد من الخبرات والقدرات داخل اقتصادها. ما وراء الذهب: بناء قاعدة صناعية أوسع لا تقتصر الإمكانات التي توفرها المصفاة على النشاط المباشر لمعالجة المعادن الثمينة. فوجود صناعة تكرير قادرة على المنافسة يعتمد على شبكة من الأنشطة المساندة، تشمل التحليل المخبري وعلوم استخلاص المعادن وصيانـة المعدات والخدمات اللوجستية الآمنة والتخزين والخدمات الفنية المتخصصة. ويمكن لهذه المتطلبات أن تخلق فرصًا للشركات المحلية والمهنيين مع تطور الصناعة. كما يمكن للجامعات والمؤسسات الفنية أن تؤدي دورًا أكبر في تدريب الكيميائيين واختصاصيي استخلاص المعادن والمهندسين وخبراء المختبرات، بما يساعد على بناء المهارات اللازمة لاستدامة عمليات معالجة المعادن الحديثة. وتتمثل إحدى الفرص الواعدة على وجه الخصوص في تطوير صناعات المجوهرات وتصنيع المنتجات المصنوعة من المعادن الثمينة في إثيوبيا. فإتاحة الذهب المكرر المعروف بدرجة نقائه يمكن أن تدعم الشركات التي تسعى إلى إنتاج المجوهرات وسبائك الاستثمار وغيرها من المنتجات النهائية. وتوفر هذه الأنشطة فرصًا لخلق قيمة لا تقتصر على المعدن نفسه، بل تشمل أيضًا التصميم والحرفية وضمان الجودة وبناء العلامات التجارية والوصول إلى الأسواق. وبدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على تصدير السلع المعدنية الخام، يمكن لإثيوبيا أن توسع تدريجيًا مشاركتها في الصناعات التي تحول هذه السلع إلى منتجات أعلى قيمة. ويتطلب هذا التحول أكثر من مجرد إنشاء مصفاة؛ إذ ستحتاج الصناعات التحويلية اللاحقة إلى التمويل والإمدادات الموثوقة من المعادن المكررة والعمالة الماهرة والتكنولوجيا المناسبة، إلى جانب أسواق محلية ودولية قادرة على المنافسة. ومع ذلك، توفر المنشأة الجديدة أساسًا مهمًا يمكن أن تنمو انطلاقًا منه هذه الصناعات. هل تستطيع إثيوبيا أن تصبح مركزًا إقليميًا لتكرير الذهب؟ يمكن للموقع الجغرافي لإثيوبيا وروابطها في مجال النقل الجوي أن يوفرا أيضًا فرصًا لخدمة منتجي المعادن الثمينة خارج حدودها. فموقع المصفاة داخل المنطقة الاقتصادية الخاصة «بولي ليمي» يضعها على مقربة من مطار أديس أبابا بولي الدولي وشبكة الشحن الجوي الواسعة التابعة للخطوط الجوية الإثيوبية. ويمكن لهذه الروابط أن تدعم النقل الآمن للمعادن الثمينة والمنتجات المرتبطة بها، رغم أن القدرة التنافسية ستعتمد أيضًا على تكاليف الخدمات اللوجستية والترتيبات الأمنية والمتطلبات التنظيمية. وفي مختلف أنحاء القارة، تتوافر موارد معدنية كبيرة بالتزامن مع تحدٍ مستمر يتمثل في استحواذ الدول الواقعة خارج البلدان المنتجة على جزء كبير من القيمة الناتجة عن المعالجة المتقدمة والتصنيع. ويمكن لتوسيع قدرات المعالجة المحلية والإقليمية أن يساعد الاقتصادات الإفريقية على الاحتفاظ بحصة أكبر من هذه القيمة، وتطوير قدراتها الفنية، وتعزيز التعاون الصناعي. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن التحول إلى مركز إقليمي رئيسي للتكرير يتطلب أكثر من تركيب معدات حديثة؛ إذ ينبغي للمنشأة أن تبني مصداقيتها لدى المشترين الدوليين، وتلتزم بمعايير الأسواق ذات الصلة، وتجذب إمدادات موثوقة من المعادن الثمينة، وتنافس بفاعلية مراكز التكرير الراسخة. وتبدو الإمكانات كبيرة، لكن تحقيقها سيعتمد على الأداء التشغيلي والانضباط التجاري والاستثمار المستدام. التكنولوجيا والمهارات ونقل المعرفة تتيح المصفاة أيضًا لإثيوبيا فرصة تطوير خبرات فنية يمكن أن تعود بالنفع على قطاع التعدين الأوسع. فتكرير المعادن الثمينة يتطلب عمليات متقدمة في علم استخلاص المعادن، وتحليلات مخبرية دقيقة، وضوابط صارمة للجودة، وإدارة آمنة للمواد مرتفعة القيمة. ويتطلب تشغيل مثل هذه المنشآت قوة عاملة تمتلك مهارات متخصصة وقدرة على الحفاظ على معايير فنية ثابتة. ومن خلال المشروع المشترك، يمكن للمهندسين والكيميائيين والفنيين وغيرهم من المهنيين الإثيوبيين اكتساب الخبرة في عمليات التكرير الحديثة والتقنيات المرتبطة بها. وستتوقف القيمة طويلة الأجل لهذه الفرصة على مدى تمكن الموظفين المحليين من تطوير مهارات متقدمة، وتولي مسؤوليات فنية وإدارية، ونقل معارفهم إلى قطاعات أخرى من الاقتصاد. ويمكن لنقل المعرفة بفاعلية أن يساعد إثيوبيا على بناء الخبرات المحلية اللازمة لتشغيل صناعات معالجة المعادن وتوسيعها، بدلًا من استمرار الاعتماد على الدعم الفني الخارجي. كما يمكن لهذه القدرات أن تدعم تطوير الموارد المعدنية الأخرى، التي يُعد فيها الاختبار وتكنولوجيا المعالجة والإدارة الصناعية وضمان الجودة عناصر أساسية لتحسين الإنتاجية والقدرة التنافسية. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يتجاوز إسهام المصفاة قيمة الذهب الذي تعالجه، ليشمل أيضًا بناء رأس المال البشري اللازم لتطوير صناعة تعدين أكثر تقدمًا من الناحية التكنولوجية. من الثروات المعدنية إلى قيمة اقتصادية مستدامة تمثل مصفاة المعادن الثمينة الوطنية بالنسبة إلى إثيوبيا إضافة مهمة إلى البنية التحتية اللازمة لتحويل التعدين إلى ركيزة أقوى للتنمية الاقتصادية. فالتمييز بين استخراج الموارد وتطوير الصناعات القائمة عليها أمر جوهري؛ إذ يتيح الاستخراج إخراج المعادن إلى السطح، بينما تخلق المعالجة والتصنيع والخدمات المتخصصة فرصًا إضافية لتوليد الدخل وتوفير فرص العمل وتطوير القدرات الفنية. وتوفر المصفاة لإثيوبيا منصة جديدة للسعي إلى اغتنام هذه الفرص. غير أن إسهامها النهائي سيعتمد على مدى نجاح دمجها في صناعة التعدين المحلية وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية. وستكون الإمدادات الموثوقة من الذهب، وتكاليف التشغيل التنافسية، ومعايير الجودة المعترف بها دوليًا، والترتيبات التجارية الشفافة، والتطوير القوي للمهارات المحلية، عوامل أساسية لتحقيق إمكانات المنشأة. كما تبرز ضرورة اقتصادية أوسع تتمثل في وجوب تجاوز منافع الثروات المعدنية عائدات التصدير، لتدعم الاستثمار الإنتاجي والشركات المحلية والتوظيف المستدام. لقد اتخذت إثيوبيا خطوة مهمة نحو الاستحواذ على حصة أكبر من القيمة الناتجة عن معادنها الثمينة. ويتمثل التحدي التالي في تحويل هذه القدرة الجديدة إلى صناعة تنافسية تعزز قطاع التعدين، وتوسع الخبرات المحلية، وتخلق فرصًا إضافية على امتداد سلسلة القيمة. وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح المصفاة بمجرد كمية الذهب التي تمر عبر منشآتها، بل بحجم القيمة الاقتصادية المستدامة التي تستطيع إثيوبيا بناءها حول هذا المورد.
منتدى تانا يضع إثيوبيا في قلب المساعي الإفريقية لتحقيق السلام والأمن
Oct 14, 2026 572
بقلم: تيمسغن أسيفا 14 أكتوبر 2026 – (إينا) في ظل ما تواجهه إفريقيا من صراعات مستمرة وتنافس جيوسياسي وهشاشة اقتصادية، تستعد إثيوبيا لاستضافة تجمع قاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الحلول الإفريقية للتحديات التي تواجه السلام والأمن في القارة. ويُعقد منتدى تانا الرفيع المستوى الثاني عشر بشأن الأمن في إفريقيا خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر الجاري في مدينة بحر دار، في مرحلة مفصلية تتزايد فيها أهمية العلاقة بين الاستقرار السياسي والسيادة الاقتصادية والتنافس بين القوى العالمية في تشكيل مستقبل إفريقيا. ويُعقد المنتدى تحت شعار «مسارات السلام في إفريقيا: السيادة الاقتصادية والتحول الجيوسياسي»، بمشاركة قادة سياسيين وصناع سياسات وباحثين وخبراء أمنيين، لبحث سبل تعزيز التعاون القاري وتحويل الأولويات المشتركة إلى إجراءات عملية. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن استضافة المنتدى تمثل أكثر من مجرد فرصة لجمع شخصيات إفريقية مؤثرة؛ إذ تعزز إسهام البلاد في الدبلوماسية القارية، وتوفر منصة للحوار بشأن التحديات الهيكلية التي تواجه منطقة القرن الإفريقي والقارة على نطاق أوسع. ومنذ تأسيسه عام 2012، تطور منتدى تانا ليصبح منصة لدراسة التحديات الأمنية في إفريقيا من منظور إفريقي، حيث يجمع أطرافًا متعددة لبحث أسباب الصراعات والمسارات المؤدية إلى تحقيق سلام مستدام. ولا يزال السؤال المحوري الذي يطرحه المنتدى ملحًّا: كيف يمكن لإفريقيا تجاوز مرحلة إدارة الأزمات المتكررة، والانتقال إلى بناء الأسس السياسية والاقتصادية والمؤسسية اللازمة لتحقيق الاستقرار الدائم؟ حلول إفريقية للتحديات الإفريقية في مختلف أنحاء إفريقيا، نادرًا ما تنشأ الصراعات بمعزل عن العوامل الأخرى. فقد يؤدي الإقصاء السياسي وضعف المؤسسات والتنافس على الموارد والتفاوت الاقتصادي والمظالم العالقة، مجتمعةً، إلى تهيئة الظروف لاستمرار عدم الاستقرار حتى بعد انتهاء موجات العنف المباشرة. ولا تقتصر تداعيات الصراعات على ساحات القتال، بل تمتد إلى نزوح المجتمعات وتعطيل التجارة وتثبيط الاستثمار وإضعاف المؤسسات العامة وتحويل الموارد بعيدًا عن الخدمات الأساسية والتنمية. وفي المناطق التي تواجه أصلًا ضغوطًا مرتبطة بالمناخ وحالة من عدم اليقين الاقتصادي، يمكن أن يؤدي انعدام الأمن إلى تقويض سبل العيش وتعميق مواطن الضعف. وتتطلب معالجة هذه التحديات ما هو أبعد من الاستجابات العسكرية أو التدخلات الطارئة؛ إذ يعتمد السلام المستدام على الدبلوماسية الوقائية والعمليات السياسية الشاملة والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، إلى جانب توفير الفرص الاقتصادية التي تتيح للمجتمعات المشاركة بفاعلية في التنمية الوطنية. وهنا تبرز أهمية الملكية الإفريقية للحلول بصورة خاصة. فالدول الإفريقية والمؤسسات الإقليمية تمتلك معرفة قيّمة بالمظالم التاريخية والديناميات السياسية والواقع المحلي الكامن وراء العديد من الصراعات. ومن شأن تعزيز قدراتها على استشراف الأزمات والوساطة في النزاعات ودعم بناء السلام أن يسهم في بلورة استجابات أكثر ملاءمة لظروف القارة. غير أن الحلول التي تقودها إفريقيا لا تعني أن تتحرك القارة بمفردها. فالشراكات الدولية تظل مهمة في توفير الخبرات والاستثمارات والدعم الدبلوماسي، لكن فعاليتها تعتمد على مدى تعزيزها للأولويات الإفريقية والقدرات المؤسسية، بدلًا من إقصاء القيادة المحلية أو الحلول محلها. ومن خلال جمع القادة السياسيين والأكاديميين والممارسين في المجال الأمني، يتيح منتدى تانا فرصة للربط بين النقاشات المتعلقة بالسياسات والخبرات العملية، وتشجيع المقاربات التي تعالج الأسباب الجذرية لانعدام الأمن، وليس مظاهره فحسب. الدور الاستراتيجي لإثيوبيا في الدبلوماسية القارية تحتل إثيوبيا موقعًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة القرن الإفريقي، حيث ترتبط التطورات السياسية والشواغل الأمنية والمصالح الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا. كما أن استضافة أديس أبابا لمقر الاتحاد الإفريقي رسّخت مكانة البلاد بوصفها مركزًا مهمًا للدبلوماسية القارية. وفي هذا السياق، يكمل منتدى تانا الجهود الدبلوماسية الرسمية من خلال توفير مساحة للتعمق في دراسة الاتجاهات الأمنية الناشئة والتوترات الإقليمية والظروف الهيكلية التي تؤثر في السلام والاستقرار. كما أن استضافة هذا التجمع في بحر دار توسع نطاق الحوار القاري خارج العاصمة السياسية لإثيوبيا، وتربط النقاشات رفيعة المستوى بمدينة توفر بيئة مميزة لتبادل الآراء بشأن مستقبل إفريقيا. ويتيح المنتدى لإثيوبيا فرصة الإسهام في صياغة الرؤى القارية المتعلقة بمنع الصراعات والتعاون الإقليمي والعلاقة بين الأمن والتنمية. كما يمكن أن يساعد في تعزيز التواصل بين صناع السياسات والباحثين والممارسين، الذين يُعد تعاونهم ضروريًا لمعالجة التحديات الإقليمية المعقدة. ومع ذلك، لا تُقاس أهمية استضافة منتدى دولي بمجرد مكانة المشاركين فيه أو اتساع نطاق النقاشات التي يشهدها؛ بل تكمن قيمته الحقيقية في مدى تأثير الأفكار المطروحة على السياسات، وتعزيز الشراكات، والإسهام في تحقيق تقدم ملموس. وعليه، فإن إسهام إثيوبيا في الدبلوماسية القارية سيعتمد على استمرار مشاركتها، والحوار البنّاء، والقدرة على ربط النقاشات التي تجري في منصات مثل منتدى تانا بالمبادرات الأوسع لبناء السلام. لماذا يُعد التعاون الإقليمي مهمًا؟ يجسد القرن الإفريقي مدى الترابط الوثيق بين الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي. فالتوترات السياسية والصراعات المسلحة والإرهاب والضغوط المرتبطة بالمناخ والهشاشة الاقتصادية يمكن أن تتجاوز الحدود، مخلفةً تداعيات لا تستطيع أي دولة التعامل معها بفاعلية بمفردها. وقد يؤدي انعدام الأمن في إحدى الدول إلى نزوح السكان نحو الدول المجاورة، وتعطيل الطرق التجارية، وتقويض الاستثمارات الإقليمية. كما يمكن للخلافات بشأن الموارد المشتركة وتضارب المصالح الاستراتيجية أن تؤدي إلى توتر العلاقات، مما يجعل التعاون أكثر صعوبة في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليه. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط الاستقرار الإقليمي ارتباطًا وثيقًا بالتنمية الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية وآفاق تعميق التكامل في منطقة القرن الإفريقي. ويمكن أن يسهم تعزيز التجارة العابرة للحدود والترابط في مجال النقل وتطوير البنية التحتية والتعاون في إدارة الموارد المشتركة، في خلق فرص اقتصادية وتعزيز المصالح المتبادلة بين الدول المجاورة. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي التوترات المطولة إلى زيادة التكاليف وإضعاف الثقة والحد من الإمكانات التنموية للمنطقة. ويتمثل التحدي في إنشاء آليات تمكّن الدول من إدارة خلافاتها بالوسائل السلمية، ومنع تصاعد النزاعات المحلية، وتحديد مجالات المصالح المشتركة رغم الاختلافات السياسية. ويوفر منتدى تانا منصة لدراسة هذه الإمكانات. فمن خلال الحوار وتبادل الخبرات في مجال السياسات، يمكن للمشاركين بحث سبل تعزيز الدبلوماسية الوقائية وتحسين التنسيق وتطوير مقاربات تعالج التهديدات الأمنية المباشرة وأسبابها العميقة، بالتعاون بين الدول المجاورة والمؤسسات الإقليمية. وفي منطقة تتداخل فيها المصالح الوطنية مع التنافس الجيوسياسي الأوسع، لا يُعد التواصل المستمر مجرد خيار دبلوماسي، بل عنصرًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الدائم. السيادة الاقتصادية أساسٌ للسلام يسلط تركيز منتدى تانا الثاني عشر على السيادة الاقتصادية الضوء على بُعد غالبًا ما يُغفل في النقاشات المتعلقة بالأمن الإفريقي، ويتمثل في قدرة الدول على بناء اقتصادات قادرة على الصمود وممارسة خيارات حقيقية بشأن أولوياتها التنموية. وفي مختلف أنحاء القارة، يمكن لضغوط الديون الخارجية ومحدودية القدرات الصناعية والاعتماد على صادرات السلع الأساسية والتعرض لتقلبات الأسواق الدولية، أن تقيد الخيارات المتاحة أمام الحكومات في مجال السياسات. وقد تحد هذه الهشاشة من الاستثمارات في الخدمات العامة والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، فضلًا عن تقليص الموارد المتاحة لمعالجة التحديات الأمنية. كما يمكن للاعتماد الاقتصادي أن يضيّق هامش المناورة أمام الدول في ظل تنافس القوى العالمية على الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق والبنية التحتية والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية. ويفرض هذا التنافس على إفريقيا فرصًا ومخاطر في آن واحد. فالاستثمارات الأجنبية ونقل التكنولوجيا والشراكات الدولية يمكن أن تدعم التصنيع والتحول الاقتصادي. غير أنه عندما تطغى المصالح الخارجية على الأولويات التنموية الإفريقية، فقد تؤدي هذه العلاقات إلى تصعيد التنافس والحد من المنافع التي تعود على الاقتصادات المحلية. ولذلك، لا ينبغي فهم السيادة الاقتصادية على أنها مجرد تقليص للاعتماد على الخارج، بل تشمل أيضًا تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، وتعبئة الموارد، وتطوير المؤسسات الفاعلة، وتوسيع الأسواق الإقليمية، والتفاوض بشأن شراكات دولية تدعم الأهداف التنموية طويلة الأجل. ولهذه الأولويات انعكاسات مباشرة على السلام والأمن. فعندما تكون الفرص الاقتصادية محدودة وتستمر أوجه عدم المساواة، يمكن أن تتفاقم المظالم الاجتماعية وتصبح التوترات السياسية أكثر صعوبة في المعالجة. وفي المقابل، يمكن للنمو الاقتصادي الشامل وتعزيز المؤسسات وتحسين فرص الوصول إلى سبل العيش أن تهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة للاستقرار. وبالنسبة إلى إثيوبيا وجيرانها، يمكن أن يسهم تعزيز التعاون في مجالات التجارة والبنية التحتية والطاقة وإدارة الموارد في تقوية القدرة الاقتصادية على الصمود وترسيخ المصالح المشتركة في السلام. كما يمكن للتكامل الاقتصادي الإقليمي أن يوفر حوافز للحوار، من خلال إظهار الفوائد العملية للاستقرار. وبالتالي، يشير شعار المنتدى إلى حقيقة استراتيجية أوسع، مفادها أن قدرة إفريقيا على صون السلام ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على رسم مستقبلها الاقتصادي والتعامل مع بيئة دولية تتسم بتنافس متزايد. من الحوار إلى إجراءات قابلة للقياس على الرغم من أهمية الحوار القاري، لا تزال أجندة السلام والأمن في إفريقيا تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في تحويل الالتزامات المتعلقة بالسياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. ويمكن للتجمعات رفيعة المستوى أن تعزز الثقة وتولد الأفكار وتحدد الأولويات المشتركة، لكن تأثيرها النهائي يعتمد على التنفيذ والتنسيق المؤسسي والالتزام السياسي المستمر. وتضطلع الحكومات والاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية والمؤسسات البحثية وغيرها من الجهات المعنية بأدوار مهمة في الربط بين مناقشات السياسات والاستجابات العملية. ويمكن للتعاون الأقوى أن يحسن أنظمة الإنذار المبكر، ويدعم جهود الوساطة، ويعزز منع الصراعات، ويشجع اعتماد مقاربات لبناء السلام تستند إلى الأدلة. ويمكن للمؤسسات البحثية المساعدة في تحديد العوامل المحركة لعدم الاستقرار وتقييم التدخلات الأكثر فاعلية. كما يمكن لتجارب المجتمعات المتضررة من الصراعات أن تسهم في صياغة سياسات تستجيب للواقع المحلي، بدلًا من الاعتماد حصريًا على التقييمات التي تُجرى على المستوى الرفيع. ولا تقل الاستمرارية أهمية عن ذلك؛ إذ ينبغي أن تسهم التوصيات الصادرة عن منتديات مثل تانا في توجيه مناقشات السياسات اللاحقة والشراكات المؤسسية والمبادرات الملموسة. كما يجب تقييم التقدم ليس فقط من خلال الإعلانات والالتزامات، بل أيضًا عبر التحسن في التعاون ومنع الصراعات وقدرة المؤسسات على الاستجابة للتهديدات الناشئة. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الإسهام في تعزيز هذه الروابط من شأنه أن يعزز دور المنتدى في الدبلوماسية القارية، ويدعم الجهود الإفريقية الأوسع لبناء سلام مستدام. وستتوقف قيمة اجتماع بحر دار في نهاية المطاف على مدى إسهام نقاشاته في تقريب القارة من حلول قابلة للتنفيذ والاستمرار والتكيف مع الظروف المتغيرة. تعزيز مسار إفريقيا نحو السلام لا يمكن فصل تحديات السلام والأمن في إفريقيا عن آفاقها الاقتصادية ومؤسساتها السياسية وموقعها في النظام العالمي المتغير. وتتطلب معالجتها نهجًا شاملًا يجمع بين الدبلوماسية الوقائية والحكم الشامل والتعاون الإقليمي والتنمية المستدامة. ومن المتوقع أن يوفر منتدى تانا الرفيع المستوى الثاني عشر فرصة لتعزيز هذا النهج، من خلال وضع الرؤى الإفريقية في صدارة النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة. وبالنسبة إلى إثيوبيا، تعزز استضافة المنتدى انخراطها في الشؤون القارية، وتتيح مساحة لتشجيع التعاون بين الشركاء الأفارقة. أما على مستوى القارة، فيوفر التجمع فرصة لبحث كيفية إسهام السيادة الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية وتعزيز المؤسسات الإقليمية في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على الصمود. وفي نهاية المطاف، لا يمكن لمساعي إفريقيا لتحقيق السلام أن تعتمد على الحوار وحده، بل تتطلب إرادة سياسية وقدرات مؤسسية وفرصًا اقتصادية والتزامًا مستمرًا بحل النزاعات بالوسائل السلمية. ومع تجمع المشاركين في بحر دار، سيكون التحدي هو تحويل الالتزام المشترك بالملكية الإفريقية للحلول إلى إجراءات عملية، من خلال تعزيز المؤسسات وتعميق التعاون الإقليمي ومعالجة الظروف الهيكلية التي تسمح باستمرار الصراعات. وستكمن الأهمية المستدامة لمنتدى تانا ليس فقط في النقاشات التي يثيرها، بل في التقدم الذي تساعد تلك النقاشات على تحقيقه، بما يجعل إفريقيا أكثر قدرة على إدارة تحدياتها الأمنية بنفسها، وصياغة مستقبلها الجيوسياسي، وضمان تقدم السلام والتنمية جنبًا إلى جنب.
العلم الإثيوبي ... رمز الاستقلال والوحدة وأمل المستقبل
Oct 12, 2026 819
بقلم : بنيامين تادسي تحتفل إثيوبيا بيوم العلم الوطني التاسع عشر اليوم ، تحت شعار «علمنا من أجل التوافق الوطني والوحدة ›› يمثل يوم العلم الوطني في إثيوبيا مناسبة لاستحضار تاريخ طويل من النضال من أجل الاستقلال، وتجديد الالتزام بالوحدة الوطنية والتنوع والتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهاراً. وفي هذه المناسبة ، شدد رئيس الوزراء آبي أحمد على أهمية التوافق الوطني والاعتزاز بتعدد اللغات والأديان والهويات، مستلهماً من انتصار عدوة التاريخي قوة التضامن والعمل المشترك في حماية الوطن وبناء مستقبله. ومن هذه المعاني الوطنية، تتجاوز رمزية العلم الإثيوبي حدود كونه راية ترفرف فوق المؤسسات والساحات، لتجسد منظومة من القيم التاريخية والوطنية التي تشكلت عبر مسيرة البلاد، وتنعكس في ألوانه ورموزه التي تحمل دلالات عميقة عن الاستقلال والوحدة والتنوع والأمل في المستقبل. وحدة التنوع وآفاق المستقبل تتجلى هذه الرمزية الوطنية في الألوان الثلاثة التي يتكون منها العلم الإثيوبي، الأخضر والأصفر والأحمر، والتي تحمل دلالات تاريخية ووطنية ارتبطت بمسيرة البلاد ونضال شعبها من أجل الاستقلال. فهذه الألوان لا تمثل مجرد عناصر بصرية تميز العلم، بل تعكس قيماً متجذرة في الوعي الوطني الإثيوبي، وتكتسب معانيها عمقاً إضافياً من النجمة الصفراء الخماسية التي تتوسط العلم، بما ترمز إليه من وحدة وتساوٍ بين القوميات والشعوب والأديان المكونة للمجتمع الإثيوبي, ويرمز القرص الأزرق الموجود في مركز العلم للسلام والديمقراطية. وتكتسب هذه الدلالات أهمية خاصة في إثيوبيا، إذ ارتبطت الألوان الأخضر والأصفر والأحمر بتاريخها الوطني، واكتسبت مكانة واسعة في الوعي الأفريقي. فالأخضر يرتبط بالعمل والخصوبة والتنمية، والأصفر بالأمل والعدالة والمساواة، والأحمر بالتضحية والبطولة في سبيل الحرية والمساواة. وبذلك، يجمع العلم بين رمزية الاستقلال والتضحية، وقيم الوحدة والمساواة، والتطلع إلى مستقبل يتيح لمختلف مكونات المجتمع الإسهام في بناء الوطن وازدهاره. من معركة عدوة إلى رمز أفريقي للاستقلال ترتبط المكانة التاريخية للعلم الإثيوبي بتجربة البلاد في الدفاع عن سيادتها خلال مرحلة خضعت فيها أجزاء واسعة من أفريقيا للحكم الاستعماري. وقد شكل انتصار إثيوبيا في معركة عدوة عام 1896 محطة بارزة في تاريخ القارة، إذ أظهر قدرة الإثيوبيين على التصدي للغزو الإيطالي والحفاظ على استقلال بلادهم. وتجاوز أثر هذا الانتصار حدوده العسكرية والسياسية، ليصبح مصدر إلهام لشعوب أفريقية كانت تناضل من أجل الحرية والاستقلال. فقد قدمت التجربة الإثيوبية مثالاً على قدرة الشعوب الأفريقية على الدفاع عن سيادتها، وأسهمت في تعزيز الثقة بإمكان مقاومة التوسع الاستعماري. ومع تصاعد حركات التحرر الوطني خلال القرن العشرين، اكتسبت الألوان الإثيوبية الثلاثة حضوراً في أعلام دول أفريقية عدة، وإن اختلف ترتيبها ومعانيها من دولة إلى أخرى. وأصبحت هذه الألوان مرتبطة في الوعي القاري بتطلعات الشعوب إلى الاستقلال والكرامة وتقرير المصير. وفي هذا السياق، أشار المؤرخ الإثيوبي البروفيسور أيلي بكري، في حديث نقلته هيئة الإذاعة الإثيوبية، إلى أن أكثر من عشرين دولة أفريقية تستخدم ألوان العلم الإثيوبي بصيغ مختلفة، موضحاً أن تجربة إثيوبيا في الحفاظ على استقلالها شكلت مصدر إلهام لشعوب أخرى في نضالها ضد الاستعمار. وتُعد غانا من أبرز الأمثلة على هذا التأثير؛ فبعد استقلالها عام 1957، اعتمدت علماً يتكون من الأحمر والذهبي والأخضر، تتوسطه نجمة سوداء ترمز إلى التحرر الأفريقي. واكتسبت الألوان في السياق الغاني دلالات خاصة، إذ يرمز الأحمر إلى تضحيات المناضلين من أجل الاستقلال، والذهبي إلى الثروات المعدنية، والأخضر إلى الموارد الطبيعية، فيما تجسد النجمة السوداء تطلعات التحرر الأفريقي. كما اعتمدت غينيا، عقب استقلالها عام 1958، علماً يضم الأحمر والأصفر والأخضر، بينما تبنت مالي بعد استقلالها علماً يجمع الأخضر والأصفر والأحمر. وتعكس هذه النماذج انتشار الألوان المرتبطة بالرمزية الأفريقية للاستقلال، مع احتفاظ كل دولة بدلالاتها الوطنية الخاصة. ويعكس حضور هذه الألوان في عدد من الأعلام الأفريقية مكانتها في تاريخ التحرر الوطني بالقارة، ويبرز الأثر الذي تركته التجربة الإثيوبية في تطلعات الشعوب إلى الحرية والاستقلال. وهكذا، يجمع العلم الإثيوبي بين رمزيته الوطنية وإرثه الأفريقي؛ فهو يستحضر تاريخاً من الدفاع عن السيادة، ويرتبط في الوقت نفسه بتطلعات أوسع إلى الحرية والمساواة والتقدم. من الوحدة الوطنية إلى التنمية والازدهار لا تقتصر دلالات العلم الإثيوبي على استحضار الماضي، بل تمتد إلى مسؤولية الحاضر وتطلعات المستقبل. فالوحدة التي ترمز إليها النجمة، والمساواة التي تعكسها خطوطها، والأمل الذي تجسده أشعتها، تكتسب قيمتها العملية من قدرة المجتمع على ترجمتها إلى تعاون ومشاركة في بناء الدولة. وتتطلب هذه المسؤولية تعزيز التوافق الوطني واحترام التنوع، والعمل على ترسيخ السلام والاستقرار، وتطوير المؤسسات والاقتصاد، وتوسيع فرص التنمية بما يسهم في تحسين حياة المواطنين. فالحفاظ على السيادة لا ينفصل عن بناء دولة قادرة على الاستفادة من مواردها البشرية والطبيعية وتحقيق تطلعات شعبها. وتبرز هنا أهمية فلسفة «مدمر»، التي أشار إليها رئيس الوزراء في رسالته، باعتبارها دعوة إلى التآزر وتحمل المسؤولية المشتركة، وإلى مشاركة المواطنين في صناعة مستقبل البلاد بدلاً من الاكتفاء بمراقبة تطوراتها. كما تحمل هذه الرسالة بُعداً أفريقياً، إذ تذكّر المكانة التي اكتسبتها الألوان الإثيوبية في تاريخ التحرر الوطني بأهمية التعاون والتكامل بين شعوب القارة، والاستفادة من إمكاناتها لتحقيق التنمية المستدامة، مع احترام الخصوصية الوطنية لكل دولة. ومن هذا المنطلق، يشكل يوم العلم الوطني مناسبة لربط الاعتزاز بالتاريخ بالعمل من أجل المستقبل، والتأكيد على أن الوحدة الوطنية ليست مجرد شعار، بل مسؤولية تتطلب احترام المساواة والتنوع، وتعزيز التعاون، وتوجيه الجهود نحو تحقيق الاستقرار والازدهار. إرث تاريخي وتطلع إلى مستقبل مشترك تجسد المكانة التي اكتسبها العلم الإثيوبي عبر التاريخ ارتباط الهوية الوطنية بقيم الاستقلال والوحدة والتنوع. فقد ارتبطت ألوانه بتجربة إثيوبيا في الدفاع عن سيادتها، وأصبحت مصدر إلهام لشعوب أفريقية في نضالها من أجل الحرية. واليوم، تظل هذه الرمزية حاضرة في تطلعات الإثيوبيين إلى تعزيز التوافق الوطني، وترسيخ المساواة بين مختلف مكونات المجتمع، ومواصلة مسيرة التنمية والازدهار. ومع الاحتفال بيوم العلم الوطني التاسع عشر، تتجدد مسؤولية تحويل هذه القيم إلى واقع يعزز السلام والاستقرار والتعاون بين المواطنين. فكما أسهمت الوحدة والتضحيات المشتركة في حماية استقلال إثيوبيا، يظل احترام التنوع والعمل الجماعي أساسًا لبناء مستقبلها. وهكذا، يبقى العلم الإثيوبي شاهدًا على تاريخ من الصمود، ورمزًا لوحدة شعب تتعدد ثقافاته ولغاته، وتجمعه تطلعات مشتركة إلى دولة قوية ومزدهرة.
حكومة "ميديمر" الجديدة والدبلوماسية الاستراتيجية ترسمان ملامح أسبوع محوري في إثيوبيا
Oct 12, 2026 674
بقلم : هيئة التحرير بدءاً من تجديد التفويض السياسي لمدة خمس سنوات وإعادة تشكيل الحكومة، ووصولاً إلى الشراكات الاستراتيجية عبر أفريقيا وآسيا ومحطات التنمية الكبرى؛ شكّل الأسبوع الممتد من 4 إلى 10 أكتوبر في إثيوبيا بدايةً لمرحلة جديدة من الحكم والتحول والانخراط العالمي. اختتمت إثيوبيا أسبوعاً حافلاً بالأحداث الهامة التي شملت الانتقال السياسي، وتجديد المؤسسات، والدبلوماسية رفيعة المستوى، مما مهد الطريق لحقبة جديدة مدتها خمس سنوات في ظل حكومة "ميديمر". وقد أكدت كل من إعادة تعيين رئيس الوزراء أبي أحمد، ومصادقة البرلمان على الحكومة الفيدرالية الجديدة، وتوسيع الشراكات الدولية، والمبادرات الاقتصادية الكبرى، على طموحات البلاد الرامية إلى تسريع التحول الوطني وتعزيز مكانتها الإقليمية والعالمية. انطلق الزخم السياسي لهذا الأسبوع بافتتاح الدورة البرلمانية الجديدة، مما حدد مسار المرحلة المقبلة لحكومة "ميديمر". وقد ركز خطاب الرئيس "تايي أتسكي سيلاسي" على الوحدة الوطنية، والسلام الدائم، وترسيخ الاقتصاد، ومرونة المؤسسات، وذلك في إطار سعي إثيوبيا للمضي قدماً في أجندتها التنموية وحماية سيادتها. وكانت المحطة الأبرز هي أداء رئيس الوزراء أبي أحمد اليمين الدستورية لولاية جديدة مدتها خمس سنوات، مما أرسى الأساس السياسي للإدارة القادمة. وعقب ذلك، صادق البرلمان على الحكومة الفيدرالية الجديدة، في خطوة حاسمة نحو تحويل تفويض الحكومة إلى سياسات وإصلاحات مؤسسية ونتائج تنموية ملموسة. وفي جلسته العادية الأولى ضمن الدورة البرلمانية السابعة، صادق مجلس نواب الشعب على تعيين 22 وزيراً في الحكومة الفيدرالية ممن رشحهم رئيس الوزراء أبي أحمد. وقد راعت عملية الاختيار المؤهلات العلمية والخبرة المهنية والقدرة المثبتة على التنفيذ، إلى جانب أهمية التنوع الجندري والعرقي والديني. وتهدف هذه التعيينات إلى تعزيز تقديم الخدمات العامة والدفع بالمصالح الوطنية قدماً، بما يتماشى مع تطلعات المواطنين الذين شاركوا في الانتخابات العامة التي جرت في الأول من يونيو، والتي شهدت تسجيل أكثر من 54 مليون ناخب. وفي غضون ذلك، برزت الدبلوماسية كقوة محورية في تفاعل إثيوبيا مع العالم الأوسع. سلطت المحادثات التي أجراها رئيس الوزراء آبي مع نائب الرئيس النيجيري كاشيم شيتيما في أديس أبابا الضوء على إمكانية تعميق التعاون بين اثنتين من القوى السياسية والاقتصادية الرئيسية في أفريقيا. وقد استعرضت المناقشات فرصاً في مجالات التجارة والاستثمار والتكامل القاري، مما عزز أهمية الشراكات الأفريقية القوية في تحقيق الرخاء المشترك ودفع تطلعات القارة التنموية قدماً. كما أضاف تفاعل إثيوبيا مع الهند بُعداً استراتيجياً آخر لأحداث الأسبوع؛ ففي اجتماعه مع وزير الشؤون الخارجية الهندي الدكتور إس. جايشانكار، بحث رئيس الوزراء آبي سبل توسيع التعاون الثنائي في مجالات التجارة والتعليم العالي والتبادل الثقافي والتحول الرقمي. وعكست المناقشات العلاقات الراسخة بين البلدين واهتمامهما المشترك بفتح آفاق جديدة للتعاون الاستراتيجي. وفي الوقت نفسه، ظل سعي إثيوبيا للحصول على منفذ موثوق وسيادي إلى البحر حاضراً بقوة في النقاش الوطني؛ حيث أكد الرئيس السابق لمجلس نواب الشعب، أبادولا جيميدا، عزم البلاد على المضي قدماً في تحقيق مصالحها الاستراتيجية، مشدداً على أهمية الوصول إلى البحر بالنسبة للمستقبل الاقتصادي لإثيوبيا، والربط الإقليمي، والتطلعات الجيوسياسية. كما حظيت دبلوماسية المياه باهتمام بارز؛ إذ سلط وزير المياه والطاقة، هابتامو إيتيفا، الضوء على جهود إثيوبيا لتقييم التكاليف الاقتصادية والفرص التنموية الضائعة المرتبطة بالعقبات التي تواجه المشاريع المتعلقة بنهر النيل. وقد أعادت هذه المبادرة تسليط الضوء على سعي إثيوبيا لتحقيق الاستخدام العادل للمياه وعزمها على المضي قدماً في مشاريع تنموية تخدم سكانها وتدعم التعاون الإقليمي في آن واحد. واكتسب التحول الاقتصادي زخماً إضافياً بفضل خطوة هامة في مجال تعزيز القيمة المضافة للمعادن. فقد شكل افتتاح مصفاة وطنية للمعادن النفيسة في منطقة "بولي ليمي" الاقتصادية الخاصة تقدماً ملموساً نحو توسيع نطاق معالجة المعادن محلياً، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة الاقتصادية داخل الاقتصاد الوطني، وتعزيز عائدات النقد الأجنبي. ومن خلال تطوير قدراتها على تكرير المعادن النفيسة محلياً، تسعى إثيوبيا لتحقيق طموح صناعي أوسع يتمثل في الانتقال من مجرد تصدير المواد الخام إلى الإنتاج ذي القيمة الأعلى، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل. برزت الاستدامة البيئية كجانب هام آخر؛ إذ أشاد خبراء دوليون في مجال الغابات ومسؤولون من الأمم المتحدة بمبادرة "البصمة الخضراء" في إثيوبيا، مثمنين مساهمتها في استعادة التوازن البيئي وتعزيز القدرة على الصمود في وجه التغير المناخي. وتواصل هذه المبادرة ترسيخ طموح إثيوبيا في المواءمة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة، مع المضي قدماً في الوفاء بالتزاماتها الأوسع نطاقاً بشأن المناخ والاستدامة. كما ظلت قضايا بناء السلام والاستجابة الإنسانية تحتل مكانة جوهرية في الأجندة الوطنية. وفي هذا السياق، دعت اللجنة الوطنية لإعادة التأهيل المسلحين المتبقين في إقليم تيغراي إلى تسليم أسلحتهم والانخراط في عملية إعادة التأهيل وتسريح المقاتلين، مما يبرز الأهمية المستمرة لجهود بناء السلام وإعادة الإدماج المجتمعي. وبالتوازي مع ذلك، واصلت الحكومة الفيدرالية تقديم المساعدات الطارئة للمجتمعات المتضررة من التحديات المناخية الأخيرة، مما يعكس ضرورة الجمع بين التنمية طويلة الأمد والاستجابة الفورية للاحتياجات الإنسانية. كما سلطت الاستعدادات لإحياء "الشهر الوطني السابع للأمن السيبراني" و"اليوم الوطني التاسع عشر للعلم" الضوء على أهمية الأمن الرقمي والهوية الوطنية وبناء التوافق، وذلك في ظل المشهد المحلي والدولي المتزايد تعقيداً الذي تتحرك فيه إثيوبيا. وبالنظر إلى مجمل هذه التطورات خلال الفترة من 4 إلى 10 أكتوبر، نجد حكومةً تستهل ولايتها الجديدة وسط توقعات شعبية عالية، وطموحات اقتصادية كبيرة، ومشهد جيوسياسي إقليمي يتسم بالتحديات. وتُعد عملية تجديد الحكومة والإصلاح المؤسسي ركيزتين أساسيتين في الأجندة المحلية، في حين تعكس العلاقات مع نيجيريا والهند استمرار جهود إثيوبيا الرامية إلى تنويع شراكاتها وتوسيع نطاق حضورها الدبلوماسي. وتتمثل التحدي الأكبر في ترجمة الالتزامات السياسية والزخم الدبلوماسي إلى تحسينات ملموسة في حياة المواطنين، وبناء مؤسسات أقوى، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وإرساء سلام دائم. ومع انطلاق رحلة "حكومة ميديمر" التي تمتد لخمس سنوات، فإن مسار إثيوبيا لن يتشكل فقط من خلال سعيها لتعزيز سيادتها ونفوذها الدولي، بل أيضاً من خلال قدرتها على تحقيق تنمية شاملة وتحويل الطموحات الوطنية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
حروب الوكالة التي تشنها مصر ضد إثيوبيا: قراءة جديدة لتاريخ الهزائم
Oct 11, 2026 650
بقلم: هيئة التحرير منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، لم تكن مصر يوماً جاراً وفياً أو شريكاً صادقاً في حوض النيل؛ بل دأبت على التصرف وفق منطق القوى الاستعمارية الساعية لإخضاع إثيوبيا وفرض وصاية صورية على مواردها ومستقبلها. لقد حفلت سجلات الحكومات المصرية المتعاقبة بخيبات الأمل والمؤامرات الخبيثة التي استهدفت عرقلة مسيرة التنمية للشعب الإثيوبي وحرمانه من حقه الطبيعي في التطور والنمو. ومع ذلك، تحطمت كل هذه المخططات مراراً وتكراراً أمام الصخرة الصلبة للسيادة الإثيوبية وتاريخها العريق المفعم بالعزة والكرامة. تجلى الطموح المبكر للنظام المصري في سبعينيات القرن التاسع عشر، حين سعت القاهرة لتحقيق حلم الخديوي إسماعيل بتأسيس إمبراطورية واسعة على حساب دماء الإثيوبيين وحقوقهم. وقد أرسل النظام المصري حملتين عسكريتين ضخمتين ومدججتين بالسلاح نحو المرتفعات الإثيوبية الوعرة، لكنهما واجهتا رداً إثيوبياً ساحقاً؛ ففي معركة "غوندت" عام 1875، تلقى الجيش المصري أول ضربة قاصمة لغروره على أيدي الأبطال الإثيوبيين، مما أدى إلى الانهيار التام للقوات الغازية. وجاءت معركة "غورا" عام 1876 لتسجل هزيمة أشد وطأة، إذ أُبيد الجيش المصري تقريباً ووقع المئات من جنوده في الأسر تحت ضربات القوات الإثيوبية، لتلوذ فلول جيش الخديوي بالفرار مخلفة وراءها عار الهزيمة الذي لا يُمحى. لقد أثبتت هذه الضربات التاريخية المدوية لمصر أنها أضعف بكثير من إثيوبيا في المواجهة المباشرة، مما دفعها للانكفاء نحو الجبن السياسي واللجوء -بذلّ وخضوع- إلى حروب الظل وحروب الوكالة. ولم تكتفِ مصر بمرارة الهزيمة العسكرية، بل كشفت لاحقاً عن وجه استعماري صريح في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ فعندما عارضت مصر -داخل أروقة الأمم المتحدة- عودة إريتريا إلى إثيوبيا، رفض المجتمع الدولي طموحاتها وأصدر قراراً عام 1952 يقضي بتأسيس نظام فيدرالي يجمع بين إثيوبيا وإريتريا. نظراً لأن مصر لم تقبل يوماً بوجود إثيوبيا قوية أو مستقرة، فقد سارعت إلى تقويض الترتيبات الفيدرالية وتفكيكها من الداخل، وذلك عبر تبني سياسات تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الإثيوبي. مع وصول الرئيس جمال عبد الناصر إلى السلطة في منتصف الخمسينيات، أصبحت مصر رسمياً حاضنة رئيسية للتمرد الإريتري وممولاً أساسياً للحركات الانفصالية. وقد تأسست "جبهة التحرير الإريترية" واتخذت من العاصمة المصرية قاعدة رئيسية لأنشطتها بدءاً من يوليو 1960، حيث تلقت دعماً شاملاً (مالياً ولوجستياً وتدريبياً) بهدف تقويض الوحدة الترابية لشمال إثيوبيا. ولم تتوقف مصر عند هذا الحد. فقد تم حشد جهاز إعلامي ضخم - ولا سيما إذاعة "صوت العرب" - لبث رسائل التفتيت، وتأجيج الانقسامات، ومحاولة خنق إثيوبيا استراتيجياً من خاصرتها البحرية. واستمر هذا الدعم الممنهج لعقود بهدف تكبيل إثيوبيا وإشغالها بصراعات داخلية مُنهِكة تعرقل أي مسار حقيقي للتنمية. ولم تقتصر المؤامرات على دعم الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى أروقة المنظمات الدولية والمالية عبر وسائل مشبوهة، مستغلةً النفوذ المصري في محاولة لإخضاع إثيوبيا اقتصادياً. وفي هذا السياق، يبرز الدور المثير للجدل لشخصيات مصرية بارزة، مثل بطرس بطرس غالي؛ وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية الأسبق الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام للأمم المتحدة. فقد وظّف بطرس غالي الدبلوماسية المصرية لفرض حصار مالي خانق، وحرمان إثيوبيا من القروض والتمويلات الدولية - سواء من البنك الدولي أو المؤسسات المالية الكبرى - المخصصة لمشاريع البنية التحتية والسدود على نهر "آباي" (نهر النيل)، وذلك في محاولة يائسة لتكريس هيمنة استعمارية أحادية الجانب. وتكشف التطورات الإقليمية الأخيرة عن مخاطر متزايدة ناجمة عن مساعي مصر لتشكيل جبهة منسقة ضد صعود إثيوبيا. فقد أثارت القمة الرباعية التي استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة بتاريخ 4 أكتوبر 2026 - بمشاركة مصر والسودان والصومال وإريتريا - مخاوف من سعي القاهرة لتكثيف الضغوط الإقليمية على إثيوبيا تحت غطاء التعاون الأمني. كما أن تركيز القمة على قضايا مياه النيل وأمن البحر الأحمر والتنسيق الحكومي يثير تساؤلات جدية حول الأهداف الاستراتيجية لهذا التحالف؛ وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار دعم مصر وإريتريا لقوى مناهضة للسلام تسعى لزعزعة استقرار البلاد. يشكل تضافر الضغوط الدبلوماسية، والتنسيق العسكري الإقليمي، والاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مخاطرَ في الوقت الذي تسعى فيه إثيوبيا لتحقيق طموحاتها التنموية وتأمين منفذ بحري موثوق عبر الحوار. وبدلاً من تقبّل النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي المتنامي لإثيوبيا كواقع يقتضي التعامل البنّاء، فإن مصر تخاطر بتعميق الانقسامات الإقليمية وتقويض الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي. ومع ذلك، لا يمكن لأي قمة أو تحالف سياسي أن يمحو المصالح السيادية لإثيوبيا أو يعرقل تطلعات شعبها لتعزيز مكانة البلاد ونفوذها في جميع أنحاء أفريقيا. وفي المحصلة، لم تؤدِ عقود من المؤامرات المدبرة بعناية، والحروب بالوكالة، ومحاولات العزل الدبلوماسي والاقتصادي، إلا إلى جعل إثيوبيا أكثر صموداً واعتماداً على الذات وقوةً. فعلى مر التاريخ، أثبت الشعب الإثيوبي الشجاع وقيادته أن إرادة الشعوب الحرة قادرة على التغلب على كافة أشكال العداء والوصاية المقنعة. إن التقدم المستمر الذي تحرزه إثيوبيا اليوم في مشاريعها التنموية الوطنية الكبرى، مدفوعاً بجهود أبنائها، يمثل أبلغ رد حاسم ينسف نهائياً أوهام الهيمنة المصرية، ويؤكد أن السيادة الإثيوبية خط أحمر لا يمكن انتهاكه. وتأتي الإجراءات السيادية الأخيرة التي اتخذتها إثيوبيا متماشية تماماً مع هذا النهج التاريخي؛ ففي الأول من أكتوبر من هذا العام، اتخذت إثيوبيا قراراً حاسماً بإغلاق سفارتها في أسمرة وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين "أشخاصاً غير مرغوب فيهم"، مانحةً إياهم مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، وذلك على خلفية تورطهم في أنشطة اعتُبرت تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي وفي تصعيد للأعمال العدائية. وفي اليوم نفسه، أعلنت إثيوبيا الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان "شخصاً غير مرغوب فيه"، وطالبته أيضاً بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة. ولا تعد هذه الإجراءات السيادية الحازمة سوى نتيجة طبيعية ورد مباشر على سياسات مصر المستمرة في استخدام إريتريا كوكيل لزعزعة استقرار القرن الأفريقي، في محاولة يائسة لعرقلة تقدم إثيوبيا التي تواصل الازدهار والنمو لتصبح قوة دبلوماسية واقتصادية وعسكرية صاعدة وراسخة الجذور في القارة الأفريقية.
مساعي إثيوبيا لتطوير موارد النيل من أجل التكامل الإقليمي
Oct 10, 2026 734
بقلم: يوردانوس د. 10 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية) على مدى أجيال، جرى التعامل مع نهر أباي (النيل الأزرق) باعتباره قضية تتعلق أساسًا بالنزاع على المياه. غير أن النهر يمثل بالنسبة إلى إثيوبيا أمرًا أكبر بكثير؛ فهو يرتبط بالتنمية والسيادة وحق الدولة في تحويل مواردها الطبيعية إلى مستقبل أفضل لشعبها. والأهم من ذلك أن البلاد ترى أن التنمية القائمة على نهر أباي من شأنها تسريع التكامل الإقليمي في المنطقة وخارجها. ففي بلد يواجه انعدامًا مستمرًا للأمن الغذائي، وتزايدًا في الطلب على الطاقة، ونموًا سكانيًا سريعًا، وضغوطًا ناجمة عن التصنيع، وآثارًا للتقلبات المناخية، يصبح تخزين المياه واستخدامها أمرًا لا ينفصل عن القدرة على توليد الكهرباء وري الأراضي الزراعية وإنتاج الغذاء وخلق فرص العمل وبناء اقتصاد منتج. ويُعد هذا المنظور الأوسع ضروريًا لفهم مسار إثيوبيا الطويل، الذي اتسم في كثير من الأحيان بالصعوبة، في التعامل مع نهر النيل. فالنزاع لم يبدأ مع سد النهضة، بل تعود جذوره إلى نظام إقليمي أقدم بكثير، تشكل بفعل ترتيبات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وتفاوت النفوذ السياسي، وتباين التفسيرات المتعلقة بالحقوق في النهر. لم تكن إثيوبيا طرفًا في الترتيبات البريطانية المصرية بشأن مياه النيل لعام 1929، ولا في الاتفاقية المصرية السودانية لعام 1959، ومع ذلك، لا يزال إرث هاتين الاتفاقيتين يؤثر في المواقف السياسية المتعلقة باستخدام مياه النيل. ومن ثم، لم يكن السؤال الجوهري يومًا مقتصرًا على مقدار المياه التي ينبغي لإثيوبيا استخدامها، بل تمحور حول ما إذا كان من الممكن استمرار ترتيبات تاريخية في تقييد الخيارات التنموية لدولة تقع في أعالي النهر، في وقت تغيرت فيه احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية تغيرًا جوهريًا. كما اتخذ هذا الصراع بُعدًا ماليًا. فالتنمية قد تتعثر ليس فقط بسبب العوائق المادية، بل أيضًا بفعل البيئة السياسية المحيطة بالتمويل والاستثمار والمؤسسات الدولية. وقد أظهرت تجربة إثيوبيا في مجال البنية التحتية المائية الكبرى، مرارًا، صعوبة تحويل الإمكانات الفنية إلى مشروعات تنموية مكتملة عندما يتشابك التمويل مع الاعتبارات الجيوسياسية. ولذلك، اكتسب سد النهضة أهمية تتجاوز بكثير أبعاده الهندسية؛ إذ أصبح اختبارًا لقدرة إثيوبيا على حشد شعبها ومؤسساتها ومواردها المالية لتنفيذ مشروع وطني استراتيجي، في ظل التعقيدات السياسية المرتبطة بالحصول على التمويل الخارجي التقليدي. وقد غيّر اكتمال سد النهضة هذه المعادلة، لكنه لم ينهِ التحدي التنموي الأكبر. فلا تزال إثيوبيا بحاجة إلى مزيد من البنية التحتية المائية لمعالجة نقص الكهرباء، وتوسيع نطاق الري، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الفيضانات والجفاف، ودعم التصنيع، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام. ويتمثل السؤال المطروح الآن في كيفية انتقال البلاد من مشروع بارز واحد إلى استراتيجية أوسع لتطوير الموارد المائية، تتسم بالاستدامة المالية والمسؤولية البيئية، مع الحفاظ على التعاون مع دول المصب. وفي الوقت نفسه، أصبحت قضية النيل أكثر تشابكًا مع الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي. فقد أدت تنامي القدرات الاقتصادية الإثيوبية، وتوسع صادراتها من الكهرباء، وسعيها إلى تعزيز التكامل الإقليمي، وجهودها لتأمين منفذ موثوق ومفيد للطرفين إلى البحر الأحمر، إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية للدول المجاورة والقوى الخارجية. ولذلك، ينبغي فهم هذه القضية ضمن سياق أوسع من التنافس على التنمية والنفوذ الاقتصادي والنظام الإقليمي. لكن ذلك لا يجعل المواجهة أمرًا حتميًا. بل على العكس، تكمن أقوى مقومات الموقف الإثيوبي على المدى الطويل في الجمع بين التنمية والدبلوماسية. ويمكن أن يشكل الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة أساسًا للتعاون، إذا أقرت جميع دول الحوض بأن مياه النيل يجب أن تلبي الاحتياجات القائمة ومتطلبات التنمية المشروعة في المستقبل. وليس من الضروري أن يظل النهر مصدرًا للتنافس الدائم؛ إذ يمكن، من خلال الاستثمار والتعاون العلمي وتبادل المعلومات بشفافية، وتطوير أنظمة للطاقة والزراعة تحقق منافع متبادلة، تحويله إلى محرك للتكامل الاقتصادي الإقليمي. وبالتالي، فإن قصة السياسة الإثيوبية بشأن النيل ليست مجرد قصة سد، بل هي قصة دولة تسعى إلى تجاوز القيود التاريخية التي أعاقت تنميتها، وتعزيز استقلالها المالي، وتحويل مواردها الطبيعية إلى قدرات إنتاجية. ويمثل سد النهضة فصلًا واحدًا من هذه القصة، بينما يكمن التحدي الأكبر في قدرة إثيوبيا على بناء جيل جديد من مشروعات البنية التحتية للمياه والطاقة والزراعة، بما يحول أنهارها إلى أسس للأمن الغذائي والتصنيع والتوظيف والازدهار الإقليمي. البُعد المالي يكتسب البُعد المالي لهذا التاريخ أهمية خاصة. فمن الممكن أن تتعثر التنمية دون أن يتعرض أي سد لهجوم مادي أو يُغلق أي موقع إنشائي. إذ يمكن للمعارضة الدبلوماسية للتمويل الخارجي أن تزيد المخاطر السياسية، وتثني المقرضين والمستثمرين، وتجعل تطوير مشروعات البنية التحتية الكبرى أكثر صعوبة وتكلفة. وقد وثقت دراسات أكاديمية وأبحاث متعلقة بالسياسات ادعاءات تفيد بأن مصر استخدمت نفوذها الدبلوماسي لثني المؤسسات المالية الدولية عن دعم مشروعات النيل في دول المنبع. كما تناولت أبحاث خلال مرحلة تطوير سد النهضة أنشطة ضغط شملت مؤسسات مثل بنك التنمية الأفريقي والبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي. إن النمط التاريخي الأوسع يظل ذا دلالة؛ فقد واجهت مساعي إثيوبيا لتحويل مواردها المائية إلى كهرباء ومشروعات للري مقاومة جيوسياسية متكررة. ويساعد هذا التاريخ على تفسير أهمية سد النهضة. فعندما تعذر الحصول على التمويل الخارجي التقليدي، اتجهت إثيوبيا بصورة متزايدة إلى الحشد الداخلي. فقد اشترى المواطنون السندات وساهموا من خلال المدخرات والتبرعات، في حين حشدت الحكومة ومؤسسات الدولة موارد محلية كبيرة. ونتيجة لذلك، أصبح سد النهضة أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية؛ إذ تحول إلى دليل على قدرة إثيوبيا على تمويل مشروع وطني استراتيجي، رغم الصعوبات المرتبطة بالحصول على التمويل الدولي التقليدي للمشروعات. وفي معرض حديثه عن هذا الإنجاز المحلي، أكد رئيس الوزراء آبي أحمد قائلًا: «على مدى 14 عامًا، ساهم ملايين المواطنين العاديين في تمويل بناء سد النهضة، بدءًا من المزارعين والعمال باليومية، وصولًا إلى الطلاب وموظفي الخدمة المدنية». المساءلة الاقتصادية دخلت القضية الآن مرحلة جديدة. ففي أكتوبر 2026، أعلن وزير المياه والطاقة هبتامو إيتيفا أن إثيوبيا أنشأت لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية والفرص التنموية الضائعة المرتبطة بمشروعات مائية تقول إثيوبيا إنها «عُرقلت أو جرى الحيلولة دون تنفيذها من جانب المصريين». ووفقًا للوزير، حددت اللجنة أكثر من 22 مشروعًا، من بينها سد النهضة. وقال: «الهدف الأول هو تحديد إجمالي الخسائر التي تكبدتها إثيوبيا والمطالبة بها نتيجة عرقلة تنميتنا. وقد أعددنا قائمة بأكبر عدد ممكن من المشروعات التي عارضوها، بما في ذلك سد النهضة». وتتجاوز أهمية هذه المبادرة مسألة التعويضات؛ فهي تمثل محاولة لتحديد حجم أحد أبعاد النزاع حول النيل، الذي ظل في كثير من الأحيان محصورًا في المواقف السياسية والخطابات، ويتمثل في الفرص التنموية التي تقول إثيوبيا إنها فقدتها بسبب المعارضة الخارجية. وإذا جرى توثيق هذا التقييم على نحو سليم، مشروعًا تلو الآخر، فقد يوفر أساسًا أكثر واقعية لفهم الكيفية التي أثرت بها الضغوط الدبلوماسية والقيود التمويلية والتنافس الجيوسياسي في تطوير البنية التحتية الإثيوبية على مدى عدة عقود. البنية التحتية المائية والأمن الغذائي أكدت إثيوبيا مرارًا أن استكمال بناء سد واحد لا يلبي جميع احتياجاتها التنموية. فلا يمكن بصورة معقولة توقع أن تجمد دولة يزيد عدد سكانها على 120 مليون نسمة، وتواجه تحضرًا سريعًا وتصنيعًا وانعدامًا للأمن الغذائي وارتفاعًا في الطلب على الكهرباء، تطوير بنيتها التحتية المائية عند المستوى الذي كانت عليه قبل إنشاء سد النهضة. فالبلاد بحاجة إلى مزيد من الكهرباء للمنازل والمدارس والمستشفيات وأنظمة الري والمناطق الصناعية ومرافق التصنيع والبنية التحتية للنقل والخدمات الرقمية. كما تحتاج إلى مرافق موثوقة لتخزين المياه من أجل تقليل اعتمادها على هطول الأمطار الذي تزداد صعوبة التنبؤ به. وتوصف إثيوبيا على نطاق واسع بأنها «برج المياه في شرق أفريقيا»، نظرًا إلى غزارة الأمطار في مرتفعاتها واتساع شبكات أنهارها. غير أن امتلاك الموارد المائية لا يعني بالضرورة توافر البنية التحتية اللازمة للاستفادة منها. وتضم أحواض الأنهار الرئيسية في البلاد إمكانات كبيرة لتوليد الطاقة الكهرومائية والري وإمدادات المياه، لا يزال جزء كبير منها غير مستغل. وتتجلى الفجوة التنموية بوضوح في محدودية الحصول على الكهرباء وضعف الإنتاجية الزراعية. فقد اعتمد ملايين الإثيوبيين تاريخيًا على الكتلة الحيوية التقليدية في الطهي وتوفير الطاقة المنزلية، بينما لا يزال استهلاك الفرد من الكهرباء منخفضًا مقارنة بالمعايير الدولية. وفي الوقت نفسه، لا يزال جزء كبير من الاقتصاد الزراعي يعتمد على الأمطار الموسمية، ما يجعل ملايين المزارعين عرضة للجفاف وعدم انتظام هطول الأمطار والصدمات المناخية المتزايدة الحدة. ويمكن للخزانات متعددة الأغراض، إذا صُممت على نحو سليم، أن توفر الكهرباء ومياه الري والإمدادات المنزلية وتنظيم الفيضانات وإدارة الجفاف في آن واحد. كما يمكنها إنشاء بنية تحتية تدعم تسويق المنتجات الزراعية والتصنيع، مع الحد من التقلبات الناجمة عن الأمطار الموسمية. وتظل الزراعة عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الإثيوبي وهيكل العمالة فيه. غير أن الاعتماد على الزراعة المطرية يجعل ملايين المزارعين عرضة للتقلبات المناخية. ويمكن لتوسيع نطاق الري أن يغير هذه المعادلة بصورة جوهرية. فالسدود متعددة الأغراض، المرتبطة بشبكات ري حديثة، يمكن أن تتيح للمزارعين الانتقال من الاعتماد على موسم مطري واحد إلى دورات زراعية أكثر انتظامًا، بل وإلى مواسم زراعية متعددة حيثما تسمح الظروف بذلك. ولذلك، ينبغي ألا يقتصر الهدف على بناء مزيد من الخزانات، بل يجب أن يتمثل في إنشاء أنظمة متكاملة للمياه والزراعة، تتطور فيها مرافق التخزين والري والطرق والكهرباء والأسواق ومرافق حفظ المنتجات والتصنيع الزراعي بصورة مترابطة. إنشاء احتياطيات مائية تتسم الأمطار في إثيوبيا بالموسمية الشديدة والتفاوت الجغرافي. إذ تتدفق كميات كبيرة من المياه سنويًا خلال موسم مطير قصير نسبيًا، في حين تشهد مناطق عديدة فترات جفاف ممتدة. وينشأ عن ذلك تحدٍ أساسي في إدارة المياه؛ فقد تصل كميات كبيرة منها خلال أسابيع أو أشهر قليلة، بينما تحتاج المجتمعات والمزارع إلى إمدادات موثوقة على مدار العام. وتوفر البنية التحتية للتخزين إحدى الوسائل لمعالجة هذا الاختلال. إذ يمكن للخزانات المصممة جيدًا احتجاز جزء من المياه الفائضة خلال فترات الأمطار الغزيرة، ثم إطلاقها تدريجيًا خلال فترات الجفاف. كما يمكنها الحد من ذروة الفيضانات، وتحسين موثوقية الري، ودعم توليد الكهرباء عندما تنخفض التدفقات الطبيعية للأنهار. ومن المرجح أن تزداد أهمية تخزين المياه مع اشتداد التقلبات المناخية. ولا تستطيع إثيوبيا التحكم في تغير المناخ العالمي، لكنها تستطيع تعزيز قدرتها على إدارة آثاره من خلال إنشاء الخزانات، واستعادة مستجمعات المياه، وتوسيع الري، وصون التربة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين التنبؤات الهيدرولوجية. ولذلك، يجب أن يصاحب بناء السدود اهتمام جاد بإدارة مستجمعات المياه. فالتشجير وصون التربة ومكافحة التعرية وإدارة الرواسب أمور أساسية، لأن الأداء طويل الأمد للخزانات لا يعتمد على التصميم الهندسي وحده، بل أيضًا على حالة الأحواض المائية التي تغذيها. الاستخدام المنصف للمياه لا يتعارض سعي إثيوبيا إلى تطوير مزيد من البنية التحتية المائية بطبيعته مع التعاون مع دول المصب. بل على العكس، يوفر مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول إطارًا يمكن من خلاله الاعتراف بالمصالح التنموية لجميع دول حوض النيل. وفي تأكيد لهذا الأساس القانوني، قال رئيس الوزراء آبي أحمد: «تؤكد إثيوبيا مجددًا حقها القانوني في الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل. إن تنميتنا تسعى إلى تحقيق السلام والنمو المشترك والمنفعة المتبادلة، وليس إلحاق الضرر بدول المصب». ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن دول حوض النيل لا تتمتع بمستويات متطابقة من التنمية أو الضغوط السكانية أو توافر المياه أو الاحتياجات الاقتصادية. ولذلك، يجب أن يأخذ أي إطار مستدام لإدارة الحوض في الحسبان التحولات الديموغرافية والاحتياجات التنموية المشروعة، بدلًا من تجميد الحوض عند أنماط الاستخدام التاريخية. وبناءً على ذلك، يمكن صياغة الموقف الإثيوبي باعتباره ليس مطالبة باستخدام غير محدود للمياه، بل مطالبة بتحقيق التنمية ضمن إطار تعاوني قائم على القواعد. ويمكن لإثيوبيا الاعتراف بمصالح دول المصب، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن لشعبها مصالح مشروعة أيضًا في الحصول على الكهرباء وتوسيع الري وتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الاقتصادية. الجغرافيا السياسية للضغوط التنموية أدى سعي إثيوبيا إلى تطوير الطاقة الكهرومائية والزراعة وتأمين منفذ إلى البحر الأحمر إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية الإقليمية وإثارة مخاوف جديدة لدى الدول المجاورة. وتؤكد إثيوبيا أن مشروع سد النهضة ضروري لتنميتها، وأنه يمكن تشغيله دون إلحاق ضرر كبير بدول المصب. ونتيجة لذلك، تطور الخلاف ليصبح نزاعًا على المياه ومنافسة جيوسياسية أوسع في آن واحد. ومن وجهة النظر الإثيوبية، لا يمكن بحث النزاع على الموارد المائية بمعزل عن البيئة الجيوسياسية الأوسع المحيطة بالبلاد. وعلى وجه الخصوص، أثار مسؤولون إثيوبيون وفاعلون سياسيون بصورة متزايدة مخاوف مما يعتبرونه تقاربًا بين مصر وإريتريا يهدف إلى تقييد النفوذ الإقليمي لإثيوبيا ومسارها التنموي. وتستند الرواية المتعلقة بالتقارب المصري الإريتري إلى حجة مفادها أن القاهرة وأسمرة وجدتا أرضية استراتيجية مشتركة في معارضة توسع القدرات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية لإثيوبيا. وتنبع أهمية هذه العلاقة جزئيًا من الموقع الاستراتيجي لإريتريا على البحر الأحمر، ومن القلق المصري طويل الأمد إزاء تنامي نفوذ إثيوبيا في القرن الأفريقي. كما تدعم مصر وإريتريا قوى معادية للحكومة الإثيوبية، وتسهمان في تهيئة بيئة أمنية إقليمية تفرض ضغوطًا إضافية على أديس أبابا. وتشمل هذه الادعاءات ما يتعلق بالضغوط الدبلوماسية والشبكات السياسية ودعم أطراف معارضة للحكومة الإثيوبية. إن إثيوبيا الأقوى تعني زيادة إنتاج الكهرباء، وتوسيع نطاق الري، وتعزيز القدرات الصناعية، وزيادة عائدات النقد الأجنبي، وامتلاك قدرة أكبر على اتباع دبلوماسية إقليمية مستقلة. كما تعني وجود دولة تتمتع بنفوذ أكبر في علاقاتها مع الدول المجاورة، وقدرة أوسع على السعي لتحقيق طموحها طويل الأمد في الحصول على منفذ موثوق ومفيد للطرفين إلى البحر الأحمر. ولا تتمثل الاستجابة المناسبة في المواجهة وحدها. فالرد الأقوى على الضغوط الخارجية يكمن في تسريع التنمية، وتعزيز المرونة المؤسسية، وتحقيق الاعتماد المالي على الذات، ومواصلة الانخراط الدبلوماسي. وكل ميغاواط إضافي من الكهرباء المنتجة، وكل هكتار جديد يدخل نطاق الري، وكل استثمار صناعي يجري استقطابه، وكل ربط كهربائي إقليمي يتم إنجازه، يمكن أن يقلل من مواطن الضعف التي قد تستغلها الأطراف الخارجية. الجيل القادم من السدود لعل أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة سد النهضة يتعلق بالتمويل أكثر من السياسة. فقد أثبتت إثيوبيا أن بالإمكان تمويل مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية الكبرى من خلال حشد موارد محلية كبيرة، عندما يكون التمويل الخارجي التقليدي غير متاح أو معقدًا سياسيًا. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب نهجًا أكثر تطورًا. وينبغي أن تظل الموارد المحلية عنصرًا أساسيًا، مع إمكانية دمجها بتمويل ميسر مصمم بعناية، واستثمارات القطاع الخاص، ورؤوس أموال المغتربين، واستثمارات المؤسسات، والتمويل الأخضر، والعائدات المتحققة من صادرات الكهرباء. ويتمثل الهدف في بناء نظام متنوع لتمويل البنية التحتية يقلل من التعرض للضغوط السياسية التي قد يمارسها أي طرف خارجي بمفرده. وتكتسب صادرات الكهرباء أهمية خاصة في هذا الصدد. إذ تتيح زيادة القدرة الإنتاجية لإثيوبيا إمكانية تحويل الطاقة الكهرومائية إلى عائدات من النقد الأجنبي، بالتزامن مع دعم التصنيع داخل البلاد. ولذلك، يمكن لصادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة أن تحقق هدفين: تعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي وتحسين قدرة إثيوبيا على تمويل مشروعات البنية التحتية المستقبلية. كما أن تعزيز النظام المالي المحلي من شأنه أن يمكّن إثيوبيا من تعبئة مدخراتها بصورة أكثر فاعلية. ويمكن لصناديق التقاعد ومؤسسات التأمين والبنوك وبرامج الادخار طويلة الأجل وأسواق رأس المال أن تصبح مصادر لتمويل البنية التحتية، إذا وُضعت الضمانات المناسبة وأُنشئت أطر استثمارية ملائمة. ويمثل سد النهضة محطة تاريخية، لكن لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية مسار إثيوبيا في تطوير مواردها المائية. ويتمثل التحدي المقبل في بناء استراتيجية وطنية متكاملة للمياه تشمل الأحواض النهرية الرئيسية في البلاد. التكامل الإقليمي توفر إمكانات إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية أيضًا فرصة قوية لتعزيز التكامل الإقليمي. إذ يمكن نقل الكهرباء عبر الحدود دون كثير من التعقيدات اللوجستية المرتبطة بنقل السلع المادية. وفي تأكيد لهذه الرؤية، شدد رئيس الوزراء آبي أحمد قائلًا: «سيكون التكامل الإقليمي والتجارة عاملين حاسمين في مستقبل قارتنا، إذ سيسمحان لنا بتجاوز الاعتماد على السلع الأولية وتسريع تنميتنا المشتركة». ويمكن لإثيوبيا إنتاج الكهرباء المتجددة وتصديرها إلى الدول المجاورة، واستخدام العائدات الناتجة عن ذلك لتمويل مزيد من التنمية الاقتصادية. ويمكن للسودان وجيبوتي وكينيا وغيرها من الدول المجاورة الاستفادة من كهرباء موثوقة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية نسبيًا، في حين تستفيد إثيوبيا من عائدات التصدير وتعزيز علاقاتها الاقتصادية الإقليمية. ويوفر ذلك بديلًا مهمًا للتصور التقليدي للسياسة المتعلقة بالنيل، القائم على معادلة صفرية يفوز فيها طرف ويخسر آخر. فبدلًا من التساؤل عن الدولة التي تكسب أو تخسر من كل متر مكعب من المياه، يمكن للمنطقة أن تركز بصورة متزايدة على كيفية تسخير الموارد المائية المشتركة لتوليد مزيد من الكهرباء وإنتاج المزيد من الغذاء وزيادة التجارة وتعزيز الأمن الاقتصادي للجميع. الخاتمة تستند حجة إثيوبيا بشأن مواصلة تطوير مواردها المائية إلى حقيقة واضحة: لا يمكن لدولة القضاء على الفقر، وزيادة إنتاج الغذاء، وتحقيق التصنيع، وتوفير الطاقة الحديثة لسكانها، بينما تظل إمكانات كبيرة من مواردها المائية والبنية التحتية المرتبطة بها غير مستغلة. وقد أثبت سد النهضة أن إثيوبيا قادرة على تجاوز عقبات مالية وجيوسياسية كبيرة من خلال الحشد المحلي والعزم الاستراتيجي. كما توفر مبادرة الحكومة الرامية إلى توثيق أكثر من 22 مشروعًا تقول إن مصر عرقلتها فرصة لدراسة البُعد التاريخي للنزاع بالاستناد إلى الأدلة بدلًا من الخطاب السياسي. ولذلك، لم تعد القضية الأساسية تتمثل في ما إذا كانت إثيوبيا ستطور مواردها المائية، بل في الكيفية التي ستفعل بها ذلك. فبالنسبة إلى إثيوبيا، يتجاوز تطوير المياه مسألة بناء السدود بكثير؛ إذ يتعلق بتحويل الأمطار وتدفقات الأنهار إلى كهرباء وري وغذاء وفرص عمل وإنتاج صناعي وفرص اقتصادية. أما بالنسبة إلى حوض النيل الأوسع، فيتمثل الخيار في مواصلة التعامل مع تطوير الموارد المائية بوصفه صراعًا جيوسياسيًا صفريًا، أو الاعتراف بالبنية التحتية المائية باعتبارها أساسًا محتملًا للتكامل الإقليمي. ولا يمكن إخضاع التطلعات التنموية المشروعة لإثيوبيا إلى أجل غير مسمى لأنماط الاستخدام التاريخية للمياه. ومن ثم، فإن الاستراتيجية الإثيوبية الأقوى لا تقوم على المواجهة أو التراجع، بل على الأدلة والهندسة والمرونة المالية والإدارة المسؤولة للموارد والدبلوماسية. وإذا تمكنت إثيوبيا من الجمع بين هذه العناصر، فإن أنهارها يمكن أن تتحول من أدوات للتنافس الإقليمي إلى ركائز للتحول الوطني والأمن الغذائي وأمن الطاقة والازدهار المشترك في أنحاء القرن الأفريقي.
التخريب والمؤامرات المصرية ضد إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي الأوسع
Oct 9, 2026 410
أديس أبابا، 9 أكتوبر 2026 (إينا) لا يمكن فهم حالة عدم الاستقرار السياسي المطوّلة في إثيوبيا والصراعات المتكررة فيها بالكامل من منظور الانقسامات السياسية الداخلية. فقد نشأت مواطن الضعف الداخلية هذه وتفاقمت بفعل أطراف محلية وخارجية سعت إلى تحقيق مصالح استراتيجية داخل إثيوبيا وفي مختلف أنحاء القرن الإفريقي. ومن بين الأطراف الخارجية التي كثيراً ما يحددها المحللون الجيوسياسيون تبرز مصر. ولا يقتصر الطرح الإثيوبي على أن مصر تعارض سد النهضة، بل يتمثل في أن السياسة المصرية تجاه إثيوبيا امتدت، على مدى عقود، إلى جهد سياسي ودبلوماسي أوسع يستهدف الحد من صعود إثيوبيا الاستراتيجي، وإضعاف نفوذها الإقليمي، ومنعها من بسط سيطرة أكبر على الموارد الطبيعية والاقتصادية اللازمة للتنمية الوطنية. ومن هذا المنظور، تشكل الأنشطة المصرية المتعلقة بالنيل، والصراعات السياسية الداخلية في إثيوبيا، والقضية الإريترية، والسودان، والصومال، والبحر الأحمر، وسد النهضة، أجزاءً من نمط أوسع من الضغوط الاستراتيجية. ويتمثل القلق الإثيوبي الأساسي في أن احتواء إثيوبيا المنقسمة وغير المستقرة والمقيّدة اقتصادياً أسهل من احتواء إثيوبيا المسالمة والمزدهرة والمستقلة استراتيجياً. الضغط على إثيوبيا ظل النيل المصدر الأكثر استمرارية للضغط المصري على إثيوبيا. وينبع النيل الأزرق من إثيوبيا، ويوفر حصة كبيرة من المياه المتدفقة باتجاه المصب نحو السودان ومصر. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يمثل النهر فرصة تنموية هائلة؛ إذ يمكن لمياهه توليد الكهرباء، ودعم الري، وتوسيع الإنتاج الزراعي، وتحسين الأمن الغذائي، وإنشاء الصناعات، والمساهمة في الحد من الفقر. لكن إثيوبيا واجهت لعقود نظاماً إقليمياً لإدارة المياه تشكّل إلى حد كبير بموجب ترتيبات أُبرمت من دون مشاركتها. وأصبح اتفاق مياه النيل الأنجلو-مصري لعام 1929، والاتفاق المصري السوداني لعام 1959، عنصرين أساسيين في نظام رفضته إثيوبيا باستمرار، معتبرة أنه لا يمكن أن يحدد حقوق دولة ذات سيادة تقع عند المنبع ولم تكن طرفاً في تلك الاتفاقيات. ويستند الاعتراض الإثيوبي إلى مبدأ أساسي، مفاده أن الترتيبات التاريخية بين دول المصب لا يمكن أن تمنع دولة تقع عند المنبع بصورة دائمة من استخدام مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية. ويقوم الموقف الإثيوبي على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول بالمجاري المائية الدولية. ومن هذا المنظور، فإن محاولات الإبقاء على الترتيبات التاريخية المتعلقة بالمياه على حساب إثيوبيا تتجاوز كونها خلافاً حول المياه، إذ تمثل محاولة للحفاظ على نظام سياسي يظل فيه تطور إثيوبيا وتنميتها مقيدين. تحدي النظام الإقليمي القائم أصبح بناء سد النهضة أوضح تعبير عن تصميم إثيوبيا على التحرر من ذلك النمط التاريخي. فقد حوّل المشروع علاقة إثيوبيا بالنيل من استخدام محدود لمياهه إلى مسار للتنمية الوطنية الاستراتيجية. وأثبت السد أن إثيوبيا قادرة على تعبئة مواردها المحلية، وحشد الدعم السياسي الوطني، والاستفادة من القدرات الهندسية الدولية لتنفيذ مشروع ذي أهمية قارية. وبالنسبة إلى الإثيوبيين، يمثل سد النهضة أكثر بكثير من مجرد منشأة لتوليد الطاقة الكهرومائية. فهو يمثل السيادة الوطنية، والحق في التنمية، وإصرار إثيوبيا على استخدام مواردها الطبيعية لتوليد الكهرباء، وتوسيع الصناعة، وتحسين الإنتاجية الزراعية، وخلق الفرص لملايين المواطنين. ولذلك، فُسّرت الحملة المصرية المستمرة ضد المشروع في إثيوبيا على أنها ليست مجرد معارضة لسد، بل معارضة لتحول جوهري في الموقع الاقتصادي والاستراتيجي لإثيوبيا. ويتمثل القلق الإثيوبي في أن منع البلاد من تطوير مواردها المائية سيبقيها عالقة في الفقر وانعدام أمن الطاقة، بينما تظل إمكاناتها الطبيعية الهائلة غير مستغلة. الضغوط الدبلوماسية وفقاً للمنتقدين الإثيوبيين، كان الضغط الدبلوماسي أحد أهم الأدوات المستخدمة ضد إثيوبيا. فبدلاً من الاقتصار على مواجهة إثيوبيا عبر المفاوضات الثنائية المباشرة، عمدت مصر مراراً إلى تدويل النزاع بشأن النيل والسعي إلى حشد الدعم السياسي داخل المؤسسات الإقليمية والدولية. ومن المنظور الإثيوبي، أدى ذلك إلى نشوء بيئة باتت فيها مشروعات التنمية الإثيوبية تُعامل بصورة متزايدة باعتبارها قضايا تتعلق بالأمن الدولي. ويتمثل القلق في أن الحملات الدبلوماسية قد تؤثر في المؤسسات الدولية وشركاء التنمية والمؤسسات المالية والحكومات التي ربما كانت ستدعم، لولا ذلك، طموحات إثيوبيا في مجال البنية التحتية. ويرى المنتقدون الإثيوبيون أن النتيجة تتمثل في شكل من أشكال الضغط غير المباشر. فبدلاً من إيقاف مشروع بصورة مادية، يمكن للضغوط السياسية الخارجية أن تجعل التمويل أكثر صعوبة، وتعقّد الشراكات الدولية، وتخلق حالة من عدم اليقين الدبلوماسي، وتصور المبادرات التنموية الإثيوبية على أنها مصادر محتملة لعدم الاستقرار الإقليمي. ويكتسب ذلك أهمية خاصة بالنسبة إلى دولة نامية يعتمد تحولها على استثمارات كبيرة في الطاقة والنقل والزراعة والتصنيع والبنية التحتية. استغلال مواطن الضعف الداخلية يتمثل أحد أخطر مصادر القلق الإثيوبي في التفاعل بين الضغوط الخارجية والانقسامات السياسية الداخلية. فقد شهدت إثيوبيا أزمات سياسية متكررة، وحركات تمرد مسلحة، وصراعات بين قوى سياسية وعرقية متنافسة. ويقوم الطرح الإثيوبي على أن القوى الأجنبية لا تحتاج بالضرورة إلى إنشاء هذه الانقسامات بنفسها؛ إذ يمكن استغلال المظالم القائمة أو تشجيعها أو تضخيمها سياسياً عندما يخدم ذلك المصالح الاستراتيجية الخارجية. وهنا تبرز أهمية مفهوم التخريب السياسي. فالتخريب السياسي لا يعني بالضرورة إنشاء تنظيم مسلح بصورة علنية، بل يمكن أن يشمل تقديم الدعم الدبلوماسي للقوى السياسية المعارضة، وإقامة تحالفات استراتيجية مع الحكومات المجاورة، وممارسة الضغط السياسي، وشن حملات إعلامية، والتعاون العسكري، وممارسة الضغوط الدولية. وعندما تحدث هذه الأنشطة بالتزامن مع صراع داخلي، فإنها قد تطيل أمد عدم الاستقرار وتجعل التوصل إلى تسوية سياسية أكثر صعوبة. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الخطر بالغ بصورة خاصة لأن الصراعات الداخلية المطولة تستنزف الموارد التي كان من الممكن توجيهها إلى التنمية. فالحكومة التي تكافح تمرداً مسلحاً تكون مواردها المتاحة للمدارس والمستشفيات والكهرباء والطرق والري والتصنيع وخلق فرص العمل أقل. كما أن انشغال البلاد بالأمن الداخلي يقلل من قدرتها الدبلوماسية والاقتصادية على تنفيذ المبادرات الإقليمية الكبرى. فقدان الوصول إلى البحر تمثل القضية الإريترية أحد أكثر التطورات التاريخية تأثيراً في تاريخ إثيوبيا الحديث. وقد نشأ الكفاح المسلح الإريتري نتيجة مظالم سياسية وتاريخية وقومية حقيقية، ومن غير الدقيق إرجاع الحركة بأكملها إلى قوة خارجية. ومع ذلك، جعل الموقع الاستراتيجي لإريتريا هذا الصراع جزءاً من التنافس الإقليمي. كانت إريتريا تضم الموانئ الرئيسية لإثيوبيا على البحر الأحمر، بما فيها مصوع وعصب. وأدى انفصال إريتريا في نهاية المطاف إلى تحول إثيوبيا من دولة تتمتع بوصول مباشر إلى البحر إلى دولة حبيسة. وكانت العواقب هائلة؛ إذ أصبحت إثيوبيا تعتمد على الدول المجاورة للوصول إلى التجارة البحرية الدولية، وارتفعت تكاليف نقل الواردات والصادرات، وأصبح الاعتماد الاستراتيجي على الدول المجاورة سمة دائمة من سمات وضع إثيوبيا الاقتصادي. وبالنسبة إلى الاستراتيجيين الإثيوبيين، لا يمكن فصل فقدان الوصول إلى البحر عن التاريخ الجيوسياسي الأوسع للقرن الإفريقي. وتُظهر السجلات الدبلوماسية الأمريكية التي رُفعت عنها السرية من سبعينيات القرن الماضي أن الدول العربية كانت منخرطة بعمق في السياسة الإقليمية المحيطة بالتمرد الإريتري. لكن السجل التاريخي لا يثبت أن مصر وحدها أنشأت الحركة الإريترية، بل إن بعض التقييمات الأمريكية ميّزت بالفعل بين مصر وبين الدول الأكثر نشاطاً في دعم المتمردين الإريتريين، مثل ليبيا والعراق وسوريا. ومع ذلك، كانت مصر طرفاً إقليمياً مهماً في البيئة السياسية الأوسع المحيطة بالقضية الإريترية. وبالنسبة إلى إثيوبيا، تظل النتيجة الاستراتيجية عميقة الأثر: فقدت البلاد وصولها المباشر إلى البحر الأحمر. ولا يزال هذا الفقد يؤثر في السياسة الخارجية الإثيوبية بعد عقود. وأصبح وضع إثيوبيا كدولة حبيسة أحد أهم مواطن ضعفها الاقتصادية والاستراتيجية. وتُجري البلاد الغالبية العظمى من تجارتها البحرية الدولية عبر موانئ الدول المجاورة، ما يخلق اعتماداً على البنية التحتية الأجنبية والاستقرار السياسي في الدول الأخرى وحسن علاقات الدول المجاورة. وبالنسبة إلى دولة بحجم سكان إثيوبيا وإمكاناتها الاقتصادية، فإن غياب وصول بحري سيادي وموثوق يفرض تكاليف استراتيجية كبيرة. فتؤثر نفقات النقل في أسعار السلع المستوردة، وقد تتراجع القدرة التنافسية للصادرات، وتصبح التنمية الصناعية أكثر تكلفة، كما تزداد تبعية مشروعات الطاقة والبنية التحتية للممرات الإقليمية. ولذلك، فإن سعي إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر ليس مجرد طموح جيوسياسي، بل يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتنمية الاقتصادية. ومن المنظور الإثيوبي، يمكن تفسير أي جهد خارجي لمنع إثيوبيا من إقامة شراكات بحرية موثوقة على أنه محاولة للإبقاء على مواطن ضعفها الاستراتيجية. الاصطفافات الإقليمية تزايدت المخاوف الإثيوبية مع توسع مصر في علاقاتها الأمنية والسياسية مع الدول المحيطة بإثيوبيا. وقد حظي التعاون العسكري المصري مع الصومال باهتمام خاص. ففي عام 2024، أرسلت مصر معدات عسكرية إلى الصومال عقب توقيع اتفاق أمني بين البلدين. وجاء هذا التطور في خضم تصاعد التوترات بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع أرض الصومال بشأن الوصول إلى البحر. ومن المنظور الإثيوبي، فإن توقيت هذه العلاقة وتداعياتها الاستراتيجية أمران مهمان. إذ ترى إثيوبيا أن مبادرتها المتعلقة بالوصول إلى البحر ضرورة اقتصادية واستراتيجية، بينما يتيح تنامي التعاون الأمني المصري مع الصومال احتمال مواجهة إثيوبيا بيئة سياسية إقليمية أكثر تنسيقاً. وينطبق القلق نفسه على السودان. فقد حافظت مصر على علاقات وثيقة مع مؤسسات الدولة السودانية، ولا سيما المؤسسة العسكرية السودانية. وأصبح الصراع السوداني لاحقاً ساحة أخرى تتقاطع فيها المصالح الأمنية الإثيوبية مع المصالح الإقليمية المصرية. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يثير تراكم هذه العلاقات تساؤلاً جوهرياً: هل تتحول الدول المجاورة تدريجياً إلى جزء من شبكة استراتيجية إقليمية قادرة على تقييد حرية إثيوبيا في التحرك؟ إريتريا تظل إريتريا عنصراً حاسماً آخر في الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية. فقد مرت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا بمراحل من الحرب والمصالحة وتجدد التوتر. وأدت الحرب الإثيوبية الإريترية بين عامي 1998 و2000 إلى خسائر بشرية واقتصادية هائلة. وأضعف الصراع البلدين، وعمّق عسكرة الجزء الشمالي من القرن الإفريقي. وأفرزت التطورات السياسية اللاحقة طبقة أخرى من التنافس الإقليمي. ويرى محللون إثيوبيون أن احتمال تشجيع أطراف خارجية للمواجهة بين إثيوبيا وإريتريا يشكل خطراً بالغاً. وقد أعادت التقارير الأخيرة المتعلقة بتجدد التوترات في تيغراي تسليط الضوء على مزاعم التدخل الخارجي في الصراعات الداخلية الإثيوبية. كما وردت تقارير عن دعم مصري وسوداني لقوى تهدف إلى إضعاف السيادة الإثيوبية. ويمكن للصراع الداخلي في إثيوبيا أن يتحول سريعاً إلى صراع إقليمي. تدويل الصراعات أظهر الصراع في تيغراي مدى السرعة التي يمكن بها للأزمة الداخلية الإثيوبية أن تكتسب بُعداً دولياً. فقد استقطب الصراع تدخل إريتريا والسودان وأطراف دبلوماسية دولية، وأطلق منافسة حادة بشأن الروايات المتداولة، والوصول الإنساني، والشرعية السياسية. وبالنسبة إلى إثيوبيا، عززت هذه التجربة الاعتقاد بأن الصراعات الداخلية يمكن أن تتحول إلى أدوات للتنافس الجيوسياسي الأوسع. ونتيجة لذلك، قد يجري تدويل الخلافات السياسية الداخلية. وهذه إحدى أقوى الحجج التي يطرحها منتقدو مصر الذين يتهمونها باستغلال مواطن الضعف الداخلية في إثيوبيا. ولا يتمثل طرحهم بالضرورة في أن كل حركة تمرد إثيوبية أُنشئت في القاهرة، بل في أن الأطراف الخارجية تستطيع تحديد نقاط الضعف القائمة واستغلالها لتقييد الحرية الاستراتيجية لإثيوبيا. سياسة العزلة إن إثيوبيا القوية، التي تتمتع بعلاقات مستقرة مع جيرانها، وقوة اقتصادية متنامية، وإنتاج متزايد للكهرباء، ووصول بحري موثوق، ستكون صاحبة نفوذ كبير في القرن الإفريقي. أما إثيوبيا المنقسمة سياسياً، فسيكون نفوذها أقل بكثير. وبناءً على ذلك، يرى منتقدون إثيوبيون أن محاولات إضعاف العلاقات الدبلوماسية لإثيوبيا أو الضغط على شراكاتها الإقليمية ينبغي فهمها بوصفها جزءاً من استراتيجية أوسع لاحتوائها. ولا يتطلب هذا الاحتواء مواجهة عسكرية؛ إذ يمكن أن يتحقق من خلال الضغط الدبلوماسي، والتحالفات الإقليمية، والاتفاقيات الأمنية، والضغوط السياسية، والحملات الدولية. لماذا تكتسب إثيوبيا القوية أهمية؟ إن بروز إثيوبيا كقوة اقتصادية وسياسية أكثر قوة من شأنه أن يغيّر القرن الإفريقي بصورة جوهرية. فالبلاد تمتلك إمكانات هائلة في مجال الطاقة الكهرومائية، وأراضي زراعية واسعة، وموارد للطاقة المتجددة، وسوقاً محلية كبيرة. وقد أثبت سد النهضة بالفعل قدرة إثيوبيا على تعبئة مواردها الوطنية لتنفيذ مشروعات بنية تحتية ضخمة. ويمكن لمزيد من الاستثمارات في توليد الكهرباء والري والتصنيع والزراعة وممرات النقل والبنية التحتية الرقمية أن يحوّل البلاد إلى أحد المراكز الاقتصادية الرئيسية في إفريقيا. كما أن الوصول البحري الموثوق من شأنه أن يعزز هذا التحول. وستتمتع إثيوبيا الأقوى أيضاً بقدرة أكبر على الإسهام في التكامل الإقليمي. ويمكنها تصدير الكهرباء، وتوسيع التجارة العابرة للحدود، ودعم البنية التحتية الإقليمية، والتحول إلى حلقة اقتصادية رئيسية تربط القرن الإفريقي ببقية القارة. ومن المنظور الإثيوبي، يفسر ذلك تحديداً الأهمية الاستراتيجية التي تُوليها البلاد للمحاولات الخارجية الرامية إلى تقييد إمكاناتها التنموية. ويمكن التعبير عن الموقف الإثيوبي بوضوح على النحو التالي: ينبغي ألا يُنظر إلى نفوذ مصر من خلال مفاوضات سد النهضة وحدها، بل يجب تقييمه في ضوء البيئة السياسية المتراكمة المحيطة بإثيوبيا. فقد أفرز النزاع بشأن النيل ضغوطاً دبلوماسية مستمرة. وأصبح سد النهضة الرمز المحوري لكفاح إثيوبيا من أجل الاستقلال الاقتصادي والاستراتيجي. وتشكل هذه التطورات مجتمعة أساس التصور الإثيوبي القائل إن مصر انتهجت سياسة للاحتواء الاستراتيجي. الخاتمة إن القول إن مصر تمثل عاملاً خارجياً رئيسياً وراء عدم الاستقرار في إثيوبيا لا يستلزم الادعاء بأنها أنشأت كل صراع إثيوبي. ويتمثل القلق في أن مصر استخدمت نفوذها الدبلوماسي وعلاقاتها الإقليمية وتحالفاتها السياسية لتقييد المجال الاستراتيجي المتاح لإثيوبيا، ولا سيما عندما سعت إثيوبيا إلى توسيع استخدامها لمياه النيل، وتعزيز اقتصادها، وتطوير مشروعات بنية تحتية كبرى، أو استعادة وصول موثوق إلى البحر. وقد أصبح سد النهضة أوضح مثال على هذه المواجهة. فقد اصطدم إصرار إثيوبيا على تطوير مواردها المائية بنظام إقليمي قائم يعتبره صانعو السياسات الإثيوبيون غير عادل وغير متوافق مع حق البلاد في التنمية. وتمثل قضية الوصول إلى البحر بُعداً آخر من الصراع نفسه. وتواجه إثيوبيا، بوصفها دولة حبيسة، عيوباً اقتصادية هيكلية. أما إثيوبيا التي تتمتع بوصول بحري موثوق، وكهرباء وفيرة، وزراعة متوسعة، وتصنيع متنامٍ، وتجارة إقليمية أقوى، فستتمتع باستقلال اقتصادي وسياسي أكبر بكثير. ولهذا السبب، ينظر المحللون الإثيوبيون بصورة متزايدة إلى النيل وسد النهضة والبحر الأحمر والوصول إلى البحر والسودان والصومال وإريتريا والصراعات الداخلية في إثيوبيا باعتبارها عناصر مترابطة في صراع جيوسياسي أوسع.
اتجاهات جديدة نحو السلام والتحول والنمو الاقتصادي
Oct 7, 2026 567
بقلم غيزاتشو ميكو تتركز أولويات إثيوبيا للسنة المالية الإثيوبية 2019 على ترسيخ المكاسب الاقتصادية من خلال التحول الهيكلي، والتنمية البشرية النوعية، والسلام، وتعزيز القدرات. وشكّلت الجلسة المشتركة لمجلس نواب الشعب والمجلس الفيدرالي بداية فترة سياسية ومؤسسية جديدة تمتد لخمس سنوات، حيث استعرض الرئيس تايي أتسكي سيلاسي التوجهات الوطنية الرئيسية للمرحلة المقبلة. وخلال كلمته، دعا الرئيس إلى تحقيق تنمية أسرع وأكثر خضوعاً للمساءلة واستدامة، مع إحداث تأثير أكبر في مجالات الحوكمة والإنتاجية والخدمات العامة والوحدة الوطنية والازدهار. وحدد ثماني أولويات تتمثل في حماية السلام والوحدة، والمضي قدماً في التحول الهيكلي القائم على الجودة، وتسريع التنمية التي تضع الإنسان في صميمها، والحفاظ على النمو الاقتصادي، وتحديث تنفيذ وتمويل المشروعات، وتعزيز إدارة الضرائب والدين، وتحسين التنسيق بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، وانتهاج سياسة خارجية أكثر تأثيراً وتوجهاً استراتيجياً. وأشار الرئيس إلى أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب تعزيز القدرة على التنفيذ، وخدمة عامة أخلاقية، والحوار السياسي، وتكثيف جهود مكافحة الفساد، وتوسيع نطاق تبني ممارسات التنمية الناجحة، وتعزيز القدرات التكنولوجية والدفاعية والأمنية. البناء على المكاسب الاقتصادية لخمس سنوات يوفر الأداء الاقتصادي الأخير لإثيوبيا أساساً لمرحلة التنمية المقبلة، مع تحقيق تقدم في مجالات الزراعة والري والتصنيع والتعدين والصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة والبنية التحتية والخدمات الرقمية. وعزا الرئيس تايي استمرار النمو جزئياً إلى الإجراءات التي نُفذت في إطار خطة التنمية الحكومية للعشر سنوات، بما في ذلك تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، ووقف الاقتراض غير المجدي تجارياً، واستكمال المشروعات التي تأخر تنفيذها لفترات طويلة. كما تعززت مشاركة المواطنين في جهود التنمية. وتمثل مبادرة البصمة الخضراء ومشروعات تحديث المدن وتطوير الممرات أمثلة على التعاون بين الحكومة والمجتمعات المحلية لتوسيع القدرة على التنفيذ. وتعكس المؤشرات الاقتصادية هذا الزخم، إذ بلغ الإنتاج السنوي للمحاصيل 1.3 مليار قنطار خلال السنة المالية الإثيوبية الماضية، ارتفاعاً من 335 مليون قنطار قبل سبع سنوات. وبلغت إيرادات التجارة الخارجية 11.2 مليار دولار أمريكي، فيما وصل الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 4.5 مليار دولار أمريكي. وقال الرئيس إن نمو قطاع الصناعات التحويلية بلغ 15.8 بالمائة، وتوسع حجم الائتمان إلى 1.3 تريليون بر، وبلغ التضخم 13.4 بالمائة، فيما وصلت الإيرادات المحلية الإجمالية إلى تريليون و980 مليار بر. وتظهر هذه النتائج قدرة النمو الاقتصادي الإثيوبي على الصمود في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية، وتعزز قدرة البلاد على السعي نحو السيادة الاقتصادية. من النمو إلى التحول الهيكلي ينبغي أن تنتقل المرحلة المقبلة من مجرد التوسع الاقتصادي إلى إعطاء الأولوية للجودة والإنتاجية والتحول الهيكلي. وحدد الرئيس التحول الهيكلي الشامل باعتباره ثاني الأولويات الثماني للسنة المالية الإثيوبية 2019، مع التأكيد على الزراعة والصناعة والبنية التحتية باعتبارها أسساً للنمو القادر على الاستمرار ذاتياً. وبالمثل، ينبغي أن تنتقل التنمية البشرية من مجرد توسيع نطاق الخدمات إلى تحسين جودتها وتأثيرها. ومن المتوقع أن تركز قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية بصورة متزايدة على تحسين الخدمات وتحقيق تحسن ملموس في حياة الناس. وتستهدف الحكومة رفع نسبة الحصول على الكهرباء إلى 65 بالمائة، وتوسيع نطاق الحصول على المياه النظيفة، وزيادة التغطية بالتأمين الصحي إلى 85 بالمائة، ورفع نسبة تغطية الغابات إلى أكثر من النسبة الحالية البالغة 26 بالمائة، وتوسيع برامج التغذية المدرسية لتشمل 70 بالمائة من الطلاب، إلى جانب أهداف أخرى. تسريع التنفيذ وتعزيز المساءلة يتطلب تحقيق أهداف التنمية تعزيز تنفيذ المشروعات وتمويلها. ودعا الرئيس إلى اعتماد أنظمة حديثة وسريعة وفعالة وخاضعة للمساءلة، إلى جانب تحسين الإدارة الضريبية والإدارة المنهجية للدين. كما تهدف الحكومة إلى رفع نسبة الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 9.62 بالمائة، وتعزيز مراقبة الإيرادات والنفقات العامة، وزيادة تحصيل الضرائب، وخفض التضخم إلى خانة الآحاد. وتعكس هذه الإجراءات تركيزاً أوسع على القدرة على التنفيذ. فالتقدم لا يعتمد فقط على وضع أهداف طموحة، وإنما أيضاً على تنفيذها بفاعلية. وحث الرئيس تايي موظفي الخدمة العامة المكلفين بتنفيذ الخطة على إعطاء الأولوية لاحتياجات المواطنين، وتقدير قيمة الوقت، ورفض الخمول، وأداء واجباتهم بتفانٍ. السلام والوحدة أساسان للتنمية يظل السلام والوحدة الوطنية في صميم أجندة التنمية الإثيوبية. وقال الرئيس إن النمو الاقتصادي والتقدم يتطلبان الاستقرار السياسي، داعياً إلى تعزيز الوحدة والتعاون، والابتعاد بصورة حاسمة عن العنف السياسي المسلح. وأضاف أن الممارسة السياسية ينبغي أن تقوم بدلاً من ذلك على السلام والحوار والمعرفة والاستماع المتبادل. وشدد على ضرورة تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، التي ينبغي أن تساعد على ردم الخلافات، وتعزيز الوعي السياسي والاجتماعي، ودفع مسيرة بناء الدولة على أساس مستدام. وقال الرئيس إن إثيوبيا يجب أن تنهي الحلقة التي ينتقل فيها العنف السياسي من جيل إلى آخر، وأن تستبدل بها مساراً يقوم على السلام والتنمية والوحدة. تعزيز التعاون بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم يأتي تعزيز التعاون بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية ضمن الأولويات الثماني. ودعا الرئيس المؤسسات الاتحادية والإقليمية إلى العمل بصورة تعاونية، ودعم بعضها بعضاً، والعمل بكفاءة وانسجام ودون عوائق. ويُعد هذا التنسيق ضرورياً لتحويل الأولويات الوطنية وبرامج التنمية إلى إجراءات عملية في مختلف أنحاء البلاد. وينبغي توسيع التجارب الناجحة في الإنتاجية الزراعية والتنمية الخضراء ومشروعات الممرات الحضرية على مستوى الأقاليم، والتعامل معها باعتبارها أصولاً وطنية. من القبول الدولي إلى التأثير دعا الرئيس إلى تحويل السياسة الخارجية الإثيوبية من «مجرد القبول إلى التأثير». ويتطلب ذلك توسيع دائرة أصدقاء البلاد وشركائها، وإعطاء الأولوية للسلام الإقليمي والتكامل الاقتصادي، والمضي في مبادرات دبلوماسية جريئة، وتعزيز مكانة إثيوبيا على الساحة العالمية. وقد أرست جهود إثيوبيا أساساً لقبول دولي أوسع لتطلعاتها، وأظهرت عزمها على تحقيق التنمية من خلال التعاون. كما ستوفر استضافة البلاد للمؤتمر الثاني والثلاثين للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ فرصة لإظهار التزامها الفكري والعملي بالعمل المناخي. طموحات السياحة والنمو الاقتصادي تهدف إثيوبيا إلى استقطاب أكثر من 1.6 مليون زائر خلال السنة المالية، واضعةً السياحة ضمن طموحاتها الأوسع للتنمية الاقتصادية. وقال الرئيس تايي إن هدف السياحة، إلى جانب الإجراءات الرامية إلى تعبئة الإيرادات وتعزيز الإنتاجية والبنية التحتية والزراعة والصناعة، يشكل جزءاً من الجهود الرامية إلى رفع إجمالي النمو الاقتصادي إلى أكثر من 10 بالمائة. ويتمثل الهدف الأوسع في الحفاظ على التوسع الاقتصادي مع تحسين جودته وتأثيره. مكافحة الفساد وتعزيز المؤسسات قال الرئيس إن الفساد وسوء الممارسات لا يزالان من أبرز العقبات أمام التنمية الفعالة، داعياً إلى تكثيف الجهود للقضاء عليهما. وتعتزم الحكومة تعزيز الرقابة المؤسسية، وبناء مؤسسات عامة قائمة على النزاهة والأخلاق، واتخاذ إجراءات أكثر حزماً ضد الفساد وسوء الممارسات. ويمتد هذا التركيز إلى سلوك المسؤولين وموظفي الخدمة العامة، الذين يتعين عليهم الجمع بين المعرفة والكفاءة والانضباط والمكانة الأخلاقية والشعور القوي بالمسؤولية العامة. تعزيز التكنولوجيا والدفاع والأمن تعتمد طموحات إثيوبيا التنموية أيضاً على تعزيز قوتها الوطنية الشاملة. وشدد الرئيس على تحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات من خلال التكنولوجيا الحديثة، وتعزيز القدرات الدفاعية الاستراتيجية، وتحسين القدرة الداخلية على الصمود. وستعمل الحكومة على الحفاظ على قدرات تشغيلية قوية داخل قوات الدفاع الوطني والمؤسسات الأمنية. وأشاد الرئيس بأفراد قوات الدفاع والمؤسسات الأمنية الفيدرالية لخدمتهم والتزامهم بحماية البلاد ومواطنيها. استشراف التحديات وبناء القدرات شدد الرئيس كذلك على ضرورة تحديد التحديات ومعالجتها قبل أن تتفاقم، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لها بعد ظهورها. وتُظهر التجربة التاريخية لإثيوبيا تكلفة عدم الاستعداد الكافي. ولذلك، يتعين على البلاد تحديد المشكلات في وقت مبكر، واستباق التهديدات التي تواجه وحدتها ووجودها، وتعزيز قدراتها الشاملة، وتطوير الحلول قبل أن تتفاقم الصعوبات. وسيكون التفكير العميق وتحديد المشكلات في وقت مبكر وإيجاد حلول تحولية أمراً أساسياً لتحقيق التقدم في المستقبل. وقال الرئيس تايي إن هذا النهج يعزز التركيز على القدرة على التنفيذ وتوسيع نطاق الممارسات الناجحة، بدلاً من الاستمرار في الاستجابة للمشكلات بصورة متكررة. مسؤولية مشتركة عن المستقبل في ختام كلمته، أشار الرئيس إلى أن مستقبل إثيوبيا ينبغي أن تحدده عوامل النمو والازدهار والوحدة والسلام، وليس الدمار المرتبط بالصراعات. وشدد على أن حماية البلاد والحفاظ على السلام والسعي إلى تحقيق الازدهار مسؤوليات مشتركة تقع على عاتق المواطنين، وليست التزامات تقع على الحكومة وحدها. وحث الإثيوبيين على حماية الوحدة الوطنية والسيادة، مع الحفاظ على المكاسب الأخيرة في مجالات الإنتاجية والتنمية. كما ذكّر الرئيس أعضاء المجلسين بأن تفويضهم يستمد من الشعب الإثيوبي، معرباً عن ثقته في أنهم سيؤدون مهامهم بروح المسؤولية والكفاءة والنزاهة والشفافية والعزم. وعليه، تتركز أولويات السنة المالية الجديدة على ترسيخ المكاسب الاقتصادية والمؤسسية الأخيرة، مع تعزيز السلام، وتحسين القدرات، والتنمية البشرية. وتشكل هذه الأولويات مجتمعة نهجاً يهدف إلى الحفاظ على النمو، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز قدرة إثيوبيا على السعي وراء مصالحها الوطنية.
إثيوبيا تفتتح فصلاً سياسياً جديداً بتدشين ولاية تمتد لخمس سنوات
Oct 6, 2026 390
بقلم هيئة التحرير 06 أكتوبر/ 2026 (إينا) دخلت إثيوبيا رسمياً فصلاً سياسياً ومؤسسياً جديداً يمتد لخمس سنوات، وذلك مع افتتاح الدورة السابعة لمجلس نواب الشعب، وتشكيل القيادة البرلمانية في كلا المجلسين، وتعيين رئيس الوزراء آبي أحمد وتأديته اليمين الدستورية لولاية ثانية. شكّلت أحداث 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026 إنجازاً هاماً في المسيرة الدستورية التي أعقبت الانتخابات العامة السابعة، وأرست الأساس المؤسسي للحكومة الفيدرالية الجديدة في البلاد. جمع هذا اليوم العناصر الرئيسية للنظام السياسي الجديد. فقد افتتح مجلس نواب الشعب المنتخب حديثاً أول دورة عادية له في السنة الأولى من الدورة البرلمانية السابعة، وانتخب أحمد شيدي رئيساً له، وأيليتش إيشيتي نائباً له. كما انتخب مجلس الاتحاد مفريحات كامل رئيساً له، وديستا ليدامو نائباً له، وشكّل الهياكل القيادية للجان الدائمة فيه. عيّن مجلس نواب الشعب آبي أحمد رئيسًا لوزراء جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية. وبعد تعيينه، أدى رئيس الوزراء آبي اليمين الدستورية، ليبدأ رسميًا ولايته الثانية على رأس الحكومة الفيدرالية. يمثل هذا التسلسل الانتقال من تفويض انتخابي إلى حكومة دستورية. فقد وفرت الانتخابات الأساس السياسي للإدارة الجديدة، بينما ساهم افتتاح البرلمان وانتخاب قيادته وتعيين رئيس الوزراء في إرساء المؤسسات الرئيسية التي ستعمل من خلالها الحكومة الفيدرالية خلال السنوات الخمس الجديدة. في هذا السياق، يمثل الخامس من أكتوبر أكثر من مجرد افتتاح دورة برلمانية جديدة، فهو يُشير إلى اكتمال عملية دستورية تم من خلالها ترجمة التفويض الانتخابي إلى مؤسسات حكومية فاعلة. وتأتي هذه الحكومة الجديدة عقب الانتخابات العامة السابعة التي جرت في الأول من يونيو، والتي شارك فيها أكثر من 54 مليون مواطن، وفقًا للمجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا. ومع انعقاد البرلمان المنتخب حديثًا، انتقلت البلاد من المرحلة الانتخابية إلى مرحلة جديدة ترتكز على الحوكمة والتشريع وتنفيذ السياسات والتنمية. يُضفي هذا على اليوم أهمية تتجاوز مراسمه الرسمية، إذ يُمثّل نقطة تحوّل في ترجمة التفويض المُنبثق عن الانتخابات إلى الهياكل التي ستعمل الحكومة من خلالها خلال فترة الخمس سنوات الجديدة. لذا، يُعدّ افتتاح جلسة مجلس نواب الشعب السابع حدثًا محوريًا في الدورة البرلمانية الجديدة. سيضطلع المجلس الأدنى بمسؤولياته الدستورية، بما في ذلك التشريع، والموافقة على الميزانية الفيدرالية، والإشراف على السلطة التنفيذية. وبالمثل، سيبدأ المجلس الفيدرالي، بعد تشكيل قيادته وهياكل لجانه، مهامه ضمن النظام الدستوري الفيدرالي. يُوفّر المجلسان معًا الأساس التشريعي للفترة الحكومية الجديدة، وسيُساهم عملهما في صياغة البيئة القانونية والسياسية التي تُنفّذ فيها السلطة التنفيذية برامجها، والتي تُطبّق فيها المؤسسات الإقليمية والمحلية الأولويات الوطنية في المجتمعات. يُمثّل تعيين رئيس الوزراء آبي أحمد وأداؤه اليمين الدستورية علامة فارقة في تشكيل الحكومة الجديدة. وفي خطابه عقب تعيينه، وضع آبي الولاية الجديدة ضمن إطار وطني أوسع يرتكز على الوحدة، والاستعداد، والمصالح الوطنية، والتنمية. في معرض حديثه عن الانتقال إلى المرحلة الخمسية الجديدة، أكد رئيس الوزراء على أهمية التعلم من ماضي البلاد مع الاستعداد في الوقت نفسه للظروف الوطنية والإقليمية والعالمية المتغيرة. وقال رئيس الوزراء آبي أحمد: "من الطبيعي أن يتعثر المرء مرة واحدة، لكن التعثر المتكرر ليس طبيعياً"، مشدداً على أهمية استخلاص العبر من التجارب السابقة وتعزيز جاهزية البلاد لمواجهة التحديات المستقبلية. كما وضع في رسالته الوحدة الوطنية في صميم المرحلة السياسية الجديدة. وقال رئيس الوزراء إن تحديات إثيوبيا يمكن التغلب عليها من خلال الجهد الجماعي والتعاون، مقدماً المرحلة الجديدة كفترة ينبغي فيها للمواطنين أن يتقدموا معاً. وأكد قائلاً: "لن يكون في إثيوبيا إلا مواطنون فائزون، لا خاسرون"، واصفاً التنمية الوطنية بأنها مشروع مشترك ينبغي أن تمتد فوائده لتشمل المجتمع بأسره. وتنسجم هذه الرسالة مع نهج "ميديمر" الذي طرحته الإدارة الجديدة. ويركز هذا المفهوم على التكامل والتعاون والاستخدام المشترك للقدرات الوطنية، جامعاً بين المؤسسات الحكومية والشركات والمجتمعات والتكنولوجيا والموارد البشرية والطبيعية في سبيل تحقيق أهداف التنمية المشتركة. تُتيح هذه المرحلة فرصةً لتعزيز التنسيق بين البرلمان والسلطة التنفيذية والإدارات الإقليمية والقطاع الخاص والمؤسسات الوطنية الأخرى، وربط مبادرات التنمية الفردية ضمن إطار وطني أوسع. كما قدّم رئيس الوزراء آبي أحمد المرحلة السياسية الجديدة كفرصة لتحويل الخبرات والقدرات المتراكمة لإثيوبيا إلى نتائج ملموسة. وأشار قائلاً: "لقد مضى الأمس، والغد لم يأتِ بعد، لكن اليوم قد أتى مُبشّراً"، مُؤكداً على الفرص المتاحة في الوقت الحاضر وضرورة اغتنامها. لا تبدأ الحكومة ولايتها الجديدة ببرنامج سياسي فارغ، بل ترث مجموعة من الإصلاحات وبرامج التنمية التي نُفّذت في مختلف قطاعات الاقتصاد والقطاع العام خلال السنوات الأخيرة. وتشمل هذه البرامج تحديث الزراعة، وتطوير البنية التحتية، وتوسيع نطاق الطاقة، والتحوّل الرقمي، والتصنيع، والسياحة، وإعادة تأهيل البيئة، وتشجيع الاستثمار، وإصلاح القطاع العام. تُتيح السنوات الخمس الجديدة فرصةً لترسيخ هذه المبادرات وتعزيز روابطها. ويتمثل الهدف الرئيسي في الانتقال من المشاريع الفردية والبرامج القطاعية إلى مزيد من التنسيق والتنفيذ، بما يسمح للتقدم المُحرز في مجال ما بتعزيز التنمية في مجالات أخرى. ولا تزال الزراعة تُشكّل ركيزةً أساسيةً لهذا البرنامج. ساهم توسيع نطاق الري وزيادة إنتاج القمح والأرز في تعزيز قدرة إثيوبيا على رفع الإنتاج الزراعي المحلي وتعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي. كما يمكن لزيادة الإنتاجية الزراعية أن توفر مدخلات للتصنيع الزراعي، بالإضافة إلى دعم النقل والتخزين والتجارة وتوفير فرص العمل. وأشار رئيس الوزراء في خطابه إلى توسيع إنتاج القمح الصيفي كمثال على كيفية ترجمة الأهداف الوطنية الطموحة إلى نتائج ملموسة. وذكّر بأن هذه المبادرة نُظر إليها في البداية على أنها غير واقعية من قِبل البعض، لكنه أكد أن نتائجها أثبتت قدرة إثيوبيا على زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على القمح المستورد. وتُعدّ العلاقة بين الزراعة والطاقة بالغة الأهمية. إذ يمكن لتوسيع نطاق توليد الكهرباء أن يدعم الري والتصنيع الزراعي، بينما يمكن للطاقة الموثوقة أن تعزز الصناعات الريفية وتخلق فرصًا لإضافة قيمة. وبالتالي، يمكن لتطوير الطاقة أن يُسهم ليس فقط في توفير الكهرباء، بل أيضًا في تحقيق تحول اقتصادي أوسع. وتُشكّل البنية التحتية ركيزة أساسية أخرى لهذا التحول. فالطرق والتنمية الحضرية وشبكات الطاقة وبنية الاتصالات التحتية والمرافق العامة تربط المجتمعات بالأسواق والخدمات، مع تحسين حركة الأفراد والبضائع. ويُضيف التحول الرقمي بُعدًا آخر إلى البنية الاقتصادية الناشئة. يُتيح التوسع في استخدام الهوية الرقمية، والتمويل الرقمي، والخدمات العامة الإلكترونية، والتقنيات الناشئة، فرصًا جديدة للإدارة العامة والمشاركة الاقتصادية. ويُوفر نظام "فيدا" الوطني للهوية الرقمية أساسًا لتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات، بينما تُعزز المنصات المالية الرقمية فرص المشاركة في الاقتصاد الرسمي. كما يُمكن للتكنولوجيا أن تُسهم في تحسين الإدارة الحكومية، والتعليم، والبحث العلمي، وتطوير الأعمال، وتقديم الخدمات. وبالتالي، فإن التوسع المستمر في البنية التحتية الرقمية له آثار تتجاوز قطاع التكنولوجيا نفسه، إذ يُوفر أدوات تُعزز الإنتاجية في مختلف قطاعات الاقتصاد. وتُشكل إعادة هيكلة المؤسسات المملوكة للدولة والأصول العامة وتحسين إدارتها جزءًا من الأجندة الاقتصادية. فبإمكان المؤسسات العامة الأكثر إنتاجية تعزيز توليد الإيرادات، ودعم فرص العمل، وجذب الاستثمارات، وبناء روابط أقوى مع القطاع الخاص. كما يُمكن للاستخدام الأمثل للأصول القائمة أن يُكمل الاستثمارات الجديدة ويُسهم في نظام اقتصادي أكثر إنتاجية. ويُضيف ترميم البيئة والسياحة بُعدًا آخر لمنصة التنمية. وقد وسّعت مبادرة "البصمة الخضراء" نطاق زراعة الأشجار وترميم المناظر الطبيعية، رابطةً حماية البيئة بالمرونة المناخية والتنمية المستدامة. وفي الوقت نفسه، يُتيح ترميم التراث وتطوير السياحة فرصًا حول الأصول التاريخية والثقافية والطبيعية لإثيوبيا. تتزايد ترابط هذه القطاعات ضمن نهج ميديمر الأوسع. فالتحديث الزراعي يدعم الصناعة التحويلية، وتوسيع نطاق الكهرباء يعزز الصناعة والري، والخدمات الرقمية تُحسّن الإدارة العامة والشمول المالي، والبنية التحتية تربط المنتجين بالأسواق، والسياحة تجمع بين الحفاظ على التراث والاستثمار والتوظيف. لذا، تملك الحكومة الجديدة فرصةً للتعامل مع التنمية كعملية وطنية متكاملة، لا كمجموعة من الأنشطة القطاعية المنفصلة. فالتقدم في مجالٍ ما يُرسي الأساس للتقدم في مجالات أخرى. ومن بين الجوانب الأخرى، تعزيز الروابط بين الإنتاج والبنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار والتوظيف. كما تُعدّ الوحدة الوطنية والتعاون المؤسسي عنصرين أساسيين في هذه العملية. يوفر النظام الفيدرالي إطارًا للتعاون بين المؤسسات الوطنية والإقليمية، حيث يُمثّل البرلمان الشعب ويُشرف على التشريع، بينما تُوجّه السلطة التنفيذية السياسات الوطنية وتُنفّذها، وتربط الحكومات الإقليمية البرامج الوطنية بأولويات التنمية المحلية. أكّد رئيس الوزراء آبي أحمد في خطابه على هذا البُعد الجماعي، داعيًا الإثيوبيين إلى المضي قدمًا معًا، ومؤكدًا على ضرورة أن تتجاوز المصالح الوطنية الخلافات السياسية. وأشار إلى التعاون بين الفاعلين السياسيين في القضايا ذات الأهمية الوطنية كدليل على إمكانية التعايش بين الاختلافات والتعاون عندما تُوضع المصالح المشتركة في صميم الاهتمام. كما تدخل الحكومة ولايتها الجديدة وفي ظلّ ارتباط وثيق بين المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية لإثيوبيا وأجندتها التنموية. ولا يزال الوصول إلى البحر أولوية وطنية طويلة الأمد، حيث تُشدّد الحكومة على الحوار السلمي والتفاوض والترتيبات ذات المنفعة المتبادلة. وأعاد آبي أحمد تأكيد هذا الموقف في خطابه بتاريخ 5 أكتوبر، قائلًا: "سنعمل بلا كلل لضمان حصول إثيوبيا على منفذ بحري". ترتبط هذه القضية بطموحات إثيوبيا الاقتصادية الأوسع، إذ أن الربط البحري الموثوق به له آثار على التجارة والخدمات اللوجستية والاستثمار والتكامل الاقتصادي الإقليمي. كما يتيح موقع إثيوبيا الجغرافي فرصًا لتعزيز العلاقات الاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والقارة الأفريقية عمومًا، من خلال التعاون في مجال الطاقة، وربط البنية التحتية، والتجارة، والخدمات الرقمية. وقد وضع رئيس الوزراء هذه الطموحات ضمن رؤية أوسع لمستقبل إثيوبيا، مؤكدًا على ضرورة ألا تقتصر البلاد على تحويل اقتصادها فحسب، بل عليها أن تطمح إلى المساهمة في التحول خارج حدودها. وبذلك، تبدأ الولاية الجديدة التي تمتد لخمس سنوات بمزيج من المؤسسات الراسخة، والإصلاحات الجارية، وبرنامج تنموي شامل. وقد تم تشكيل القيادة البرلمانية، والسلطة التنفيذية الاتحادية، وتولى رئيس الوزراء رسميًا ولايته الثانية. تكمن أهمية الخامس من أكتوبر في الجمع بين هذه العناصر. فقد وفرت الانتخابات التفويض، ووفر الدستور العملية، ووفر البرلمان الآلية المؤسسية، واكتملت مرحلة محورية في تأسيس الإدارة الجديدة بتعيين رئيس الوزراء وأدائه اليمين الدستورية. يمكن الآن تحويل التركيز من المرحلة الانتقالية السياسية إلى مرحلة التنفيذ. سيتولى البرلمان سنّ القوانين وممارسة الرقابة، بينما ستتولى السلطة التنفيذية صياغة السياسات وتنفيذها، وستُدمج الحكومات الإقليمية الأولويات الوطنية في التنمية المحلية. كما سيساهم قطاع الأعمال والمستثمرون والمواطنون في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الأوسع نطاقًا. وبالتالي، تُتيح هذه الدورة الجديدة فرصةً لربط شعب إثيوبيا ومؤسساتها ومواردها وبرامجها التنموية حول أجندة وطنية مشتركة. كما تُرسّخ إطارًا لدمج الخبرة التاريخية للبلاد مع التكنولوجيا الحديثة والمؤسسات والمعرفة العالمية. ويسعى هذا النهج إلى الحفاظ على نقاط قوة إثيوبيا في الماضي مع بناء القدرات اللازمة لاقتصاد متغيّر وعالم أكثر ترابطًا. ويمكن تحديث الزراعة مع تعزيز إنتاج الغذاء، ويمكن للطاقة المتجددة دعم التصنيع، ويمكن للخدمات الرقمية تحسين الوصول إلى الحكومة والتمويل، ويمكن للسياحة الجمع بين التراث وفرص العمل، ويمكن للبنية التحتية ربط المنتجين والمستهلكين عبر المناطق. ويُعدّ هذا الدمج جوهريًا لنهج "ميديمر" ولإطار التنمية الأوسع نطاقًا المُقدّم للدورة الجديدة. وستعتمد أهميته العملية في نهاية المطاف على مدى فعالية المؤسسات المُنشأة حديثًا في تنسيق السياسات وتخصيص الموارد وتنفيذ البرامج. لذا، يُمثّل الخامس من أكتوبر 2026 أكثر من مجرد افتتاح دورة برلمانية جديدة. فهو يُشير إلى انتقال إثيوبيا الرسمي من الانتخابات العامة السابعة إلى مرحلة جديدة من الحكم الدستوري والتنمية الوطنية، مع بدء البرلمان السابع أعماله وبدء رئيس الوزراء آبي أحمد ولايته الثانية. وقد اكتملت الآن المؤسسات الرئيسية، وانتقلت الولاية السياسية إلى إطار مؤسسي، وتولت الحكومة الفيدرالية الجديدة مسؤولية السنوات الخمس المقبلة. وتُتيح الولاية المقبلة فرصة لترسيخ الإصلاحات الجارية، وتعزيز المؤسسات، وربط مبادرات التنمية في إثيوبيا بشكل أوثق. ويمكن الآن التركيز بشكل متزايد على التنفيذ، والإنتاجية، وتقديم الخدمات، والاستثمار، والتوظيف، والفرص الاقتصادية الأوسع. وبهذا المعنى، فإن تشكيل الحكومة ليس نهاية المطاف السياسي. إنها العملية التي بدأت بإجراء الانتخابات، وتمثل بداية مرحلة تولي مهام الحكم؛ فقد باشر البرلمان السابع أعماله، وتأسست السلطة التنفيذية الاتحادية رسمياً، وتولى رئيس الوزراء مهام ولايته الثانية. وبذلك، أصبحت الأسس المؤسسية مهيأة لتمكين الإدارة الجديدة من المضي قدماً في تنفيذ أجندتها الوطنية، وترجمة التفويض الشعبي الذي حازت عليه في الدورة البرلمانية الجديدة إلى سياسات وبرامج ونتائج تنموية ملموسة. لقد انتقلت إثيوبيا من مرحلة الانتخابات إلى مرحلة الحكم، ومن التفويض الشعبي إلى العمل المؤسسي، ومن مرحلة الانتقال السياسي إلى مرحلة جديدة من التنمية الوطنية. وتبدأ الآن هذه الفترة الخمسية الجديدة مدعومةً بالمؤسسات والقيادة والإطار الدستوري اللازم لتحويل تلك اللحظة الفارقة إلى مسارٍ مستدامٍ من التنفيذ والإنجاز التنموي الوطني.
إثيوبيا تشكل حكومة جديدة وتتحدى أعداءها الإقليميين وأتباعهم
Oct 5, 2026 415
بقلم: هيئة التحرير 5 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية) اليوم، صنعت إثيوبيا التاريخ بتشكيل حكومة جديدة عقب أكبر انتخابات ديمقراطية في أفريقيا. وتمثل هذه المحطة شهادة قوية على صمود الديمقراطية والدولة الإثيوبية، اللتين واجهتا تحديات هائلة من أعداء إقليميين وأتباعهم. وعلى الرغم من المحاولات المتكررة من جانب قوى معادية لشن الحرب على إثيوبيا، وتقويض استقرارها، والحيلولة دون تشكيل حكومة منتخبة ديمقراطيًا، فإن إثيوبيا لم تصمد أمام هذه التحديات فحسب، بل خرجت منها أكثر قوة وتصميمًا ووحدة. وقد حظيت الانتخابات الأخيرة، التي أدلى فيها أكثر من 54 مليون إثيوبي بأصواتهم، باعتراف وتقييمات إيجابية من شركاء ومراقبين دوليين. وأقرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وسويسرا والاتحاد الأفريقي، إلى جانب جهات دولية أخرى، بالعملية الانتخابية ونتائجها، بما يعكس تنامي الثقة الدولية في التحول الديمقراطي في إثيوبيا. غير أن هذا الإنجاز لم يتحقق بسهولة. لقد واجه المسار الديمقراطي في إثيوبيا اختبارات وتحديات عديدة وضغوطًا إقليمية. وكان من أخطر هذه التحديات أنشطة قوى تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد، بما في ذلك النظام الإريتري وعناصر مناهضة للسلام مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي. فالنظام الإريتري، الذي لم يشهد أي انتخابات وطنية في تاريخه، تدخل مرارًا في شؤون الدول المجاورة. وقد جعل حكمه الاستبدادي المستمر منذ عقود، وانخراطه في الصراعات الإقليمية، من إريتريا مصدر قلق مستمر في منطقة القرن الأفريقي. كما أدى التقارب بين النظام الإريتري والقوى المناهضة للسلام إلى زيادة تعقيد البيئة الأمنية الإقليمية. وقد حاولت القوى الساعية إلى منع إثيوبيا من ترسيخ مؤسساتها الديمقراطية مرارًا استغلال الانقسامات الداخلية وإضعاف الدولة الإثيوبية. ومع ذلك، فشلت تلك الجهود في وقف التحول السياسي في إثيوبيا. وتمكنت الحكومة الإثيوبية وقوات الدفاع من الصمود أمام هذه التحديات، ما مكّن البلاد من المضي قدمًا في العملية الديمقراطية وتشكيل حكومة جديدة اليوم. ولا يمثل ذلك مجرد انتقال سياسي، بل يشكل محطة مهمة في التاريخ الحديث لإثيوبيا. ويؤكد تشكيل الحكومة الجديدة أن المؤسسات الديمقراطية والدولة في إثيوبيا أثبتتا قدرتهما على الصمود حتى في ظل ضغوط هائلة. كما يبعث برسالة واضحة مفادها أن البلاد لن ترضخ للترهيب أو تسمح لقوى تسعى إلى تقويض سيادتها واستقرارها وتطلعاتها الديمقراطية بعرقلة مسارها. تباين صارخ في القرن الأفريقي يتزايد وضوح التباين بين إثيوبيا وإريتريا. ففي الوقت الذي مضت فيه إثيوبيا قدمًا في عملية انتخابية وطنية شارك فيها أكثر من 54 مليون ناخب، ومضت نحو تشكيل حكومة جديدة، لا تزال إريتريا من دون انتخابات وطنية منذ استقلالها، وتواجه انتقادات واسعة بسبب القمع السياسي والقيود المفروضة على الحريات الأساسية. كما وصفت منظمات حقوقية دولية إريتريا بأنها واحدة من أكثر دول العالم قمعًا، مع سعي العديد من مواطنيها إلى إيجاد فرص لمغادرة البلاد. وفي الوقت نفسه، يرى منتقدون أن الحكومة الإريترية أولت اهتمامًا مفرطًا للأمن الإقليمي والتدخل السياسي، بدلًا من بناء اقتصاد داخلي أكثر قوة وازدهارًا. وعلى النقيض من ذلك، تواصل إثيوبيا تنفيذ أجندة طموحة للتحول الاقتصادي وتسعى إلى ترسيخ مكانتها بين الاقتصادات الرائدة في أفريقيا، وإحدى أسرع الاقتصادات نموًا في العالم. ولذلك، فإن الاختلاف لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب. بل يعكس مسارين مختلفين بصورة جوهرية؛ أحدهما يتمحور حول التحول المؤسسي والتحول الاقتصادي والحكم الديمقراطي، بينما يتسم الآخر بحكم استبدادي طويل الأمد وتوترات إقليمية. ديمقراطية إثيوبيا الصامدة: رسالة إلى أفريقيا إن تشكيل الحكومة الإثيوبية الجديدة لا يمثل أهمية للبلاد وحدها، بل للقارة الأفريقية بأسرها أيضًا. فهو يبرهن على قدرة المؤسسات الديمقراطية والدولة على الصمود حتى في ظل بيئة سياسية وأمنية شديدة الصعوبة. وبالنسبة إلى دولة بحجم إثيوبيا وأهميتها الاستراتيجية، فإن لهذا الأمر أهمية بالغة. فإثيوبيا مركز سياسي واقتصادي ودبلوماسي رئيسي في أفريقيا، واستقرارها له تداعيات مباشرة على القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر والقارة على نطاق أوسع. كما أن الاعتراف الدولي بالعملية الانتخابية في إثيوبيا يعزز أهمية هذا التحول. ويُظهر انخراط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا وسويسرا والاتحاد الأفريقي وشركاء دوليين آخرين، إلى جانب تقييماتهم الإيجابية، أن العملية الديمقراطية في إثيوبيا تحظى باهتمام دولي كبير. غير أن تشكيل حكومة جديدة لا يمثل نهاية المسيرة. ومن المتوقع أن تفتح إدارة دولة مدمر (التآزر) الجديدة فصلًا جديدًا من خلال تعزيز المؤسسات الديمقراطية، وترسيخ السلام، وتسريع التنمية الاقتصادية، وتقريب وجهات النظر السياسية، والحفاظ بحزم على سيادة إثيوبيا ومصالحها الوطنية. كما ستواصل البلاد مواجهة ضغوط من أطراف إقليمية وقوى تعارض صعودها السياسي والاقتصادي. ومع ذلك، فإن إنجاز اليوم يبعث برسالة قوية مفادها أن إثيوبيا صمدت. وأن إثيوبيا انتصرت. وأن إثيوبيا تمضي قدمًا. ويمثل تشكيل الحكومة الجديدة محطة تعكس تصميم الشعب الإثيوبي على مواصلة السعي نحو الديمقراطية والحرية والتنمية والسيادة الوطنية، رغم المحن الهائلة. ومع دخول إثيوبيا هذا الفصل السياسي الجديد، فإن نجاحها ستكون له أهمية تتجاوز حدودها بكثير. فإثيوبيا مستقرة وديمقراطية وقوية اقتصاديًا يمكن أن تصبح ركيزة قوية للسلام والتكامل والازدهار في القرن الأفريقي والقارة بأسرها. وفي المحصلة، قطعت المسيرة الديمقراطية لإثيوبيا اليوم خطوة تاريخية جديدة إلى الأمام.
إثيوبيا تعيد رسم موقعها القاري والعالمي
Oct 5, 2026 191
أديس أبابا، 5 أكتوبر 2026 (إينا) تدخل إثيوبيا فصلاً حاسماً في تاريخها الطويل والعريق، ساعية إلى تحويل إمكاناتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي وإرثها الدبلوماسي إلى نفوذ أكبر في أفريقيا وعلى الساحة الدولية. وتسعى البلاد إلى ترسيخ مكانتها ليس باعتبارها مجرد طرف مشارك في التحول الذي تشهده أفريقيا، بل فاعلاً مؤثراً قادراً على الإسهام في تشكيل مسارات التكامل الإقليمي والتعاون الاقتصادي والسلام والأمن. وتتزامن هذه الطموحات مع تحولات سياسية واقتصادية ومؤسسية مهمة تشهدها إثيوبيا داخلياً. تشكيل حكومة جديدة يمثل تشكيل الحكومة الجديدة مرحلة مهمة في التطور السياسي والمؤسسي لإثيوبيا. فالانتقال من العملية الانتخابية إلى تشكيل إدارة جديدة يتيح فرصة لتعزيز المشاركة العامة والمساءلة المؤسسية والحكم السلمي. وتتطلب التنمية الوطنية المستدامة أكثر من مجرد النمو الاقتصادي؛ فهي تعتمد على مؤسسات خاضعة للمساءلة، وتماسك اجتماعي، وثقافة سياسية قادرة على إدارة الاختلافات من خلال الحوار والعمليات الدستورية. ومع دخول إثيوبيا عام 2019 من التقويم الإثيوبي وتشكيل حكومة اتحادية جديدة عقب الانتخابات العامة السابعة، تعمل البلاد على تحويل الشرعية الانتخابية إلى حوكمة فعالة. وتتجاوز أهمية هذا الانتقال مجرد تشكيل المؤسسات. فهو يمثل فرصة لترسيخ الإصلاحات، وتعزيز المؤسسات العامة، وبناء التماسك الوطني، واستعادة الثقة في العملية الديمقراطية. صعود إثيوبيا في أفريقيا والعالم يتزايد نفوذ إثيوبيا في المجالات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والاستراتيجية. وتتمتع البلاد، باعتبارها موطناً لإحدى أكبر التجمعات السكانية في أفريقيا، واقتصاداً يشهد تحولاً، وموقعاً محورياً في القرن الأفريقي، بإمكانات كبيرة للتأثير في الديناميات الإقليمية. ويمتد ثقلها الدبلوماسي إلى ما هو أبعد من حدودها. وباستضافتها مقر الاتحاد الأفريقي، تظل أديس أبابا مركزاً دبلوماسياً رئيسياً. كما يوفر الإرث الدبلوماسي الطويل لإثيوبيا، إلى جانب انخراطها في الهيئات الإقليمية والدولية، منصة قوية للمساهمة في تشكيل الشؤون القارية والدولية. ويضع هذا الدور المتنامي إثيوبيا عند تقاطع عدد من الأولويات القارية، تشمل التكامل الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وأمن الطاقة والسلام والأمن والأمن الغذائي والربط الإقليمي. وإذا أُديرت هذه المجالات بفعالية، فإنها يمكن أن يعزز بعضها بعضاً، وأن تجعل من إثيوبيا محفزاً للازدهار الجماعي. تسريع التكامل تحمل طموحات إثيوبيا في مجال البنية التحتية تداعيات إقليمية كبيرة. فالاستثمارات واسعة النطاق في الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية والتنمية الصناعية يمكن أن تسهم في ربط الأسواق وتوسيع نطاق الحصول على الكهرباء وإنشاء ممرات اقتصادية جديدة في أنحاء القرن الأفريقي. ويمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير، على سبيل المثال، أكثر من مجرد رمز لأمن الطاقة الوطني. فهو يعكس جهود إثيوبيا لتسخير مواردها الطبيعية من أجل التنمية الإقليمية الأوسع، من خلال زيادة توليد الكهرباء وتصديرها. وتشكل الطاقة الموثوقة والميسورة التكلفة أساساً للتصنيع والتحول الرقمي وخلق فرص العمل. كما تسهم الأسواق المترابطة في تقليص المسافات الاقتصادية بين الدول المجاورة، وتعزيز أسس التجارة الإقليمية وتحسين ترابط البنية التحتية، إلى جانب الثقة السياسية والمؤسسات القابلة للتنبؤ والأطر الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة. وبالنسبة لإثيوبيا، يمثل الترابط هدفاً اقتصادياً وأداة دبلوماسية حيوية في الوقت نفسه. ترسيخ الاستقرار بالنسبة لدولة غير ساحلية يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، يمثل الوصول الموثوق إلى البحر مصلحة وطنية استراتيجية. فالاتصالات البحرية الموثوقة تحدد تكاليف التجارة وكفاءة سلاسل الإمداد والقدرة التنافسية للصناعة والوصول إلى الأسواق. ويعكس سعي إثيوبيا إلى الوصول البحري الحقائق الجيوسياسية الأوسع في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومن الواضح أن الترابط البحري يمكن، من خلال الحوار البناء والاتفاقات التفاوضية والمنفعة المتبادلة واحترام السيادة، أن يكون جسراً بدلاً من أن يصبح نقطة خلاف. ويمكن لإطار مستقر للوصول إلى البحر أن يربط السوق الاستهلاكية الإثيوبية والقدرات الإنتاجية للبلاد باقتصادات الدول المجاورة، بما يوسع التجارة ويجذب الاستثمارات ويعزز الاعتماد الاقتصادي المتبادل على المستوى الإقليمي. وفي هذا السياق، تصبح الطموحات البحرية جزءاً من رؤية أوسع، تدعم فيها شبكات الترابط المشتركة الاستقرار والسلام على المدى الطويل. من الإرث التاريخي إلى الازدهار المشترك لا يمكن فصل طموحات إثيوبيا المعاصرة عن إرثها التاريخي. فباعتبارها واحدة من أقدم الحضارات في أفريقيا ورمزاً راسخاً للسيادة، تحتل إثيوبيا مكانة فريدة في التاريخ الأفريقي. ومن خلال حفاظها على استقلالها خلال التوسع الاستعماري الأوروبي، أصبحت إثيوبيا رمزاً للكرامة الأفريقية وتقرير المصير والوحدة الأفريقية. غير أن المكانة التاريخية وحدها لا يمكن أن تضمن النفوذ في المستقبل. وتتمثل مهمة إثيوبيا الحالية في تحويل مكانتها التاريخية إلى قوة اقتصادية حديثة، وقدرات مؤسسية، وفرص ملموسة لشعبها. ويتطلب فصل إثيوبيا المقبل تحقيق توازن بين التاريخ والطموح، والاستفادة من إرثها الدبلوماسي وموقعها الاستراتيجي واستثماراتها في البنية التحتية لدفع عجلة النمو. فقد منح ماضي إثيوبيا أفريقيا رمزاً قوياً للاستقلال، بينما يتيح مستقبلها إمكانية إظهار كيف يمكن للسيادة والترابط والتعاون أن تسهم في بناء ازدهار إقليمي مشترك.
إثيوبيا وأسبوع الحسم الاستراتيجي: التكامل والحوار الوطني وخطوة جريئة نحو المطالبة بتعويضات عن أضرار التنمية في حوض النيل
Oct 5, 2026 390
بقلم: هيئة التحرير 27 سبتمبر – 3 أكتوبر 2026 اختتمت إثيوبيا الأسبوع بسلسلة من التطورات التي أكدت دورها المتنامي والحازم في رسم ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل. فمن الدفع بالتكامل الاقتصادي الإقليمي، ونقل الحوار الوطني الذي طال انتظاره نحو مرحلة التنفيذ، إلى إطلاق تقييم رسمي للخسائر الاقتصادية المرتبطة بمشروعات المياه التي مصر عرقلتها، أظهرت البلاد إصراراً متزايداً على مواصلة التنمية وتحقيق التوافق الوطني والدفاع عما تعتبره مصالحها المشروعة في المنطقة وحقوقها في الموارد المائية. وشهد الأسبوع أيضاً اتخاذ إثيوبيا إجراءات دبلوماسية حازمة تجاه إريتريا ومصر، مع استمرارها في التأكيد على التعايش السلمي والاستقرار الإقليمي والتعاون. التكامل الإقليمي: إثيوبيا تتطلع إلى ما وراء حدودها سلّطت مشاركة رئيس الوزراء آبي أحمد في مراسم وضع حجر الأساس لمصفاة النفط الكينية الضخمة في لامو الضوء على استمرار مساعي إثيوبيا لتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي. ومن المتوقع أن تصبح المصفاة، التي تدعمها مجموعة دانغوتي، إضافة رئيسية إلى البنية التحتية للطاقة في شرق إفريقيا. وتقع المنشأة على طول ممر لامو – جنوب السودان – إثيوبيا للنقل الاستراتيجي، وقد صُممت لمعالجة النفط الخام وتوفير المنتجات النفطية المكررة، بما فيها البنزين والديزل ووقود الطائرات، للأسواق الإقليمية. وقال رئيس الوزراء آبي، خلال المراسم التي حضرها رؤساء دول وحكومات إفريقية، ورجل الأعمال والصناعي أليكو دانغوتي، ووزراء وسفراء وشخصيات بارزة أخرى، إن المشروع سيوفر لإثيوبيا مصدراً إقليمياً إضافياً للمنتجات النفطية المكررة، إلى جانب إتاحة فرص جديدة للتجارة والاستثمار. وظلت الاقتصادات الإفريقية لسنوات تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المكرر خارج القارة، الأمر الذي جعلها عرضة لاضطرابات الأسواق العالمية وتقلبات الأسعار. ومع توسع المدن الإفريقية وارتفاع الطلب الصناعي، شدد آبي على أهمية تطوير قدرات التكرير بالقرب من المستهلكين الأفارقة وبناء أنظمة إمداد إقليمية أكثر قدرة على الصمود. وقال: «توفر مصفاة لامو وسيلة لتغيير هذا التوازن»، مشيراً إلى أن المشروع يمكن أن يقرّب قدرات تكرير النفط من الأسواق الإقليمية. ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية للمشروع على إنتاج الوقود، إذ إن موقعه على طول ممر لامو – جنوب السودان – إثيوبيا للنقل يمكن أن يعزز الروابط بين مراكز الإنتاج وشبكات النقل والأسواق الإقليمية، بما يسهم في زيادة الترابط بين اقتصادات شرق إفريقيا. ووفقاً لمجموعة دانغوتي، فإن مصفاة النفط في لامو بكينيا، التي تبلغ تكلفتها 16 مليار دولار أمريكي وتصل طاقتها الإنتاجية المخططة إلى 700 ألف برميل يومياً، تمثل خطوة رئيسية في مسيرة التصنيع الإفريقي. وبالنسبة إلى إثيوبيا، يحمل المشروع دلالة أوسع، تتمثل في تنامي النظر إلى البنية التحتية الإقليمية ليس باعتبارها أصولاً وطنية فحسب، بل أيضاً أساساً للنمو الاقتصادي المشترك وتعزيز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات. الحوار الوطني يدخل مرحلة جديدة على الصعيد الداخلي، انتقل الحوار الوطني الإثيوبي من مرحلة المداولات إلى مرحلة التنفيذ. وسلّمت لجنة الحوار الوطني الإثيوبي رسمياً بنود جدول الأعمال والتوصيات التي جرى توحيدها إلى مجلس نواب الشعب والحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية، بحضور رئيس الوزراء آبي أحمد. ويمثل هذا التسليم تحولاً مهماً من المشاورات على مستوى البلاد وبناء التوافق إلى النظر المؤسسي في التوصيات والعمل على تنفيذها. وقال رئيس الوزراء آبي إنه حضر عملية التسليم الرسمية وأشرف عليها، واصفاً إياها بأنها محطة مهمة في مسار الحوار الوطني بالبلاد. من جانبه، قال رئيس لجنة الحوار الوطني الإثيوبي، البروفيسور مسفن أرايا، إن العملية أثبتت قدرة الإثيوبيين على الانخراط في حوار حضاري، وتجاوز الخلافات، وبناء التوافق حول القضايا الوطنية المشتركة. وقد أُنشئت اللجنة بموجب الإعلان رقم 1265 لسنة 2021، وكُلّفت بالمساعدة على معالجة المظالم والخلافات التاريخية المتجذرة من خلال عملية وطنية شاملة وسلمية ومنظمة. وأجرت اللجنة مشاورات في الولايات الإقليمية الإثيوبية الاثنتي عشرة، وفي إدارتي مدينتي أديس أبابا ودير داوا، وجمعت أكثر من ألفي مقترح بشأن جدول الأعمال من المواطنين. وحقق الحوار الوطني لاحقاً توافقاً بشأن المحاور الموضوعية الثمانية، قبل تنسيق بنود جدول الأعمال والتوصيات وتوحيدها في صيغة متكاملة. ولم يعد التحدي الآن مقتصراً على التوصل إلى التوافق، بل أصبح يتمثل في تحويل هذا التوافق إلى إجراءات مؤسسية ملموسة. ويأتي هذا التطور مع دخول إثيوبيا مرحلة سياسية جديدة عقب اختتام الانتخابات العامة السابعة وتشكيل المجالس الإقليمية ومجالس المدن المنتخبة حديثاً. وقد أكملت المجالس الإقليمية تشكيل حكوماتها وانتخاب كبار المسؤولين الإداريين، ما أرسى الأساس المؤسسي للمرحلة المقبلة من الحكم. خطوة إثيوبية جريئة بشأن النيل: تقييم تكلفة عرقلة التنمية لعل أبرز التطورات المتعلقة بالنيل خلال الأسبوع جاء من وزارة المياه والطاقة. فقد أنشأت إثيوبيا لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية الضائعة المرتبطة بمشروعات المياه التي تقول البلاد إن «المصريين منعوها أو عرقلوها». وفي مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية، قال وزير المياه والطاقة هبتامو إيتيفا إن اللجنة حددت حتى الآن أكثر من 22 مشروعاً تنموياً، من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير، تقول إثيوبيا إنها واجهت عرقلة من مصر. وقال الوزير: «لقد أنشأنا لجنة وطنية. وبصفتنا لجنة، أحصينا أكثر من 22 مشروعاً منعها المصريون أو عرقلوها، بما في ذلك مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير». وتعمل اللجنة حالياً على جمع الأدلة ودراسة الأسس التي يمكن أن تستند إليها مطالبات إثيوبيا المحتملة بالتعويض. وأوضح هبتامو أن عملية التقييم يشارك فيها خبراء ووزراء سابقون ومستشارون ومتخصصون قانونيون، يدرسون حجم الخسائر المزعومة والفرص الضائعة والسبل الممكنة لمعالجتها. وقال: «نحن نجمع الأدلة بالفعل»، مضيفاً أن إثيوبيا وثّقت مشروعات تقول إن مصر عارضتها، بما فيها سد النهضة الإثيوبي الكبير. وتضيف هذه الخطوة بُعداً جديداً إلى موقف إثيوبيا المستمر بشأن الاستخدام المنصف لمياه حوض النيل وتنميتها. فبدلاً من حصر النقاش في بناء سدود بعينها وتشغيلها، تسعى إثيوبيا الآن إلى تحديد القيمة الاقتصادية والتنموية الأوسع لما تعتبره تكاليف ناجمة عن عقود من القيود المفروضة على استخدام مياه النيل. ومن ثم، قد يشكل إنشاء اللجنة بداية لجهد إثيوبي أكثر تنظيماً لوضع البُعد الاقتصادي للسياسة المتعلقة بالنيل في صلب المناقشات المستقبلية. جبهة دبلوماسية أكثر حزماً اتخذت إثيوبيا أيضاً خلال الأسبوع إجراءات دبلوماسية اتسمت بقدر غير معتاد من الحزم. فقد أعلنت وزارة الخارجية إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة، واعتبار عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وأمرتهم بمغادرة إثيوبيا خلال 48 ساعة. وقالت الوزارة إن القرار جاء رداً على ما وصفته بأعمال عدائية وتصرفات عدوانية مباشرة وغير مباشرة من جانب إريتريا تجاه إثيوبيا، بما في ذلك أنشطة قالت إنها تشكل تهديداً للأمن القومي وتنتهك المبادئ المنظمة للعلاقات الدبلوماسية. وعلى الرغم من هذه الإجراءات، أكدت إثيوبيا تقديرها للروابط التاريخية والثقافية والعلاقات الشعبية بين البلدين، وتمسكها بالتعايش السلمي والاستقرار والتكامل الإقليمي. وفي تطور دبلوماسي آخر، أعلنت إثيوبيا أحد أعضاء الطاقم الدبلوماسي المصري شخصاً غير مرغوب فيه، وأمرته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة. وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن القرار اتُخذ وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وهي الإطار الدولي المنظم للعلاقات بين الدول. وجاءت الإجراءات الدبلوماسية المتزامنة المتعلقة بإريتريا ومصر في ظل النهج الإقليمي والدبلوماسي الإثيوبي الأكثر حزماً، ولا سيما فيما يتعلق بالنيل. ومع ذلك، واصلت أديس أبابا تأكيد أن نهجها العام يقوم على تسوية النزاعات سلمياً، والمساواة في السيادة، والتعاون الإقليمي، وتحقيق الاستقرار طويل الأمد في القرن الإفريقي. البُعد الثقافي احتفل مئات الآلاف من الأشخاص بمناسبة هورا فنفني، التي تشكل جزءاً من مهرجان إيريتشا السنوي للشكر، في أديس أبابا، في مشهد نابض بالحياة جسّد ثقافة الأورومو وتقاليدها ووحدتها، وجمع أعداداً كبيرة من المشاركين. وتجمع أشخاص من مناطق مختلفة في إثيوبيا، مرتدين الأزياء التقليدية الملونة، في موقع هورا فنفني صباح السبت للاحتفال بإيريتشا، وهو طقس تقليدي للشكر لدى شعب الأورومو يُقام في نهاية موسم الأمطار وبداية موسم الحصاد. وفي اليوم التالي، احتُفل بمهرجان إيريتشا هورا أرسيدي للشكر لدى شعب الأورومو في مدينة بشفتو، وسط أجواء احتفالية مميزة، حيث توافدت حشود كبيرة إلى ضفاف البحيرة وأماكن التجمع العامة في أنحاء المدينة. وشارك في احتفالات هذا العام أفراد من مختلف فئات المجتمع، بمن فيهم آباء غادا وأمهات سينقي، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الثقافية والمجتمعية. أسبوع يكشف عن توجه استراتيجي أوسع تكشف تطورات الأسبوع مجتمعة عن تحرك إثيوبيا على جبهات استراتيجية متعددة في الوقت نفسه. فعلى الصعيد الاقتصادي، تعمّق البلاد التكامل الإقليمي وتسعى إلى إقامة روابط أقوى مع شبكات البنية التحتية والطاقة الناشئة في شرق إفريقيا. وعلى الصعيد السياسي، دخل الحوار الوطني مرحلته الأكثر أهمية، مع انتقال التوصيات من المشاورات الوطنية إلى المؤسسات المسؤولة عن تنفيذها. وفي ملف النيل، أدخلت إثيوبيا بُعداً جديداً محتملاً إلى نزاعها الممتد مع مصر، من خلال إنشاء آلية رسمية لتقييم الخسائر الاقتصادية المزعومة وفرص التنمية الضائعة. أما دبلوماسياً، فقد أظهرت أديس أبابا استعدادها لاتخاذ إجراءات حازمة عندما ترى أن أمنها القومي ومصالحها السيادية يتعرضان للتحدي، مع استمرارها في التأكيد أن التعايش السلمي والتعاون الإقليمي يظلان خيارها المفضل. ومع اقتراب إثيوبيا من تشكيل حكومة اتحادية جديدة عقب الانتخابات العامة السابعة، تشير هذه التطورات إلى توجه استراتيجي أوسع يقوم على تعزيز التكامل الاقتصادي، وتقوية المؤسسات الوطنية، واعتماد نهج أكثر حزماً في الدفاع عن مصالح إثيوبيا المائية والتنموية، والعمل بإصرار على رسم مستقبل القرن الإفريقي من موقع أكثر ثقة. وعليه، لم يكن الأسبوع مجرد مجموعة من الأحداث السياسية والاقتصادية المنفصلة، بل أتاح لمحة عن النهج الإثيوبي الآخذ في التشكل، والذي يجمع بين تعزيز التعاون عندما يخدم التنمية، وبناء التوافق في الداخل، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية، والسعي إلى امتلاك صوت أقوى في شؤون المنطقة.