مقال متميز - ENA عربي
مقال متميز
إثيوبيا هذا الأسبوع: التحول الاقتصادي يكتسب زخماً مع تصدّر المصالح المائية الاستراتيجية المشهد
Sep 7, 2026 1173
أديس أبابا 07 سبتمبر/ 2026 (إينا) اختتمت إثيوبيا عام 2018 بالتقويم الاثيوبي بأسبوع تميّز بتسارع وتيرة التحول الاقتصادي، وتوسيع نطاق الطموحات الرقمية، والتركيز بشكل أكبر على المصالح الوطنية الاستراتيجية. من الزراعة والصادرات إلى الرقمنة، وتمويل الإسكان، والموارد المائية، والوصول إلى الملاحة البحرية، أشارت التطورات التي شهدتها الأيام الأخيرة من العام إلى ظهور أجندة وطنية جديدة تتمحور حول القدرة الإنتاجية، والمرونة الاقتصادية، والاستقلالية الاستراتيجية، والاندماج الأعمق في الأسواق الإقليمية والعالمية. أفادت وزارة الزراعة الإثيوبية بأن أكثر من 33.5 مليون هكتار زُرعت خلال السنة المالية 2025/2026، مُنتجةً ما يزيد عن 1.85 مليار قنطار من المحاصيل الزراعية. وبلغت عائدات صادرات الثروة الحيوانية 128.3 مليون دولار أمريكي، بزيادة عن 95 مليون دولار أمريكي سابقًا، أي بنسبة تتجاوز 35%. كما حققت إثيوبيا أكثر من 11.2 مليار دولار أمريكي من عائدات التصدير خلال السنة المالية الإثيوبية 2018، وحددت هدفًا قدره 13.4 مليار دولار أمريكي للسنة المالية 2026/2027، مما يعكس سعيًا حثيثًا لتوسيع الصادرات، وتوفير العملات الأجنبية، والتحول نحو إنتاج ذي قيمة مضافة أعلى. وتشير هذه التطورات مجتمعةً إلى اقتصاد لا يسعى فقط إلى تحقيق نمو أسرع، بل أيضًا إلى بناء قاعدة إنتاجية أقوى قادرة على تقليل الاعتماد على الواردات، وتخفيف ضغوط النقد الأجنبي، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات الخارجية. التحول الاقتصادي: من الإصلاح إلى القدرة الإنتاجية برز التحول الاقتصادي كموضوع رئيسي لهذا الأسبوع. مع استعداد إثيوبيا لدخول عام جديد، استغلت دائرة الاتصالات الحكومية شهر باجومي لتسليط الضوء على ما وصفته بالتقدم المحرز في استقرار الاقتصاد الكلي، وتعبئة الإيرادات، والصادرات، والإنتاج الزراعي والصناعي، والطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية الرئيسية. ووضع رئيس الوزراء آبي أحمد هذه الإنجازات ضمن أجندة أوسع نطاقًا للسيادة الوطنية والاكتفاء الذاتي، مشيرًا إلى ارتفاع إنتاج القمح، وتوسيع نطاق التصنيع المحلي، ومبادرات مثل "يلمات تروفات" (وفرة السلة) و"صنع في إثيوبيا". ويعكس هذا التوجه أجندة الإصلاح الاقتصادي المحلي المستمرة في إثيوبيا، والتي تسعى إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية الكلية، وتعزيز سوق الصرف الأجنبي، وتحسين استدامة الدين، وخلق مساحة أكبر لاستثمارات القطاع الخاص. لذا، فإن النموذج الناشئ يتجاوز مجرد النمو، فهو يركز بشكل متزايد على زيادة الإنتاج، والتصنيع، والتصدير، والمنافسة بفعالية أكبر في الأسواق العالمية. الزراعة: ركيزة أساسية للسيادة الاقتصادية لا تزال الزراعة محورية في مسيرة التحول الاقتصادي في إثيوبيا، إذ تربط بين الأمن الغذائي، والتوظيف، ودخل سكان الريف، والصادرات، والتنمية الصناعية. وتؤكد المساحة المزروعة التي تتجاوز 33.5 مليون هكتار، والإنتاج الزراعي الذي يزيد عن 1.85 مليار قنطار، على ضخامة هذا القطاع. وتسعى الحكومة إلى رفع الإنتاجية من خلال الري، والميكنة، والبذور المحسّنة، وإنتاج الأسمدة، وتنمية الثروة الحيوانية، والتصنيع الزراعي، بهدف طويل الأجل يتمثل في الانتقال من الزراعة المعيشية في الغالب إلى قطاع أكثر إنتاجية وتكاملاً تجارياً. وقد اكتسب إنتاج القمح أهمية استراتيجية خاصة. إذ يُمكن لزيادة الإنتاج المحلي من القمح أن تُقلل من الحاجة إلى الاستيراد، مع الحفاظ على العملات الأجنبية الشحيحة، مما يجعل الإنتاجية الزراعية ذات أهمية متزايدة في أجندة السيادة الاقتصادية الأوسع للبلاد. مع ذلك، يتطلب الحفاظ على هذه المكاسب استمرار الاستثمار في الري، والبنية التحتية الريفية، والوصول إلى الأسواق، والإنتاجية، ومرونة النظام الغذائي، والقدرة الشرائية للأسر. التحول الرقمي يفتح آفاقًا اقتصادية جديدة يُصبح التحول الرقمي ركيزة أساسية أخرى للتحول الاقتصادي في إثيوبيا. تستهدف خطة أعمال شركة إثيو تيليكوم للعام 2026/2027 تحقيق إيرادات بقيمة 295 مليار بر، بزيادة قدرها 36.7% عن العام السابق. كما تهدف الشركة إلى توسيع قاعدة عملائها لتصل إلى 96.2 مليون عميل، وزيادة عدد مستخدمي بيانات الهاتف المحمول والإنترنت إلى أكثر من 60 مليون مستخدم. لا يقتصر هذا الطموح على قطاع الاتصالات فقط. تسعى إثيو تيليكوم، في إطار استراتيجيتها الثلاثية "الأفق التالي: الرقمية وما بعدها"، إلى التوسع في الخدمات المالية الرقمية، والحوسبة السحابية، وحلول المؤسسات، والمنصات الرقمية، والذكاء الاصطناعي. يعكس هذا التحول جهودًا وطنية أوسع نطاقًا لاستخدام البنية التحتية الرقمية لتعزيز الشمول المالي، ودعم ريادة الأعمال، وتحديث الخدمات العامة، وربط شريحة متنامية من السكان بالاقتصاد الرقمي. تمويل الإسكان يُشير إلى إصلاح أعمق للقطاع المالي ومن التطورات الهامة الأخرى، الاتفاقية المبرمة بين البنك الوطني الإثيوبي ومؤسسة التمويل الدولية لإنشاء شركة متخصصة في إعادة تمويل الرهن العقاري. ستمتلك هذه المؤسسة رأس مال قدره 100 مليار بر إثيوبي، مع التزام مؤسسة التمويل الدولية بتقديم ما لا يقل عن 200 مليون دولار أمريكي. تهدف هذه المبادرة إلى تخفيف قيود السيولة في النظام المصرفي وتوسيع نطاق تمويل الرهن العقاري. وصرح رئيس الوزراء آبي أحمد، الذي شهد توقيع إطار التعاون، بأن هذه الشراكة ستدعم طموح الحكومة في توفير 1.5 مليون وحدة سكنية كريمة وبأسعار معقولة، مع زيادة مشاركة القطاع الخاص. وإلى جانب الإسكان، يُمكن أن يُحفز توسيع نطاق تمويل الرهن العقاري قطاعات البناء والتوظيف والوساطة المالية وتكوين الأصول الأسرية، فضلًا عن المساهمة في تطوير القطاع المالي في إثيوبيا. الموارد المائية الاستراتيجية ونهر أباي/النيل لعلّ أهمّ نقاش استراتيجيّ دار هذا الأسبوع تمحور حول موارد المياه في إثيوبيا والاستخدام العادل لنهر أباي/النيل. سلط فقيه أحمد نجاشي ، رئيس الفريق الاستشاريّ المعنيّ بالمياه العابرة للحدود وسد النهضة الإثيوبي الكبير في وزارة المياه والطاقة، الضوء على الخسائر الكبيرة في المياه نتيجة التبخر التي تعاني منها الخزانات الواقعة في مصر . وفي مقابلة مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، قال فقيه أحمد إنّ الخزانات الواقعة في مصر قد تفقد ما يصل إلى 20 مليار متر مكعب من المياه سنويًا بسبب التبخر، حيث يُقدّر أن السد العالي في أسوان وحده يُسهم في خسائر سنوية تتراوح بين 15 و16 مليار متر مكعب. وأوضح أن جغرافية المرتفعات الإثيوبية تُوفّر ظروفًا مواتية لتخزين المياه، لا سيما في الوديان العميقة والباردة نسبيًا حيث يُمكن تقليل التبخر إلى أدنى حدّ. دعا إلى وضع إطار عمل موحد على مستوى حوض النيل، يمكّن دول الحوض من تحقيق أقصى استفادة من منافع النهر المشتركة. يأتي هذا النقاش في وقتٍ تُواصل فيه إثيوبيا التأكيد على مبدأ الاستخدام العادل والمعقول للموارد المائية العابرة للحدود، مع تقديمها لتنمية المياه باعتبارها أساسية للزراعة وتوليد الطاقة والنمو الاقتصادي. الربط الإقليمي والخدمات اللوجستية الرقمية يتقدمان كان التركيز نفسه على التكامل الاقتصادي واضحًا في مشاركة إثيوبيا في اجتماع وزراء التجارة لمبادرة القرن الأفريقي، والذي سلط الضوء على أهمية الممرات التجارية والربط والبنية التحتية الداعمة للتجارة. في غضون ذلك، أطلقت هيئة الشحن والخدمات اللوجستية الإثيوبية منصة رقمية للخدمة الذاتية للعملاء، تهدف إلى تحديث عمليات الموانئ والشحن. توفر المنصة خدمات تشمل تتبع الشحنات، والحجز، وإدارة رسوم التأخير، والدفع الإلكتروني، ومعالجة الشكاوى، مما يُسهم في تقليل الاعتماد على الإجراءات الورقية وتبسيط عمليات الاستيراد والتصدير. تُجسد هذه الخطوة كيف يتوسع التحول الاقتصادي في إثيوبيا ليشمل، بالإضافة إلى الإنتاج، التحديث الرقمي للتجارة والخدمات اللوجستية. نظرة مستقبلية: من النمو إلى الاستقلال الاستراتيجي قدّم الأسبوع الأخير من عام ٢٠١٨ في إثيوبيا لمحةً عن بلد يسعى لإعادة صياغة أسس مستقبله الاقتصادي. يرتبط التوسع الزراعي بالأمن الغذائي والتصنيع. ويجري تشجيع التصنيع المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات. وتفتح الرقمنة آفاقًا اقتصادية جديدة. ويرتبط تمويل الإسكان بتطوير القطاع المالي. ويكتسب توسيع الصادرات أهمية متزايدة. يهدف هذا إلى توليد العملات الأجنبية، وتُعتبر الموارد المائية والربط البحري ركائز استراتيجية للأمن الاقتصادي طويل الأجل. الخاتمة ومع دخول إثيوبيا عامًا جديدًا، تتضح الرؤية الناشئة: زيادة الإنتاج، ورفع القيمة المضافة، وزيادة الصادرات، وتسريع التحول الرقمي، وتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي. وإذا ما استمر هذا المسار ونُفذ بفعالية، فإنه سيُعيد تشكيل ليس فقط الاقتصاد المحلي لإثيوبيا، بل أيضًا موقعها الاستراتيجي في القرن الأفريقي ودورها في الاقتصاد الأفريقي والعالمي الأوسع.
دور مصر في عرقلة الاستقرار في القرن الأفريقي والبحر الأحمر
Sep 4, 2026 1193
داخل المؤسسة السياسية المصرية ذات التوجهات الاستعمارية الجديدة واستراتيجيتها طويلة الأمد لاحتواء إثيوبيا بقلم: يوردانوس د. تجاوزت العلاقات بين مصر وإثيوبيا الخلاف حول مياه نهر أباي (النيل) لتتحول إلى تنافس استراتيجي أوسع نطاقًا، يشمل النفوذ السياسي والأمن الإقليمي والوصول إلى البحر، فضلًا عن التنافس على موازين القوى في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وعلى مدى عقود، تداخلت المصالح المتنافسة للبلدين مع التطورات السياسية والأمنية في الصومال والسودان وإريتريا، في وقت أضافت فيه مساعي إثيوبيا لتوسيع قدراتها الاقتصادية، وتنمية مواردها المائية، واستعادة وصول متنوع إلى البحر، أبعادًا جديدة إلى طبيعة العلاقة بين البلدين. ويمكن فهم نمط هذا التنافس من خلال دراسة الدور التاريخي لسياسات مياه النيل، والتحالفات الإقليمية، والتعاون الأمني، والصراع الأوسع على النفوذ الاستراتيجي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر. جذور المواجهة ترتبط جذور التنافس، جزئيًا، بالعامل الجغرافي، إذ تنبع الحصة الأكبر من مياه نهر أباي من المرتفعات الإثيوبية. وباعتبارها دولة تقع في المصب، اعتمدت مصر تاريخيًا بدرجة كبيرة على النيل الأزرق الإثيوبي لتلبية احتياجات سكانها ودعم مسار التنمية فيها. وعلى الرغم من أن النهر مورد مشترك يمكن أن يتيح فرصًا للتنمية لجميع الدول التي يمر عبرها، فإن المسؤولين المصريين عارضوا بصورة متواصلة جهود دول المنبع الرامية إلى استخدام مواردها المائية لأغراض التنمية. وسعت مصر إلى الاستناد في سياساتها المتعلقة بمياه النيل إلى اتفاقية مياه النيل لعام 1929 المبرمة في العهد الأنجلو-مصري، وكذلك اتفاقية مياه النيل المصرية السودانية لعام 1959. غير أن أياً من الاتفاقيتين لم تكن إثيوبيا أو غيرها من دول المنبع طرفًا فيهما. وعلى الرغم من المحاولات المصرية المتكررة لاتخاذ هذه الاتفاقيات أساسًا لموقفها بشأن مياه النيل، فإن الاتفاقيات التي أُبرمت دون مشاركة دول المنبع، بما فيها إثيوبيا، لا يمكن أن تمنع هذه الدول بصورة دائمة من تطوير مواردها المائية والاستفادة منها. وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعت إثيوبيا إلى تشييد سد النهضة، الذي نقل الخلاف التاريخي حول مياه النيل إلى مرحلة جديدة. وفي الواقع، تمتد التحركات المصرية تجاه إثيوبيا إلى جذور تاريخية عميقة. فقد ربطت دراسات تاريخية بين التدخل المصري والصراع الصومالي الإثيوبي. كما سعت مصر إلى توسيع حضورها في البحر الأحمر والمحيط الهندي من خلال بناء علاقات مع دول تتنافس مع إثيوبيا، إلى جانب ممارسة أشكال مختلفة من الضغوط عليها. كما واصلت مصر العمل بصورة منتظمة مع دول تحيط بإثيوبيا، من بينها الصومال والسودان وإريتريا، بهدف زيادة الضغوط على إثيوبيا. وفي أغسطس 2024، وقعت مصر والصومال اتفاقية دفاعية وسعت نطاق التعاون العسكري والأمني بين البلدين. وبينما وصفت الحكومتان الاتفاقية بأنها تهدف إلى دعم سيادة الصومال ومكافحة الإرهاب، أثارت الاتفاقية اهتمامًا في أديس أبابا بسبب توقيتها وارتباطها بالتنافسات الأوسع في منطقة القرن الأفريقي. ولمصر كذلك علاقات عسكرية طويلة الأمد مع القوات المسلحة السودانية، وقد أعلنت دعمها بصورة علنية للقيادة العسكرية السودانية منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. كما تقدم مصر دعمًا عسكريًا مباشرًا للقوات المسلحة السودانية. ومع ذلك، فإن العلاقة الوثيقة بين القاهرة والمؤسسة العسكرية السودانية تحمل تداعيات استراتيجية بالنسبة إلى إثيوبيا، ولا سيما في ظل الحدود المشتركة بين البلدين، والنزاع حول منطقة الفشقة، وطرق التجارة، والبيئة الأمنية الأوسع لحوض نهر أباي. وتمثل إريتريا بُعدًا مهمًا بصورة خاصة في مسألة هشاشة وضع إثيوبيا البحري. فقد أتاح ساحل إريتريا على البحر الأحمر وميناء مصوع وعصب تاريخيًا لإثيوبيا وصولًا مباشرًا إلى البحر. غير أن استقلال إريتريا عام 1993 حوّل إثيوبيا إلى دولة حبيسة تعتمد على الدول المجاورة في تجارتها البحرية. ويرى العديد من المحللين السياسيين أيضًا أن مصر أسهمت في هذه النتيجة، إذ حافظت القاهرة على علاقات مع أطراف إريترية خلال الصراع الإثيوبي الإريتري. وفي إطار ما وُصف بأنه استراتيجية طويلة الأمد، جرى كذلك ذكر بطرس بطرس غالي باعتباره أحد الشخصيات المرتبطة بالتطورات التي أحاطت بانفصال إريتريا عن إثيوبيا. بطرس غالي وسياسات مياه النيل يرى العديد من المحللين السياسيين أن بطرس بطرس غالي يحتل مكانة مهمة في تاريخ العلاقات بين إثيوبيا ومصر. فقد كان وزيرًا للخارجية المصرية قبل أن يصبح أمينًا عامًا للأمم المتحدة، وكان منخرطًا بصورة وثيقة في السياسة الخارجية المصرية خلال مرحلة شهدت تحولات سياسية كبيرة في إثيوبيا وإريتريا. وينسب بعض المحللين إلى بطرس غالي دورًا مؤثرًا في انفصال إريتريا عن إثيوبيا. غير أن استقلال إريتريا كان نتيجة عقود من الكفاح المسلح، أعقبها استفتاء على الاستقلال. ومن القاهرة إلى أروقة الأمم المتحدة، دفع سياسيون مصريون باتجاه تسريع انفصال إريتريا، بما مسّ بصورة مباشرة وحدة الأراضي الإثيوبية. وكان بطرس غالي أيضًا من أبرز الشخصيات المصرية المرتبطة بتوجهات التعامل مع قضية مياه النيل باعتبارها مسألة أمنية. وقد أصبحت تحذيراته من أن الصراعات المستقبلية قد تدور حول المياه رمزًا لنظرة مصر إلى النيل باعتباره قضية تتصل مباشرة بالأمن القومي. وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، واصلت مصر سياستها تجاه إثيوبيا مع تعزيز أبعادها العسكرية والجيوسياسية. فقد عززت القاهرة علاقاتها مع الصومال، وحافظت على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية السودانية، وأبقت على علاقاتها الاستراتيجية مع إريتريا، بالتزامن مع استمرار معارضتها للموقف الإثيوبي بشأن مياه النيل ومساعي إثيوبيا إلى تنويع وصولها إلى البحر. وفي أكتوبر 2024، صدر إعلان سياسي مصري صومالي في أسمرا، بحضور زعيم النظام الإريتري، ودعا إلى توسيع التعاون وتعزيز القدرات الأمنية الصومالية. ونُظر إلى هذا التطور في إثيوبيا باعتباره مساهمًا في نشوء اصطفاف إقليمي جديد، بما يحمله من تداعيات محتملة على استقرار إثيوبيا ومسار تنميتها. التدخل في الشؤون الداخلية كما تُوجَّه اتهامات إلى مصر بالتدخل في الشؤون الداخلية لإثيوبيا من خلال دعم جماعات معارضة ومسلحة أو الحفاظ على اتصالات معها. وقد وُجّهت إلى مصر في فترات سابقة اتهامات بالتدخل خلال مراحل من الاضطرابات، بما في ذلك اتهامات تتعلق بجماعات مسلحة. ومن شأن أي دعم خارجي لجماعات مسلحة أو أطراف سياسية، متى ثبت، أن يؤدي إلى تفاقم الانقسامات القائمة وإطالة أمد حالة انعدام الأمن. كما اتُهمت مصر باستغلال الخلافات والانقسامات الداخلية كلما كان ذلك يخدم مصالح القاهرة الإقليمية الأوسع. ومن شأن الدعم أو التمويل أو التدريب أو المساندة الدبلوماسية أو المساعدة اللوجستية المقدمة إلى الجماعات المسلحة، إذا ثبتت، أن تعزز قدرتها على مواصلة الصراع وتفرض ضغوطًا إضافية على الدولة الإثيوبية. الضغط على الاستقرار والتنمية واصلت مصر، بصورة متكررة، اتباع إجراءات من شأنها إبطاء مسار التنمية الإثيوبية وزيادة الضغوط الاستراتيجية على البلاد. ويعتمد التحول الاقتصادي في إثيوبيا على قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتصنيع وتحديث الزراعة والتجارة، إلى جانب ضمان الوصول الموثوق إلى الأسواق الدولية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الاستراتيجية المصرية ليس باعتبارها حملة واحدة معلنة بصورة صريحة، وإنما باعتبارها نمطًا من الضغوط الاستراتيجية التي تتحرك عبر جبهات متعددة، تشمل الدبلوماسية المائية، والتحالفات الإقليمية، والتعاون العسكري، والنفوذ البحري، والتعامل مع قوى المعارضة الداخلية. ومع ذلك، تمكنت إثيوبيا من الصمود في مواجهة هذه الضغوط، بالتزامن مع تعاملها مع التحديات المرتبطة بمصر وشركائها الإقليميين. وواصلت البلاد معالجة قضية مياه النيل، والتعامل مع التحالفات الإقليمية والتنافس البحري، والاستجابة للتحديات الأمنية الداخلية، فضلًا عن تشييد سد النهضة. كما خططت إثيوبيا لإنشاء سدود إضافية في إطار جهودها الأوسع لتطوير مواردها المائية والاستفادة منها في تحقيق أهداف التنمية. إلى جانب ذلك، تعمل إثيوبيا بقوة على استعادة موقعها في البحر الأحمر، وهو ما يرتبط ليس فقط بوصولها البحري، وإنما أيضًا بالتوازن العام للسلام والأمن في المنطقة. ويأتي سعي إثيوبيا إلى تحقيق وصول سلمي ومتنوع إلى البحر في إطار استراتيجيتها الاقتصادية والأمنية الوطنية الأوسع، وليس مجرد طموح إقليمي أو مسعى يتعلق بالأراضي. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار عسكرة المنطقة يهدد بتحويل القرن الأفريقي والبحر الأحمر إلى ساحة لمنافسة جيوسياسية طويلة الأمد. ومن ثم، سيظل حضور إثيوبيا في البحر الأحمر عنصرًا مهمًا في التوازن الاستراتيجي المستقبلي للمنطقة، رغم المعارضة والاتهامات والروايات المتنافسة المحيطة بعودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر. خلاصة باختصار، تعكس العلاقات بين إثيوبيا ومصر تنافسًا طويل الأمد تداخلت فيه موارد المياه والتحالفات الإقليمية والمصالح الأمنية والوصول إلى البحر بصورة وثيقة. فمن سياسات مياه النيل والمشاركة التاريخية للأطراف الإقليمية، وصولًا إلى الاصطفافات الأمنية والدبلوماسية المعاصرة، تجاوز التنافس حدود النهر نفسه ليصبح جزءًا من المنافسة الجيوسياسية الأوسع في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وواصلت إثيوبيا السعي لتحقيق أهدافها التنموية، بما في ذلك الاستفادة من مواردها المائية، وتشييد سد النهضة، والعمل على ضمان وصول سلمي ومتنوع إلى البحر. وتُظهر هذه التطورات أن التحول الاقتصادي لإثيوبيا وطموحاتها البحرية يرتبطان بصورة متزايدة بالتوازن الاستراتيجي الأوسع في المنطقة. ومع استمرار المنافسة، سيظل القرن الأفريقي والبحر الأحمر ساحات مهمة تتقاطع فيها التأثيرات السياسية والمصالح الاقتصادية والاعتبارات الأمنية والوصول إلى البحر.
من عدوا إلى النيل: كسر قيود السياسة الاستعمارية للمياه
Sep 3, 2026 805
بقلم: بنيامين تادسي أديس أبابا، 3 سبتمبر 2026 (إينا) في التاريخ الأفريقي الحديث، لم يقتصر الاستعمار على احتلال الأراضي والسيطرة على الموارد، بل شمل أيضًا إعادة تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية بين شعوب القارة ودولها. ومع حصول الدول الأفريقية على استقلالها، انتهى الاحتلال المباشر، إلا أن بعض الترتيبات التي أُرسيت خلال تلك الحقبة لا تزال حاضرة في السياسة الأفريقية حتى يومنا هذا. ولعل قضية مياه النيل تقدم أحد أوضح الأمثلة على هذه المفارقة التاريخية. ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية ترسم مناطق نفوذها في أنحاء أفريقيا، خضعت مصر للاحتلال البريطاني عام 1882، بينما دخل السودان في نظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري عام 1899، حيث حافظت القوتان على نفوذ وسيطرة فعليين على إدارة السودان. أما إثيوبيا، فسلكت مسارًا تاريخيًا مختلفًا، إذ واجهت المشروع الاستعماري الإيطالي وحققت انتصارًا تاريخيًا في معركة عدوا عام 1896، التي أصبحت لاحقًا رمزًا أفريقيًا لمقاومة الاستعمار والدفاع عن السيادة. ولا يزال العالم يعترف بإثيوبيا لتاريخها في النضال والانتصارات ضد الاستعمار، ولتجسيدها روح شعب عزيز مصمم على الحفاظ على سيادته وحقه في اتخاذ قراراته بصورة مستقلة. واليوم، برزت إثيوبيا أيضًا رمزًا للصمود ومثالًا للعديد من الدول الأفريقية ودول الجنوب العالمي في رفض الإملاءات الخارجية والتمسك بحقها في تقرير مصيرها، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الخضوع أو الوصاية. ويصف الاتحاد الأفريقي معركة عدوا بأنها انتصار أفريقي محوري على القوات الاستعمارية، ورسالة تؤكد قدرة أفريقيا على تقرير مصيرها بنفسها. وليست هذه مجرد مقارنة تاريخية عابرة، بل تمثل مدخلًا مهمًا لفهم جانب من الجدل المعاصر المحيط بنهر أباي، المعروف أيضًا باسم النيل الأزرق. دخلت الدول الثلاث القرن العشرين من مواقع تاريخية مختلفة. فقد كانت مصر والسودان ضمن بيئة سياسية خاضعة للنفوذ الاستعماري البريطاني المباشر، في حين حافظت إثيوبيا على استقلالها. عندما أصبحت مياه النيل مسألة نفوذ في ظل هذه الخلفية التاريخية، ظهرت ترتيبات بشأن مياه النيل لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين دول الحوض. ففي عام 1929، أُبرمت اتفاقية بشأن مياه النيل بين بريطانيا ومصر، في وقت كانت فيه بريطانيا تمارس نفوذًا استعماريًا واسعًا في المنطقة. ولم تكن إثيوبيا طرفًا في ذلك الترتيب. وعلى الرغم من أن إثيوبيا دولة منبع للنيل الأزرق، فإنها لم تكن طرفًا في اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان بشأن اقتسام مياه النيل، بما يعكس استمرار عقلية استعمارية تعاملت مع موارد دول المنبع كما لو كانت ملكًا لدول المصب. فكيف يمكن تقسيم مياه تنبع من الأراضي الإثيوبية بين دولتين من دون مشاركة إثيوبيا أو موافقتها؟ وماذا عن حق الدول الثماني الأخرى المشاطئة للنهر في الاستفادة من المورد المشترك لأغراض التنمية؟ خصصت الاتفاقية الحصة الأكبر لمصر، بواقع 55.5 مليار متر مكعب، فيما حصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب، متجاهلة حقوق إثيوبيا ومصالحها. كما كرست نمطًا من الهيمنة المصرية على عملية صنع القرار السوداني بشأن قضية مياه النيل، على نحو يذكر بالعلاقات التي فرضت خلال الحقبة الاستعمارية في المنطقة. وفي واحدة من أوضح الإشارات إلى هذا الواقع، تنص وثيقة قانونية محفوظة في أرشيف الاتحاد الأفريقي، بحسب الباحث الدكتور درج زليكي الذي درس الإطار القانوني لحوض النيل، على أن المستعمرين "شوّهوا إدارة النيل ومنافعه لصالح مصر"، رغم أن ثلاثة من الروافد الأربعة الرئيسية لنهر النيل تنبع من إثيوبيا. ويسهم نهر أباي، المعروف أيضًا بالنيل الأزرق، بأكثر من 85% من إجمالي مياه أطول أنهار العالم، فيما يوفر حوضه مقومات الحياة الاقتصادية لنحو 300 مليون شخص. وهذه ليست قضية إثيوبية فحسب، بل هي مسألة تتعلق بمفهوم العدالة في إدارة الموارد العابرة للحدود. هل انتهى الاستعمار حقًا؟ انتهى الاستعمار كنظام يقوم على الاحتلال المباشر، وحصلت الدول الأفريقية على استقلالها وسيادتها. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل انتهت جميع آثاره السياسية والفكرية بانتهائه، أم أن بعض الدول لا تزال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تنتهج سياسات وتتبنى مفاهيم نشأت في تلك الحقبة وما زالت تخدم مصالحها القديمة؟ إذا كانت أفريقيا قد تحررت من السيطرة على أراضيها، فإن التحرر الحقيقي لن يكتمل إلا عندما تتحرر أيضًا من ترتيبات ومفاهيم الماضي، بما يمكّن شعوبها ودولها من أن تصبح صاحبة القرار في مواردها ومستقبلها. إثيوبيا: دولة لم ترث الترتيب الاستعماري لم تدخل إثيوبيا قضية النيل كدولة تسعى إلى الحفاظ على نظام أنشأته قوة استعمارية لمصلحتها، بل دخلتها كدولة منبع تسعى إلى استخدام مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية. وهي تتمسك بقوة بالمبدأ الأساسي الذي يحكم المياه الدولية، وهو الانتفاع المنصف والمعقول. وهذا التمييز مهم. فإثيوبيا لا تقول إن مياه النيل ينبغي أن تستخدم ضد مصر أو السودان. بل إن جوهر موقف إثيوبيا المعلن يقوم على الانتفاع المنصف والمعقول، والتعاون بين دول الحوض، ورفض تحويل الترتيبات الاستعمارية التاريخية إلى حقوق دائمة تمنع دول المنبع من السعي إلى تحقيق التنمية. وفي هذا الصدد، قال عضو فريق التفاوض الإثيوبي زريهون أبيبي بوضوح: "المعاهدات الاستعمارية أو الامتيازات القائمة على الحقبة الاستعمارية لا تنطبق على إثيوبيا". وأوضح أيضًا أن إثيوبيا ترى ضرورة انتقال دول حوض النيل من نهج أحادي الجانب إلى التعاون والاستخدام العادل والمنصف لمياه النهر، وفقًا لمبادئ القانون الدولي. عندما تصبح التنمية جزءًا من السيادة من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره مجرد مشروع لتوليد الطاقة. فبالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط المشروع بسؤال أوسع يتعلق بالتنمية والقدرة على اتخاذ القرارات الوطنية. وفي بيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، وُصف سد النهضة بأنه تأكيد لالتزام إثيوبيا بالاستخدام المنصف والمعقول لنهر أباي، مع تجديد التزامها بالتعاون بشأن النيل على أساس الثقة المتبادلة. كما قال رئيس الوزراء أبي أحمد في خطاب رسمي إن إثيوبيا تؤمن بإمكانية تطوير مياه النيل "بشكل معقول ومنصف لصالح جميع دول النهر، دون التسبب في أي ضرر"، معتبرًا سد النهضة مثالًا على مبدأ التعاون. وهنا تتضح أهمية مفهوم السيادة. فإذا كانت معركة عدوا قد أصبحت رمزًا لحق إثيوبيا في الدفاع عن استقلالها السياسي، فإن سد النهضة يمثل بُعدًا آخر للسيادة، يتمثل في حقها في تحويل مواردها الطبيعية إلى طاقة وتنمية، مع احترام مصالح الدول الأخرى. فالسيادة لا تعني الهيمنة، كما أن التعاون لا يعني التخلي عن السيادة. وهذا هو الفارق بين الاستقلال السياسي الذي يحمي الدولة، والاستقلال التنموي الذي يمنحها القدرة على بناء مستقبلها. إثيوبيا تكتب قواعدها بنفسها انتهى عصر الاستعمار السياسي، لكن أصعب مهام أفريقيا لا تزال تتمثل في تفكيك إرثه في العقلية والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية. وقد تكون مياه النيل إحدى أبرز الساحات التي يجري فيها اختبار هذا التحدي. وتظهر المشكلة عندما يتحول تاريخ استعماري مهين إلى حق حصري في المستقبل. لقد تغيرت إثيوبيا، وتغيرت قدراتها، وتغيرت احتياجات شعبها. وبفضل تاريخها وتجربتها المتميزة في مقاومة الاستعمار، لا تحتاج إثيوبيا إلى تبني إرث الماضي من أجل الدفاع عن حقها في التنمية. ويبرهن سد النهضة على أن الاستقلال الذي دافعت عنه إثيوبيا في عدوا يمكن، في القرن الحادي والعشرين، أن يتحول إلى تنمية وتعاون وتكامل إقليمي. وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء أبي أحمد أن "إثيوبيا حققت في القرن الحادي والعشرين عدوا الثانية. وقد سُجل انتصار عظيم سيمهد الطريق أمام الاستخدام المنصف لمياه النيل". ومن معركة عدوا إلى سد النهضة، لم تتغير الرسالة الأساسية لإثيوبيا قط: فالأمة نفسها التي ناضلت ذات يوم وانتزعت انتصارًا من أجل استقلالها السياسي، يجب عليها الآن أن تدافع عن حقها في الاستقلال التنموي.
كيف يرسّخ التاريخ والجغرافيا مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر
Sep 2, 2026 333
تحليل من «نبض أفريقيا» (POA) 2 سبتمبر 2026 (إينا) بقلم: ماهدير نسيبو خلال جلسة مع كبار المسؤولين الحكوميين في عام 2023، أكد رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، أن مستقبل بلاده يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنيل والبحر الأحمر، وأن هذين المسطحين المائيين يشكلان عاملين أساسيين في ازدهار البلاد أو تراجعها. وخلال تلك الجلسة، عرض رئيس الوزراء الأسس الجغرافية والتاريخية والإثنية والاقتصادية لما وصفه بالحاجة المشروعة لإثيوبيا إلى الوصول إلى البحر. وقد واصلت الدولة الإثيوبية التأكيد على هذا الطرح بصورة متسقة خلال السنوات اللاحقة، وأصبح تأمين منفذ بحري هدفًا محددًا ضمن رؤية إثيوبيا لمصالحها الوطنية. وتبدأ الحجة الجغرافية بحجم إثيوبيا. فالبلاد تقع على مقربة من البحر الأحمر وخليج عدن، وهي أكبر دول منطقة القرن الأفريقي من حيث المساحة، وتفوق في حجمها بقية دول المنطقة بفارق كبير. وتنظر أديس أبابا إلى وضعها كدولة حبيسة، الذي بدأت تصفه بأنه «سجن جغرافي»، باعتباره وضعًا غير طبيعي وليس حقيقة جغرافية نهائية. ويمتد هذا الطرح إلى اعتبارات إثنية تتمحور حول مجتمعات العفر على طول ساحل البحر الأحمر، إذ يقع مركزها الثقافي والسياسي داخل إقليم عفر الإثيوبي، إلا أن هذه المجتمعات فُصلت بصورة هيكلية، على جانبي الحدود، عن حرية التفاعل باعتبارها مجتمعًا واحدًا. وقد أدى هذا الانقسام، إلى جانب العديد من التداعيات السلبية الأخرى، إلى تقييد وصول عدد كبير من العفر الذين يعتبرون البحر موطنًا لهم إلى ساحل البحر الأحمر، وبالتالي إلى التجارة والموارد المربحة. ويترافق مع هذه الحجج دافع اقتصادي. فقد حافظ الاقتصاد الإثيوبي على معدل نمو يقارب 10% سنويًا على مدى نحو ثلاثة عقود، ما أدى إلى توسع احتياجاته للتعامل مع البحر الأحمر بصورة متزايدة. وتتعامل جيبوتي مع نحو 95 إلى 97% من التجارة الدولية لإثيوبيا، ويجعل هذا الاعتماد الكبير على ممر واحد مسألة تنويع طرق التجارة أمرًا ملحًا، في ظل استمرار توسع الاقتصاد وحاجته إلى سلاسل إمداد أكثر موثوقية وقدرة على الصمود. كما يعزز العامل الديموغرافي الحجة ذاتها. ويُقدّر إجمالي عدد سكان منطقة القرن الأفريقي، التي تضم إثيوبيا وإريتريا والصومال وجيبوتي، بنحو 170 مليون نسمة، تستحوذ إثيوبيا على نحو 80% منهم، أي أكثر من 130 مليون نسمة، مع استمرار عدد السكان في الزيادة. وبالنسبة لأديس أبابا، يمثل ذلك معضلة هيكلية، إذ إن عددًا سكانيًا بهذا الحجم لا يزال مرتبطًا بصورة محدودة بالتجارة والتبادل البحري العالمي، فيما تزداد تكلفة هذا الانفصال كلما ازداد الوزن الاقتصادي والديموغرافي للبلاد. أما البعد التاريخي للحجة، فهو من أكثر جوانبها دلالة، وهو الجانب الذي أشار إليه رئيس الوزراء بصورة مباشرة عندما تحدث عن تأثير البحر الأحمر في فترات قوة إثيوبيا وضعفها. ويبدو النمط الذي وصفه متماسكًا عند التدقيق فيه؛ فقد تزامنت أكثر الفترات التاريخية نشاطًا وازدهارًا لإثيوبيا بصورة مستمرة مع وجودها على البحر الأحمر، في حين أعقبت فترات التراجع والركود الأكثر قتامة انسحابها من الساحل، سواء بسبب الضعف الداخلي أو التدخلات الأجنبية. ويُظهر التاريخ الحديث هذا الأمر بصورة أوضح. ففي مؤلفه «አሰብ የማን ናት» («لمن تنتمي عصب؟»)، أعاد المفكر الإثيوبي الدكتور يعقوب هيلي ماريام، وهو محامٍ بارز وباحث في القانون وسياسي، طرح قضية عصب عام 2011، مجادلًا بأن الميناء لطالما شكّل منفذًا طبيعيًا لإثيوبيا، وأن الحكومة الإثيوبية في تلك الفترة أخطأت عندما سمحت بانفصال إريتريا دون تأمين منفذ أولًا إلى البحر الأحمر، وهو منفذ اعتبره أساسيًا لقيام الدولة الإثيوبية. وانتقد يعقوب افتقار أديس أبابا إلى المبادرة في متابعة القضية بجدية من خلال المفاوضات والدفاع عنها على المنصات الدولية. وبالنسبة للدكتور يعقوب، تجسد عصب سلسلة أطول من الأحداث التاريخية التي دفعت إثيوبيا بعيدًا عن البحر الأحمر، رغم أنها ظلت، في التاريخ الحديث، الميناء الأكثر استخدامًا من جانب إثيوبيا. وأصبحت إثيوبيا دولة حبيسة عندما انفصلت إريتريا في مايو 1993. وبالعودة إلى الموانئ التاريخية مثل أدوليس وزيلع، ربطت عصب إثيوبيا بالبحر الأحمر حتى انفصال إريتريا، واستمرت في أداء هذا الدور من خلال ترتيبات أكثر استثنائية بعد ذلك. ورأى الدكتور يعقوب أن وضع إثيوبيا كدولة حبيسة يمثل مشكلة وطنية هيكلية، وأن عصب لا تزال أوضح حالة تاريخية يمكن من خلالها فهم هذه المشكلة ومعالجتها. وكان ينتقد بصورة خاصة الطريقة التي تُركت بها عصب داخل الأراضي الإريترية خلال عملية الانفصال، إلى جانب الشروط الأوسع التي انفصلت بموجبها إريتريا عن إثيوبيا. ويندرج ذلك ضمن نمط تاريخي أطول بكثير. فقد أدى البحر الأحمر دورًا محوريًا في التجارة العالمية والتواصل منذ العصور القديمة، ومن خلال هذا الممر المائي حققت أكسوم، إحدى أقدم تجليات الحضارة الإثيوبية، ازدهارها. وكانت أكسوم تتاجر عبر ميناء أدوليس على البحر الأحمر وصولًا إلى الإمبراطورية الرومانية والهند، وشكلت تلك التجارة الركيزة الأساسية لازدهار جعل أكسوم إحدى القوى الكبرى في أواخر العصور القديمة. وكان البحر الأحمر، باعتباره مصدرًا لقوة الدول، ساحة للتنافس أيضًا. ويُعزى تراجع أكسوم عند مطلع الألفية الأولى للميلاد بصورة عامة إلى فقدانها مكانتها كقوة تجارية، عقب ظهور الخلافة الأموية التي تحدت سيطرة أكسوم على الطريق البحري، وأجبرتها على التراجع إلى داخل إثيوبيا. وتكرر هذا النمط خلال معظم الألفية الثانية، إذ أعادت إثيوبيا مرارًا ترسيخ وجودها على الساحل، وواجهت مرارًا مقاومة جيوسياسية، بما في ذلك من جانب الإمبراطورية العثمانية خلال العصور الوسطى، التي أدركت القيمة الاستراتيجية للبحر الأحمر بقدر ما أدركتها إثيوبيا. وشهد القرنان التاسع عشر والعشرون مسارًا مشابهًا، غير أن وصول الاستعمار، ثم الجغرافيا السياسية لحربين عالميتين والحرب الباردة، جعل التنافس أكثر حدة، وحوّل البحر الأحمر إلى مسرح أكثر تعقيدًا بكثير. وقد مثّل الاستعمار الإيطالي، الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر، بداية التراجع الحديث لإثيوبيا عن البحر. وقاوم «بحر نقاش» الإثيوبي التوغلات الاستعمارية على طول الساحل، إلا أن المقاومة لم تكن كافية لمنع إيطاليا من ضم الأراضي الساحلية لإثيوبيا، قبل أن يتوقف التوسع الاستعماري في نهاية المطاف عند معركة عدوا عام 1896، قبل أن يمتد ليشمل البلاد بأكملها. وقد تأثرت الاستراتيجية الاستعمارية الإيطالية جزئيًا بأهمية البحر الأحمر، بدءًا من احتلال عصب، ثم التوسع لاحقًا إلى المناطق الداخلية الإثيوبية الغنية اقتصاديًا. (وكان شراء عصب عام 1869 معاملة خاصة مباشرة بين وكيل إيطالي وزعماء محليين من العفر، من دون موافقة رسمية أو علم مسبق من الحكومة الإمبراطورية الإثيوبية المركزية). رغم انتهاء المشروع الاستعماري عام 1952، عندما استعادت إثيوبيا سيادتها على ما يُعرف اليوم بإريتريا، فإن ذلك الترتيب لم يستمر. فقد ترسخت حركة انفصالية في الإقليم، وأعادت في نهاية المطاف تشكيل النظام الإقليمي برمته. ويُعد موقع إريتريا داخل إثيوبيا، الذي يصفه مثقفون إثيوبيون بـ«القضية الإريترية»، مسألة معقدة تتجاوز بكثير قضية الوصول إلى البحر، إلا أن المسار الذي اتخذته هذه القضية في نهاية المطاف، والذي انتهى بانفصال إريتريا، تأثر بصورة كبيرة بمسألة الوصول إلى البحر، وبما يصفه محللون إثيوبيون بأنه مؤامرة لحرمان إثيوبيا منه. وكان دور الأطراف الخارجية حاسمًا في هذا المسار. فقد تلقت حركات الانفصال الإريترية، بدءًا من الرابطة الإسلامية خلال فترة الاتحاد، مرورًا بجبهة التحرير الإريترية، ولاحقًا الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، دعمًا من دول مثل مصر، التي كانت تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها منافسًا تاريخيًا. وكانت القيادة الإثيوبية تدرك هذا الأمر منذ فترة طويلة. ففي عام 1928، تحدث الإمبراطور هيلا سيلاسي، في معرض تناوله للقضية الإريترية، عن أمل بلاده في استعادة الأراضي والموانئ البحرية التي انتزعها أعداؤها. وقد عكس الدعم الخارجي للانفصالية الإريترية عقب توحيد إريتريا مع إثيوبيا استراتيجية انتهجتها بصورة متواصلة قوى إقليمية ودول أخرى، وفي مقدمتها مصر، التي تشترك مع إثيوبيا في البحر الأحمر، وكانت تنظر إليها باعتبارها قوة منافسة على هذا الممر المائي، كما اعتبرت إثيوبيا منافسها الرئيسي في قضية النيل، بصورة تفوق أهمية البحر الأحمر بالنسبة لها. وقد أدت التوغلات العثمانية والمصرية على ساحل البحر الأحمر خلال القرنين السادس عشر والتاسع عشر إلى تقليص الوصول المباشر للإمبراطورية الإثيوبية إلى موانئ التجارة البحرية بصورة منهجية، مما مهد الطريق لوضعها الحديث كدولة حبيسة. وتمكن الإمبراطور يوهنس الرابع من هزيمة توغلات عسكرية كبرى شنتها مصر الخديوية، التي كانت آنذاك دولة تابعة ذات حكم ذاتي للإمبراطورية العثمانية، خلال الحرب المصرية الإثيوبية في منتصف سبعينيات القرن التاسع عشر. وقد استوعبت الإدارة الإثيوبية الحالية هذا التاريخ بصورة مباشرة. فإلى جانب وصف رئيس الوزراء أبي أحمد للنيل والبحر الأحمر بأنهما العاملان المحددان لازدهار إثيوبيا، طورت حكومته ما تسميه «رؤية المياهين»، وهي رؤية تقوم على الترابط الجيوسياسي بين هذين المسطحين المائيين بدلًا من التعامل مع كل منهما بمعزل عن الآخر. ويستند هذا الطرح إلى أساس تاريخي متين. فهو يمتد من حكام إثيوبيا القدماء، الذين اعتبروا البحر الأحمر حدودًا طبيعية لدولتهم وحكموا على هذا الأساس، إلى القيادة الإثيوبية المعاصرة التي تتعامل اليوم مع أمن البحر الأحمر باعتباره مصلحة أساسية للأمن القومي، وترى أن امتلاك منفذ بحري موثوق يمثل عنصرًا محوريًا في هذه المصلحة. وسواء جرى تأمين هذا المنفذ في نهاية المطاف عبر عصب أو من خلال ترتيبات أخرى، فإن مساعي إثيوبيا لاستعادة الوصول إلى البحر تهدف إلى عكس نمط تاريخي تكرر فيه فقدان الساحل بالتزامن مع فترات التراجع الوطني، بينما تزامن الوصول إليه مع فترات القوة الوطنية. ومع تنامي الضرورات الديموغرافية والاقتصادية التي تشكل موقف إثيوبيا اليوم، تستند هذه الحجة إلى ثقل تاريخي ومادي كبير. وتتجاوز تداعيات هذه القضية إثيوبيا نفسها، لتصل إلى المنطقة الأوسع والمجتمع الدولي. فاندماج إثيوبيا بصورة حقيقية في النظام البحري العالمي من شأنه أن يخفف قيدًا هيكليًا لطالما حدّ من نموها، ونظرًا إلى حجم إثيوبيا باعتبارها واحدة من أكبر الاقتصادات وأكثرها متابعة في أفريقيا، فإن هذا النمو ستكون له تداعيات تحولية على القرن الأفريقي والقارة بصورة أوسع. وعلى الصعيد الجيوسياسي، أصبح البحر الأحمر خلال العقود الأخيرة ساحة لقدر كبير من عدم الاستقرار الذي يؤثر في التجارة والشحن الدوليين، وهي معضلة تثير اهتمام المجتمع الدولي وإثيوبيا على حد سواء. وبينما تعتمد إثيوبيا على البحر الأحمر في تجارتها، فإن استبعادها من الوصول المباشر إليه بسبب وضعها كدولة حبيسة يحول دون قيامها بدور جوهري في مواجهة التحديات الأمنية التي تؤثر عليها وعلى المنطقة الأوسع. ويميل الإثيوبيون إلى قراءة تاريخ بلادهم على البحر الأحمر باعتباره تاريخًا من التجارة المزدهرة والاستقرار، ويرون أن امتلاك منفذ موثوق اليوم من شأنه، وفق هذه القراءة التاريخية، أن يتيح للبلاد أداء دور ملموس في تأمين البحر الأحمر من جديد.
أسبوع إثيوبيا : من الدبلوماسية الصحية إلى الحزم الاستراتيجي على نهر أباي والبحر الأحمر
Aug 31, 2026 1586
بقلم هيئة التحرير أديس أبابا 31 أغسطس/ 2026 (إينا) شهد أسبوع إثيوبيا تداخلاً بين الدبلوماسية القارية والتعاون الصحي وطموحات البلاد التنموية الأوسع، حيث مثّلت أديس أبابا مجدداً منصةً رئيسيةً للتفاعل الإقليمي والدولي. من استضافة الدورة السادسة والسبعين للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا إلى تجديد المناقشات الوطنية حول التنمية على طول نهر أباي وسعي إثيوبيا إلى السيادة على منفذ بحري، سلّط الأسبوع الضوء على موضوع محوري: تصميم إثيوبيا على دفع عجلة التنمية مع تعميق التعاون الإقليمي والتكامل الاقتصادي. كما أكدت هذه التطورات على الأهمية المتزايدة لنهر أباي والبحر الأحمر في استراتيجية إثيوبيا الاقتصادية طويلة الأجل، والتي تركز على أمن الطاقة والترابط والتجارة والازدهار الإقليمي. إثيوبيا تستضيف المنتدى الصحي الرائد في أفريقيا تصدّرت أديس أبابا المشهد في الدبلوماسية الصحية الأفريقية باستضافتها الدورة السادسة والسبعين للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا. نظمت وزارة الصحة الإثيوبية والمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا اجتماعاً استمر ثلاثة أيام، جمع الرئيس تاي أتسكي سيلاسي، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، ووزيرة الصحة الدكتورة مكديس دابا، ومندوبين من 47 دولة عضواً في إقليم أفريقيا التابع لمنظمة الصحة العالمية، إلى جانب وزراء وقادة صحة عالميين وشركاء تنمية وجهات مانحة وممثلين عن منظمة الصحة العالمية. واستعرض الاجتماع التقدم المحرز في الأولويات الصحية الإقليمية، وناقش استراتيجيات وقرارات وإجراءات جماعية جديدة تهدف إلى تعزيز النظم الصحية، والنهوض بالتغطية الصحية الشاملة، وتحسين الأمن الصحي، وتعزيز التأهب لحالات الطوارئ. كما أتاح الاجتماع فرصة لعرض التقدم الذي أحرزته إثيوبيا في توسيع نطاق الخدمات الصحية الأساسية وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ الصحية العامة. وتجتمع اللجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا، وهي الهيئة الإدارية للمكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا، سنوياً لوضع السياسات الصحية الإقليمية، ومراجعة عمل المنظمة، وتحديد الأولويات لتحسين النتائج الصحية في جميع أنحاء القارة. مستقبل الصحة في أفريقيا يجب أن يكون بقيادة أفريقية كانت إحدى الرسائل القوية التي انبثقت من الاجتماع هي ضرورة تعزيز دور أفريقيا في أجندة الصحة في القارة. دعا الرئيس تاي أتسكي سيلاسي إلى اتباع نهج جديد يرتكز على الأولويات الأفريقية، وتعزيز التكامل، واتخاذ إجراءات قابلة للقياس، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة في مجال الصحة في القارة يجب أن تُقاد بشكل متزايد بالقدرات المحلية بدلًا من الاستجابات المجزأة والتبعية المطولة. وأشار إلى أن المساعدات الخارجية يمكن أن تُكمّل الأهداف الصحية الوطنية، لكن الدعم التنموي يجب أن يستجيب لأولويات أفريقيا بدلًا من أن يتشكل في المقام الأول من خلال برامج إصلاحية مصممة في أماكن أخرى. وبالمثل، أكد رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، أن السيادة الصحية أصبحت عنصرًا أساسيًا في أجندة التنمية في أفريقيا. وأشار المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم، إلى أن أفريقيا واصلت إحراز تقدم نحو تحقيق أهداف صحية هامة . لذا، تجاوزت المناقشات نطاق حالات الطوارئ الصحية العامة، لتتطرق إلى سؤال أوسع نطاقاً حول كيفية بناء أفريقيا لنظم تنموية مرنة ومكتفية ذاتياً ومستدامة. نهر أباي: التنمية والطاقة والتعاون الإقليمي إلى جانب الدبلوماسية الصحية، ظل نهر أباي محورياً في خطاب التنمية الوطنية الإثيوبية. تعتبر إثيوبيا نهر أباي، أحد أهم روافد نهر النيل، مورداً حيوياً لتوسيع نطاق توليد الكهرباء، ودعم التصنيع، وتعزيز التحول الاقتصادي. شكّل افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير علامة فارقة في مسيرة التنمية هذه. وقدّمت إثيوبيا هذا المشروع، وهو أكبر محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، كحجر زاوية في طموحها لتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، وتسريع التنمية الصناعية، وتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة. كما ساهم سد النهضة في تكثيف النقاش الإقليمي الأوسع حول الاستخدام العادل والمعقول لمياه النيل المشتركة. وتؤكد إثيوبيا على ضرورة السعي لتنمية مواردها المائية وفقاً لمبادئ الاستخدام العادل والمعقول، مع مراعاة مصالح دول حوض النيل الأخرى. في هذا السياق، صرّح وزير المياه السابق، شيفروا جارسو، لوكالة الأنباء الإثيوبية بأن على إثيوبيا التمسك بموقفها في السعي لتحقيق مصالحها التنموية على نهر أباي. كما دعا مصر إلى تعويض إثيوبيا عن استخدام مواردها المائية، مشيرًا إلى مساهمة إثيوبيا بنحو 86% من تدفق نهر النيل . وأكد شيفروا أن استمرار المعارضة المصرية لن يمنع إثيوبيا من تطوير بنية تحتية مائية إضافية، وجدد موقف إثيوبيا الثابت بشأن الاستخدام العادل لمياه النيل. وبالمثل، أشار الباحث في مجال الموارد المائية، البروفيسور يعقوب أرسانو، إلى أن اتهامات مصر لإثيوبيا بشأن نهر أباي (النيل)، رغم عدم مساهمة مصر بأي مياه في تدفق النهر، لا أساس لها من الصحة وغير مقبولة بتاتًا. قال إن مصر سعت تاريخياً إلى عرقلة تنمية إثيوبيا وتقدمها، بما في ذلك دعم جماعات داخلية، لمنعها من استغلال مواردها الطبيعية الوفيرة. الوصول إلى البحر الأحمر: من ضرورة استراتيجية إلى فرصة إقليمية لا يزال سعي إثيوبيا إلى سيادتها على الوصول إلى البحر يشكل جزءاً هاماً من خطابها التنموي. بالنسبة لإثيوبيا، ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، وهي دولة غير ساحلية، فإن الوصول إلى طرق التجارة البحرية يحمل دلالات اقتصادية بالغة الأهمية فيما يتعلق بالخدمات اللوجستية، والتنافسية التجارية، والتصنيع، والترابط الإقليمي. صرح فتحي مهدي، نائب رئيس اللجنة الدائمة للعلاقات الخارجية وشؤون السلام في مجلس نواب الشعب، لوكالة الأنباء الإثيوبية بأن مطلب إثيوبيا بالوصول إلى البحر يتجاوز مجرد مناولة البضائع وإعادة الشحن. وأكد أن للمسألة أساساً اقتصادياً أوسع، مستشهداً بدراسات للأمم المتحدة تشير إلى أن الدول غير الساحلية قد تواجه عوائق اقتصادية كبيرة مقارنة بالدول التي تتمتع بوصول مباشر إلى البحر. وقد ربطت إثيوبيا مراراً وتكراراً سعيها إلى الوصول إلى البحر بالسيادة، والمنفعة المتبادلة، والحوار السلمي، والشراكة مع الدول المجاورة. يتزايد التركيز على إمكانية الوصول البحري، بدلاً من الاقتصار عليها، ليشمل الفرص الاقتصادية الأوسع التي قد تتيحها البنية التحتية البحرية لمنطقة القرن الأفريقي، والتي تشمل: توسيع التجارة، وتكامل البنية التحتية، والاستثمار، وإنشاء ممرات صناعية، وتعزيز الأسواق الإقليمية. وبهذا المعنى، يُمكن أن يُصبح طموح إثيوبيا البحري ليس فقط مشروعًا اقتصاديًا وطنيًا، بل أيضًا فرصةً للتكامل الاقتصادي الإقليمي والازدهار المشترك. علاقات تايلاند وإثيوبيا تكتسب زخمًا استراتيجيًا شهدت العلاقات الدبلوماسية الإثيوبية زخمًا خلال الأسبوع مع الزيارة الرسمية التي قام بها نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية التايلاندي، سيهاساك فوانغكيتكيو. تعكس هذه الزيارة اهتمام تايلاند بتعميق علاقاتها الثنائية مع إثيوبيا، وتوسيع نطاق تعاونها مع أفريقيا من خلال الاتحاد الأفريقي، ومقره أديس أبابا. وصرح فوانغكيتكيو بأن زيارته تهدف إلى تحقيق هدفين استراتيجيين: تعزيز الشراكة التايلاندية مع إثيوبيا، وتوسيع نطاق تعاون تايلاند مع أفريقيا من خلال الاتحاد الأفريقي. يُشير هذا التطور إلى الأهمية المستمرة لأديس أبابا كجسر دبلوماسي بين أفريقيا والعالم. إلى جانب العلاقات السياسية التقليدية، تملك إثيوبيا وتايلاند فرصًا لتوسيع التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا والسياحة والزراعة والتصنيع ، مما قد يربط الخبرات والأسواق في جنوب شرق آسيا بالفرص الاقتصادية المتنامية في أفريقيا. لذا، تحمل هذه العلاقة أهمية تتجاوز الدبلوماسية الثنائية، لا سيما وأن كلا الجانبين تسعى إلى إقامة شراكات جديدة في اقتصاد عالمي متزايد الترابط. إثيوبيا تدفع عجلة النمو المرتكز على الشباب من خلال مجموعة البريكس استغلت إثيوبيا منصة البريكس للترويج لأولوياتها الاقتصادية والتنموية، داعيةً إلى زيادة الاستثمار في فئة الشباب الأفريقي. خلال اجتماع وزراء شباب البريكس في فيساخاباتنام، الهند، دعا الوفد الإثيوبي إلى آليات تمويل مخصصة للمشاريع التي يقودها الشباب، وزيادة الاستثمار في التقنيات الرقمية والخضراء. مع وجود أكثر من 70% من سكان إثيوبيا دون سن الثلاثين، أكد الوفد على ضرورة النظر إلى الشباب ليس فقط كمستفيدين من التنمية، بل كمحركين للابتكار وريادة الأعمال والإنتاجية والتحول الاقتصادي. تعكس الدعوة إلى التمويل المخصص والاستثمار المشترك سعي إثيوبيا الأوسع لربط شبابها بالفرص الناشئة في مجالات التكنولوجيا والتنمية الخضراء وريادة الأعمال. أسبوعٌ تميز بالتنمية والدبلوماسية قدم هذا الأسبوع، مجتمعًا، لمحةً عن أجندة التنمية الإثيوبية المتزايدة الترابط. عزز استضافة المنتدى الصحي الرائد في أفريقيا دور أديس أبابا كمركز للدبلوماسية القارية. وأبرزت المناقشات حول نهر أباي عزم إثيوبيا على توسيع نطاق تنمية موارد الطاقة والمياه. كما أكد السعي نحو الوصول إلى البحر على الأهمية الاقتصادية للترابط البحري، في حين أظهر التعاون مع تايلاند ومجموعة البريكس جهود إثيوبيا لتنويع شراكاتها وحشد فرص جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والتجارة. تشير هذه التطورات إلى رؤية استراتيجية أوسع نطاقًا، حيث يعزز التنمية والدبلوماسية والتكامل الاقتصادي بعضها بعضًا بشكل متزايد. بالنسبة لإثيوبيا، لا يقتصر التحدي المقبل على تحقيق أهداف التنمية الوطنية فحسب، بل يتعداه إلى ترجمتها إلى منصات تعاون قادرة على تحقيق فوائد تتجاوز حدودها. يمكن أن يصبح نهر أباي ركيزة أساسية للتحول في قطاعي الطاقة والاقتصاد؛ ويمكن لتحسين الترابط البحري أن يعزز التجارة الإقليمية؛ ويمكن للتعاون الصحي أن يبني قدرة القارة على الصمود؛ ويمكن لاستثمار الشباب أن يقود الجيل القادم من النمو الأفريقي. في نهاية المطاف، يتمحور خطاب التنمية المتطور في إثيوبيا بشكل متزايد حول تحويل الموقع الجغرافي الاستراتيجي والموارد الطبيعية إلى محركات للفرص الاقتصادية، مع بناء شراكات قادرة على تحويل التحديات الإقليمية إلى حلول مشتركة.
استراتيجية مصر المناهضة لإثيوبيا تتجاوز سد النهضة
Aug 29, 2026 614
بقلم: تدروس حَبنوم أديس أبابا، 29 أغسطس 2026 (إينا) لأكثر من عقد من الزمن، ظل سد النهضة الإثيوبي الكبير في قلب أحد أهم التحولات الجيوسياسية وتحولات الطاقة الكهرومائية في إفريقيا. ومع ذلك، فإن اختزال الدعاية المصرية غير المؤسسة ضد إثيوبيا بشأن مخاطر المياه قد يؤدي إلى إغفال قصة أكبر وأكثر أهمية على نحو متزايد. ولم تبدأ معارضة مصر لتنمية إثيوبيا لنهر أباي (النيل) مع سد النهضة، كما أن التصعيد الأخير للقاهرة بشأن خطط إثيوبيا لتطوير بنية تحتية مائية إضافية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق. إذ تشكل هذه التطورات جزءاً من منافسة استراتيجية أوسع تشمل الأمن المائي، والنفوذ الإقليمي، والبحر الأحمر، والسياسة الداخلية الإثيوبية، والتحول في موازين القوى بمنطقة القرن الإفريقي. وبالتالي، لم يعد السؤال المركزي ببساطة هو كيفية إدارة البلدين لنهر النيل. بل أصبح السؤال هو ما إذا كان النزاع حول نهر يتحول تدريجياً إلى صراع أوسع بشأن الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا ومكانتها الإقليمية. نزاع تجاوز طاولة المفاوضات ظهر الدليل الأكثر وضوحاً على أن النزاع تجاوز منذ فترة طويلة المسائل الفنية المتعلقة بالمياه إلى العلن في عام 2013. فخلال اجتماع ترأسه الرئيس المصري آنذاك محمد مرسي لمناقشة أزمة سد النهضة، سُمع عدد من الشخصيات السياسية المصرية عن غير قصد وهم يناقشون طرقاً محتملة لممارسة الضغط على إثيوبيا. وكان الاجتماع يُبث على الهواء مباشرة، ويبدو أن جميع المشاركين لم يكونوا يدركون أن تعليقاتهم كانت تُذاع على الهواء. وكانت التصريحات لافتة للغاية. فقد اقترح يونس مخيون، الذي كان آنذاك رئيس حزب النور المصري، دعم حركات المعارضة الإثيوبية كوسيلة لممارسة الضغط على أديس أبابا. وأشار تحديداً إلى جبهة تحرير أورومو والجبهة الوطنية لتحرير أوغادين. كما ناقش تعزيز علاقات مصر مع إريتريا والصومال وجيبوتي، والنظر إلى هذه العلاقات باعتبارها نقاط ضغط محتملة ضد إثيوبيا. أما أيمن نور، الذي كان آنذاك رئيس حزب غد الثورة، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك. إذ دعا إلى وجود سياسي واستخباراتي قادر على الانخراط في الشؤون الداخلية لإثيوبيا، واعتبر أن العلاقات مع إريتريا والصومال وجيبوتي يمكن أن تشكل ورقة مهمة للضغط على الدولة العملاقة في شرق إفريقيا. كما وثقت تقارير معاصرة دعوته إلى عمل فرق سياسية واستخباراتية وعسكرية داخل إثيوبيا. لم تكن هذه بيانات دبلوماسية رسمية، كما لا ينبغي التعامل مع تصريحات سياسيين أفراد تلقائياً باعتبارها دليلاً على سياسة مصرية رسمية ودائمة للدولة. لكن لا يمكن ببساطة تجاهل أهميتها. فقد كشفت، بصورة مباشرة وغير مألوفة، عن نمط التفكير السائد داخل شريحة مؤثرة من المؤسسة السياسية المصرية في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في نزاع سد النهضة. ولم يتعرف العالم على هذه الأفكار من خلال وثائق استخباراتية مسربة أو تكهنات دبلوماسية. بل سمعها على الهواء مباشرة عبر التلفزيون. من سياسة المياه إلى سياسة الضغط ما يجعل واقعة عام 2013 ذات أهمية خاصة اليوم هو المنطق الذي كان يقف وراء تلك المقترحات. فالنقاش لم يقتصر على التفاوض بشأن تشغيل سد، بل شمل الديناميات السياسية الداخلية الإثيوبية، والدول المجاورة، والقدرات الاستخباراتية، بل وحتى احتمال ممارسة الضغط العسكري. وأشار مخيون إلى جماعات المعارضة الإثيوبية باعتبارها «أوراق ضغط» محتملة، في حين أفادت روايات معاصرة بوجود نقاش حول استخدام القدرات الاستخباراتية ضد السد إذا فشلت الخيارات الأخرى. أما نور، فقد اقترح خلق انطباع بأن مصر تستعد لعمل عسكري كوسيلة لتكثيف الضغط على إثيوبيا. ومع ذلك، لم تختبر مصر إثيوبيا قط من خلال مواجهة عسكرية مباشرة. ويظل الخيار العسكري طريقاً مسدوداً بالنسبة للقاهرة، في ظل القيود التي تفرضها جغرافية إثيوبيا وعمقها الاستراتيجي وقدراتها العسكرية. ومجتمعة، كشفت هذه التصريحات عن تصور أوسع للنزاع، مفاده أن الضغط يمكن أن يُمارس ليس فقط عبر الدبلوماسية، بل أيضاً من خلال نقاط الضعف السياسية الداخلية لإثيوبيا وبيئتها الإقليمية. وهذا التمييز مهم. فإن الخلاف بين دولتين ذواتي سيادة بشأن إدارة نهر عابر للحدود مكانه طاولة المفاوضات. أما الجهود الرامية إلى التلاعب بالانقسامات السياسية الداخلية لدولة ما أو تحويل الدول المجاورة إلى أدوات للضغط الاستراتيجي، فتنتمي إلى فئة مختلفة تماماً. ولهذا تحديداً تظل واقعة عام 2013 ذات صلة حتى اليوم. القرن الإفريقي تغير وكذلك ساحة الصراع بعد أكثر من عقد من الزمن، أصبحت البيئة الجيوسياسية المحيطة بإثيوبيا أكثر تعقيداً بكثير. فنزاع النيل يتقاطع اليوم مع أمن البحر الأحمر، وسعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، والصراع في السودان، والمخاوف الأمنية في الصومال، والمنافسة على النفوذ في أنحاء القرن الإفريقي. كما أصبحت علاقات مصر بالدول المحيطة بإثيوبيا أكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية. وفي يونيو 2026، استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، حيث ناقش الجانبان التعاون الثنائي، والسودان، والتنسيق بشأن أمن البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، واصلت مصر وإريتريا مشاوراتهما بشأن شراكتهما الاستراتيجية والأمن الإقليمي. وعندما تُقرأ الاصطفافات الإقليمية الحالية إلى جانب التفكير الاستراتيجي الذي تم التعبير عنه علناً خلال أزمة سد النهضة عام 2013، يبرز سؤال مشروع: هل تتمحور استراتيجية القاهرة في جوهرها حول المصالح المائية، أم أنها أصبحت تركز بصورة متزايدة على إدارة النفوذ الإقليمي المتنامي لإثيوبيا؟ وقد أصبح هذا السؤال أكثر أهمية مع اشتداد المنافسة حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وأشارت تحليلات إقليمية حديثة إلى أن مخاوف مصر لم تعد تقتصر على النيل، بل امتدت إلى طموحات إثيوبيا البحرية وشراكاتها الإقليمية ودورها الجيوسياسي المتنامي. وفي يوليو 2026، سلطت مشاورات ضمت مصر والصومال وإريتريا والولايات المتحدة الضوء أيضاً على الطبيعة المتزايدة الترابط بين أمن البحر الأحمر والطموحات الإقليمية لإثيوبيا والمنافسة الأوسع في القرن الإفريقي. صعود إثيوبيا يغير الحسابات هناك حقيقة أخرى يجب على القاهرة مواجهتها. فإثيوبيا اليوم ليست إثيوبيا العقود السابقة. وأصبح سد النهضة نفسه رمزاً لهذا التحول. فبالنسبة لإثيوبيا، لا يمثل المشروع مجرد منشأة لتوليد الكهرباء، بل يجسد جهداً وطنياً لتعبئة الموارد المحلية، وتوسيع إنتاج الطاقة، وإثبات أن مشروعاً تنموياً إفريقياً كبيراً يمكن تمويله وبناؤه بالإرادة الوطنية. وقد غيّر هذا التحول النفسية السياسية المحيطة بالنيل. وباتت إثيوبيا تؤكد بصورة متزايدة أن التنمية والسيادة والتكامل الاقتصادي الإقليمي لا يمكن أن تظل خاضعة إلى ما لا نهاية لتفضيلات دول المصب. وهذا لا يعني أن إثيوبيا لا تتحمل أي مسؤولية تجاه دول المصب. بل إنها تتحمل مسؤولية. وبصفتها دولة منبع، أظهرت إثيوبيا التزامها بالاستخدام المستدام والمنصف للموارد المائية المشتركة، وحافظت على التواصل مع دول المصب، وتصرفت مع مراعاة مصالح تلك الدول. لكن المسؤولية لا تعني التخلي عن الحقوق السيادية. فلا تحتاج إثيوبيا إلى إذن القاهرة لتطوير مشاريع على الأراضي الإثيوبية، تماماً كما لا تحتاج مصر إلى إذن أديس أبابا لتطوير أراضيها. مسؤولية إثيوبيا هي التعاون، لا الخضوع. إن نهر أباي (النيل) مورد مشترك. لكن أراضي إثيوبيا وسيادتها وحقها في التنمية ليست ممتلكات مصرية. فالتعاون يتطلب الاحترام المتبادل، ولا يمكن أن يعني أن تتطور إثيوبيا فقط عندما توافق القاهرة. السؤال الذي يجب على القاهرة الإجابة عنه إذا كانت قضية القاهرة تتعلق حقاً بالمياه، فلماذا يبدو الأمر بصورة متزايدة وكأنه صراع من أجل النفوذ السياسي على إثيوبيا؟ وإذا كان هدف القاهرة هو تحقيق الاستقرار في القرن الإفريقي، فكيف يمكن للمنطقة أن تحقق سلاماً دائماً إذا كانت الدول المجاورة تنظر إلى بعضها البعض بصورة متزايدة من منظور الاحتواء والتنافس الاستراتيجي؟ هذه ليست أسئلة موجهة ضد الشعب المصري. فللإثيوبيين والمصريين قرون من الروابط التاريخية والثقافية والإنسانية. ولدى المجتمعين أسباب للتعاون أكثر بكثير من الأسباب التي قد تدفعهما إلى أن يصبحا خصمين دائمين. فالقضية الحقيقية لا تتعلق بسد النهضة وحده، بل بمنطق استراتيجي للمواجهة ضد إثيوبيا متجذر في التفكير السياسي المصري منذ عقود، وهو نمط تعامل مراراً مع الضغط والتحالفات الإقليمية والنفوذ السياسي باعتبارها أدوات لاحتواء صعود إثيوبيا. حلقة خطيرة على القرن الإفريقي يكمن الخطر الأكبر في أن يصبح نزاع أباي (النيل) بوابة لمواجهة إقليمية أوسع بكثير. فالقرن الإفريقي يعد بالفعل واحداً من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الاستراتيجية. فهو يقع بمحاذاة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، اللذين تمر عبرهما طرق تجارية عالمية حيوية. كما يتأثر بالصراعات في السودان والصومال، والتنافسات الإقليمية غير المحسومة، والمنافسة المتزايدة على الموانئ والوصول البحري والشراكات الأمنية. إن إضافة استراتيجية مصرية متهورة تعتمد على الوكلاء إلى بيئة إقليمية هشة بالفعل ينطوي على مخاطر تتجاوز بكثير حدود البلدين. وقد تؤدي استراتيجية الاحتواء إلى نتائج عكسية تماماً لما تهدف إليه. فبدلاً من إجبار إثيوبيا على التخلي عن طموحاتها التنموية، قد تدفع أديس أبابا إلى تعميق شراكاتها الاستراتيجية في أماكن أخرى، وتسريع جهودها لتنويع علاقاتها الإقليمية، واعتماد نهج أكثر تركيزاً على الأمن في سياستها الخارجية. وذلك سيجعل التوصل إلى تسوية أكثر صعوبة، لا أسهل. لا يمكن التعامل مع إثيوبيا كورقة ضغط لذلك، فإن الدرس المركزي من واقعة عام 2013 لا يتمثل فقط في أن سياسيين مصريين ناقشوا في السابق إجراءات عدوانية ضد إثيوبيا. بل يتمثل في أن فكرة التأثير على إثيوبيا من خلال نقاط ضعفها الداخلية ومحيطها الإقليمي طُرحت علناً في لحظة حاسمة من نزاع النيل. وهذا التاريخ يستحق أن يُتذكر، ليس لإدامة العداء، بل لمنع تكرار منطق خطير. إن الشؤون السياسية الداخلية لإثيوبيا تخص الإثيوبيين. وخياراتها التنموية تخص مؤسساتها السيادية وشعبها. كما لا يمكن بشكل مشروع تحويل علاقاتها مع الدول المجاورة إلى ساحة معركة جيوسياسية دائمة. ولا ينبغي أن يكون الرد على الضغط هو التصعيد، بل الثقة الاستراتيجية والدبلوماسية والانخراط الإقليمي. ما بعد سد النهضة: التخلي عن سياسة الخوف والضغط ليس لدى مصر أي سبب للخوف من تنمية إثيوبيا. ولذلك ينبغي لمصر أن تتوقف عن التعامل مع تنمية إثيوبيا باعتبارها تهديداً. وقد أظهرت إثيوبيا مراراً أقصى درجات المرونة والاستعداد للتفاوض في إطار تقوده الاتحاد الإفريقي، استناداً إلى مبدأ بسيط: «حلول إفريقية للمشكلات الإفريقية». وما هو مطلوب ليس الضغط، أو المنافسة عبر الوكلاء، أو المناورات الإقليمية، بل الحوار والشفافية والاحترام المتبادل وحلول إفريقية حقيقية تقودها إفريقيا. ويجب على مصر التخلي عن الافتراض القديم بأن الضغط السياسي يمكن أن يملي الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا أو أن يفضي إلى نتيجة مستدامة. وبدلاً من تحويل القرن الإفريقي إلى رقعة شطرنج جيوسياسية، ينبغي لمصر أن تختار التعاون بدلاً من المواجهة، والحوار بدلاً من المنافسة الإقليمية المزعزعة للاستقرار. ففي نهاية المطاف، سيتحمل شعوب المنطقة عواقب استمرار سياسة حافة الهاوية. لقد بُني سد النهضة كمشروع تنموي. لكنه أصبح سياسياً شيئاً أكبر بكثير: رمزاً لإصرار إثيوبيا على التحكم في مسار تنميتها، ومتابعة مصالحها الوطنية، وصياغة مستقبلها بنفسها. ولا يمكن التفاوض على هذه الحقيقة أو إلغاؤها من خلال الضغط أو التهديدات أو التحالفات التي تُنسج خارج حدود إثيوبيا. كما لا يمكن كتابة مستقبل إثيوبيا في القاهرة أو في أي عاصمة أخرى، من دون أن تكون إثيوبيا حاضرة على الطاولة. لقد انتهى العصر الذي كان يمكن فيه إملاء الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا من خارج حدودها. إن خيار مصر بات واضحاً الآن: إما التفاوض مع إثيوبيا كشريك متكافئ، أو البقاء أسيرة سياسة الخوف التي لن تستطيع وقف صعود إثيوبيا.
إثيوبيا والاقتصاد الرقمي: التكنولوجيا تتحول إلى قوة دافعة للتنمية
Aug 28, 2026 192
بقلم: بنيامين تادسي أديس أبابا، 28 أغسطس 2026 (إينا) لم يعد الاقتصاد الرقمي في إثيوبيا مشروعًا للمستقبل، بل أصبح جزءًا من التحول الذي تشهده البلاد في الحاضر. فمن الخدمات الحكومية إلى القطاع المالي، ومن الهوية الرقمية إلى الصحة، ومن تأهيل الشباب إلى الشركات الناشئة والذكاء الاصطناعي، تتسع دائرة استخدام التكنولوجيا لتصبح إحدى الأدوات التي تعتمد عليها إثيوبيا في تحديث مؤسساتها وتعزيز قدرتها الإنتاجية وفتح مساحات جديدة أمام المواطنين والقطاع الخاص. وتأتي هذه المسيرة في إطار استراتيجية «إثيوبيا الرقمية 2030»، التي تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولًا، وتربط بين البنية التحتية الرقمية والمهارات والابتكار والخدمات الحكومية والتنمية الاقتصادية. وبهذا الانتقال، لا تكتفي إثيوبيا بتوسيع نطاق الاتصال الرقمي، وإنما تعمل على بناء منظومة تجعل التكنولوجيا جزءًا من الحياة الاقتصادية والمؤسسية اليومية. من الإنترنت إلى بنية اقتصادية جديدة كان توسيع البنية التحتية الرقمية نقطة الانطلاق في هذا التحول. ومع الإصلاحات التي شهدها قطاع الاتصالات ودخول المنافسة والاستثمار الخاص، اتسع الوصول إلى الخدمات الرقمية وانخفضت تكلفتها بصورة ملحوظة. ويشير البنك الدولي إلى أن أسعار الاتصالات في إثيوبيا انخفضت بنحو 70 بالمئة منذ إدخال المنافسة إلى القطاع، فيما تجاوز عدد مستخدمي خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول 60 مليونًا في أوائل عام 2025. ويرى البنك أن هذه التطورات أسهمت في وضع الأسس الرقمية للنمو الاقتصادي في البلاد. وهذه ليست مجرد أرقام مرتبطة بقطاع الاتصالات؛ إذ إن انخفاض تكلفة الاتصال واتساع استخدام الخدمات الرقمية يفتحان المجال أمام الشركات الصغيرة للوصول إلى الأسواق، ويمنحان الشباب أدوات جديدة للعمل، ويوسعان إمكانية وصول المواطنين إلى الخدمات المالية والحكومية. وبذلك، بدأ الهاتف المحمول يتحول من وسيلة للاتصال إلى أداة اقتصادية تدخل في المعاملات والخدمات والأعمال اليومية. حكومة أقرب إلى المواطن ويظهر هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا في منصة ميسوب (MESOB)، التي تسعى إلى إعادة صياغة تجربة الحصول على الخدمات الحكومية من خلال ربط المؤسسات وتقديم خدمات متعددة عبر منظومة رقمية موحدة. ومع توسع المنصة، لم تعد المسألة تتعلق برقمنة وثيقة أو خدمة منفردة، بل ببناء نموذج جديد للعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ نموذج يقلل الوقت والإجراءات، ويساعد على تكامل البيانات والخدمات، ويدفع نحو إدارة عامة أكثر كفاءة. ولم يقتصر الاهتمام بالتجربة على إثيوبيا. فقد أبدت دول أفريقية اهتمامًا متزايدًا بميسوب، وزار مسؤولون من دول أفريقية مختلفة التجربة الإثيوبية للاطلاع على آلياتها والاستفادة منها. وفي أغسطس 2026، وصف وزير التحول الرقمي والابتكار في بنين ماهونا أكبلوغان التجربة الإثيوبية بأنها حالة نموذجية لأفريقيا، مؤكدًا اهتمام بلاده بالتعلم من التجربة الإثيوبية في مجال تقديم الخدمات الرقمية. كما أشار مسؤولون ودبلوماسيون أفارقة، خلال زياراتهم إلى المنصة، إلى ما توفره من سهولة وسرعة في تقديم الخدمات، وهو ما يعكس جانبًا مهمًا من التحول الإثيوبي: انتقال بعض التجارب الرقمية المحلية إلى مستوى يجذب اهتمام الشركاء الأفارقة. هوية رقمية لاقتصاد أكثر شمولًا وفي موازاة ذلك، تشكل بطاقة الهوية الرقمية الوطنية (Fayda) أحد أهم أعمدة المنظومة الرقمية الجديدة. فالهوية الرقمية لا تعني مجرد امتلاك بطاقة أو رقم إلكتروني، وإنما توفر أساسًا موثوقًا يمكن أن ترتبط به الخدمات الحكومية والمالية وغيرها من الخدمات الرقمية. ومع توسع التسجيل في الهوية الرقمية الوطنية، تصبح بطاقة الهوية الرقمية حلقة وصل بين المواطن ومؤسسات الدولة والبنوك والمنصات الإلكترونية، بما يساعد على توسيع الشمول المالي وتسهيل الوصول إلى الخدمات. وهنا تبرز أهمية التكامل بين المبادرات المختلفة؛ بطاقة الهوية الرقمية الوطنية توفر الهوية، وميسوب يربط المواطن بالخدمات، والمدفوعات الرقمية تتيح له تنفيذ المعاملات، بينما توفر البنية الرقمية الاتصال الذي يجمع هذه العناصر. وهكذا، لا تعمل المبادرات منفصلة، وإنما تبدأ في تشكيل منظومة رقمية متكاملة. المال يتحرك عبر الشاشة وفي القطاع المالي، تشهد إثيوبيا تحولًا واسعًا في استخدام المدفوعات والخدمات المالية الرقمية. وقد دفع انتشار الأموال عبر الهاتف المحمول والبنية الجديدة للمدفوعات البنك الوطني الإثيوبي إلى إطلاق استراتيجية بريدج 2030، التي تستهدف تطوير منظومة مدفوعات أكثر تكاملًا وشمولًا وابتكارًا. ويعني هذا التحول أكثر من الاستغناء التدريجي عن النقد؛ فهو يمنح الشركات الصغيرة والمواطنين أدوات مالية أسرع، ويسهل المعاملات التجارية، ويخلق مساحة أكبر للابتكار في التكنولوجيا المالية. كما أن اتساع الخدمات المالية الرقمية يساعد على إدخال شرائح جديدة من السكان إلى الاقتصاد الرسمي، وهو ما يجعل التكنولوجيا المالية واحدة من أكثر القنوات وضوحًا التي تنتقل عبرها الرقمنة من المجال التقني إلى النشاط الاقتصادي المباشر. التكنولوجيا تصل إلى الصحة ولعل أحد أكثر جوانب التجربة الإثيوبية أهمية هو انتقال الرقمنة إلى قطاع الصحة، حيث لم تعد التكنولوجيا مقتصرة على الإدارة المركزية، بل بدأت تصل إلى المستشفيات والمراكز الصحية والمجتمعات المحلية. وتوضح وزارة الصحة الإثيوبية أن منظومة الصحة الرقمية في البلاد تشمل عددًا كبيرًا من الأنظمة، من بينها نظام المعلومات الصحية الوطني، والنظام الإلكتروني لمعلومات الصحة المجتمعية، والسجلات الطبية الإلكترونية، وخدمات الصحة عبر الهاتف المحمول، ونظام إدارة معلومات الموارد البشرية الصحية، والنظام الإلكتروني لمتابعة الصيدلة والأدوية، إلى جانب أنظمة رقمية أخرى تدعم إدارة الخدمات الصحية وتحسين كفاءتها. ويكتسب النظام الإلكتروني لمعلومات الصحة المجتمعية أهمية خاصة لأنه ينقل الخدمات الرقمية إلى المستوى المجتمعي؛ إذ جرى تطويره من النظام الورقي السابق إلى منصة محمولة يستخدمها العاملون في الإرشاد الصحي، وهو مطبق في أكثر من 4,000 مركز ومنشأة صحية، ويساعد في تسجيل بيانات الأسر، ومتابعة الخدمات، وتحسين الإحالة والتواصل بين العاملين والمراكز الصحية. وفي خطوة أخرى، تقود إثيو تيليكوم بالتعاون مع وزارة الصحة عملية رقمنة البيانات الصحية، حيث أعلنت الشركة ربط 67 مستشفى رئيسيًا بمنصة رقمية مركزية، في إطار جهود توسيع البنية الرقمية للرعاية الصحية في البلاد. وهذا يعكس اتساع مفهوم الاقتصاد الرقمي نفسه؛ فالتكنولوجيا هنا لا تخلق خدمة إلكترونية جديدة فحسب، وإنما تساعد على إدارة المعلومات الصحية، وتحسين كفاءة المؤسسات، وتقريب الخدمة من المواطن. وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الصحة الإثيوبية د. مقدس دابا أهمية توسيع دور الصحة الرقمية والطب عن بُعد، وقالت إن هناك حاجة إلى دمج الصحة الرقمية والطب عن بُعد في التعليم الطبي، وتعزيز تمويل الرعاية الصحية وتدريب القوى العاملة الصحية. وتمنح هذه الرؤية التحول الرقمي بعدًا اجتماعيًا واضحًا، إذ يصبح الاستثمار في التكنولوجيا جزءًا من الاستثمار في صحة الإنسان وجودة الخدمات الأساسية. المواطن في قلب الاقتصاد الرقمي لكن البنية التحتية والمنصات لا تستطيع وحدها إنتاج اقتصاد رقمي. ولذلك تضع إثيوبيا تنمية المهارات في قلب تحولها. وتأتي مبادرة «5 ملايين مبرمج إثيوبي» ضمن الجهود الرامية إلى بناء قاعدة بشرية قادرة على التعامل مع الاقتصاد الجديد، بحيث لا يكون الشباب مجرد مستخدمين للتكنولوجيا، بل مطورين للبرمجيات وصانعين للحلول الرقمية. وقد أشادت منظمة العمل الدولية بأهمية التحول الرقمي الشامل في إثيوبيا، وربطت مبادرات تنمية المهارات الرقمية بتوسيع المشاركة الاقتصادية وخلق فرص جديدة للشباب. ويمنح هذا التوجه إثيوبيا فرصة للاستفادة من أكبر مواردها، أي طاقتها البشرية الشابة، وتحويل المعرفة والمهارات الرقمية إلى إنتاج وخدمات يمكن أن تتجاوز السوق المحلية. من مستخدم للتكنولوجيا إلى منتج لها وبالتوازي مع ذلك، تتشكل بيئة جديدة للشركات الرقمية والابتكار. ويشير البنك الدولي إلى أن مشروعات التحول الرقمي في إثيوبيا ساعدت في ترخيص أكثر من 3,000 شركة رقمية، وخلق آلاف الوظائف المرتبطة بالاقتصاد الرقمي. كما يرى البنك أن هذه التطورات تساعد على وضع الأساس لنمو اقتصادي أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا. وتكتسب هذه الشركات أهمية تتجاوز أعدادها؛ لأنها تمثل بداية انتقال إثيوبيا من استهلاك الحلول الرقمية إلى إنتاجها، سواء في التكنولوجيا المالية أو التجارة الإلكترونية أو الخدمات الحكومية أو الزراعة والصحة وغيرها. وهنا تتقاطع جهود الحكومة مع طموحات القطاع الخاص والشباب، لتظهر منظومة اقتصادية جديدة يمكن أن تصبح فيها البرمجيات والبيانات والخدمات الرقمية منتجات قابلة للتوسع والتصدير. التحول الرقمي الإثيوبي يجذب اهتمامًا دوليًا لم يعد التحول الرقمي في إثيوبيا شأنًا محليًا، بل بدأ يجذب اهتمامًا متزايدًا من الشركاء الأفارقة والدوليين. فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في يناير 2026، استعداد بلاده لتعميق التعاون مع إثيوبيا في الاقتصاد الرقمي والبنية التحتية والصناعة الخضراء، في مؤشر على تنامي أهمية التكنولوجيا في الشراكة بين البلدين. وعلى المستوى الأفريقي، وصف وزير التحول والابتكار الرقمي في بنين، ماهونا أكلاوغان، التجربة الإثيوبية بأنها «نموذج لأفريقيا»، معربًا عن اهتمام بلاده بالاستفادة من الخبرة الإثيوبية في الهوية الرقمية والخدمات الحكومية الموحدة. كما أشاد سفيرا رواندا وناميبيا بمنصة ميسوب، معتبرين إياها نموذجًا عمليًا لتوظيف التكنولوجيا في تحسين الخدمات العامة وتعزيز كفاءتها. ويتوافق هذا الاهتمام مع تقييم البنك الدولي الذي يرى أن الإصلاحات والاستثمارات الرقمية في إثيوبيا أسهمت في إرساء أسس رقمية للنمو الاقتصادي، ما يعزز مكانة البلاد كإحدى التجارب الرقمية الواعدة في أفريقيا. إثيوبيا نحو اقتصاد يصنع المستقبل مع توسع هذه المنظومة، تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من التحول الرقمي، لا تقتصر على تطوير منصات وخدمات منفردة، بل تتجه نحو ربط الهوية الرقمية والخدمات الحكومية والمدفوعات والصحة الرقمية وتطوير المهارات والشركات الناشئة ضمن رؤية وطنية متكاملة. وتشير هذه التطورات إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من المسار التنموي للبلاد، من خلال توسيع فرص الشباب والقطاع الخاص، وتحسين الخدمات، وتعزيز الإنتاج والابتكار. وبذلك، تسعى إثيوبيا إلى الانتقال من مجرد مواكبة التحول الرقمي العالمي إلى بناء منظومة رقمية تخدم احتياجاتها التنموية، وتوفر أدوات جديدة للمشاركة في اقتصاد المستقبل، وتحول التكنولوجيا إلى أحد محركات التنمية والازدهار.
تعزيز مكانة إثيوبيا: الحوار وبناء السدود والشراكات الاستراتيجية
Aug 24, 2026 1514
بقلم هيئة التحرير أديس أبابا 24 أغسطس/ 2026 (إينا) يبلغ الحوار الوطني مرحلة تاريخية مع تأكيد إثيوبيا مجددًا على حقها السيادي في تطوير نهر أباي، في حين تعزز الدبلوماسية والأمن والشراكات الاستراتيجية مكانة البلاد الإقليمية المتنامية. شهد الأسبوع الماضي فصلًا حاسمًا في تاريخ إثيوبيا، تشكّل بفعل حوار سياسي تاريخي داخلي وموقف أكثر حزمًا على الساحة الإقليمية والدولية. بعد أربعين يومًا من المداولات المكثفة التي شارك فيها نحو 4000 إثيوبي من خلفيات متنوعة، اختُتم مؤتمر الحوار الوطني في أديس أبابا بحوالي 400 توصية تتناول بعضًا من أكثر التحديات السياسية والاجتماعية والمؤسسية إلحاحًا التي تواجه البلاد. في الوقت نفسه، أكدت إثيوبيا مجددًا بقوة على حقها السيادي في استغلال مواردها المائية، رافضةً الانتقادات الموجهة لخطط بناء سدود إضافية على نهر أباي (النيل). كانت رسالة أديس أبابا واضحة لا لبس فيها: ستعمل إثيوبيا على تنمية مواردها لتلبية احتياجاتها الوطنية، مع مواصلة التعاون مع دول حوض النيل الأخرى. وإلى جانب هذين التطورين المحوريين، حافظت إثيوبيا على حضورها البارز على الساحة الدولية من خلال مشاركتها رفيعة المستوى في مجالات الأمن والدبلوماسية والشؤون الإقليمية والشراكات الاستراتيجية. الحوار الوطني: من الخلافات إلى البحث عن أرضية مشتركة مثّل اختتام الحوار الوطني الإثيوبي علامة فارقة في مساعي البلاد لمعالجة التحديات المزمنة عبر عملية وطنية. على مدى أربعين يومًا، استمع مشاركون من مختلف المناطق والخلفيات السياسية والاجتماعية والمهنية إلى وجهات نظر متباينة، وناقشوا قضايا شائكة، وسعوا إلى إيجاد أرضية مشتركة. تُوِّجت هذه العملية بما يقارب 400 توصية تهدف إلى المساهمة في بناء إثيوبيا أكثر سلامًا وشمولًا واستقرارًا. جمع حفل الختام كبار المسؤولين الحكوميين، والرؤساء السابقين، والزعماء الدينيين، والشخصيات الوطنية، والضيوف الدوليين، مؤكدًا على الأهمية الأوسع نطاقًا التي تُعطى لهذه العملية. وصف الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا الحوار بأنه فرصة مهمة للإثيوبيين لتحويل تنوع بلادهم إلى مصدر قوة، وجعل الحوار الشامل أساسًا للسلام والازدهار الدائمين. وأشاد بلجنة الحوار الوطني الإثيوبي لجمعها آلاف الأصوات، واصفًا المبادرة بأنها "عمل وطني رفيع المستوى". كما وضع كينياتا تجربة إثيوبيا في سياق أفريقي أوسع، مستذكرًا دور البلاد التاريخي في الوعي السياسي للقارة - بدءًا من النصر في معركة عدوة، مرورًا بالقيادة الدولية للإمبراطور هيلا سيلاسي، ودور أديس أبابا في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية. قال: "سلامكم ليس منّةً من الله، بل هو شرطٌ لراحتكم، وسلامنا شرطٌ لنا جميعًا في منطقتنا"، رابطًا استقرار إثيوبيا بالسلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي. وبالمثل، وصف الرئيس النيجيري السابق والممثل السامي للاتحاد الأفريقي، أولوسيغون أوباسانجو، الحوار الوطني الإثيوبي بأنه تاريخي، وربما يكون نموذجًا يُحتذى به لبقية أفريقيا. وهنأ أوباسانجو رئيس الوزراء آبي أحمد ولجنة الحوار الوطني، قائلاً إن الهدف الأسمى من هذه العملية هو تحقيق سلام وأمن واستقرار دائمين، وهي شروطٌ وصفها بأنها أساسية للتنمية والنمو الوطني. وأكد قائلاً: "السلام بالغ الأهمية، ويستحق بذل كل ما في وسعنا من أجله"، مشيرًا إلى أن التحضيرات للحوار استغرقت أربع سنوات. وأضاف أن هذه العملية، بمداولاتها التي استمرت أربعين يومًا، وبمشاركة آلاف الأشخاص، كانت "مشروعًا جادًا وعظيمًا"، و"مثالًا يُحتذى به لبقية أفريقيا". نهر أباي: إثيوبيا ترسم خطاً واضحاً بشأن تنمية مواردها السيادية بينما ركز الحوار الوطني على إيجاد أرضية مشتركة داخل إثيوبيا، وجهت البلاد رسالة حازمة مماثلة إلى الخارج بشأن استغلال مواردها المائية. أكدت إثيوبيا مجدداً خططها لبناء سدود إضافية على نهر أباي، مما أثار ردود فعل قوية من مصر، وأعاد النيل إلى دائرة الضوء الإقليمي. أوضح وزير المياه والطاقة، هبتامو إيتيفا، موقف إثيوبيا جلياً: لا تحتاج البلاد إلى إذن من أي دولة أخرى لتنمية مواردها المائية. وقال الوزير: "إثيوبيا دولة ذات سيادة"، مشيراً إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير كمثال على تصميم البلاد على تحقيق أولوياتها التنموية. في مقابلة حصرية مع موقع "نبض أفريقيا"، صرّح هابتامو بأن سد النهضة الإثيوبي الكبير بُني أساسًا لتوليد الكهرباء، وهو يُساهم بالفعل في تزويد إثيوبيا بالطاقة الكهرومائية، ويُتيح في الوقت نفسه فرصًا للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة. ورفض بشكل قاطع مقترحات الإدارة المشتركة للسد، مُؤكدًا أن إثيوبيا لن تقبل بأي ترتيبات تُتيح لدولة أخرى السيطرة على بنية تحتية بناها وموّلها الإثيوبيون. وأكّد قائلًا: "كيف يُمكن لأي جهة أن تطلب إدارة مشتركة لسد بناه الإثيوبيون؟ هذا أمر مستحيل وغير مقبول". ويتمثل موقف إثيوبيا الأوسع في ضرورة أن تسعى دول حوض النيل إلى التفاوض والتعاون والتنمية العادلة، بدلًا من الترتيبات التي تُقيّد قدرة إثيوبيا على استغلال مواردها المائية. أما بالنسبة لأديس أبابا، فإن القضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية: توسيع نطاق وصول الكهرباء إلى السكان، وخلق فرص اقتصادية، وتصدير الطاقة إلى الدول المجاورة. لذا، فإن نهر أباي ليس مجرد ممر مائي في خطاب التنمية الإثيوبي، بل أصبح رمزًا محوريًا لسعي البلاد نحو تحقيق أمن الطاقة، والتحول الاقتصادي، واتخاذ القرارات السيادية. شراكة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة توسّع نطاق التعاون الاستراتيجي لإثيوبيا ليشمل المجال الأمني. زار وفد إثيوبي رفيع المستوى، برئاسة اللواء تيشومي جيميشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع، الولايات المتحدة في الفترة من 19 إلى 20 أغسطس/ . خلال المشاورات التي جرت في البنتاغون، التقى مسؤولون إثيوبيون بمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في مجالي الدفاع والدبلوماسية لمناقشة التعاون الأمني والدفاعي الثنائي. أسفرت المحادثات، التي شارك في قيادتها نائب مساعد وزير الحرب الأمريكي للشؤون الأفريقية، برايان ج. إليس، عن اتفاق لرفع مستوى التعاون العسكري والدبلوماسي بين البلدين إلى آفاق جديدة. يشير هذا التطور إلى اهتمام إثيوبيا بتعزيز شراكاتها الاستراتيجية في وقت تشهد فيه ديناميكيات الأمن في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع تطورات متسارعة. العلاقات الإثيوبية الصينية: من الشراكة إلى التوافق الاستراتيجي لا تزال الصين محورًا أساسيًا في مشاركة إثيوبيا الدولية. وصف السفير الصيني لدى إثيوبيا، تشن هاي، الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين بأنها حجر الزاوية في الجهود المبذولة لبناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الصين وأفريقيا. وفي مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، قال السفير تشن إن العلاقة بين البلدين تجاوزت الدبلوماسية التقليدية، وتطورت إلى شراكة واسعة النطاق قائمة على الثقة السياسية والتعاون الاقتصادي والدعم المتبادل. قال: "تدعم الصين وإثيوبيا بعضهما البعض سياسيًا واقتصاديًا"، مؤكدًا على ضرورة تعزيز التنسيق لتحقيق منافع للشعبين. وتتجاوز أهمية هذه الشراكة العلاقات الثنائية، إذ يُضفي دور إثيوبيا كمركز دبلوماسي أفريقي رئيسي، وتوسع نفوذ الصين في القارة، بُعدًا أوسع على التعاون الأفريقي الصيني. أسبوع يُنبئ بإثيوبيا أكثر حزمًا تشير مجمل أحداث الأسبوع إلى سعي إثيوبيا لتحقيق التوازن بين المصالحة الوطنية الداخلية وتعزيز ثقتها الاستراتيجية في الخارج. وفر اختتام الحوار الوطني منصةً للإثيوبيين لمناقشة القضايا الشائكة عبر الحوار والتوافق. وأظهر الموقف الحازم بشأن نهر أباي تصميم أديس أبابا على الدفاع عن مصالحها التنموية وحقوقها السيادية. وفي الوقت نفسه، أظهر تجديد التعاون مع الولايات المتحدة والصين استمرار جهود إثيوبيا لتنويع وتعميق شراكاتها الاستراتيجية. الخيط المشترك واضح: تسعى إثيوبيا إلى تحقيق توافق وطني أكبر، وسيطرة أوسع على خياراتها التنموية، وصوت أقوى في صياغة مستقبل القرن الأفريقي السياسي والاستراتيجي. ستكشف الأشهر المقبلة عن نهج إثيوبيا المتزايد الحزم في التعامل مع مواردها وأمنها ودبلوماسيتها، والذي يُمكن أن يُسهم في إعادة تشكيل دورها في المنطقة. بالنسبة لبلد يقع على مفترق طرق حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، لم يكن الأسبوع الماضي مجرد سلسلة من الأحداث الكبرى، بل كان أسبوعًا أكد عزم إثيوبيا على رسم مستقبلها وفقًا لشروطها الخاصة، مع الحفاظ على مكانتها كفاعل مؤثر في أفريقيا وخارجها.
لا يمكن أن يكون البحر الأحمر مستقراً بينما تُستبعد إثيوبيا
Aug 22, 2026 799
حان الوقت للتوقف عن التظاهر بأن إثيوبيا لا مصلحة لها في البحر الأحمر بقلم: يوردانوس د. 22 أغسطس 2026 أصبح من الصعب بصورة متزايدة فصل الأهمية الاستراتيجية لقضية إثيوبيا البحرية عن أزمة الأمن الأوسع نطاقاً التي تتكشف عبر الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. فقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة حول مضيق هرمز مدى سرعة تأثير عدم الاستقرار في نقطة اختناق بحرية واحدة على أسعار الطاقة، وشبكات الشحن، وأسواق التأمين، وسلاسل الإمداد، والمستهلكين على بعد آلاف الكيلومترات. وتقدم هذه التطورات درساً أوسع نطاقاً: فممرات الاختناق البحرية ليست مجرد ممرات جغرافية، بل هي شرايين للاقتصاد العالمي. وعندما يتدهور أمنها، يمكن أن تمتد تداعيات ذلك بسرعة عبر القارات. وهذا يثير سؤالاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى القرن الإفريقي: ماذا سيحدث إذا تزامن اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز مع اضطراب كبير في باب المندب؟ قد تكون العواقب وخيمة. فمضيق هرمز حيوي لحركة الطاقة من الخليج العربي، بينما يربط باب المندب المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، ليشكلا معاً طريقاً تجارياً بالغ الأهمية بين آسيا وأوروبا. وقد يؤدي حدوث اضطراب متزامن في نقطتي الاختناق إلى إجبار السفن على الاختيار بين الإبحار في مياه خطرة أو اتخاذ طرق أطول بكثير حول إفريقيا. ومن شأن الزيادة الناتجة في استهلاك الوقود وتكاليف التأمين وأسعار الشحن وأوقات العبور أن تُحدث صدمة كبيرة أخرى للتجارة العالمية. وفي ظل هذه الخلفية، تكتسب مساعي إثيوبيا للحصول على وصول موثوق إلى البحر الأحمر أهمية تتجاوز بكثير مصالحها التجارية الخاصة. فبالنسبة إلى دولة يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، يمثل الوصول الآمن إلى البحر ضرورة اقتصادية. لكن عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر يمكن أن تترك أيضاً آثاراً أوسع نطاقاً على الترابط الإقليمي، والأمن البحري، والاستثمار، وقدرة التجارة الدولية على الصمود. فلنحلل هذه الحسابات. ومن ثم، فإن السؤال المركزي لا يتمثل ببساطة في ما إذا كان ينبغي لإثيوبيا استعادة الوصول إلى البحر، بل فيما إذا كان وجود بحري إثيوبي مستقر ومتفاوض عليه قانونياً يمكن أن يصبح جزءاً من نظام إقليمي أوسع قادر على حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم. فلنستعرض الحسابات الاستراتيجية. هرمز والتكلفة المتزايدة للنقل البحري العالمي تكتسب أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية أبعاداً هائلة. ففي النصف الأول من عام 2025، مر عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل من النفط وسوائل المنتجات النفطية يومياً، أي ما يعادل نحو خمس استهلاك سوائل النفط العالمية، ونحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية. كما ينقل المضيق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم. وتوضح الاضطرابات التي طالت هذه التدفقات حجم الهشاشة التي يخلقها هذا الاعتماد. وبحلول الربع الثاني من عام 2026، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر هرمز انخفضت بشكل حاد مقارنة بمستويات عام 2025، في انعكاس لتأثير الصراع الإقليمي والقيود المفروضة على الملاحة البحرية. وقد استجابت أسعار النفط لحالة عدم اليقين. إذ بلغ سعر خام برنت نحو 91.62 دولاراً للبرميل في 19 أغسطس 2026، وظل فوق 93 دولاراً للبرميل في 21 أغسطس وسط استمرار المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات. والدرس واضح: إن عدم الاستقرار في نقطة اختناق بحرية ذات موقع استراتيجي يمكن أن يؤدي بصورة شبه فورية إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل والتأمين. غير أن أهمية هرمز لا يمكن فهمها من خلال أسعار النفط وحدها. فالمضيق جزء من منظومة تجارية أوسع تربط منتجي الطاقة في الخليج بالمستهلكين في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى. ولذلك، فإن أي اضطراب طويل الأمد يمكن أن يولد آثاراً ثانوية على قطاعات التصنيع والنقل وتوليد الكهرباء وإنتاج الغذاء. باب المندب: البوابة الحيوية الأخرى يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي الأوسع. ويشكل، إلى جانب البحر الأحمر وقناة السويس، جزءاً من أحد أهم الممرات البحرية في العالم التي تربط آسيا بأوروبا. وعندما لا تتمكن السفن من الإبحار بأمان في البحر الأحمر، تضطر العديد منها إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح. ويتطلب الطريق الأطول مزيداً من الوقود ووقتاً إضافياً لأفراد الطواقم وسعة أكبر للسفن، كما يزيد بصورة كبيرة من مدة الرحلات. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمكن للاضطرابات حول باب المندب أو قناة السويس أن تجبر السفن على سلوك الطريق الأطول عبر جنوب إفريقيا، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن وتكاليف النقل البحري. ويمكن أن تتأثر جميع أنواع السفن، بما في ذلك سفن الحاويات التي تنقل السلع المصنعة، وسفن الشحن السائب التي تنقل السلع الأساسية، وناقلات المنتجات النفطية، والسفن التي تحمل المدخلات الزراعية. كما أن السفينة التي تقضي عدة أسابيع إضافية في البحر تصبح غير متاحة لشحنة أخرى خلال تلك الفترة. وبالتالي، يمكن أن تنخفض القدرة الفعلية للشحن العالمي حتى عندما تظل المصانع والمستودعات والموانئ تعمل بصورة طبيعية. وقد شهد العالم بالفعل هذه المشكلة عقب الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، والتي دفعت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها حول إفريقيا. وأظهرت الزيادة الناتجة في مسافات الرحلات وأوقات العبور مدى سرعة انتشار انعدام الأمن البحري عبر أسواق الشحن وسلاسل الإمداد وأسعار المستهلكين. وبالنسبة إلى إفريقيا، فإن التداعيات خطيرة بشكل خاص. إذ تعتمد العديد من الدول على استيراد الوقود والأسمدة والآلات والأغذية والمنتجات المصنعة. ولذلك، يمكن أن تتحول زيادة تكاليف الشحن إلى ارتفاع في الأسعار المحلية وزيادة الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي. أزمة نقطتي الاختناق إن حدوث اضطراب متزامن أو متعاقب في مضيق هرمز وباب المندب سيحوّل مشكلتين إقليميتين في مجال الأمن إلى أزمة بحرية عالمية محتملة أكبر بكثير. فمضيق هرمز يمثل أهمية رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، بينما يُعد باب المندب بوابة أساسية للسفن التجارية التي تتحرك بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. وإذا تعرض كلا الممرين لاضطراب خطير، فقد تواجه شركات الشحن خياراً صعباً بين الإبحار في مياه غير آمنة أو سلوك طرق بديلة أطول بكثير. وقد ترتفع أسعار الشحن وأقساط التأمين بشكل حاد. وقد يواجه المصنعون الأوروبيون تأخيرات في استلام المكونات والمنتجات النهائية الآسيوية، بينما قد يواجه المصدرون الآسيويون تكاليف أعلى للوصول إلى الأسواق الأوروبية وشمال إفريقيا. كما ستتعرض الاقتصادات الإفريقية للخطر، لأن العديد منها يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والأسمدة والآلات والأغذية والمنتجات المصنعة. وقد تحتاج الحكومات إلى مزيد من العملات الأجنبية لشراء الكمية نفسها من الواردات، في حين قد تنقل الشركات ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة إلى المستهلكين. وتوضح بيانات الشحن الأخيرة أيضاً مدى حساسية الممرين تجاه انعدام الأمن الإقليمي. فقد أفادت وكالة رويترز بأن تسع سفن للسلع الأساسية فقط عبرت مضيق هرمز في 18 و19 أغسطس 2026، بينما انخفضت حركة المرور عبر باب المندب من 32 إلى 27 سفينة خلال الفترة نفسها. وبحلول 21 أغسطس، أفادت رويترز بأن حركة المرور عبر هرمز انخفضت أكثر إلى سبع سفن للسلع الأساسية، بينما سجل باب المندب عبور 23 سفينة. ولا تثبت هذه الأرقام أن أياً من الممرين المائيين قد أُغلق بصورة دائمة. لكنها توضح مدى السرعة التي يمكن أن يؤدي بها عدم اليقين الجيوسياسي إلى تغيير سلوك الشحن التجاري. وحتى من دون فرض حصار رسمي، يمكن أن تؤدي المخاطر الأمنية المتزايدة إلى ردع المشغلين، ورفع تكاليف التأمين، وإجبار السفن على اتخاذ طرق أطول. ومن ثم، فإن حدوث اضطراب طويل الأمد في نقطتي الاختناق معاً سيكون أكثر من مجرد أزمة بحرية إقليمية؛ فقد يتحول إلى صدمة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد. الدور المعرقل لمصر في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر من الواضح أن الأنشطة المصرية المزعزعة للاستقرار في القرن الإفريقي يمكن بحثها تاريخياً من خلال انخراطها الأمني والسياسي مع الدول المحيطة بإثيوبيا. ويحظى تعاونها العسكري المتزايد مع الصومال بأهمية استراتيجية خاصة، نظراً إلى قرب الصومال من باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم. ويمكن أن يؤدي نشر القوات العسكرية المصرية في الصومال، أو احتمال نشرها هناك، إلى زيادة التنافس الاستراتيجي مع إثيوبيا والمساهمة في عسكرة بيئة أمنية هشة بالفعل. كما يمثل التقارب السياسي والأمني الوثيق بين مصر والمؤسسة العسكرية في السودان مصدراً آخر للقلق الإقليمي. فقد أدى استمرار الحرب في السودان إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق الشبكات المسلحة، وتوليد النزوح وعدم الاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة. ويخاطر التدخل العسكري والسياسي الخارجي بإطالة أمد الصراع وخلق ضغوط أمنية إضافية على طول الحدود الغربية لإثيوبيا والبحر الأحمر. كما أن استمرار الأزمة في السودان، حيث تقف مصر وراء هذه الحرب الأهلية الكارثية المستمرة، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في أنحاء القرن الإفريقي، ويعطل طرق التجارة ويزيد حركة الجماعات المسلحة والشبكات غير المشروعة. كما دعمت مصر النظام الإريتري، الذي يمنحه موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر نفوذاً يخدم طموحاته القائمة على الوكلاء. ويمكن أن يؤدي انخراط مصر المتزايد مع إريتريا، إلى جانب تعاونها العسكري مع الصومال وعلاقتها بالسودان، إلى تشكيل اصطفافات أمنية متنافسة حول إثيوبيا وزيادة التوترات في أنحاء القرن الإفريقي. ويتمثل مصدر القلق الأكثر خطورة في الأهمية الاستراتيجية لباب المندب. فلدى مصر مصلحة حيوية في هذا الممر المائي، لأنه يوفر الوصول إلى قناة السويس ويشكل محوراً أساسياً لتجارة مصر البحرية. ولدى مصر خطة عملياتية لإغلاق باب المندب فعلياً، ويثير توسع النفوذ العسكري والسياسي المصري حول القرن الإفريقي مخاوف من إمكانية تحول هذا الممر المائي إلى أداة للضغط الاستراتيجي. وأي محاولة من جانب مصر أو من قوى متحالفة مع مصالحها لعرقلة الملاحة عبر باب المندب ستكون لها تداعيات تتجاوز القرن الإفريقي بكثير. ومن شأن مثل هذا الاضطراب أن يخلق حالة من الفوضى في التجارة العالمية. فباب المندب يمثل حلقة حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن ومنظومة التجارة الأوسع في المحيط الهندي. ويمكن أن يؤدي تعطله إلى إجبار السفن على اتخاذ طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يرفع بشكل حاد تكاليف النقل وأقساط التأمين وأوقات التسليم واستهلاك الوقود. كما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الأغذية والسلع المصنعة والسلع الأساسية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وإذا جاء اضطراب خطير في باب المندب فوق حالة عدم الاستقرار القائمة حول نقاط الاختناق البحرية الرئيسية الأخرى، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على سلاسل الإمداد العالمية الهشة بالفعل. وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، فإن الشراكات العسكرية المتوسعة لمصر وتحالفاتها السياسية وتموضعها الاستراتيجي في الصومال والسودان وإريتريا، تخاطر بتعميق الاستقطاب في القرن الإفريقي. وإذا استُخدمت هذه العلاقات كأدوات للمواجهة مع إثيوبيا، فقد تسهم في مزيد من العسكرة حول البحر الأحمر وباب المندب. ولن تقتصر العواقب على إثيوبيا أو القرن الإفريقي؛ إذ يمكن لأزمة تؤثر في باب المندب أن تتصاعد إلى حالة طوارئ بحرية أوسع نطاقاً، تهدد الاستقرار الإقليمي وتتسبب في اضطرابات شديدة للتجارة الدولية والتجارة العالمية. لماذا تهم عودة إثيوبيا إلى البحر؟ هنا تكتسب قضية إثيوبيا البحرية أهمية تتجاوز المصالح الاقتصادية الوطنية. فاعتماد إثيوبيا على الموانئ البحرية الخارجية يجعل تجارتها الدولية عرضة للاضطرابات على طول ممرات النقل الإقليمية. وقد مر تاريخياً أكثر من 90 بالمئة من تجارة إثيوبيا من الواردات والصادرات عبر ممر أديس أبابا–جيبوتي. ويؤدي الاعتماد الكبير على منفذ رئيسي واحد إلى زيادة التعرض للمخاطر الاقتصادية عندما تؤثر الاختناقات أو الصراعات أو الخلافات السياسية أو انعدام الأمن البحري على هذا الطريق. ويمكن لوجود بحري إثيوبي موثوق ومتفاوض عليه قانونياً أن يوفر خياراً إضافياً. ومن شأن ذلك أن ينوع ممرات النقل، ويقلل الاعتماد على منفذ واحد، ويعزز قدرة إثيوبيا على مواجهة الاضطرابات الإقليمية. ولا ينبغي أن يكون الهدف هو سيطرة إثيوبيا على البحر الأحمر، بل ينبغي أن يتمثل في توفير وصول يمكن التنبؤ به ومتفق عليه بصورة متبادلة، من خلال ترتيبات تحترم سيادة الدول الساحلية وسلامة أراضيها. ويمكن لمثل هذا الترتيب أن يوفر فوائد تتجاوز بكثير المصالح البحرية المباشرة لإثيوبيا. إذ يمكن أن يعزز قدرة التجارة العالمية على الصمود من خلال توفير خيارات إضافية لحركة السلع، والحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على عدد محدود من الممرات البحرية المعرضة للخطر. كما يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن البحري من خلال تشجيع مزيد من التعاون بين دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي في حماية طرق الملاحة والاستجابة للتهديدات الأمنية الناشئة. وفي الوقت نفسه، يمكن لتحسين وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أن يخفف الضغط عن ممرات التجارة القائمة، ولا سيما تلك التي تواجه الازدحام أو انعدام الأمن أو ارتفاع تكاليف النقل، مع توفير طرق أكثر كفاءة لإثيوبيا والدول المجاورة للوصول إلى الأسواق الدولية. ويمكن أيضاً للمشاركة البحرية الإثيوبية أن تعمق التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال ربط سوقها المحلية الكبيرة باقتصادات وموانئ القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع. ومن شأن زيادة الترابط أن تدعم التجارة العابرة للحدود والخدمات اللوجستية والتصنيع وتطوير البنية التحتية، بما يخلق فرصاً للدول للاستفادة من الاقتصاد الإثيوبي المتنامي، مع تعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية. كما أن تحسين الوصول إلى التجارة البحرية من شأنه أن يعزز الأمن الغذائي وأمن الطاقة من خلال توفير قنوات أكثر موثوقية وتنوعاً لإثيوبيا لاستيراد السلع الأساسية والوقود والمدخلات الصناعية. ويمكن لهذا الترابط أيضاً أن يجعل المنطقة أكثر جاذبية للمستثمرين من خلال تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، وتشجيع الاستثمار في الموانئ وشبكات النقل والمناطق الصناعية والبنية التحتية ذات الصلة. ولذلك، ينبغي التعامل مع الأجندة البحرية لإثيوبيا باعتبارها جزءاً من إطار إقليمي أوسع للاقتصاد والأمن، وليس باعتبارها منافسة للسيطرة على أراضٍ استراتيجية. ويمكن لترتيب يتم التفاوض عليه أن يجمع بين حاجة إثيوبيا إلى وصول موثوق إلى البحر والمصالح المشروعة للدول الساحلية. إذ يمكن لإثيوبيا تأمين وصول تجاري يمكن التنبؤ به، في حين يمكن للدول الساحلية الاستفادة من عائدات العبور، والاستثمار في البنية التحتية، وفرص العمل، وتوسيع الأسواق، وتعزيز الروابط الاقتصادية مع واحدة من أكبر الأسواق المحلية في إفريقيا. كما يمكن لهذا الإطار أن يساعد في الفصل بين الترابط الاقتصادي والمواجهة العسكرية. فالوصول التجاري إلى البحر لا يتطلب بالضرورة السيطرة على الأراضي. ويمكن لترتيب يتم التفاوض عليه بعناية أن يوفر الوصول مع الحفاظ على سيادة الدولة الساحلية ودعم المصالح الأمنية للدول المجاورة. وهذا التمييز بالغ الأهمية. فلن تكون عودة إثيوبيا البحرية مستدامة إلا إذا استندت إلى المصالح المتبادلة والقانون الدولي والشفافية واحترام السيادة. وينبغي أن يتمثل الهدف الاستراتيجي الأوسع في إقامة بحر أحمر تصبح فيه الاعتمادية الاقتصادية المتبادلة مصدراً للاستقرار بدلاً من أن تكون محفزاً للمواجهة. ويمكن أن يؤدي تعزيز التجارة والترابط في البنية التحتية والأمن البحري المشترك إلى خلق حوافز للدول لحماية النظام التجاري نفسه الذي تستفيد منه. وبهذا المعنى، يمكن أن تصبح عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر جزءاً من جهد أوسع لبناء اقتصاد إقليمي أكثر قدرة على الصمود. ويمكن لسكان البلاد الذين يتجاوز عددهم 130 مليون نسمة، وسوقها المحلية المتوسعة، وإمكاناتها الصناعية والزراعية المتنامية، أن تولد طلباً كبيراً على الخدمات البحرية، في حين يمكن لتحسين الوصول أن يساعد على ربط الاقتصادات المجاورة بالأسواق الإثيوبية. خلاصة القول إن أهمية عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر تتجاوز بكثير مسألة الموانئ أو طرق التجارة أو المصالح الاقتصادية الوطنية. ففي عصر يمكن فيه للاضطرابات في هرمز وباب المندب أن تتردد أصداؤها عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، يحتاج القرن الإفريقي إلى نظام بحري أكثر قدرة على الصمود وتوازناً. ويمكن أن يوفر الوصول الإثيوبي الموثوق إلى البحر الأحمر، الذي يتحقق من خلال ترتيبات سلمية وقانونية ومتفاوض عليها ومفيدة للطرفين، مثل هذه الفرصة. فمن شأنه أن ينوع طرق التجارة الإقليمية، ويقلل الاعتماد على ممر واحد، ويعزز الأمن البحري، ويجذب الاستثمارات، ويحسن الوصول إلى السلع الأساسية، ويعمق التكامل الاقتصادي في أنحاء القرن الإفريقي. وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الوصول إلى البحر سيقلل من نقطة ضعف أساسية مرتبطة بكونها دولة حبيسة. وبالنسبة إلى الدول الساحلية، يمكن أن يوفر استثمارات وعائدات عبور وأسواقاً أوسع. وبالنسبة إلى الملاحة الدولية، يمكن أن يسهم في تعزيز بيئة أمنية إقليمية أكثر قوة. أما بالنسبة إلى الأسواق العالمية، فيمكن أن يضيف طبقة أخرى من القدرة على الصمود في وقت أصبحت فيه نقاط الاختناق البحرية معرضة بصورة متزايدة للاضطرابات الجيوسياسية. ومن ثم، لا ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي هو هيمنة أي دولة منفردة على البحر الأحمر، بل إنشاء نظام بحري مستقر تتمتع فيه إثيوبيا بوصول مشروع ويمكن التنبؤ به، وتحافظ الدول الساحلية على سيادتها، وتحظى الملاحة الدولية بمزيد من الأمن. وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليس فقط باعتبارها طموحاً وطنياً، وإنما باعتبارها مساهمة محتملة في الاستقرار الإقليمي وقدرة التجارة العالمية على الصمود. ويمكن لتسوية بحرية سلمية أن تحول إثيوبيا من اقتصاد حبيس معرض للخطر إلى طرف اقتصادي وأمني أكثر نشاطاً في واحدة من أكثر المناطق البحرية أهمية وتأثيراً في العالم.
لماذا تُعدّ إثيوبيا الحلقة المفقودة بين أفريقيا والعالم العربي
Aug 21, 2026 297
تحليل من «نبض أفريقيا» (POA) 21 أغسطس 2026 بقلم: ماتياس بوله تقع إثيوبيا عند ملتقى التاريخ والجغرافيا والجيوسياسية، وتؤدي دور حلقة وصل حيوية بين أفريقيا والعالم العربي وممر البحر الأحمر. ويجعل موقعها الاستراتيجي بالقرب من الشرق الأوسط، ودورها بوصفها بوابة إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، منها لاعباً محورياً في الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتبادل الثقافي. وإن إدراك الجذور التاريخية لإثيوبيا وأهميتها الجيوسياسية واحتياجاتها الاستراتيجية الراهنة يتيح فرصة أمام أفريقيا والعالم العربي لبناء شراكة أكثر تكاملاً ومنفعة متبادلة، تقوم على الاحترام والتعاون والمصالح المشتركة. تمتد علاقة إثيوبيا بالعالم العربي إلى أكثر من 3,000 عام. وقبل ظهور الحدود الحديثة والدول القومية بوقت طويل، كانت شبكات التجارة القديمة تمتد عبر البحر الأحمر، رابطـةً بين المرتفعات الإثيوبية وشبه الجزيرة العربية. وتعكس مملكة دَعَمَت، التي ظهرت نحو القرن العاشر قبل الميلاد، مزيجاً من التأثيرات الأفريقية والجنوب عربية. وتشير عمارتها الحجرية وأنظمة كتابتها إلى تراث ثقافي مشترك سبق الحدود الاستعمارية. وقد هيمنت إمبراطورية أكسوم، إحدى أعظم الحضارات القديمة في أفريقيا، على طرق التجارة التي ربطت أفريقيا والهند والإمبراطورية الرومانية. وكان تجارها يتاجرون بالذهب والعاج والتوابل، ما جعل إثيوبيا عقدة حيوية في التجارة العالمية القديمة. كما تجسد الحملات العسكرية لحكام أكسوم في جنوب شبه الجزيرة العربية خلال القرن السادس الميلادي، ولا سيما تدخل الإمبراطور كالب في اليمن، النفوذ التاريخي لإثيوبيا وانخراطها الاستراتيجي مع العالم العربي. وقد أرست هذه التفاعلات الأساس لعلاقة استمرت عبر القرون، متجذرة في التجارة والدبلوماسية والتبادل الثقافي. وهناك أيضاً أدلة لغوية تشير إلى عمق التواصل البشري الذي استمر لآلاف السنين. كما أدت الروابط الدينية دوراً محورياً. فعندما واجه أتباع النبي محمد الاضطهاد في مكة، وجد بعضهم ملاذاً في المملكة المسيحية الإثيوبية، في موقف من التعاطف أكسب إثيوبيا مكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي. وتمثل قصة الهجرة الأولى عام 615 ميلادية، عندما التمس أتباع النبي الملاذ الآمن في القرن الأفريقي، رمزاً لتقاليد إثيوبيا الراسخة في الضيافة والعدالة. إثيوبيا ودورها الجيوسياسي الراهن: ركيزة للاستقرار الإقليمي اليوم، تتجاوز أهمية إثيوبيا تاريخها العريق. فمع أكثر من 135 مليون نسمة، تُعد إثيوبيا ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، وتشكل ركناً أساسياً في منطقة القرن الأفريقي. ويتجلى دورها القيادي في استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، ما يرسخ مكانتها مركزاً سياسياً ودبلوماسياً للقارة. ويجسد التنوع الديني في إثيوبيا، بما في ذلك وجود أعداد كبيرة من المسيحيين والمسلمين، مزيجاً ثقافياً يتردد صداه في المجتمعات الأفريقية والشرق أوسطية على حد سواء. كما أن علاقاتها الاقتصادية حيوية بالقدر نفسه؛ إذ يسافر ملايين العمال الإثيوبيين إلى دول الخليج للعمل، ويدعمون دخول أسرهم من خلال التحويلات المالية. وقد استثمرت دول الخليج بكثافة في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والطاقة في إثيوبيا، إدراكاً منها لإمكاناتها كسوق للنمو وشريك استراتيجي. غير أن الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا لا تستند فقط إلى التاريخ أو التركيبة السكانية. فتنميتها الاقتصادية، ولا سيما من خلال مشروعات مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير، تؤكد طموحها إلى استثمار موارد المياه والطاقة الإقليمية. ويمثل سد النهضة، على وجه الخصوص، رمزاً لسعي إثيوبيا إلى السيادة على مياه أباي، مع فتح فرصة جديدة تماماً للتعاون بين الدول المتشاطئة وعلى مستوى هذه الدول. الضرورة الاستراتيجية للتعاون الإقليمي ترتبط الأهمية الجيوسياسية لإثيوبيا ارتباطاً وثيقاً بحاجتها إلى الوصول إلى البحر والتكامل الإقليمي. وباعتبارها دولة حبيسة أصبحت كذلك في عام 1993 من خلال صفقات مشبوهة، ترى إثيوبيا أن 95% من تجارتها يمر عبر جيبوتي، أي عبر ميناء واحد يمثل، رغم أهميته الحيوية، نقاط ضعف لوجستية واستراتيجية. ويفرض الاعتماد الكبير على جيبوتي تكاليف بمليارات الدولارات على التجارة الإثيوبية، ويقيد النمو، ويبرز الحاجة الملحة إلى أن تستعيد إثيوبيا حقها في الوصول إلى البحر. وبالنسبة إلى العالم العربي وأفريقيا، فإن استقرار إثيوبيا ونموها الاقتصادي أمران أساسيان. فإثيوبيا مجزأة ومعزولة يمكن أن تزعزع استقرار القرن الأفريقي بأكمله، وتغذي حركات التمرد وتدفقات اللاجئين والصراعات العابرة للحدود. وعلى العكس من ذلك، فإن إثيوبيا المستقرة والمتكاملة اقتصادياً تعمل كحصن في مواجهة التطرف وانعدام الأمن الإقليمي. كما أنها تتيح فرصاً للتنمية الاقتصادية المشتركة، ومشروعات البنية التحتية، وتقاسم الموارد. ومن بين أكثر القضايا إلحاحاً مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري. وسواء تم ذلك من خلال استئجار الموانئ، أو الملكية المشتركة للموانئ، أو الممرات الإقليمية، فإن جهود إثيوبيا تهدف إلى تأمين طرقها التجارية وتقليل اعتمادها على جيبوتي. وتتطلب هذه المبادرات إطاراً تعاونياً يضم الدول المجاورة ودول الخليج والهيئات الإقليمية الأفريقية مثل الاتحاد الأفريقي. ويمكن لهذا التعاون أن يحول بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة، مثل النزاعات حول المياه أو الوصول إلى الموانئ، إلى فرص لتحقيق الرخاء المشترك والاستقرار الإقليمي. ولا يمكن احتجاز دولة بهذا الحجم كرهينة جغرافية، في حين أنها تقع على مرمى حجر من ساحل البحر الأحمر، الذي كانت سواحله ذات يوم تخضع لدوريات الأساطيل البحرية الإثيوبية باعتبارها أراضي ذات سيادة. لماذا يجب على العالم العربي وأفريقيا التعاون مع إثيوبيا إن الحجة الداعية إلى اتباع نهج متكامل تجاه الاحتياجات الاستراتيجية لإثيوبيا مقنعة. أولاً، يمكن للإمكانات الاقتصادية لإثيوبيا أن تكون محفزاً للتنمية الإقليمية. ويمكن لقطاعها الزراعي الكبير، وصناعتها التحويلية المتنامية، ومشروعات الطاقة مثل سد النهضة، أن توفر الغذاء والطاقة والسلع الصناعية ليس فقط لسكانها، وإنما أيضاً للدول المجاورة والأسواق الخليجية. ثانياً، يعتمد الأمن الإقليمي على الاستقرار في إثيوبيا. ويواجه القرن الأفريقي تهديدات من جماعات متمردة وصراعات حدودية وجريمة عابرة للحدود الوطنية. ويرتبط استقرار إثيوبيا بصورة مباشرة بأمن البوابة الجنوبية للعالم العربي، ولا سيما البحر الأحمر وخليج عدن، اللذين تمر عبرهما نسبة كبيرة من التجارة العالمية. ومن شأن ضمان سيادة إثيوبيا وقدرتها على الصمود اقتصادياً أن يعزز بدوره الأمن البحري وجهود مكافحة الإرهاب. وأخيراً، يجب أن تأخذ الجغرافيا السياسية في ممر البحر الأحمر في الاعتبار المصالح البحرية والاقتصادية المشروعة لإثيوبيا. فمساعيها للحصول على منفذ إلى الموانئ وإنشاء ممرات إقليمية ليست تهديداً، وإنما ضرورة لتنميتها. وإن التعامل مع إثيوبيا باعتبارها شريكاً بدلاً من خصم سيحول دون نشوب الصراعات، ويعزز التكامل الاقتصادي، ويضمن الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل. إن الأهمية الاستراتيجية والتاريخية والثقافية لإثيوبيا تجعل منها ركناً محورياً للاستقرار والازدهار في أفريقيا والعالم العربي. ويمكن أن يؤدي تلبية احتياجات إثيوبيا للوصول إلى البحر، واحترام سيادتها، وتعزيز التعاون الشامل، إلى تحويل بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة إلى فرص للنمو المشترك. وبالنسبة إلى أفريقيا والشرق الأوسط، فإن الطريق إلى الأمام يكمن في الشراكة، من خلال الاعتراف بإثيوبيا جسراً حيوياً، وحضارة عريقة ذات مستقبل يرتكز على التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والاحترام المتبادل. وفقط من خلال هذا الجهد الجماعي يمكننا ضمان مستقبل مستقر ومزدهر لجميع شعوب ممر البحر الأحمر وما وراءه.
مصر توظف سد النهضة لصرف أنظار شعبها عن أزماتها الداخلية
Aug 20, 2026 653
بقلم: بنيامين تادسي لم تعد مشكلة الحكومة المصرية ومنابرها الإعلامية مع إثيوبيا وقضية سد النهضة مجرد خلاف حول إدارة مياه النيل أو المطالبة باتفاق بشأن تشغيله، بل تحولت على مدى سنوات إلى خطاب إعلامي مزيف يصور المشروع الإثيوبي باعتباره خطرًا وجوديًا على مصر والمنطقة. وهنا تكمن المشكلة الأساسية؛ فعندما يتحول الخلاف السياسي والفني إلى رواية إعلامية غير صحيحة وثابتة تجعل من إثيوبيا مصدرًا للتهديد، ومن سد النهضة أصلًا لمختلف المخاوف المائية، فإن الإعلام المصري لا يعود يشرح القضية للرأي العام، بل يساهم في صناعة موقفه غير الدقيق منها. وتؤكد دراسات أكاديمية تناولت الخطاب الإعلامي المصري أن الصحف المصرية استخدمت بصورة متكررة أطرًا إعلامية تقوم على التهديد والصراع والأمن القومي، وقدمت السد في تغطياتها باعتباره تهديدًا وجوديًا لمصر. ولم يبق هذا الخطاب في إطار الإعلام وحده؛ فقد استخدم مسؤولون مصريون أيضًا لغة مماثلة في وصف السد. وفي هذا السياق، قال أندرو كوريبكو، المحلل السياسي الأمريكي، في تصريح لوكالة الأنباء الإثيوبية، إن مصر تكثف ما وصفه بـ«حملة حرب معلومات» ضد إثيوبيا بشأن قضية أباي، معتبرًا أن التصريحات المصرية تسعى إلى تصوير إثيوبيا باعتبارها تهديدًا للأمن الإقليمي لتعزيز موقف القاهرة بشأن مياه أباي. كما أكد أن لإثيوبيا حقًا سياديًا وقانونيًا في الاستخدام المنصف لنهر أباي. ويكشف هذا التصريح جانبًا مهمًا من القضية؛ إذ يطرح تساؤلًا حول ما إذا كان الخطاب الإعلامي المتكرر يعكس نقاشًا موضوعيًا حول المياه، أم يساهم في تضخيم الخطر واختزال مشروع تنموي إثيوبي في صورة تهديد. سد النهضة شماعة للأزمات الأكثر إشكالًا أن بعض التغطيات المصرية لا تكتفي بطرح المخاوف بشأن مستقبل المياه، وإنما تميل إلى ربط أزمات مائية في المنطقة بسد النهضة بصورة مباشرة. وفي السودان، أشار بعض المسؤولين والصحفيين السودانيين إلى أن الأوضاع المائية لا يمكن تفسيرها بسد النهضة وحده، وأن الحرب المستمرة أثرت في مؤسسات الدولة وقدرتها على إدارة السدود والتعامل مع المواسم المائية. ومن ثم، فإن اختزال الأوضاع المائية السودانية في سد النهضة وحده يقدم تفسيرًا مبتورًا لأزمة أكثر تعقيدًا، ويجعل من السد شماعة جاهزة لمشكلات متعددة الأسباب. السودان دولة ذات سيادة إذا كانت مصر تتمسك بحقها في الدفاع عن مصالحها، فإن السودان يملك الحق ذاته في تحديد مصالحه. فالسودان دولة ذات سيادة، ولا يحتاج إلى أن تتحدث دولة أخرى باسمه أو تحدد له ما إذا كان سد النهضة يخدم مصالحه أم لا. وفي يونيو 2020، قال ياسر عباس، وزير الري والموارد المائية السوداني آنذاك، إن السودان يدعم إنشاء سد النهضة، معتبرًا أن لإثيوبيا الحق في التنمية وتوليد الكهرباء وفق قواعد القانون الدولي. وهنا يبرز السؤال: من فوّض القاهرة للتحدث باسم الخرطوم؟ فاختلاف السودان مع إثيوبيا في بعض القضايا الفنية لا يعني أن موقفه يجب أن يُختزل في الموقف المصري؛ فالخرطوم قادرة على تقييم مصالحها بنفسها، ولها الحق في الاستفادة من أي مشروع ترى أنه يخدم اقتصادها وأمنها المائي والطاقة. هل أصبح السد أداة للاستهلاك الداخلي؟ لا يمكن تجاهل الحضور الواسع لقضية سد النهضة في الخطاب السياسي والإعلامي المصري، في وقت تواجه فيه مصر ضغوطًا اقتصادية. وفي أحدث مراجعة لصندوق النقد الدولي في يوليو 2026، توقع الصندوق ارتفاع التضخم في مصر إلى 16.7 بالمئة خلال النصف الثاني من عام 2026، مع استمرار حالة من عدم اليقين ومخاطر مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل. وفي هذا السياق، قال ياسين أحمد، رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية العامة، إن قضية سد النهضة أصبحت أداة سياسية وإعلامية للاستهلاك الداخلي في مصر، معتبرًا أن تجدد التركيز عليها يهدف إلى صرف انتباه الرأي العام عن التحديات الاقتصادية والمعيشية. وهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: هل يُستخدم سد النهضة لتوجيه اهتمام الرأي العام المصري نحو قضية خارجية بدل التركيز على الأزمات والضغوط الداخلية التي يواجهها الشعب المصري؟ ما يقوله الواقع عن سد النهضة بعيدًا عن الخطاب الإعلامي، أصبح سد النهضة واقعًا تنمويًا ومصدرًا مهمًا للطاقة، فيما تمضي إثيوبيا في توظيف قدراتها الكهربائية لتعزيز التعاون والتكامل مع دول الجوار. وقد أكد رئيس الوزراء أبي أحمد أن سد النهضة يحمل فوائد متعددة للسودان ومصر والمنطقة، مشيرًا إلى إمكانية استفادة السودان منه في الحد من آثار الفيضانات وتحسين إدارة المياه خلال فترات الجفاف. كما أكد أن إثيوبيا لا تسعى إلى الإضرار بدول المصب، وإنما إلى توليد الكهرباء لتلبية احتياجات شعبها وتحقيق التنمية. وتتجاوز أهمية المشروع إنتاج الكهرباء داخل إثيوبيا؛ إذ تنظر البلاد إلى فائض الطاقة كوسيلة لتعزيز التكامل الإقليمي وتوسيع التعاون مع دول الجوار. وهوا ماكده وزير المياة والطاقة الإثيوبي هبتامو إتيفا ان إثيوبيا تصدر الكهرباء إلى السودان وكينيا وجيبوتي فيما تعمل علي توسيع شبكة الربط الكهربائي مع تنزانيا وجنوب السودان ودول أخرى. من صناعة الخوف إلى قراءة الحقيقة ليس المطلوب من الإعلام المصري أن يتبنى الموقف الإثيوبي؛ لكن المهنية تقتضي ألا يتحول الخلاف إلى صناعة دائمة للخوف، وألا تُقدم رواية واحدة باعتبارها الحقيقة الوحيدة. أما تصوير سد النهضة باعتباره مشروعًا يستهدف مصر، وتحميله مسؤولية مختلف الأزمات المائية، أو التحدث باسم السودان، فهو يبتعد بالقضية عن النقاش الموضوعي، ويحوّلها إلى معركة إعلامية وسياسية ضد حق إثيوبيا في التنمية. وإثيوبيا، التي تمضي في تنفيذ مشاريع كبرى تركز عليها لتحقيق النمو والازدهار، ليست لديها رفاهية إهدار وقتها في صراعات لا تخدم شعبها، بل تركز على البناء وإنتاج الطاقة وتوسيع اقتصادها. ولذلك، فإن سد النهضة يمثل جزءًا من مسار تنموي طويل الأمد، وليس أداة للصراع مع القاهرة أو الخرطوم. لقد اختارت إثيوبيا أن تستثمر مواردها في الطاقة والتنمية، وأن تجعل من قدراتها الإنتاجية جسورًا للتعاون مع محيطها. وهنا تكمن الحقيقة التي يصعب حجبها بالعناوين: سد النهضة ليس مشروعًا بُني للإضرار بدول المصب او لصناعة الخوف، وإنما مشروع اختارت إثيوبيا من خلاله أن تحول مواردها إلى طاقة، والطاقة إلى تنمية، والتنمية إلى فرصة للتكامل الإفريقي. والمطلوب اليوم ليس المزيد من صناعة ، بل قراءة الواقع كما هو: إثيوبيا تبني، وتنتج، وتنمو، وتفتح باب التعاون؛ ومن يريد التعامل مع هذا الواقع عليه أن يتعامل معه بمنطق الشراكة، لا بمنطق التخويف والصراع الإعلامي.
ما الذي كسبه العالم العربي من مصر؟
Aug 19, 2026 461
لماذا تنتمي إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية؟ بقلم: جبريل لامو 19 أغسطس 2026 يتجه مسار الدبلوماسية العالمية نحو الحقيقة التاريخية والبراغماتية الاقتصادية، كاشفًا عبثية حق النقض الجيوسياسي المتقادم. فعلى مدى عقود، وظّفت مصر جامعة الدول العربية على نطاق واسع لخدمة مصالحها الضيقة وأجندتها الجيوسياسية. غير أن هذه العلاقة القائمة على المقايضة تطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي حصل عليه العالم العربي من مصر في المقابل؟ فلنواجه الحقيقة غير المريحة. الإجابة تكاد تكون لا شيء. فبدلًا من الدفع بصورة مستمرة نحو تعزيز القوة الجماعية، أسهمت سياسات القاهرة وعقود من الحكم السلطوي، بحسب منتقدين، في حالة عدم الاستقرار في أنحاء المنطقة، إذ أضعفت سيادة السودان، بينما انتهجت سياسات غذّت التوترات في شرق إفريقيا والبحر الأحمر. وهذه المناطق ليست هامشية بالنسبة إلى المصالح العربية؛ بل إنها ذات أهمية استراتيجية لا غنى عنها لأمن العالم العربي، وتجارته البحرية، وإمداداته من الطاقة، وأمنه الغذائي. ومن أبرز الأمثلة على النهج الإقليمي الانقسامي لمصر، انخراطها التاريخي في القضية الإريترية والصراع الأوسع حول وحدة الأراضي الإثيوبية. فقد كانت القاهرة تدعم علنًا قوى انفصالية ومشروعات سياسية هدفت إلى إضعاف إثيوبيا والحد من نفوذها الإقليمي. ولا يزال انفصال إريتريا عن إثيوبيا يمثل محطة مفصلية في التاريخ المضطرب للقرن الإفريقي، وتذكيرًا قويًا بكيف يمكن للحسابات الجيوسياسية الخارجية أن تعيد تشكيل مصائر الدول. وتكشف الدبلوماسية التاريخية أن السياسي المصري بطرس بطرس غالي، الذي شغل منصب وزير الخارجية بالإنابة قبل أن يصبح أمينًا عامًا للأمم المتحدة، لعب دورًا محوريًا في الدفع بمشروع انفصال إريتريا بهدف إضعاف إثيوبيا بصورة دائمة. علاوة على ذلك، فإن زعزعة القاهرة النشطة لاستقرار حوض جنوب البحر الأحمر تمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة البحرية العالمية والأمن الإقليمي. فمن خلال تأجيج التوترات حول مضيق باب المندب واستخدام فصائل مسلحة بالوكالة، حوّلت القاهرة الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات للمواجهة الجيوسياسية، مما يهدد منظومة الأمن الأوسع اللازمة لقطاعي الطاقة والغذاء في العالم العربي بأسره. وفي الوقت الذي تؤدي فيه تحركات مصر القائمة على خدمة مصالحها الذاتية إلى خلق احتكاكات إقليمية، فإن انضمام إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية يمثل فرصة تحولية يمكن أن يحقق العالم العربي من خلالها مكاسب هائلة. وفي إطار الرؤية الطموحة لفلسفة «التآزر»، تمتلك إثيوبيا النهج الدبلوماسي والرؤية الشاملة اللازمين لتوحيد العالم العربي ودمجه بصورة أكثر فاعلية مما استطاعت القاهرة أن تفعله على الإطلاق. وباعتبارها العاصمة الدبلوماسية غير المنازع عليها لإفريقيا والمقر الدائم للاتحاد الإفريقي، تمتلك إثيوبيا خبرة استثنائية في بناء التوافق متعدد الأطراف. وبعيدًا عن كونها مقامرة جيوسياسية، فإن تطلع إثيوبيا إلى الانضمام إلى جامعة الدول العربية يمثل عودة طبيعية إلى موطنها. وباعتبارها دولة مطلة على البحر الأحمر، ويزيد عدد سكانها على 135 مليون نسمة، وتتمتع باقتصاد مزدهر وروابط حضارية عميقة، فإن عضوية إثيوبيا ستؤسس جسرًا لا غنى عنه بين إفريقيا والشرق الأوسط. وترتكز علاقة إثيوبيا بالشرق الأوسط على آلاف السنين من التراث والثقافة والأنساب المشتركة. ففي مؤسسات أكاديمية مثل جامعة هارفارد، كانت الدراسات الإثيوبية تاريخيًا تندرج ضمن أقسام الدراسات الشرقية والشرق الأدنى، بما يعكس التشابك التاريخي العميق بين الحضارة الحبشية والشرق الأدنى. ولم يكن مضيق باب المندب يومًا حاجزًا؛ بل كان ممرًا حيويًا يربط التجارة والثقافة والمجتمعات عبر البحر الأحمر. ومنذ عهد الملك أبرهة وصولًا إلى الدراسات الجينية الحديثة التي تؤكد وجود أصول مشتركة بين السكان الإثيوبيين وسكان الشرق الأوسط، تظل هذه الروابط الأساسية أمرًا لا يمكن إنكاره. وعلى المستويين اللغوي والثقافي، فإن الأساس البنيوي للدولة الإثيوبية هو أساس سامي. فالجعزية، وهي اللغة الكلاسيكية المقدسة في إثيوبيا، إلى جانب وريثتيها الحديثتين، الأمهرية والتيغرينية، تنتمي مباشرة إلى الفرع الجنوبي السامي من عائلة اللغات الأفروآسيوية. ويربط هذا التراث اللغوي بصورة لا تنفصم بين نحو الحبشة ومفرداتها وتقاليدها الأدبية وبين العربية الكلاسيكية والآرامية والعبرية. ويوفر الترابط اللغوي المشترك بين القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية دليلًا مستمرًا وملموسًا على التدفق الحضاري المتبادل بين الجانبين. وبعيدًا عن اللغة، تتمتع إثيوبيا بمكانة مقدسة لا غنى عنها في التاريخ التأسيسي للإسلام. فعندما واجه أصحاب النبي محمد اضطهادًا شديدًا في مكة، لجؤوا إلى مملكة أكسوم طلبًا للنجاة. وقد أسهمت الهجرة الأولى إلى الحبشة، حيث منح الإمبراطور النجاشي المجتمع المسلم في بداياته الكرامة الملكية والملاذ الآمن، في إنقاذ العقيدة الإسلامية في بدايتها. وهذا التشابك الروحي العميق يجعل الهوية الثقافية لإثيوبيا غير منفصلة عن الشرق الأدنى الأوسع. وعلى الرغم من هذه الحقائق التي لا يمكن إنكارها، فقد وظفت القاهرة جامعة الدول العربية بصورة منهجية كأداة للاحتواء المؤسسي تجاه أديس أبابا. فعلى مدى أجيال، عملت السياسة الخارجية المصرية وفق عقيدة قديمة قائمة على مبدأ محصلة الصفر، تنظر إلى أي تقدم سيادي إثيوبي، سواء كان بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير أو استعادة الوصول البحري المباشر، باعتباره تهديدًا. ومن خلال إسقاط سياستها المائية الخاصة على الكتلة العربية بأكملها، دفعت مصر الجامعة إلى اتخاذ موقف عدائي مصطنع تجاه أقوى جيرانها. وعلى النقيض من سياسة الإقصاء التي تتبعها القاهرة، تفرض الحقائق المعاصرة تكاملًا شاملًا. وفي ظل المبدأ الموجّه المتمثل في «التآزر»، تقدم إثيوبيا للعالم العربي مزايا هيكلية تتجاوز بكثير الخصومات المتقادمة. فمع توسع قاعدتها الصناعية وامتلاكها إمكانات هائلة في مجال الطاقة الخضراء، تؤدي إثيوبيا دور ركيزة الاستقرار الأساسية للقرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. وفي الوقت الذي يواجه فيه جزء كبير من الشرق الأوسط شحًا حادًا في المياه، والتصحر، وسلاسل إمداد غذائي معرضة للخطر، فإن البيئة الجبلية الإثيوبية ومواردها الوفيرة من المياه العذبة تضعانها في موقع يؤهلها لتصبح شريكًا زراعيًا وصناعيًا حيويًا لشبه الجزيرة العربية بأكملها. وإن دمج إثيوبيا في جامعة الدول العربية سيحوّل البحر الأحمر إلى منطقة اقتصادية مزدهرة، تقودها رؤوس الأموال العربية مقترنة بالأراضي والطاقة والقدرات البشرية الإثيوبية. ويتعين على جامعة الدول العربية أن تتجاوز القوميات التي سادت القرن العشرين، وأن تتبنى الواقع الحضاري لحوض البحر الأحمر. وتبرهن دول أعضاء حاليًا، مثل جيبوتي والصومال وجزر القمر وموريتانيا، على قدرة الكتلة العربية على استيعاب الحقائق الإقليمية المتنوعة. وإن منح إثيوبيا العضوية الكاملة لا ينتقص من هويتها الإفريقية العريقة؛ بل يرتقي بإثيوبيا إلى دورها المستحق بوصفها الجسر الرئيسي الذي يربط القارة الإفريقية بالشرق الأوسط. لقد حان الوقت لجامعة الدول العربية كي تتجاوز وصاية مصر، وتستفيد من قوة إثيوبيا التوحيدية، وتمنح أديس أبابا مقعدها الكامل والمستحق.
التصدي للتحركات المصرية المزعزعة للاستقرار في القرن الأفريقي
Aug 18, 2026 601
بقلم هيئة التحرير 18 أغسطس/ 2026 (إينا ) يدخل القرن الأفريقي مرحلةً حاسمةً أخرى في صراعه الطويل الأمد حول الأمن والسيادة والتنمية الاقتصادية والوصول إلى الممرات المائية الاستراتيجية. ويكمن جوهر هذه التوترات في سعي إثيوبيا المتزايد نحو التنمية الوطنية والتكامل الإقليمي وضمان وصولها السيادي إلى البحر. وللأسف، تتصاعد الجهود من جانب جهات فاعلة مجاورة لاحتواء هذا المسار وتقويضه وإحباطه في نهاية المطاف. وقد كان المسؤولون المصريون، في طليعة الداعمين لأجندة إقليمية مزعزعة للاستقرار، مدفوعةً بطموحهم لمنع إثيوبيا، الدولة الأفريقية العملاقة، من النهوض وتأكيد مكانتها المشروعة في المنطقة. وقد أضافت الاستفزازات الأخيرة ضد إثيوبيا، التي شاركت فيها قوى موالية لجبهة تحرير شعب تيغراي المحظورة وعناصر مدعومة من إريتريا، بُعدًا جديدًا خطيرًا إلى بيئة إقليمية متوترة أصلًا. و تشير التقارير الواردة إلى أن جبهة تحرير شعب تيغراي، فتحت جبهة عسكرية جديدة في شمال غرب إثيوبيا، لتواجه هزيمة ساحقة. وقد كشفت هذه الحادثة عن هشاشة ما يُعرف بتحالف "تسيمدو"، وهو تحالف يقوده النظام الإريتري إلى جانب قوى محلية مناهضة للسلام، بما في ذلك عناصر من جبهة تحرير شعب تيغراي. ولا تقتصر هذه الهزيمة على مجرد تراجع في ساحة المعركة، بل إنها تُوجه ضربة لاستراتيجية أوسع تهدف إلى استغلال الانقسامات الداخلية في إثيوبيا، وتصدير الصراع عبر حدودها، وعرقلة تنمية البلاد وطموحاتها الإقليمية. بالنسبة للنظام في أسمرة، تُعد هذه الهزيمة ذات عواقب وخيمة، إذ لطالما وضعت إريتريا نفسها في قلب حسابات سياسية وأمنية موجهة ضد إثيوبيا. لذا، تُثير التطورات الأخيرة تساؤلاً جوهرياً: هل يشهد القرن الأفريقي محاولة أخرى لاستخدام قوى بالوكالة وتحالفات عابرة للحدود لإبقاء إثيوبيا منقسمة سياسياً، ومقيدة اقتصادياً، ومعزولة استراتيجياً؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن تداعيات ذلك تتجاوز بكثير ساحة معركة واحدة، إذ تمس أسس السيادة، والاستقرار الإقليمي، والتكامل الاقتصادي، وسعي إثيوبيا المشروع إلى الوصول السيادي إلى البحر. لفهم سبب حرص النظام الإريتري على تصدّر عمليات التخريب الداخلي ضد إثيوبيا، لا بد من دراسة جذوره التاريخية. فمنذ نشأته، لم تُبنَ البنية الإريترية الحديثة من قِبل القاهرة ككيان جيوسياسي معزول، بل كوكيل استراتيجي مُصمّم لممارسة نفوذ على إثيوبيا، منبع النيل. ولآلاف السنين، شكّلت المقولة الشائعة "مصر هبة النيل" العقيدة الاستراتيجية للقاهرة. مع ذلك، فإن هذا المفهوم الضيق للاستحقاق الحصري، الذي يتجاهل تمامًا دول منبع النهر، ولا سيما إثيوبيا التي تُسهم بنسبة 86% من إجمالي تدفق النهر، قد ولّد توترات مستمرة في حوض النهر. فبدلًا من تبني الاستخدام العادل والإدارة التعاونية للموارد، سعت الإدارات المصرية المتعاقبة إلى تقويض حقوق دول المنبع والحفاظ على الهيمنة الإقليمية. لقد اتخذ المشهد السياسي والجيوسياسي للقرن الأفريقي أبعادًا حاسمة تؤثر بشكل مباشر على الأمن والتوازن الإقليميين. ويحمل الموقف الحالي للقاهرة، الذي يُعدّ حافزًا لاحتواء إثيوبيا وزعزعة استقرارها استراتيجيًا، عواقب وخيمة. وينبع جزء كبير من هذه الديناميكية من الإرث المؤسسي للحقبة الاستعمارية. فقد أعطت الهياكل الإدارية البريطانية في السودان ومصر الأولوية لتطوير أجهزة عسكرية وأمنية قوية على حساب مؤسسات سياسية مدنية راسخة. وبعد الاستقلال، ورثت الدولتان أطرًا مركزية للدولة تفتقر إلى تقاليد ديمقراطية عميقة الجذور. في السودان، واجهت الإدارات المدنية تشرذماً سياسياً وعدم استقرار اقتصادي، مما أدى إلى ثمانية انقلابات عسكرية منذ عام ١٩٥٦. وفي مصر، رسّخت ثورة الضباط الأحرار عام ١٩٥٢ مكانة القوات المسلحة كسلطة سياسية مهيمنة، وحامية مُعلنة لاستمرارية البلاد. وامتدت هذه الهيمنة المؤسسية بمرور الوقت لتشمل المجال الاقتصادي. ففي مصر، يحتفظ الجهاز العسكري بممتلكات كبيرة في قطاعات حيوية، تشمل التصنيع والبنية التحتية والبناء والزراعة. وبالمثل، في السودان، مارست الشبكات العسكرية والأمنية تاريخياً سيطرتها على قطاعات تجارية رئيسية، مثل تعدين الذهب والتجارة والزراعية. وقد عززت هذه المصالح التجارية الاستقلالية المؤسسية، مما جعل الانتقال إلى الإشراف المدني بالغ التعقيد. وقد أثرت هذه الهياكل العسكرية المحلية بشكل كبير على الديناميات الإقليمية في القرن الأفريقي من خلال عدة آليات مترابطة. أولاً، أدت الصراعات الداخلية المطولة في السودان إلى نزوح جماعي للسكان، مما دفع ملايين اللاجئين إلى الدول المجاورة، بما في ذلك إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد ومصر. وتُشكل هذه التدفقات ضغوطاً شديدة على المجتمعات المضيفة والبنية التحتية العامة وإدارة أمن الحدود. ثانيًا، دأبت الإدارات العسكرية المصرية على تأطير توزيع مياه النيل من منظور الأمن القومي، لا سيما فيما يتعلق بسد النهضة الإثيوبي الكبير. وقد أدى هذا النهج المتشدد في كثير من الأحيان إلى تعقيد المفاوضات الدبلوماسية حول الموارد المائية المشتركة، وعرقلة الجهود المبذولة لتحقيق إدارة عادلة لحوض النيل. ثالثًا، يُثني عدم الاستقرار السياسي الإقليمي عن الاستثمار الأجنبي المباشر، ويعطل الممرات التجارية الحيوية، ويؤخر مبادرات البنية التحتية العابرة للحدود التي تهدف إلى ربط طرق التجارة في البحر الأحمر بالمناطق الداخلية الأفريقية الأوسع. في الوقت الراهن، تتضمن المناورات الاستراتيجية المصرية تنسيق تحالفات دبلوماسية ولوجستية مع القوات المسلحة السودانية، والإدارة الإريترية، وفصائل التمرد المحلية الناشطة في مناطق أمهرة وأوروميا وتيغراي - والتي يُشار إليها مجتمعة باسم "تسيمدو". ويهدف هذا الجهد المنسق إلى تقييد المسار الاقتصادي لإثيوبيا، وإعاقة برامجها التنموية الوطنية، والحد من وصولها المشروع إلى التجارة البحرية في البحر الأحمر. الهدف الرئيسي لهذا التحالف هو تصدير الصراع المسلح إلى الأراضي الإثيوبية، وتأجيج التوترات الداخلية على المستوى الإقليمي. من خلال تقديم الدعم اللوجستي والعملياتي للجماعات المعارضة للنظام الدستوري، تتحدى هذه الجهات الخارجية بشكل مباشر المعايير الدولية الراسخة المتعلقة بسيادة الدولة وسلامة أراضيها. ورغم الضغوط المتكررة التي وُضعت على اتفاقية بريتوريا لوقف إطلاق النار الدائم، فقد أبدت الحكومة الإثيوبية ضبطًا ملحوظًا للنفس. فبدلًا من اللجوء إلى القوة، خصصت السلطات الفيدرالية أكثر من 30 مليار بر إثيوبي لإعادة التأهيل الاجتماعي والاقتصادي السريع، وإعادة بناء البنية التحتية، واستئناف الخدمات العامة في المناطق المتضررة. ومع ذلك، سعت جهات فاعلة وعناصر معادية إلى استغلال هذا النهج المتزن، مُضللةً المجتمع الدولي بشأن التطورات على أرض الواقع. علاوة على ذلك، يبدو أن المبادرات البحرية الأخيرة، مثل إطار عمل مجلس البحر الأحمر الذي يضم مصر وإريتريا والسودان، مصممة عمدًا لتجاوز إثيوبيا، سعيًا منها لتعزيز وضعها كدولة حبيسة وإعاقة اندماجها في التجارة البحرية الإقليمية. وما لم يتم التخلي عن هذه المواقف القسرية لصالح تعاون إقليمي حقيقي، فإن منطقة القرن الأفريقي مُعرّضة لخطر الانزلاق إلى حالة عدم استقرار جيوسياسي أوسع.
استعادة منفذ إثيوبيا البحري: هل آن أوان تصحيح الظلم البحري لإثيوبيا ؟
Aug 17, 2026 394
بقلم: ماتياس بُول إن فقدان إثيوبيا لسيادتها على ميناء عصب، الذي كان يومًا جزءًا من أراضيها السيادية، ارتبط بصفقات غامضة، وتعقد أكثر بفعل وجود القوى الاستعمارية وتدخلها في منطقة القرن الأفريقي. إن مساعي إثيوبيا لاستعادة الوصول إلى البحر ليست مجرد طموح إقليمي، بل هي مطالبة أساسية متجذرة في قرون من الخضوع الاستعماري، والخداع القانوني، والخيانة السياسية. ويشكل تاريخ فقدان إثيوبيا لميناء عصب شهادة صارخة على الكيفية التي قامت بها القوى الإمبراطورية، من خلال صفقات سرية ومعاهدات تلاعبت بها، بحرمان دولة ذات سيادة بصورة متعمدة ومنهجية من حقوقها البحرية. ويجب الاعتراف بهذا الظلم وتصحيحه ووضع حد له بصورة نهائية. وتعود القصة إلى عام 1869، عندما باع سلاطين محليون من قبيلة العفر قطعة من الأرض في عصب إلى جوزيبي سابيتو، ممثل شركة «سوسييتا روباتينو» الإيطالية. وأُبرمت الصفقة في سرية تامة مقابل مبلغ زهيد لم يتجاوز 6 آلاف ليرة إيطالية، ودون علم إثيوبيا أو موافقتها على الإطلاق. وفي ذلك الوقت، لم تكن الحكومة المركزية الإثيوبية، في عهد الإمبراطور منليك الثاني، على علم بهذه الصفقة. وكان بيع الأرض عملًا سريًا قامت به سلطات محلية سعيًا وراء مكاسب اقتصادية، غير أن القوى الاستعمارية استغلته لتأسيس موطئ قدم لإيطاليا في القرن الأفريقي. وأدى ضم إيطاليا لعصب عام 1882 إلى بداية إقامة إمبراطورية استعمارية هيمنت على المنطقة لعقود. وكان هذا العمل المبكر المتمثل في الاستيلاء على الأراضي انتهاكًا واضحًا لسيادة إثيوبيا، لكنه وضع الأساس لمظالم لاحقة. وكانت أكثر الفصول إثارة للجدل في فقدان إثيوبيا الوصول إلى البحر معاهدة (وتشالي ) المبرمة عام 1889. فقد صيغت المعاهدة في خضم التوسع الإيطالي في المنطقة، وتضمنت ترجمة مضللة ومتعمدة. إذ نصت النسخة الإيطالية على اعتبار إثيوبيا محمية، بما ينتقص فعليًا من سيادتها، في حين أفادت النسخة الأمهرية، بحسب الرواية الواردة في المقال، بالحفاظ على استقلال إثيوبيا. وقد صُمم هذا التلاعب اللغوي لتسهيل الاستعمار الإيطالي. وعلى الرغم من أن إثيوبيا ألغت المعاهدة لاحقًا عقب انتصارها في معركة عدوا، كانت إيطاليا قد رسخت بالفعل سيطرتها على عصب والأراضي المحيطة بها من خلال معاهدات لاحقة أُبرمت في أعوام 1900 و1902 و1908. وقد عملت هذه الاتفاقيات على ترسيم الحدود الاستعمارية الإيطالية رسميًا وجعلت عصب جزءًا حيويًا من إريتريا الإيطالية، ما أدى إلى عزل إثيوبيا عن ساحلها التاريخي. وعقب الحرب العالمية الثانية، حاول المجتمع الدولي تصحيح المظالم الاستعمارية من خلال إنهاء الحكم الإيطالي وضم إريتريا إلى إثيوبيا في إطار اتحاد بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 390A. غير أن هذه العملية شابها، وفقًا لبعض علماء السياسة والمؤرخين، الإهمال والمصالح السياسية الآنية. وخلال مفاوضات خمسينيات القرن الماضي، أخفق القادة الإثيوبيون في التأكيد على وضع عصب باعتباره ميناءً إثيوبيًا مستقلًا. وبدلًا من ذلك، تعاملوا مع إريتريا ككل، بما فيها عصب، باعتبارها مجرد إقليم ينبغي دمجه، متجاهلين الأهمية الاستراتيجية للميناء وهويته العرقية والتاريخية المتميزة. وكان هذا الإغفال خطأً جسيمًا ترك عصب عرضة لفقدانها في المستقبل. وجاءت الضربة الأخيرة مع الإطاحة بالنظام العسكري في إثيوبيا عام 1991. فقد قاتلت الجماعات المتمردة التي استولت على السلطة، وهي جبهة تحرير شعب تيغراي/الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، كحلفاء ضد القوى الاستعمارية والإمبريالية. ومع ذلك، فإن قرارها المتسرع وغير المقنن قانونيًا بالتنازل عن عصب لإريتريا عام 1993 كان، وفقًا للمقال، خيانة لسيادة إثيوبيا. فقد تصرفت الحكومة الانتقالية بقيادة ميليس زيناوي دون مصادقة برلمانية أو مشاورات عامة. ونتيجة لذلك، أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة، وجُردت من وصولها السيادي إلى البحر ومن بنيتها التحتية الحيوية للموانئ. ولم تكن هذه مجرد خسارة إقليمية، بل كانت ضربة للاستقلال الاقتصادي لإثيوبيا، وكرامتها الوطنية، وأمنها الاستراتيجي. وتتمثل الرواية التاريخية لإثيوبيا في الصمود والسيادة. ولم يكن فقدان عصب قدرًا حتميًا، بل كان نتيجة للجشع الاستعماري، والخداع الدبلوماسي، والإهمال السياسي. لقد حان الوقت أمام إثيوبيا لاستعادة حقها المشروع في الوصول إلى البحر، باعتباره عنصرًا أساسيًا من عناصر سيادتها وازدهارها المستقبلي. إن استعادة حقوق إثيوبيا البحرية ليست مجرد مسألة تصحيح لمظالم تاريخية، بل تمثل أيضًا خطوة حاسمة نحو استعادة الكرامة الوطنية والاستقلال الاقتصادي. إن بحار إثيوبيا حق أصيل لها، وقد حان الوقت للدفاع عن هذا الإرث .
صمود إثيوبيا الاستراتيجي في ظل التنافس الجيوسياسي في القرن الأفريقي
Aug 17, 2026 455
بقلم: براين لامو تتغذى التوترات الجيوسياسية في القرن الأفريقي على مزيج معقد من سياسات المياه، والتنافس على النفوذ الإقليمي، والوصول إلى البحر الأحمر، والتحالفات العسكرية، والصراعات السياسية الداخلية. وفي قلب هذه التوترات، يأتي ما تصفه إثيوبيا بأنه مساعٍ مصرية مستمرة لعرقلة جهودها الرامية إلى تأمين وصول موثوق إلى البحر الأحمر، ومشروعاتها التنموية على طول نهر أباي، بما في ذلك سد النهضة الإثيوبي الكبير. غير أن هذين الهدفين الاستراتيجيين يمثلان ركيزتين أساسيتين للتنمية الاقتصادية لإثيوبيا، وأمنها في مجال الطاقة، والاستقرار الإقليمي طويل الأمد، فضلًا عن التكامل الاقتصادي. ومع ذلك، واصلت مصر اتباع سياسات ترى إثيوبيا أنها تهدد مصالحها التنموية وتسهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي. كما اعتبر مراقبون إقليميون أن النهج المصري يندرج ضمن استراتيجية أوسع لا تستهدف تحدي المشروعات التنموية الإثيوبية فحسب، وإنما أيضًا احتواء تنامي نفوذ إثيوبيا الإقليمي والحد من خياراتها التنموية. ويُعد الضغط الدبلوماسي أحد الأساليب المختلفة التي اتبعتها مصر على مدى سنوات لعرقلة التنمية في إثيوبيا. فقد عملت على تدويل الخلاف، وحشد الدعم الدبلوماسي، والتأثير في مواقف الشركاء الإقليميين والدوليين، والدفع نحو ترتيبات ملزمة من شأنها التأثير في بناء وتشغيل أي سد على نهر أباي. وفي هذا السياق، عززت مصر شراكاتها الاستراتيجية مع دول من بينها إريتريا، سعيًا إلى الاستفادة من التوترات طويلة الأمد بين إريتريا وإثيوبيا، وهو ما أضاف طبقة أخرى إلى ديناميات الأمن في المنطقة، ولا سيما من خلال التعاون العسكري والتحالفات الاستراتيجية والانخراط السياسي. وقد أسهمت هذه العلاقة في إيجاد إمكانية لاستخدام آليات الوكالة للتأثير في التطورات داخل إثيوبيا وفي منطقة القرن الأفريقي الأوسع. ونتيجة لذلك، أصبحت المنطقة بيئة متزايدة التنافس، تتداخل فيها المنافسة الدبلوماسية، والاستعراضات العسكرية، والشراكات الاستراتيجية، والعلاقات القائمة على الوكالة، والمصالح الاقتصادية. وقد أدت هذه الديناميات إلى تعقيد الجهود الرامية إلى إقامة إطار مستقر وتعاوني للأمن الإقليمي. وقد استخدمت مصر، إلى جانب دول عززت معها علاقاتها الاستراتيجية، مجموعة من الإجراءات الدبلوماسية والسياسية والأمنية التي ترى إثيوبيا أنها تقيد تنميتها. ولا يزال الخلاف المصري بشأن التطورات في إثيوبيا أحد أبرز مصادر التوتر في المنطقة. وعلى الرغم من أن إثيوبيا أنشأت السد على نهر أباي بهدف معلن يتمثل في زيادة توليد الكهرباء، ودعم التنمية الصناعية، وتحسين الحصول على الطاقة الموثوقة، فإن مصر واصلت، عرقلة خطط إثيوبيا للمشروعات الكبرى على نهر أباي (النيل)، وسعت إلى استخدام آليات دبلوماسية للتأثير في بناء سد النهضة وتشغيله. كما عملت مصر على تدويل الخلاف من خلال انخراطها الدبلوماسي مع منظمات وشركاء دوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي، بهدف تعزيز الاهتمام الدولي بمخاوفها المتعلقة بنهر أباي وسد النهضة. ولا يقتصر الخلاف الأساسي على تشغيل سد واحد، بل يتعلق بتباين جوهري في تفسير مفاهيم التنمية والسيادة واستخدام الموارد المائية المشتركة. وترى إثيوبيا أن من حق الدولة الواقعة عند منابع النهر تطوير مواردها المائية لتوليد الكهرباء وتحقيق التحول الاقتصادي، مع تجنب إلحاق ضرر كبير بالدول الواقعة في دول المصب. وتتمثل إحدى صور ما تصفه إثيوبيا بالعرقلة المصرية أيضًا في حماية الممولين من دعم إثيوبيا. وقد جادلت إثيوبيا منذ فترة طويلة بأن الضغوط السياسية المرتبطة بخلافات مياه النيل يمكن أن تجعل من الصعب على البلاد جذب التمويل الدولي للمشروعات الكبرى في مجالات المياه والطاقة والبنية التحتية. وترى إثيوبيا أن هذه الجهود تندرج ضمن محاولة أوسع لتقييد خياراتها التنموية ومنعها من الاستفادة الكاملة من مواردها المائية وموارد الطاقة. كما حاولت مصر زيادة تعقيد الوضع من خلال الخطاب العسكري. فقد أشار مسؤولون مصريون بصورة دورية إلى إمكانية اللجوء إلى خيارات عسكرية فيما يتعلق بالخلاف حول نهر أباي. وعلى الرغم من عدم وجود حدود مباشرة بين مصر وإثيوبيا، فقد أجرت مصر تدريبات عسكرية وعززت التعاون الأمني مع دول تقع في جوار إثيوبيا. ويمكن للدبلوماسية والتدريبات العسكرية والشراكات الاستراتيجية أن يعزز بعضها بعضًا، بما يخلق بيئة أوسع تواجه فيها إثيوبيا ضغوطًا من عدة اتجاهات في وقت واحد. وقد انطوت جهود مصر لتعزيز موقعها في القرن الأفريقي بصورة متزايدة على إقامة شراكات مع دول تحيط بإثيوبيا. واكتسبت هذه العلاقات أهمية خاصة في الوقت الذي تسعى فيه إثيوبيا إلى تأمين وصول موثوق إلى البحر الأحمر وتوسيع انخراطها الدبلوماسي والاقتصادي في المنطقة. وعززت مصر علاقاتها العسكرية والسياسية مع الصومال، بما في ذلك المساعدات العسكرية والتعاون الأمني. وتكتسب بروز علاقة أمنية أوثق بين مصر والصومال حساسية خاصة بالنسبة لإثيوبيا، نظرًا إلى أن الصومال يشترك معها في حدود طويلة. وقد أثار وجود شراكة أمنية مصرية أكثر نشاطًا في الصومال مخاوف في إثيوبيا بشأن إمكانية تعرض جناحها الشرقي لضغوط استراتيجية إضافية. كما حافظت مصر على علاقات قوية مع مؤسسات الدولة السودانية والقوات المسلحة السودانية، في وقت زادت فيه الحرب في السودان من الأهمية الاستراتيجية للبلاد بسبب موقعها الجغرافي بين مصر وإثيوبيا وقربها من البحر الأحمر. ولا ينبغي تلقائيًا وصف هذه العلاقات بأنها تطويق عسكري منسق لإثيوبيا، إذ إن لكل دولة مصالحها الوطنية وحساباتها الأمنية الخاصة. غير أنها تُظهر تنامي التنافس على النفوذ الاستراتيجي حول إثيوبيا. ومع ذلك، فإن النمط الأوسع يظل ذا أهمية. فشبكة مصر الدبلوماسية والأمنية المتنامية تمنح القاهرة قنوات إضافية لبناء تحالفات وزيادة نفوذها في النقاشات الإقليمية المتعلقة بالنيل والأمن وشؤون البحر الأحمر. ومع تعزيز مصر علاقاتها مع الدول المحيطة بإثيوبيا، يتحول القرن الأفريقي، بالتالي، إلى ساحة تتفاعل فيها الصراعات المحلية والمنافسة الجيوسياسية الأوسع بصورة متزايدة. كما مارست إريتريا ، ضغوطًا على التنمية الإثيوبية. فمنذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، اتسمت العلاقات بين البلدين بالصراع والمواجهة العسكرية وانعدام الثقة السياسية العميق. وكانت أبرز مواجهة هي الحرب الإثيوبية الإريترية بين عامي 1998 و2000، التي اندلعت بسبب النزاع الحدودي حول بادمي ومناطق أخرى. وأسفر الصراع عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أعداد كبيرة من السكان. وعلى الرغم من أن اتفاق الجزائر أنهى الحرب، ظلت العلاقات بين البلدين مجمدة قرابة عقدين في ظل وضع أصبح يعرف باسم «لا حرب ولا سلام». وخلال هذه الفترة، أقامت إريتريا علاقات مع جماعات المعارضة والحركات المسلحة الإثيوبية. واتُّهمت أسمرا بتوفير الملاذ والتدريب والدعم اللوجستي وأشكال أخرى من المساعدة لجماعات معارضة للحكومة في أديس أبابا. ومن بين المنظمات التي ارتبطت تاريخيًا بإريتريا: جبهة تحرير شعب تيغراي، وجبهة تحرير أورومو، وجبهة تحرير شعب أوغادين الوطنية. كما لعبت إريتريا دورًا إقليميًا أوسع اتسم بالسلبية. فقد أثارت علاقاتها مع السودان وجيبوتي والصومال مخاوف دولية متكررة. وخاضت إريتريا حربًا مع اليمن حول جزر حنيش عام 1995، واشتبكت مع جيبوتي عام 2008. وفي الصومال، اتُّهمت إريتريا من جانب آليات الرصد الدولية بدعم جماعات مسلحة خلال الصراع الطويل الذي شهدته البلاد بين عامي 2006 و2018. وفرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لاحقًا عقوبات على إريتريا عام 2009، قبل رفعها عام 2018. وبالتالي، تجاوزت السياسة الإقليمية لإريتريا خلافها الثنائي مع إثيوبيا بكثير. فقد أسهم استخدامها للقوة العسكرية، وتحالفاتها الاستراتيجية، وعلاقاتها مع الحركات المسلحة في زعزعة استقرار منطقة القرن الأفريقي الأوسع. وتزايد تداخل التنافس الاستراتيجي الذي يشمل مصر وإريتريا مع التحديات السياسية والأمنية الداخلية في إثيوبيا. وقد اتهمت إثيوبيا مرارًا دولًا مجاورة، ولا سيما إريتريا، بإقامة علاقات مع جماعات مسلحة وحركات سياسية داخل البلاد. وتُظهر هذه الاتهامات كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تتشابك مع الخصومات الإقليمية الأوسع والمنافسة الجيوسياسية. كما وُجّهت اتهامات إلى مصر، رغم عدم وجود حدود مباشرة لها مع إثيوبيا، بدعم جماعات مسلحة داخل البلاد أو الحفاظ على اتصالات معها. وقد تركز اهتمام خاص على المناطق المحيطة بسد النهضة، بما في ذلك إقليم بني شنقول-قمز، وكذلك الجماعات المسلحة الناشطة في مناطق أخرى من إثيوبيا. وقد أسهمت هذه الأنشطة في تعميق الانقسامات السياسية والتوترات العرقية والتمردات المسلحة، بما يخلق فرصًا أمام جهات خارجية تسعى إلى إضعاف البلاد. كما يمكن للدعم الخارجي للأطراف المحلية أن يطيل أمد الصراعات، ويعقد الحوار السياسي، ويجعل المصالحة الوطنية أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، سعت إثيوبيا إلى تنويع روابطها التجارية والنقلية. ولا يزال خط سكة حديد أديس أبابا-جيبوتي ممرًا تجاريًا رئيسيًا، فيما بحثت البلاد عن طرق نقل بديلة عبر كينيا وشركاء إقليميين آخرين. كما طورت الخطوط الجوية الإثيوبية شبكة دولية واسعة، ما عزز اتصال إثيوبيا بالأسواق العالمية وأسهم بصورة كبيرة في عائداتها من النقد الأجنبي. ويمثل القطاع الزراعي ركيزة أخرى مهمة للصمود الاقتصادي في إثيوبيا. فقد أسهم التوسع في إنتاج القمح المروي في تقليل الاعتماد على الواردات وخلق فرص أمام إثيوبيا لتوريد الحبوب إلى الأسواق المجاورة. وفي الوقت ذاته، تحولت مبادرة البصمة الخضراء إلى برنامج بيئي وزراعي كبير، من خلال زراعة الأشجار على نطاق واسع بهدف استعادة الأراضي المتدهورة، وتحسين إدارة أحواض المياه، وتعزيز القدرة على الصمود أمام تغير المناخ على المدى الطويل. وتُظهر هذه المبادرات جهود إثيوبيا للاستجابة للضغوط الجيوسياسية من خلال التحول الاقتصادي وتعزيز الصمود الوطني. وبدلًا من الاعتماد حصريًا على التدابير العسكرية أو الدبلوماسية المضادة، ركزت أديس أبابا بصورة متزايدة على البنية التحتية والطاقة والزراعة والتجارة وحماية البيئة والربط الإقليمي باعتبارها أدوات لتعزيز القوة الوطنية. وتوضح تجربة إثيوبيا كيف يمكن للتنمية الاقتصادية أن تؤدي أيضًا دورًا في الاستجابة الاستراتيجية للضغوط الجيوسياسية. فمن خلال توسيع قدراتها الإنتاجية، وتعزيز بنيتها التحتية، وتنويع شراكاتها الاقتصادية والدبلوماسية، تسعى البلاد إلى تقليل تعرضها للضغوط الخارجية وترسيخ مكانتها بوصفها فاعلًا سياسيًا واقتصاديًا رئيسيًا في القرن الأفريقي. ولا يمكن عزو حالة عدم الاستقرار في القرن الأفريقي إلى الجهات الخارجية وحدها. فلا تزال المظالم السياسية الداخلية، والنزاعات الإقليمية التي لم تُحل، ونقاط الضعف المؤسسية، والضغوط الاقتصادية، والتنافس بين الجماعات السياسية والمسلحة المحلية، عوامل مهمة في نشوب الصراعات. وقد أدى التدخل الخارجي إلى تعميق هذه الهشاشة، غير أن تحقيق الاستقرار المستدام يعتمد في نهاية المطاف على معالجة الأسباب الداخلية والإقليمية لانعدام الأمن. وقد ركزت إثيوبيا بصورة متزايدة على الصمود الاقتصادي، وتطوير الطاقة، وتوسيع البنية التحتية، والتحول الزراعي، وتعزيز الربط الإقليمي، وتنويع الشراكات الدولية. وبالنسبة لإثيوبيا، فإن زيادة توليد الكهرباء، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع طرق التجارة، وتأمين الوصول إلى الأسواق البحرية، ليست مجرد أهداف اقتصادية، بل تهدف أيضًا إلى الحد من تعرض البلاد للضغوط الخارجية وتعزيز قدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة.
من التوافق الوطني إلى السيادة الاستراتيجية: أسبوع حاسم في إثيوبيا
Aug 17, 2026 449
بقلم هيئة التحرير 16 أغسطس/ 2026 (إينا) تمحور أسبوع الحوار الوطني في إثيوبيا حول سؤالين جوهريين يمسان مستقبل البلاد. وهما: كيفية بناء توافق داخلي، وكيفية ترسيخ الأسس الاستراتيجية اللازمة لضمان استدامة هذا المستقبل. ومع دخول الحوار الوطني مرحلة جديدة وهامة، توصل المشاركون إلى توافق في الآراء بشأن جميع محاور جدول الأعمال الثمانية، قبل أن يبدأ فريق التنسيق في دمج التوصيات المنبثقة عن المداولات. وفي الوقت نفسه، أعاد النقاش المتجدد حول سعي إثيوبيا إلى السيادة على البحر مصالح البلاد التاريخية والاقتصادية والاستراتيجية إلى صلب الحوار الوطني. وإلى جانب هذه القضايا المحورية، شهد الأسبوع تطورات في مجالات الإصلاح الاقتصادي، والأمن الإقليمي، والطاقة المتجددة، والصحة، والعمل المناخي، وتنمية المهارات، والدبلوماسية، مما يعكس سعي إثيوبيا إلى تعزيز أسسها الداخلية مع توسيع دورها في الشؤون الإقليمية والقارية. الحوار الوطني ينتقل من المداولات إلى التوافق ظل الحوار الوطني أهم تطور محلي خلال الأسبوع، إذ انتقل من مرحلة المداولات إلى مرحلة توحيد التوصيات. توصل المشاركون إلى توافق في الآراء بشأن جميع محاور جدول الأعمال الثمانية، ما يمثل علامة فارقة في مسيرة تهدف إلى معالجة القضايا الوطنية الرئيسية من خلال الحوار والمداولات الجماعية والبحث عن أرضية مشتركة. وقد دشّن هذا الإنجاز مرحلة جديدة، حيث بدأ فريق التنسيق بدمج التوصيات الصادرة عن مختلف المحاور، ناقلاً العملية من مناقشات فردية إلى مجموعة أكثر تكاملاً من المقترحات. ويُعدّ هذا التقدم بالغ الأهمية، إذ لم يعد الحوار الوطني مجرد منبر لتحديد الاختلافات وعرض وجهات النظر المتنافسة، بل تركز مرحلته الأخيرة بشكل متزايد على توحيد الأفكار، وتحديد نقاط التقارب، وإعداد التوصيات للمرحلة التالية. وفي وقت سابق من الأسبوع، وصف أحد المشاركين المؤتمر بأنه يرسي الأساس لجيل قائم على سيادة الأفكار. عكست هذه الملاحظة طموحًا أوسع للحوار، ألا وهو تعزيز ثقافة سياسية تُتيح مناقشة الآراء المتضاربة عبر الأفكار والحوار بدلًا من المواجهة. وبالتالي، فإن الانتقال من التداول إلى التوافق يُضفي على الحوار الوطني طابعًا جديدًا. فما بدأ كجهد وطني لتوحيد الإثيوبيين حول قضايا شائكة وطويلة الأمد، يتحول الآن إلى ممارسة لترجمة وجهات النظر المتنوعة إلى أرضية مشتركة. بالنسبة لبلدٍ لطالما اتسم تاريخه السياسي بالخلافات العميقة، فإن التوافق في جميع المحاور الثمانية يحمل دلالة تتجاوز قاعة المؤتمر. فهو يُؤكد بشكل أكبر على قدرة الإثيوبيين على مناقشة الاختلافات، وتحديد المصالح المشتركة، والعمل على إيجاد حلول مشتركة. وقد واجهت هذه العملية أيضًا معلومات مضللة وروايات سلبية في بعض وسائل الإعلام. وقد حثت لجنة الحوار الوطني الجمهور على التعامل مع هذه التقارير بحذر، والاعتماد على معلومات موثوقة حول العملية. ويتمثل التحدي التالي، الذي لا يقل أهمية، في ضمان ترجمة التوافق الذي تم التوصل إليه من خلال الحوار إلى توصيات موثوقة، وفي نهاية المطاف، إلى نتائج ملموسة. مسألة الوصول إلى البحر: مصلحة استراتيجية ذات ثقل تاريخي إلى جانب الحوار الوطني، برز مسعى إثيوبيا للحصول على منفذ بحري سيادي مجدداً كقضية استراتيجية رئيسية. في مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، وصف غاشاو أيفيرام، الباحث الأول في شؤون القرن الأفريقي والجغرافيا السياسية المائية في معهد الشؤون الخارجية، الوصول البحري السيادي بأنه مسألة ذات أهمية وطنية بالغة، رابطاً إياه بالمسار التاريخي لإثيوبيا، وتنميتها الاقتصادية، ومصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد. وأشار غاشاو إلى أن إثيوبيا كانت تتمتع بوصول مباشر إلى البحر حتى عقود مضت، وسلط الضوء على الأهمية التاريخية للترابط البحري لتجارة البلاد وعلاقاتها الخارجية، لا سيما خلال حضارة أكسوم والفترات اللاحقة. وأوضح أن غياب منفذ بحري سيادي قد خلق تحديات كبيرة أمام التنمية الاقتصادية والتجارة والاستثمار وعمليات الاستيراد والتصدير في إثيوبيا، في حين أن وضع البلاد كدولة حبيسة قد ساهم أيضاً في ارتفاع التكاليف اللوجستية والمتعلقة بالموانئ. ربط الباحث كذلك مسألة الوصول البحري بالبيئة الأمنية الأوسع في القرن الأفريقي، مؤكدًا أن القضية تتجاوز التجارة لتشمل اعتبارات استراتيجية أوسع. يرى غاشاو أن سعي إثيوبيا إلى ضمان سيادتها على الملاحة البحرية يجب أن يُفهم على أنه مصلحة وطنية أساسية وليس ترفًا. ودعا إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية القائمة على المنفعة المتبادلة، مؤكدًا على أنه يمكن أن يدعم الربط البحري الأوسع التكامل الاقتصادي الإقليمي، والتماسك القاري، والسلام، والازدهار المشترك. يضع هذا الطرح مسألة الوصول إلى البحر ضمن سياق استراتيجي أوسع بكثير. فبالنسبة لإثيوبيا، تتقاطع هذه القضية مع التاريخ، والتجارة، والتنافسية الاقتصادية، والأمن، والتكامل الإقليمي، ومكانة البلاد طويلة الأمد في القرن الأفريقي. الإصلاح الاقتصادي يسعى إلى تعزيز الشمول والاستقرار برز الاقتصاد بشكل لافت خلال الأسبوع، حيث واصلت إثيوبيا تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تقوية القطاع المالي، وتوسيع المشاركة الاقتصادية، وتحسين القدرة على الصمود. وأفادت وكالة الأنباء الإثيوبية بأن إصلاحات القطاع المالي تُسرّع من وتيرة الشمول المصرفي الرقمي، وتُسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، مُسلطةً الضوء على الدور المتنامي للتكنولوجيا في توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات المالية. ويأتي هذا التطور بالتزامن مع الجهود المبذولة لتعزيز القدرات التقنية لإثيوبيا في مجال الطاقة المتجددة وربط شبكات الطاقة الإقليمية، ما يربط التحول المالي والتكنولوجي بطموحات التنمية الأوسع للبلاد. كما سلطت التغطية الاقتصادية لهذا الأسبوع الضوء على الجهود المبذولة لتوسيع نطاق التدريب على المهارات استجابةً لمتطلبات سوق العمل المحلية والعالمية المتغيرة. وقالت وزيرة العمل والمهارات، مفرحات كامل، إن إثيوبيا تُوسّع نطاق التدريب على المهارات استجابةً لمتطلبات التوظيف المتطورة، مؤكدةً على أهمية إعداد المواطنين للفرص المتاحة في اقتصاد عالمي متزايد التنافسية ويعتمد على التكنولوجيا. وبالنظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها تُشير إلى تحول اقتصادي لا يعتمد فقط على رأس المال والبنية التحتية، بل يعتمد بشكل متزايد على المهارات، والشمول الرقمي، والقدرات التكنولوجية، ورأس المال البشري. الأمن الإقليمي يتصدر المشهد في أديس أبابا كان الأمن الإقليمي موضوعًا رئيسيًا آخر خلال الأسبوع حيث عُقد اجتماعٌ بين القادة العسكريين لقوة شرق أفريقيا الاحتياطية لمراجعة بروتوكولات السلام والأمن الإقليمية، بينما افتُتح الاجتماع السادس والثلاثون لهيئات سياسات القوة مع التركيز على الشراكة والتأهب والابتكار الأمني. واختُتم الاجتماع بتجديد الالتزامات الأمنية، مؤكدًا على أهمية الآليات الإقليمية الجماعية في مواجهة التحديات الأمنية المشتركة. وجاء هذا الاجتماع في ظلّ نزاعات وتنافسات جيوسياسية وضغوط اقتصادية تُسهم في بيئة دولية وإقليمية تزداد تعقيدًا. ولشرق أفريقيا، تكتسب هذه المناقشات أهمية خاصة نظرًا لتزايد تجاوز التحديات الأمنية للحدود الوطنية. ويعكس التركيز على الشراكة والتأهب المؤسسي إدراكًا متزايدًا بأن الأمن الإقليمي لا يُمكن معالجته بفعالية من خلال استجابات وطنية منعزلة. لذا، يظل تعزيز مؤسسات الأمن الإقليمي وثيق الصلة بالطموحات الأوسع نطاقًا لتحقيق الاستقرار والتكامل الاقتصادي والتنمية في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. إثيوبيا تُعزز أجندة الطاقة والمناخ كما ظلت قضايا الطاقة والبيئة محورًا أساسيًا لتطورات الأسبوع. واصلت إثيوبيا جهودها لتعزيز القدرات التقنية لتطوير الطاقة المتجددة وربط شبكات الكهرباء الإقليمية، مما يعزز طموحها الأوسع لتوسيع نطاق توليد الطاقة النظيفة وتعميق التعاون في مجال الكهرباء عبر الحدود. كما ظلت مبادرة البصمة الخضراء عنصرًا هامًا في أجندة التنمية الوطنية، حيث حددت إحدى الإدارات الإقليمية أولوياتها المستقبلية للتنمية الخضراء والتجديد الحضري. وشهد الأسبوع أيضًا تقديرًا دوليًا لجهود إثيوبيا في مجالي المناخ والتنمية الحضرية، حيث أشاد خبراء اقتصاديون دوليون بارزون بجوانب من التحول الحضري للبلاد وجهودها في مجال التكيف مع تغير المناخ. وأكدت البعثات الدبلوماسية مجددًا دعمها لمبادرات التنمية المستدامة في إثيوبيا، مما يؤكد الاهتمام الدولي المتزايد ببرامج البلاد البيئية والمناخية والتنموية. وتعكس هذه التطورات أجندة مترابطة بشكل متزايد، حيث يُنظر إلى أمن الطاقة، والتكيف مع تغير المناخ، والتنمية الحضرية، والنمو الاقتصادي كأولويات متكاملة وليست منفصلة. يتوسع التعاون الصحي مع استعداد أديس أبابا للمنتدى القاري وكان قطاع الصحة مجالًا آخر واصل فيه الدور الإقليمي لإثيوبيا نموه. تستعد أديس أبابا لاستضافة المؤتمر والمعرض الثالث عشر لاتحادات الصحة في شرق أفريقيا، مما يُسلط الضوء مجددًا على التعاون الإقليمي ومشاركة القطاع الخاص في القطاع الصحي. وفي الوقت نفسه، شكّل وضع حجر الأساس لمركز تشخيص الأجنة في مستشفى سانت بول ميلينيوم الطبي خطوةً أخرى نحو توسيع البنية التحتية للرعاية الصحية المتخصصة. وقد ساهمت هذه التطورات مجتمعةً في وضع كلٍ من القدرات الصحية المحلية والتعاون الصحي الإقليمي على جدول أعمال الأسبوع، رابطةً بين تحسينات الخدمات الطبية المتخصصة ودور إثيوبيا الأوسع في الشؤون الصحية القارية. أسبوعٌ تميّز بالتوافق والقدرات والطموح الاستراتيجي من الحوار الوطني إلى قضية الوصول البحري، تمحورت أبرز أحداث إثيوبيا هذا الأسبوع حول المصالح الوطنية طويلة الأجل. على الصعيد المحلي، انتقل الحوار الوطني من مداولاتٍ عامة إلى العمل الشاق المتمثل في تنسيق التوصيات بعد أن توصل المشاركون إلى توافق في الآراء بشأن جميع المحاور الثمانية. أما على الصعيد الاستراتيجي، استمر النقاش حول السيادة على البحر في طرح قضايا تاريخية، وتنافسية اقتصادية، وأمن، وتكامل إقليمي. وفي الوقت نفسه، أظهرت إصلاحات القطاع المالي، والشمول الرقمي، وتنمية المهارات، والطاقة المتجددة، والأمن الإقليمي، والرعاية الصحية، والعمل المناخي، اتساع نطاق أجندة التنمية الإثيوبية. ويتمثل الخيط المشترك في بناء القدرات الوطنية لتعزيز الحوار، وتوسيع الفرص، والنهوض بالتكنولوجيا والأمن، والسعي لتحقيق المصالح الاستراتيجية لإثيوبيا من خلال الدبلوماسية والتعاون الإقليمي. ومع دخول الحوار الوطني مرحلته التالية، سيكون الاختبار المحوري هو ما إذا كان بالإمكان ترجمة التوافق الذي تم التوصل إليه إلى توصيات ونتائج ذات صدى واسع النطاق. وبينما تواصل إثيوبيا سعيها لتحقيق مصالحها الاستراتيجية الأوسع، تشير تطورات هذا الأسبوع إلى أن الفصل القادم من تاريخ البلاد لن يُحدد بقضية واحدة، بل سيُحدد بمدى فعالية إثيوبيا في الجمع بين التوافق الوطني، والقوة الاقتصادية، والقدرة المؤسسية، والسيادة الاستراتيجية، وتحويلها إلى أساس متماسك لدور أكثر استقرارًا وتنافسية وتأثيرًا في القرن الأفريقي وخارجه.
كيف وقعت إريتريا في دوامة التدهور ؟
Aug 13, 2026 817
بقلم جبريل لامو 13 أغسطس/آب 2026 (إينا ) في عصرٍ يتسم بتحولاتٍ قاريةٍ ديناميكية، وتغيراتٍ اجتماعيةٍ واقتصاديةٍ متسارعة، وثوراتٍ بنيويةٍ حديثةٍ في شرق أفريقيا، تُقدّم الحقائقُ الظاهرةُ على الجانب الآخر من الحدود الشمالية لإثيوبيا دراسةً واقعيةً للتناقضات. فبقيادة فلسفة ميديمر الشاملة، تواصل إثيوبيا تنفيذ مشاريع تنموية واسعة النطاق، وإعادة تعريف المساحات الحضرية، وبناء مؤسساتٍ وطنيةٍ راسخة. ومع ذلك، وعلى مقربةٍ من هذا المحرك الاقتصادي الصاعد، لا تزال إريتريا عالقةً في دوامةٍ من التدهور الاقتصادي، والعزلة المؤسسية، والركود التاريخي، من صنع يديها. وقد ساهمت الوثائق المرئية الحديثة، التي أنتجها مُبدعو محتوى دوليون مستقلون ومدونو رحلات عالميون، في إعادة تسليط الضوء على هذا التباين. تُقدّم التقارير العامة التي ينشرها مُبدعون مثل دافود أخوند زاده، إلى جانب مُدوّني السفر البريطانيين والروسيين مات وجوليا، نافذةً صريحةً على مجتمعٍ مُتجمّدٍ في الزمن. يصف المراقبون باستمرار بيئةً تبدو وكأنها تراجعت لأكثر من نصف قرن، مُنفصلةً تمامًا عن شبكات التمويل الرقمي، والاتصالات الحديثة، والبنية التحتية الصناعية التي تُشكّل ملامح المنطقة اليوم. في مشهدٍ لافتٍ للنظر بُثّ لجمهورٍ عالمي، يظهر شابٌ إريتري في أسمرة وهو يطلب مباشرةً من زائرٍ رغيف خبزٍ واحد. تُقدّم هذه اللحظة صدمةً واقعيةً لا يُمكن إنكارها، تُفند تمامًا دعاية الدولة المُروّجة للاكتفاء الذاتي الغذائي والاكتفاء الزراعي الذاتي التي طالما روّجت لها المؤسسة الحاكمة في أسمرة. الجذور المصرية بالوكالة وإرث العداء لفهم سبب استمرار تدهور إريتريا بينما تُسجّل اقتصاداتٌ مجاورةٌ مثل إثيوبيا نموًا غير مسبوق، لا بدّ من تحليل أصولها السياسية. نشأت حركة الشعبية، التي نشأت من رحم حركة الجبهة الأصلية التي تأسست في مصر، ورُعيت تاريخيًا بدعم من القاهرة في منتصف القرن العشرين، وصُممت خصيصًا كمشروع بالوكالة ضد إثيوبيا. كان الهدف الاستراتيجي الرئيسي لداعميها الخارجيين بسيطًا: قطع وصول إثيوبيا المباشر إلى البحر الأحمر، وتجميد مواردها الوطنية، وإعاقة قدرتها على استغلال مواردها المائية الطبيعية على طول حوض نهر النيل. في العقود الثلاثة التي تلت انفصالها الرسمي عن إثيوبيا، رفضت الزمرة الحاكمة في أسمرة باستمرار التحول من جماعة متمردة إلى جهاز دولة بنّاء يركز على بناء الدولة داخليًا. فبدلًا من تخصيص ميزانيتها الوطنية للبنية التحتية المحلية والتعليم والصحة، حوّل النظام البلاد إلى قاعدة رئيسية لزعزعة الاستقرار الإقليمي. تقريبًا كل تهديد أمني كبير، ومحاولة تخريب داخلي، وتمرد مسلح واجهته إثيوبيا على مدى الثلاثين عامًا الماضية، تم التخطيط له أو تمويله أو إيواؤه داخل الأراضي الإريترية. أدى هذا الهوس الفريد بتقويض إثيوبيا إلى تدمير القدرات الداخلية لإريتريا. واليوم، تعيش البلاد في عزلة شبه تامة، تتسم بغياب تام للأنظمة المصرفية الحديثة، وأجهزة الصراف الآلي، والاتصال التجاري بالإنترنت، والانتخابات الديمقراطية، والحريات المدنية الأساسية. التحالف المشؤوم: مؤامرة "تسيمدو" والتخريب لا شيء يكشف بوضوح عن تركيز النظام على زعزعة استقرار إثيوبيا أكثر من دعم أسمرة الأخير للتحالف المعروف باسم "تسيمدو". في تحولٍ لافتٍ للنظر نحو الانتهازية الجيوسياسية، عقدت القيادة الإريترية تحالفًا مشؤومًا مع فصائل متشددة من جبهة تحرير شعب تيغراي وجماعات مسلحة مرتبطة بها، وهي الكيانات نفسها التي خاضت معها سابقًا صراعًا مسلحًا مدمرًا. يُظهر هذا التحالف أن أسمرة تعمل دون أي اتساق أيديولوجي، مدفوعةً فقط بأجندة تدميرية ضد الوحدة الوطنية الإثيوبية. هذا التحالف، الذي تشكّل من خلال اجتماعات سرية في أسمرة وميكيلي ومراكز حدودية إقليمية، لا يُقدّم أي فائدة تُذكر للمواطنين الإريتريين العاديين. فبدلًا من توجيه احتياطيات النقد الأجنبي الشحيحة نحو الأمن الغذائي المحلي أو الخدمات الصحية أو الإغاثة الاقتصادية، يُوجّه النظام في أسمرة موارده المحدودة لتمويل وتسليح وإيواء هذه العناصر المتمردة. يكمن الحساب الاستراتيجي وراء تسيمدو في إبقاء إثيوبيا مشتتة الذهن باستمرار، غارقة في صراعاتها الداخلية، وعاجزة عن استغلال قوتها الاقتصادية والدبلوماسية على أكمل وجه. بالنسبة للدائرة الحاكمة في أسمرة، يُفسَّر أي انتكاس لإثيوبيا على أنه نصر، مما يعكس عقلية ضيقة الأفق، قائمة على مبدأ الربح والخسارة، تُعطي الأولوية للعداء الإقليمي على حساب الاحتياجات الأساسية لشعبها. الثمن الباهظ لرفض التكامل الاقتصادي الإقليمي وفقًا للمنطق الاقتصادي المتعارف عليه، يُمثل القرب من سوق متنامية بسرعة تضم أكثر من 130 مليون نسمة ميزة تجارية استثنائية. فقد وفرت البنية الصناعية المزدهرة لإثيوبيا، ومراكزها الحضرية المتنامية، والطلب المتزايد على السلع والخدمات، لإريتريا مسارًا طبيعيًا نحو ازدهار اقتصادي مستدام. ومن خلال الاندماج في ممرات النقل الإقليمية، وتوفير الخدمات اللوجستية التكميلية للموانئ، وتلبية احتياجات المستهلك الإثيوبي، كان بإمكان إريتريا ضمان استقرار اقتصادي طويل الأمد لشعبها. لكن بدلاً من ذلك، اختارت القيادة في أسمرة البقاء أداة إقليمية في يد مصالح خارجية، مُفضِّلة التخريب الجيوسياسي على الرفاه المادي لشعبها. النتيجة الهيكلية لهذا الخيار هي اقتصاد أفقر بكثير اليوم مما كان عليه عندما كان موحداً مع إثيوبيا. ويتجلى الثمن البشري لهذه السياسة في هجرة ديموغرافية مدمرة. اليوم، يقيم ما يقارب نصف مليون إريتري في إثيوبيا، حيث يفوق عدد الشباب الإريتريين النابض بالحياة الذين يعيشون ويعملون في أديس أبابا عدد الشباب المتبقين في أسمرة. ومع نزوح أجيال بأكملها من البلاد، تستمر قدرة الموارد البشرية المحلية في التآكل. يؤكد هذا النزوح الجماعي حقيقة أساسية: النظام في أسمرة ينظر إلى مواطنيه على أنهم فائضون عن الحاجة. بالنسبة للدائرة الحاكمة، تُعد المعاناة الداخلية ثانوية مقارنة بتحقيق هدفها الأساسي - العمل كأداة خارجية لاحتواء إمكانات إثيوبيا السيادية وتقويض مكانتها الإقليمية. واقع أسمرة بعد بريتوريا وتحولاتها عندما تولت حكومة الإصلاح برئاسة رئيس الوزراء آبي أحمد السلطة، مدت إثيوبيا يد السلام إلى أسمرة، وبدأت عملية مصالحة سلمية حظيت بإشادة دولية وجائزة نوبل للسلام. استند هذا الجهد الدبلوماسي إلى رغبة صادقة في بناء منطقة قرن أفريقي مسالمة ومترابطة ومتكاملة اقتصاديًا، حيث يمكن للشعوب المتجاورة أن تزدهر معًا. إلا أن القيود الهيكلية للقيادة السياسية في أسمرة برزت بوضوح بعد انتهاء الصراع في شمال إثيوبيا. فقد نجح توقيع اتفاقية بريتوريا التاريخية للسلام في إنهاء الأعمال العدائية، والحفاظ على النظام الدستوري الإثيوبي، وإرساء إطار سلمي للحوار وإعادة الإعمار، وهو ما يمثل مكسبًا شاملًا للجميع، ويعزز وحدة البلاد واستقرار المنطقة. لكن هذا الحل السلمي قوبل بعداء شديد من النظام الإريتري، الذي كان مصممًا على دفع الصراع نحو دمار إقليمي شامل بدلًا من التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية. واستياءً من نجاح الحل الدبلوماسي الإثيوبي، سارعت أسمرة إلى تغيير تحالفاتها في السياسة الخارجية، وعقدت شراكات تكتيكية مع الكيانات السياسية نفسها التي حاربتها سابقًا. وقد أثبتت هذه الانتهازية الصارخة أن تصرفات النظام لا تحكمها سوى رغبة جامحة في معاقبة إثيوبيا وتفتيتها، لا أي مبدأ جيوسياسي ثابت. مسارٌ لا يُقهر والطريق إلى الأمام تختلف إثيوبيا في عهد ميديمر اختلافًا جذريًا عن وضعها الهشّ في العقود الماضية. فاليوم، تُعدّ إثيوبيا من أسرع الاقتصادات نموًا في القارة الأفريقية، بعد أن نجحت في زيادة عائداتها من العملات الأجنبية، ومضاعفة حجم إنتاجها الاقتصادي الإجمالي، وتعزيز قدراتها الدفاعية الوطنية. وانطلاقًا من رؤية طويلة الأجل واضحة، تُواصل إثيوبيا بنشاط استراتيجيتها المائية لتصحيح مسارها. إن القضاء على المظالم التاريخية وتأمين مكانتها الاقتصادية والبحرية اللائقة أمرٌ بالغ الأهمية. لا تزال القدرات الحكومية التي بُنيت داخل إثيوبيا - والتي تشمل مشاريع الهندسة المدنية واسعة النطاق، وتكامل الاقتصاد الرقمي، والإنتاجية الزراعية، ومكافحة الفقر - مورداً قيماً يُمكن أن يُفيد المنطقة بأسرها. وإذا ما اختارت القيادة في أسمرة التخلي عن دورها كوكيلٍ عفا عليه الزمن،والتوجه إلى ما يُحقق الرفاه الحقيقي لشعبها، فإن هناك خبرات هيكلية هائلة متاحة عبر الحدود يُمكن الاقتداء بها وتبادلها. لن تُعيق العداوات الخارجية مسيرة إثيوبيا السيادية نحو الازدهار الوطني، والتكامل الإقليمي، والريادة الاقتصادية. الأمر برمته متروك لسلطات أسمرة لتصحيح مسارها التاريخي، وتبني شراكة إقليمية بناءة، أو البقاء حبيسة عزلتها التي فرضتها على نفسها، بينما يتقدم باقي القرن الأفريقي.
الحوار الوطني الإثيوبي: مسار تاريخي نحو السلام والتوافق الوطني
Aug 12, 2026 571
بقلم: يوردانوس د. 12 أغسطس 2026 – وكالة الأنباء الإثيوبية تقترب إثيوبيا من واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخها السياسي الحديث. فبعد عقود اتسمت بالاستقطاب السياسي، والصراعات المتكررة، والخلافات الدستورية، وتباين الروايات والتصورات بشأن مستقبل الدولة، تخوض البلاد واحدة من أكثر محاولاتها طموحاً لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية الأساسية من خلال الحوار بدلاً من المواجهة. ويمثل الحوار الوطني الإثيوبي الجاري محاولة لإنشاء منصة وطنية يملكها الإثيوبيون، تتيح للمواطنين المنحدرين من خلفيات سياسية وإثنية ودينية واجتماعية متنوعة مناقشة القضايا التي شكلت المشهد السياسي للبلاد بصورة مفتوحة، والعمل بصورة جماعية على إيجاد حلول قائمة على التوافق والتفاهم المتبادل والانخراط السلمي. ولا تقتصر أهمية الحوار الوطني على كونه عملية تشاور سياسي، بل تمتد لتشمل آفاقاً أوسع تتعلق بمستقبل إثيوبيا. ومن المتوقع أن يوفر الحوار فرصة لإعادة بناء الثقة العامة، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ودعم المصالحة، وترسيخ ثقافة تُدار فيها الخلافات من خلال الحوار والتوافق والآليات الدستورية، بدلاً من الصراع. وتكمن أهمية هذه العملية ليس فقط في طبيعة القضايا التي تتناولها، وإنما أيضاً في النهج الذي تقدمه لمعالجة هذه القضايا. ففي بلد أدت فيه الخلافات السياسية في كثير من الأحيان إلى عدم الاستقرار والعنف، يسعى الحوار الوطني إلى إيجاد إطار جديد لمعالجة الاختلافات من خلال المشاركة الشاملة وتحمل المسؤولية المشتركة. النشأة والتأسيس لم تنشأ مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي من فراغ، بل جاءت استجابة لتساؤل طويل الأمد ظل مطروحاً في أوساط المجتمع الإثيوبي، ووصفه كثيرون بأنه الحاجة إلى تحقيق "التوافق الوطني". غير أن هذه المطالب لم تحظَ بالاهتمام الكافي قبل التغيير الحكومي الذي شهدته البلاد عام 2018. وإدراكاً لهذه المطالب، إلى جانب القضايا الجوهرية الأخرى التي ظلت تقود الإثيوبيين إلى الصراعات، قررت الحكومة إتاحة المجال أمام الإثيوبيين للجلوس إلى طاولة واحدة، ومناقشة التحديات الوطنية الرئيسية والعمل على معالجتها بصورة مستدامة. وفي هذا السياق، تأسست مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي بموجب الإعلان رقم 1265/2021، باعتبارها مؤسسة اتحادية مستقلة ومحايدة، تخضع للمساءلة أمام مجلس نواب الشعب. وجاء تأسيس المفوضية بعد سنوات من عدم الاستقرار السياسي، والصراعات المسلحة، والخلافات الدستورية، والتباينات بين الفاعلين السياسيين والمجتمعات بشأن قضايا أساسية تتعلق بهوية إثيوبيا، ونظام الحكم، والترتيبات الفيدرالية، وتفسير التاريخ، ومسار بناء الدولة. وعلى مدى عقود، أثرت هذه القضايا غير المحسومة في التنافس السياسي وأسهمت في تجدد التوترات في مناطق مختلفة من البلاد. كما طورت مجموعات مختلفة رؤى متباينة بشأن قضايا من بينها الهوية الوطنية، والتمثيل السياسي، والهياكل الإدارية، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم. وإدراكاً بأن هذه القضايا المعقدة لا يمكن معالجتها بصورة مستدامة من خلال التنافس السياسي أو الإجراءات الأمنية أو الإصلاحات المنفردة، أنشأ البرلمان الإثيوبي مفوضية الحوار الوطني لتيسير حوار وطني شامل يهدف إلى تحديد نقاط الالتقاء وبناء التوافق. وتعمل المفوضية وفق مجموعة من المبادئ، من بينها الشمولية، والشفافية، والحياد، والمصداقية، والاحترام المتبادل، والديمقراطية، والمصلحة الوطنية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتقاليد الإثيوبية الأصيلة في حل النزاعات. وتشمل ولاية المفوضية تحديد الأسباب الجذرية للخلافات الوطنية، وجمع أجندات القضايا من المواطنين، وتنظيم المشاورات على مختلف المستويات الإدارية، وتيسير النقاشات بين أصحاب المصلحة، وتوثيق التوصيات، ودعم تنفيذ النتائج التي يتم التوافق عليها. عملية المشاورات والتقدم المحرز تُعد المشاركة الشعبية الواسعة إحدى أبرز السمات المميزة للحوار الوطني الإثيوبي. فعلى خلاف المبادرات السياسية التي اقتصرت تاريخياً على مؤسسات الدولة أو النخب السياسية، صُممت العملية لتشمل المجتمعات في مختلف أنحاء البلاد، وإتاحة المجال أمام أصوات ووجهات نظر متنوعة. وقد وصلت عملية جمع الأجندات إلى المجتمعات على مستوى المقاطعات وصولاً إلى المنصات الإقليمية والاتحادية، بما أتاح للمواطنين تحديد القضايا التي يرون أنها محورية بالنسبة لمستقبل إثيوبيا. كما شملت العملية الإثيوبيين المقيمين خارج البلاد، من خلال مشاورات مع أبناء الجاليات الإثيوبية في الخارج، بهدف ضمان مساهمة وجهات النظر القادمة من خارج البلاد في الحوار الوطني. وسعت العملية إلى إشراك طيف واسع من الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، وجمعيات النساء والشباب، والمجموعات المهنية، والجامعات، وقطاع الأعمال، والمؤسسات الإعلامية، والزعماء التقليديين، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنازحين داخلياً. ولدعم عملية المشاورات الواسعة هذه، قامت المفوضية بتدريب آلاف الميسرين والمتعاونين المسؤولين عن تنظيم النقاشات، وجمع شواغل المواطنين، والمساهمة في اختيار المشاركين. ويعكس التركيز على الشمولية إدراكاً بأن مصداقية الحوار الوطني تعتمد على مدى شعور المواطنين في مختلف المناطق والخلفيات الاجتماعية بأن قضاياهم ممثلة ومسموعة. وقد أُولي اهتمام خاص للمجتمعات التي عانت تاريخياً من محدودية المشاركة في عملية صنع القرار الوطني، بما في ذلك سكان المناطق الريفية، والمجتمعات الرعوية، والنساء، والشباب، والمجتمعات المتأثرة بالصراعات. ومع استكمال مشاورات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، تدخل عملية الحوار الوطني مرحلة حاسمة من خلال المؤتمر الوطني للحوار المزمع عقده. ويمثل المؤتمر المرحلة المركزية التي سينخرط فيها ممثلو مختلف قطاعات المجتمع الإثيوبي في مناقشات منظمة بشأن القضايا التي جرى تحديدها خلال مراحل المشاورات السابقة. المؤتمر الوطني للحوار جمع المؤتمر آلاف المشاركين الذين يمثلون حكومات الأقاليم، والمؤسسات الاتحادية، والتنظيمات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، والجمعيات المهنية، والشباب، والنساء، وكبار السن، وأعضاء الجاليات الإثيوبية في الخارج. ويعكس حجم المشاركة الطموح الذي تقوم عليه العملية. فبدلاً من أن يكون المؤتمر مجرد مفاوضات بين النخب السياسية، يسعى إلى أن يصبح منصة وطنية تتيح لمختلف المكونات التداول بشأن القضايا التي تؤثر في المستقبل السياسي للبلاد. ويناقش المشاركون حالياً مجموعة من القضايا الوطنية الرئيسية، من بينها بناء الدولة والهوية الوطنية، والترتيبات الدستورية والفيدرالية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، وبناء السلام والمصالحة، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والحكم الرشيد. وقد صُمم هيكل المؤتمر بما يشجع على النقاش الجاد، بدلاً من الاكتفاء بجدل سياسي تقليدي. وينخرط المشاركون في منتديات نقاش أصغر قبل الانتقال إلى جلسات أوسع، يتم خلالها تجميع الأفكار والتوصيات ومناقشتها على نطاق أوسع. ويهدف هذا النهج إلى تمكين المشاركين من دراسة القضايا المعقدة بصورة متأنية، وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف، وصياغة توصيات تستند إلى التداول الجماعي. وأشارت المفوضية إلى أن التوصيات التي ستنبثق عن المؤتمر ستخضع لمزيد من المراجعة قبل إدراجها في تقريرها النهائي. ومن شأن هذه التوصيات أن توفر توجيهات للإصلاحات المستقبلية في السياسات والتشريعات، وربما لإجراء تعديلات دستورية. ومن السمات المهمة للعملية مبدأ مشاركة جميع الأطراف على قدم المساواة. فمن المتوقع أن يشارك المسؤولون الحكوميون، وممثلو القوى السياسية، والأكاديميون، والضباط العسكريون، والزعماء الدينيون، وقطاع الأعمال، وكبار الشخصيات التقليدية، والمواطنون العاديون، دون امتياز مؤسسي لأي طرف. ويهدف هذا النهج إلى تشجيع النقاش المفتوح، وتهيئة بيئة تسمح بطرح مختلف وجهات النظر بحرية. معالجة القضايا الوطنية الجوهرية تقع في صميم الحوار الوطني مجموعة من أكثر القضايا تعقيداً واستمراراً في تاريخ إثيوبيا. فقد جرى تفسير تاريخ البلاد وهويتها وبنيتها السياسية ونظام الحكم فيها بطرق مختلفة من جانب مجموعات متعددة. وقد أسهمت هذه الرؤى المتباينة في تشكيل الحركات السياسية، كما ساهمت في تصاعد التوترات حول قضايا من بينها الفيدرالية، والهوية الوطنية، وتوزيع الموارد، والتمثيل السياسي. ويوفر الحوار الوطني فرصة لمعالجة هذه القضايا من خلال النقاش السلمي، بدلاً من المواجهة السياسية. ومن المتوقع أن يبحث المشاركون قضايا تتصل بالإصلاح الدستوري، والحكم الديمقراطي، والأنظمة الانتخابية، والمساءلة المؤسسية، وحماية الحقوق، وآليات تسوية النزاعات بصورة سلمية. ولا يتمثل هدف الحوار بالضرورة في إنهاء جميع الخلافات، إذ إن الاختلافات أمر طبيعي في مجتمع متنوع مثل المجتمع الإثيوبي. بل يتمثل الهدف في وضع إطار مشترك يمكن من خلاله إدارة هذه الخلافات عبر المؤسسات الديمقراطية والوسائل السلمية. بناء السلام من خلال المصالحة الوطنية يظل بناء السلام أحد أهم التطلعات المرتبطة بالحوار الوطني. فقد أدت سنوات من الصراعات إلى خسائر في الأرواح، ونزوح السكان، واضطرابات اقتصادية، وانقسامات اجتماعية عميقة في أجزاء مختلفة من إثيوبيا. وقد أوجدت هذه التجارب حاجة إلى آليات قادرة على معالجة المظالم، وإعادة بناء الثقة، وتعزيز المصالحة بين المجتمعات. ويمكن للحوار الوطني أن يسهم في بناء السلام من خلال توفير فرص للمجموعات التي تحمل تجارب ووجهات نظر مختلفة للانخراط المباشر مع بعضها البعض والسعي إلى بناء فهم مشترك. كما يُتوقع أن يتكامل الحوار مع جهود العدالة الانتقالية، من خلال دعم النقاشات المتعلقة بالمساءلة، وكشف الحقيقة، والمصالحة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والتعافي الوطني. ويمكن لنجاح الحوار أن يسهم في الحد من الاستقطاب السياسي، من خلال تشجيع الأطراف المتنافسة على البحث عن حلول عبر التفاوض والانخراط الديمقراطي، بدلاً من اللجوء إلى العنف. تعزيز الديمقراطية يمثل تعزيز المؤسسات الديمقراطية في إثيوبيا أحد التطلعات الرئيسية الأخرى للحوار الوطني. فالديمقراطية لا تعتمد على الانتخابات وحدها، بل تعتمد أيضاً على قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات، وحماية الحقوق، وضمان ثقة المواطنين في النظام السياسي. وإذا أسفر الحوار عن توصيات تحظى بقبول واسع، فإنه يمكن أن يسهم في تعزيز المؤسسات، وتحسين المساءلة، وزيادة ثقة الجمهور في هياكل الدولة. كما يمكن للعملية أن تدعم الجهود الرامية إلى تعزيز مؤسسات مثل السلطة القضائية، والهيئات الانتخابية، وأجهزة إنفاذ القانون، التي تؤدي أدواراً أساسية في ضمان الاستقرار السياسي وحماية حقوق المواطنين. ومن خلال المشاركة الشاملة وبناء التوافق، يمتلك الحوار الوطني القدرة على تهيئة الظروف أمام منافسة سياسية أكثر سلمية وحوكمة ديمقراطية أكثر قوة. الفرص الاقتصادية من خلال الاستقرار السياسي يمثل الاستقرار السياسي أحد أهم الأسس للتحول الاقتصادي في إثيوبيا. فإذا نجح الحوار الوطني في الحد من حالة عدم اليقين وتعزيز السلام، فقد يسهم ذلك في تحسين ثقة المستثمرين، وتنشيط النشاط الاقتصادي، وتهيئة ظروف أفضل لإعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتأثرة بالصراعات. كما يمكن للموارد التي كانت تُوجه سابقاً إلى إدارة الصراعات أن تتجه بصورة متزايدة نحو أولويات وطنية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، وتطوير البنية التحتية، وتحديث الزراعة، والنمو الصناعي، وخلق فرص العمل. ومن شأن بيئة سياسية أكثر استقراراً أن تعزز قدرة إثيوبيا على جذب الاستثمارات، وتوسيع التجارة، وتحسين موقعها باعتبارها واحدة من الاقتصادات الإفريقية الصاعدة الرئيسية. وتؤكد التجربة أن السلام والتنمية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ إذ إن تحقيق تقدم اقتصادي مستدام يتطلب الاستقرار السياسي، ومؤسسات قوية، وثقة عامة راسخة. الأهمية الإقليمية والقارية لا تقتصر أهمية الحوار الوطني الإثيوبي على حدود البلاد، بل تمتد إلى الإقليم والقارة بأسرها. وباعتبار إثيوبيا مركزاً دبلوماسياً لإفريقيا، ومقراً لعدد من المؤسسات القارية الرئيسية، فإنها تؤدي دوراً مهماً في قضايا السلام والأمن والتعاون الاقتصادي على المستوى الإقليمي. ومن شأن إثيوبيا أكثر سلاماً واستقراراً أن تسهم في تعزيز الاستقرار الأوسع في منطقة القرن الإفريقي، من خلال دعم التجارة الإقليمية، وربط البنية التحتية، وإدارة قضايا الهجرة، وتعزيز التعاون الدبلوماسي. كما يمكن للعملية أن تقدم دروساً قيّمة لدول إفريقية أخرى تواجه انقسامات سياسية، وخلافات دستورية، وتحديات مرحلة ما بعد الصراع. وفي حال نجاحها، يمكن للتجربة الإثيوبية أن تظهر الإمكانات التي توفرها عمليات الحوار الوطنية التي يملكها المجتمع الوطني نفسه، باعتبارها أدوات لمعالجة التحديات السياسية المعقدة وتعزيز التحولات الديمقراطية. لحظة حاسمة لإثيوبيا باختصار، يمثل الحوار الوطني الإثيوبي واحدة من أكثر محاولات البلاد شمولاً لمعالجة الخلافات السياسية والدستورية والاجتماعية من خلال التشاور السلمي. وسيعتمد نجاحه ليس فقط على النقاشات التي تجري خلال العملية، وإنما أيضاً على مدى ترجمة التوصيات إلى إصلاحات ذات معنى، واستمرار التزام مختلف الأطراف بتنفيذ النتائج التي يتم التوافق عليها. وفي حال تحقق توافق واسع واستمر تنفيذ الإصلاحات، يمكن للحوار أن يصبح نقطة تحول تاريخية لإثيوبيا، تسهم في بناء مؤسسات أقوى، وتعميق المصالحة، وتهيئة بيئة سياسية أكثر شمولاً. وبالنسبة لإثيوبيا، تمثل العملية فرصة لتجاوز دوائر المواجهة المتكررة، وترسيخ ثقافة تقوم على الحوار والتوافق وتحمل المسؤولية المشتركة. أما بالنسبة لإفريقيا، فقد تصبح التجربة مثالاً مهماً على الكيفية التي يمكن من خلالها للتشاور الوطني الشامل أن يسهم في تحقيق السلام، والتجديد الديمقراطي، والتنمية المستدامة. وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الحوار الوطني فقط بحل الخلافات القائمة اليوم، بل يتعلق أيضاً بتحديد ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على تحويل تنوعها واختلافاتها إلى أساس للتعاون والاستقرار وبناء مستقبل وطني مشترك.
أسبوع إثيوبي حافل بالإنجازات التاريخية والسيادة الرقمية وبناء التوافق الوطني
Aug 10, 2026 960
بقلم: غبريل لامو تُقاس بعض الأسابيع بالأحداث التي تشهدها، فيما تُخلَّد أسابيع أخرى بما تكشفه من توجهات ومسارات. وبالنسبة لإثيوبيا، اتسم الأسبوع الماضي بسلسلة من التطورات التي تجاوزت حدود الإعلانات المنفردة، وكشفت عن مسار أوسع لبناء أسس المرحلة المقبلة. فمن مشاركة ملايين المواطنين، وسط أمطار غزيرة، في غرس بذور مستقبل بيئي مستدام، إلى تجاوز عدد المسجلين في نظام الهوية الرقمية الوطني حاجز 50 مليون شخص، مرورًا بتجدد الجهود الرامية إلى تحقيق التوافق السياسي، واتساع نطاق الحملة ضد الجرائم الاقتصادية، قدم الأسبوع صورة لبلد يمضي بثبات في بناء مقومات قدرته الوطنية على مواجهة المستقبل. وفي مجالات البيئة والتكنولوجيا والحكم والأمن والبنية التحتية، برز خيط مشترك يتمثل في السعي إلى تعزيز القدرات الوطنية والقدرة على الصمود والاعتماد على الذات. غرس الأمل.. شتلة تلو الأخرى ولعل مبادرة البصمة الخضراء الإثيوبية كانت أبرز تجسيد لحجم التعبئة الوطنية خلال الأسبوع. ففي حملة استثنائية استمرت 12 ساعة تحت شعار "لنغرس الأمل"، تمكنت إثيوبيا من غرس أكثر من 805.3 ملايين شتلة، محققة رقمًا قياسيًا بيئيًا جديدًا. وشملت العملية نحو 291 ألفًا و400 هكتار، وشارك فيها نحو 26.2 مليون مواطن في مختلف أنحاء البلاد. وكان حجم الإنجاز لافتًا، غير أن دلالته الأعمق تكمن فيما يقف وراء هذه الأرقام.فقد خرج ملايين الإثيوبيين للمشاركة رغم الأمطار الموسمية الغزيرة، محولين ما كان يمكن أن يكون حملة بيئية عادية إلى تعبير وطني واسع عن المشاركة المدنية والمسؤولية الجماعية. وقال رئيس الوزراء أبي أحمد، معبرًا عن روح ذلك اليوم: "رغم التحدي الكبير المتمثل في غرس الشتلات طوال اليوم وسط أمطار غزيرة، تقدم أكثر من 26.2 مليون إثيوبي لغرس الأمل في الغد. وتثبت هذه الروح الاستثنائية أنه عندما نتحد حول رؤية مشتركة، فلا توجد عقبة يستحيل تجاوزها". كما وضع هذا الإنجاز الأسبوع في سياق المسار الأوسع لمبادرة الإرث الأخضر. فقد تم غرس أكثر من 6.5 مليارات شتلة خلال السنة الإثيوبية الحالية، مع بقاء 1.5 مليار شتلة للوصول إلى الهدف الموسمي البالغ 8 مليارات شتلة.غير أن المبادرة تتحول بصورة متزايدة إلى ما هو أبعد من مجرد غرس الأشجار. ففي مختلف الأقاليم، ربط المسؤولون الحكوميون والمجتمعات المحلية الحملة بالحفاظ على التربة، وتأهيل الأحواض المائية، وتعزيز الأمن الغذائي، وحماية البنية التحتية الحيوية للمياه. كما استغل أعضاء الحكومة وقادة الأقاليم عملية التعبئة لتعزيز جهود مكافحة تراكم الطمي حول السدود. وهكذا، بدأت مبادرة كانت في الأساس حملة لغرس الأشجار تأخذ شكل استراتيجية وطنية لتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ، تربط بين استعادة البيئة والأمن الاقتصادي والبيئي للبلاد على المدى الطويل. تعزيز المجالات الرقمية لإثيوبيا في الوقت الذي تسرّع فيه إثيوبيا تحولها الرقمي، تعمل الحكومة على تأمين البنية التحتية التي يقوم عليها هذا التحول. وبرز هذا الأسبوع قانون الأمن السيبراني للبنية التحتية الحيوية رقم 1426/2026 باعتباره خطوة مهمة نحو حماية الأنظمة الرقمية الاستراتيجية من التهديدات السيبرانية المتنامية. وقالت المديرة العامة لوكالة أمن شبكات المعلومات، تيغيست حامد، إن القانون يضع إطارًا شاملًا لرصد المخاطر السيبرانية وتنسيق الاستجابة لها عبر 12 قطاعًا حيويًا، من بينها المالية والاتصالات والصحة والطاقة والمياه والنقل والخدمات الحكومية. ويلزم الإعلان مشغلي البنية التحتية الحيوية بتعزيز تقييمات المخاطر والتدقيقات السيبرانية وحوكمة الأمن، إلى جانب إنشاء صندوق مخصص للأمن السيبراني لدعم القدرة على الصمود والابتكار وتنمية المهارات. ومع توسع الهوية الرقمية والمدفوعات الإلكترونية والخدمات العامة عبر الإنترنت، يسعى الإطار الجديد إلى ضمان مواكبة التحول الرقمي في إثيوبيا بحماية أقوى للبيانات الوطنية والأنظمة الحيوية والسيادة الرقمية للبلاد. البحث عن التوافق الوطني إلى جانب التكنولوجيا واستعادة البيئة، يظل المشروع الأكثر أهمية لإثيوبيا على المستوى السياسي هو إيجاد إطار مستدام للتوافق الوطني. وقد قطعت هذه الجهود خطوة أخرى إلى الأمام هذا الأسبوع، مع عقد مشاورات في إطار الحوار الوطني جمعت أكثر من 4 آلاف مندوب يمثلون مختلف فئات المجتمع في مركز أديس الدولي للمؤتمرات. ولا تكمن أهمية هذا التجمع في عدد المشاركين فحسب، وإنما في طبيعة القضايا الصعبة المطروحة للنقاش. فقد تشكل التاريخ السياسي لإثيوبيا بفعل تفسيرات متباينة للسلطة والهوية والتمثيل والفرص الاقتصادية. ويسعى الحوار الوطني إلى نقل هذه الخلافات من ساحة المواجهة إلى فضاء النقاش المنظم، وصولًا إلى بناء ثقافة سياسية قادرة على إدارة الاختلافات دون تحويلها بصورة متكررة إلى أزمات. وفي مقابلة تلفزيونية مطولة، تطرق رئيس الوزراء أبي أحمد إلى الجذور التاريخية للنضالات الشعبية وأوجه القصور التي أسهمت في نشوئها. وأكد أن فهم الماضي ضروري، ليس لإدامة الانقسامات القديمة، وإنما لمعالجة المشكلات الهيكلية التي أفرزتها. وقال: "إن النضالات الشعبية التاريخية في ماضينا كانت موجهة أساسًا إلى تصحيح إخفاقات الحكم على مستوى النظام والتهميش الاقتصادي، وليس إلى تفكيك الوحدة الوطنية. ويتطلب بناء الدولة الحقيقي الاعتراف بهذه الحقائق التاريخية، مع توجيه جهودنا بصورة بناءة نحو بناء مستقبل ديمقراطي مشترك ومنصف". ويمثل هذا التمييز جوهر مساعي البلاد نحو تحقيق التوافق، أي الاعتراف بالمظالم دون السماح بتحولها إلى خطوط انقسام سياسية دائمة. ويبقى التحدي الآن في تحويل الحوار إلى مؤسسات واتفاقات وثقافة سياسية قادرة على الحفاظ على وحدة البلاد مع استيعاب تنوعها. حماية المجالات الاقتصادية كما يواجه التحول الاقتصادي في إثيوبيا معركة ضد الشبكات التي تسعى إلى استغلال مواطن الضعف في النظام. فقد أطلقت الحكومة هذا الأسبوع إجراءات حاسمة ضد أفراد وشركات ومسؤولين متهمين بالفساد وممارسة أنشطة اقتصادية غير قانونية تقوض الإصلاح الاقتصادي الكلي الجاري. وقال وزير الدولة لخدمة الاتصال الحكومي، إناتالم مليس، إن هذه الشبكات أسهمت في نقص النقد الأجنبي، وزيادة الضغوط التضخمية، والاتجار غير المشروع، وافتعال نقص في السلع الأساسية. وقد أسفرت الحملة حتى الآن عن إغلاق أكثر من 7 آلاف شركة ومستودع، فيما مثل 169 شخصًا متهمين بعمليات تحويل أموال غير قانونية وأنشطة الحوالة والتعاملات في سوق العملات السوداء أمام القانون. كما استهدفت السلطات تجارة الذهب غير المشروعة، والفساد المرتبط بالوقود والأسمدة، والتهرب الضريبي، والتدفقات المالية غير القانونية، وبيع الكهرباء بصورة غير مصرح بها، مع خضوع مئات المشتبه بهم للتحقيق أو الإجراءات القانونية. ويؤكد اتساع نطاق العملية رسالة أساسية في أجندة الإصلاح: فالتحول الاقتصادي لا يتطلب سياسات واستثمارات جديدة فحسب، بل يحتاج أيضًا إلى مؤسسات قادرة على حماية النظام من الفساد والأسواق غير المشروعة وإساءة استخدام الموارد الوطنية. الطاقة والمياه والأفق الإقليمي واصلت طموحات إثيوبيا في مجال البنية التحتية تداخلها مع دورها الإقليمي الأوسع، ولا سيما في مجالي الطاقة والمياه. وفي أعقاب أحدث المحطات المرتبطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير، شدد مهندسو موارد المياه ومحللو الطاقة على أهمية مواصلة الزخم من خلال تطوير المزيد من مشاريع الطاقة الكهرومائية على امتداد حوض نهر أباي. ولا تقتصر هذه الرؤية على توليد الكهرباء للاستهلاك المحلي. فزيادة القدرة التوليدية، إلى جانب تعزيز شبكات نقل الكهرباء، يمكن أن تدعم مكانة إثيوبيا كمورد رئيسي للكهرباء إلى الدول المجاورة، وتسهم في التكامل التدريجي لأسواق الطاقة في شرق أفريقيا. وتبدو المعادلة الاستراتيجية واضحة بصورة متزايدة: فموارد إثيوبيا المائية والطاقة ليست مجرد أصول للتنمية الوطنية، بل يمكن أن تتحول أيضًا إلى أدوات للتكامل الاقتصادي الإقليمي. وفي الوقت نفسه، أضاف التقدم المحرز في أنظمة المياه النظيفة المحلية بُعدًا آخر إلى أجندة تعزيز قدرة البلاد على الصمود. ومن الصحة العامة إلى حماية البيئة، يتمثل الهدف المشترك بصورة متزايدة في الاستعداد وبناء أنظمة قادرة على استيعاب الصدمات قبل تحولها إلى أزمات وطنية. أسبوع كشف عن اتجاه إذا ما نُظِر إلى تطورات الأسبوع كلٌّ على حدة، فقد تبدو وكأنها تنتمي إلى عوالم مختلفة. فغرس الأشجار ينتمي إلى البيئة، والهوية الرقمية إلى التكنولوجيا، والحوار الوطني إلى السياسة، وإنفاذ القانون الاقتصادي إلى الأمن، والطاقة الكهرومائية إلى البنية التحتية. لكن عند النظر إليها مجتمعة، فإنها ترسم صورة أكثر ترابطًا. فهي تشير إلى بلد يسعى إلى تعزيز أسس سيادته، بدءًا من استعادة أراضيه وحماية موارده المائية، مرورًا بتأمين أنظمته الرقمية، وصون نزاهة اقتصاده، وصولًا إلى بناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات السياسية. ولذلك، قد لا يكون الإنجاز الأهم لهذا الأسبوع متمثلًا في رقم قياسي أو منصة أو مشاورات بعينها. بل يكمن في تنامي الإدراك بأن التحول الوطني يتطلب تعزيز القدرات على جميع الجبهات في آن واحد. مناظر طبيعية أكثر اخضرارًا، ومواطنون أكثر اتصالًا، ومؤسسات أقوى، واقتصاد أكثر أمنًا، وقدرات أكبر في مجال الطاقة، وقبل كل شيء، ثقافة سياسية قادرة على تحويل تنوع إثيوبيا من مصدر لمواجهات متكررة إلى أساس لهدف مشترك. وهذا ما جعل الأسبوع مهمًا؛ فلم يكن مجرد أسبوع من الإنجازات والمحطات التاريخية، بل كان أسبوعًا قدم لمحة أخرى عن إثيوبيا التي يجري بناؤها من أجل الغد.
تحركات النظام الإريتري العسكرية تهدد بإشعال صراع جديد في القرن الأفريقي
Aug 9, 2026 966
بقلم هيئة التحرير 9 أغسطس/2026 (إينا) يواجه القرن الأفريقي مجدداً خطر التصعيد العسكري والسياسي، حيث تُهدد المناورات المتجددة التي تشارك فيها إريتريا، والجهات السياسية والعسكرية غير الشرعية بقيادة جبهة تحرير شعب تيغراي، وقوى إقليمية وخارجية أخرى، بتقويض السلام الهش الذي تحقق بعد سنوات من الصراع المدمر. وتُمثل تيغراي محور هذه المخاوف، فهي منطقة لا تزال تُكافح للتعافي من الدمار والنزوح والمعاناة الإنسانية التي خلفتها حرب 2020-2022. انتهى الصراع بتوقيع اتفاقية بريتوريا لوقف إطلاق النار، مما أتاح للمنطقة فرصةً لمواصلة إعادة الإعمار والمصالحة والحوار السياسي. إلا أن هذه الفرصة لا تزال هشة. وقد أثارت التقارير عن تجدد الاتصالات العسكرية التي تشمل مسؤولين إريتريين وشخصيات عسكرية سابقة في جبهة تحرير شعب تيغراي داخل تيغراي مخاوف من إمكانية تحول الخلافات السياسية مرة أخرى إلى حسابات عسكرية. في ظل التوترات التي تشمل إثيوبيا وإريتريا ومصر والجماعات المسلحة في المنطقة، تُنذر هذه التطورات بتحويل التحديات السياسية الداخلية لإثيوبيا إلى مواجهة إقليمية أوسع. لا يقتصر القلق الرئيسي على تحديد الجهات السياسية التي قد تستفيد من تجديد التحالفات، بل يتعداه إلى تحديد من سيتحمل عواقبها إذا ما أدت إلى صراع آخر. بالنسبة لشعب تيغراي، ولا سيما شبابه، فإن الإجابة مألوفة ومؤلمة. التدخل العسكري الأجنبي من أكثر القضايا إثارة للقلق التقارير التي تفيد بتواصل مسؤولين عسكريين إريتريين مع شخصيات عسكرية محظورة من جبهة تحرير شعب تيغراي داخل تيغراي. وقد أثارت التقارير عن اجتماعات جمعت قادة من إريتريين وفصائل من جبهة تحرير شعب تيغراي على الأراضي الإثيوبية تساؤلات حول الغرض من هذه الاتصالات، ومدى شرعيتها، وتداعياتها. إذا تأكدت هذه التقارير، فإن وجود مسؤولين عسكريين أجانب داخل الأراضي الإثيوبية دون إذن من الحكومة الفيدرالية سيثير تساؤلات جدية حول السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية. تيغراي ولاية إقليمية متكاملة مع إثيوبيا، ولا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لحسابات عسكرية خارجية أو تنافس جيوسياسي. التوقيت مهم أيضاً. فشمال إثيوبيا بحاجة إلى إعادة الإعمار، والتعافي الاقتصادي، والمصالحة، والاستقرار السياسي. يُهدد تجدد التدخل العسكري بتحويل الأنظار والموارد بعيدًا عن هذه الأولويات، فضلًا عن خلق مناخ يُشجع على عودة انعدام الثقة والتعبئة. لطالما أعربت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية وشعبها عن رغبتهم في تجنب حرب أخرى، بما في ذلك أي مواجهة جديدة مع إريتريا. ويتطلب الحفاظ على هذا التوازن من جميع الأطراف تجنب أي خطوات قد تُؤدي إلى نشوء وقائع على الأرض، وتحويل التوترات السياسية تدريجيًا إلى مواجهة عسكرية. تاريخ النظام الإريتري في المواجهات الإقليمية تُدرس المخاوف الحالية أيضًا في ضوء تاريخ إريتريا الإقليمي الأوسع. فمنذ انفصالها عن إثيوبيا عام ١٩٩٣، انخرطت أسمرة في سلسلة من النزاعات العسكرية والتوترات الدبلوماسية مع الدول المجاورة. لا تزال حرب الحدود الإثيوبية الإريترية بين عامي ١٩٩٨ و٢٠٠٠ خير مثال على كيفية تصاعد النزاعات السياسية والإقليمية إلى صراع مدمر. فقد قُتل عشرات الآلاف من الأشخاص قبل أن يُنهي اتفاق الجزائر الأعمال العدائية الرئيسية. شكّل التقارب بين أديس أبابا وأسمرة عام ٢٠١٨ تحسّنًا ملحوظًا في العلاقات، وأثار آمالًا بتحقيق تحوّل دائم في العلاقة بين البلدين. مع ذلك، لا تزال المخاوف الأمنية العالقة والمصالح الاستراتيجية المتضاربة تُؤثّر على سياسات المنطقة. كما شهدت إريتريا نزاعات خطيرة وتوترات أمنية مع اليمن وجيبوتي والسودان. ونتيجةً لذلك، اتهم منتقدو أسمرة الحكومة الإريترية بالاعتماد بشكل كبير على الضغط العسكري والتحالفات الاستراتيجية والحسابات الأمنية لتعزيز مصالحها الإقليمية. مهما كانت تفسيرات هذه الأحداث، يُبيّن التاريخ خطورة السماح بتسييس النزاعات الإقليمية. فقد دفع القرن الأفريقي مرارًا وتكرارًا ثمنًا باهظًا عندما تُحسم الخلافات السياسية بالقوة بدلًا من الدبلوماسية المستدامة. خطر السياسة بالوكالة يزيد الوضع الجيوسياسي الأوسع نطاقًا من تعقيد الوضع الراهن. وقد أضاف التنافس الاستراتيجي بين مصر وإثيوبيا، لا سيما حول سد النهضة الإثيوبي الكبير والمصالح المتضاربة في حوض النيل والبحر الأحمر، بُعدًا جديدًا للحسابات الإقليمية. إن أي تحالف بين جهات خارجية وقوى سياسية داخلية حول الانقسامات الداخلية في إثيوبيا قد يُعمّق حالة عدم الاستقرار. كما أن احتمال تقارب المصالح الإقليمية المتنافسة حول جماعات مسلحة أو فصائل سياسية يُنذر بخطر تحويل النزاعات الداخلية إلى مواجهة بالوكالة. لذا، فإن الشبكة التي يُشاع أنها تضم جبهة تحرير شعب تيغراي وإريتريا وقوات متحالفة مع فانو وجهات خارجية مثل مصر تُثير قلقًا بالغًا. فالتحالف الذي يُشار إليه أحيانًا باسم "تسيمدو" قد يُحوّل، في حال تطوره إلى ترتيب سياسي أو عسكري مُنسق، إقليم تيغراي في إثيوبيا والمناطق المجاورة إلى ساحة لتنافس المصالح الاستراتيجية. قد تُوفر مثل هذه الترتيبات مزايا تكتيكية قصيرة الأجل لجهات فاعلة مُحددة. لكن التحالفات المُشكّلة حول خصم مشترك قد تكون بطبيعتها غير مستقرة. فبمجرد تغير المصالح المباشرة، قد يتحول الشركاء السابقون إلى خصوم، تاركين المدنيين يتحملون تبعات صراعات لم يتسببوا بها. بالنسبة لإريتريا، قد يُعرّض انخراطها الأعمق في الشؤون الداخلية لإثيوبيا شعبها لمواجهة إقليمية أخرى مكلفة. أما بالنسبة للقوى المتحالفة مع فانو، فإن التعاون مع الخصوم السابقين قد يُحوّل المظالم السياسية إلى صراع أوسع نطاقًا ذي أبعاد قومية وعرقية. وبالنسبة للجهات الخارجية، فإن استغلال الانقسامات الداخلية في إثيوبيا لخدمة مصالحها الاستراتيجية قد يُزعزع استقرار منطقة هشة أصلًا. يجب ألا يدفع شعب تيغراي الثمن يكمن الخطر الأكبر في أن يصبح شباب تيغراي مرة أخرى الضحية البشرية لقرارات النخب السياسية والعسكرية. ويكمن جوهر هذا التهديد في نظام إريتريا، الذي لطالما قوّض اعتماده على الوكلاء والمغامرات العسكرية جهود السلام وأجّج عدم الاستقرار في جميع أنحاء القرن الأفريقي. لقد عانى شباب المنطقة بالفعل من العنف والنزوح والصعوبات الاقتصادية وانقطاع التعليم. ولا تزال آلاف العائلات تواجه تبعات صراع عطّل سبل عيشها. لذا، فقد زادت التقارير عن تجدد التجنيد والتعبئة القسرية المزعومة في إقليم تيغراي من قلق الرأي العام. تتطلب هذه الادعاءات تدقيقًا جادًا وشفافية ومساءلة. إن أي محاولة لإعادة بناء الهياكل المسلحة أو حشد الشباب لمواجهة أخرى من شأنها أن تهدد ليس فقط الأمن الفوري، بل مستقبل جيل بأكمله. لا تحتاج تيغراي إلى حملة تعبئة أخرى، بل تحتاج إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومؤسسات وشركات عاملة. يحتاج شبابها إلى فرص للدراسة والعمل وتكوين أسر، بدلًا من وضعهم مرة أخرى في أتون الحرب. لذا، يجب السعي نحو مستقبل تيغراي السياسي من خلال الحوار والعمليات السياسية الشرعية. إن محاولات استعادة النفوذ عبر المواجهة المسلحة من شأنها أن تُعيد تكرار المأساة نفسها التي لا تزال المنطقة تتعافى منها. لن تقتصر المواجهة الإثيوبية الإريترية المتجددة على الحدود بين البلدين، فالقرن الأفريقي مترابط من خلال الأمن والتجارة والهجرة والتحالفات السياسية والمصالح الاستراتيجية. قد تجر حرب أخرى جماعات مسلحة ودولًا مجاورة وقوى خارجية، مما يُنتج أزمة يصعب احتواء تبعاتها الإنسانية والاقتصادية. وقد تُعطل طرق التجارة، وتزيد من النزوح، وتُعمّق انعدام الأمن الغذائي، وتُحوّل الموارد عن التنمية وإعادة الإعمار. بالنسبة لإثيوبيا، يُهدد تجدد الصراع التقدم الاقتصادي ويُحوّل الاهتمام الوطني عن أولويات التنمية الداخلية. أما بالنسبة لإريتريا، فقد تُكبّدها مواجهة أخرى المزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية، لا سيما وأنّها تُعاني أصلاً من عسكرة مُطوّلة. وبالنسبة لتغراي، قد تكون العواقب كارثية، نظراً لعدم اكتمال تعافي المنطقة من آثار الحرب السابقة. والدرس الأوسع واضح: نادراً ما تبقى المواجهة العسكرية تحت سيطرة من يُشعلونها. فبمجرد اندلاع العنف، سرعان ما تتحول الحسابات السياسية إلى كارثة إنسانية. ينبغي على جميع سكان تيغراي النضال من أجل تعزيز السلام والاستقرار في منطقتهم من خلال الحفاظ على اتفاقية بريتوريا للسلام، ورفض دعم قادة جبهة تحرير شعب تيغراي السابقين الذين تحالفوا مع أعداء داخليين وخارجيين لإقحام الشعب في حرب مُدمّرة. أثبتت اتفاقية بريتوريا لوقف إطلاق النار أن حتى أحد أكثر الصراعات تدميراً في القرن الأفريقي يُمكن إنهاؤه عبر المفاوضات. وتتجاوز أهميتها مجرد وقف إطلاق النار. لقد أتاح ذلك فرصة للحوار السياسي والتعافي بعد سنوات من العنف المدمر. لا ينبغي تقويض هذه الفرصة بتجديد الاستعدادات العسكرية. إذا كانت السلطات الإريترية تتواصل مع الجهات الفاعلة السياسية أو العسكرية داخل تيغراي، فإن الشفافية أمرٌ بالغ الأهمية. يجب أن يحترم هذا التواصل سيادة إثيوبيا وأن يُسهم في السلام لا في زعزعة الاستقرار. من جانبها، يجب على الجهات السياسية والعسكرية المتحاربة في جبهة تحرير شعب تيغراي أن تُدرك أن المواجهة المسلحة لا تُقدم حلاً مستداماً للخلافات السياسية. تقع على عاتق الحكومة الإثيوبية أيضاً مسؤولية ضبط النفس مع معالجة المخاوف الأمنية عبر القنوات القانونية والدبلوماسية. في هذا الصدد، بذلت الحكومة الفيدرالية جهوداً كبيرة لإظهار أقصى درجات ضبط النفس على الرغم من تزايد المخاوف الأمنية والاستفزازات المتكررة. إن منع نشوب حرب أخرى يتطلب أكثر من مجرد الاستعداد العسكري؛ فهو يتطلب مشاركة سياسية مستدامة، وبناء الثقة، واستعداداً حقيقياً من جميع الأطراف لحل النزاعات عبر الحوار لا القوة. ينطبق المبدأ نفسه على الجهات الفاعلة الخارجية. ينبغي للقوى الإقليمية والدولية دعم السلام وإعادة الإعمار والحوار بدلاً من تشجيع الانقسامات السياسية التي قد تُؤدي إلى دوامة عنف أخرى. لقد عانى القرن الأفريقي بما فيه الكفاية من الصراعات التي تغذيها انعدام الثقة والتنافس والمغامرات العسكرية. يواجه الإقليم الآن خيارًا صعبًا بين حماية المكاسب الهشة للسلام والسماح للحسابات السياسية بإعادة فتح أحد أكثر خطوط الصدع تدميرًا فيه. يجب ألا تتحول تيغراي إلى ساحة صراع للتنافسات الإقليمية. يجب ألا تصبح الأراضي الإثيوبية مسرحًا للمناورات العسكرية الأجنبية غير المصرح بها. ويجب ألا يُضحى بشباب تيغراي مرة أخرى من أجل طموحات النخب السياسية والعسكرية المتنافسة. تقع المسؤولية على عاتق جميع الأطراف. يجب على إريتريا تجنب أي أعمال تهدد سيادة إثيوبيا أو الاستقرار الإقليمي. وعلى القوى السياسية في إقليم تيغراي السعي لتحقيق أهدافها عبر الوسائل السياسية السلمية. يجب على إثيوبيا الاستمرار في ضبط النفس والدبلوماسية. يجب على القوى الإقليمية والخارجية مقاومة إغراء استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب استراتيجية. ستتجاوز عواقب الفشل بكثير نطاق الفاعلين السياسيين المباشرين. ستفقد العائلات أحباءها مرة أخرى، وستواجه المجتمعات النزوح، وسيتعطل التنمية، وسيرث جيل آخر أعباء الحرب. الخلاصة يقف القرن الأفريقي عند منعطف حاسم. أمام المنطقة فرصة لترسيخ السلام الذي تحقق عبر المفاوضات، أو لتكرار أنماط الماضي المدمرة. بالنسبة لتغراي، ينبغي أن تكون الأولوية للتعافي والمصالحة وإعادة البناء. أما بالنسبة لإثيوبيا وإريتريا، فينبغي أن يكون الهدف هو منع مواجهة أخرى قد تُكبّد كلا الشعبين خسائر فادحة. وعلى الجهات الفاعلة الإقليمية والخارجية أن تتحمل مسؤولية دعم الاستقرار بدلاً من تعميق الانقسامات القائمة. أظهر اتفاق بريتوريا أن الحوار قادر على النجاح حيث تفشل الحرب. لذا، يجب حماية وعده من تجدد العسكرة والمغامرات السياسية. لقد دفع شعب تيغراي ثمناً باهظاً للحرب. لا ينبغي أن يُحدد مستقبلهم بتحالفات عسكرية تُعقد في الخفاء، أو بحسابات جيوسياسية تُجرى بعيداً عن المجتمعات التي ستعاني من عواقبها. الخيار أمام المنطقة في نهاية المطاف بسيط: إما الحفاظ على السلام ومنح جيل فرصة إعادة البناء، أو السماح للمغامرات العسكرية بإعادة فتح صراع لم تعافى جراحه بعد. لا يُمكن للقرن الأفريقي أن يتحمل اتخاذ الخيار الخاطئ.