مقال متميز
أسبوع الحوار والدبلوماسية والامتداد الاستراتيجي في إثيوبيا
Jul 27, 2026 160
  بقلم: هيئة التحرير وكان هذا الأسبوع أسبوعاً للحوار بامتياز. فبينما كان الآلاف من الإثيوبيين من مختلف أنحاء البلاد يتجمعون في أديس أبابا لبدء المداولات حول قضايا شكلت المسار السياسي للبلاد ، كانت إثيوبيا في الوقت ذاته توسع نطاق مشاركتها الدبلوماسية، وتعمق شراكاتها الدولية، وتدفع بمصالحها الاستراتيجية قدماً في الداخل والخارج. وعند النظر إلى مجمل أحداث الأسبوع، نجد أنها رسمت صورة مقنعة لبلد يسعى لتحقيق هدفين متزامنين: بناء توافق وطني أوسع في الداخل، وتوسيع الفرص المتاحة له خارج حدوده. وقد تصدرت أجندة الأسبوع الوطنية وقائع الافتتاح الرسمي لـ "مؤتمر الحوار الوطني" الإثيوبي الذي طال انتظاره؛ وهي عملية يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها نقطة تحول محتملة في التاريخ السياسي للبلاد. الحوار الوطني يفتح فصلاً سياسياً جديداً لا شك أن انطلاق مؤتمر الحوار الوطني كان الحدث الأبرز والأهم خلال الأسبوع. فبعد سنوات من التحضير والمشاورات العامة المكثفة، اجتمع ممثلون عن مجتمعات ووجهات نظر متنوعة لمناقشة قضايا ظلت طويلاً في صلب الخطاب السياسي الإثيوبي. ولم تكتسب هذه العملية أهميتها من القضايا المطروحة للنقاش فحسب، بل أيضاً من المنهجية المتبعة فيها. فبدلاً من السعي لفرض حلول مسبقة الصنع، يهدف الحوار إلى إتاحة المجال لسماع وجهات النظر المتباينة، ومناقشة الخلافات، وتحديد القواسم المشتركة. وبهذا المعنى، يمثل المؤتمر جهداً لترسيخ ثقافة سياسية جديدة؛ ثقافة يحل فيها الحوار محل المواجهة، وتُمنح فيها الأولوية للتشاور على الإكراه، وتُعالَج فيها التحديات الوطنية من خلال المشاركة والتفاعل بدلاً من الانقسام. كما حظيت العملية باهتمام دولي ملحوظ فقد أعربت كايا كالاس، الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، عن ثقتها في أن الحوار الوطني الإثيوبي قد يفضي إلى نتائج ملموسة ويساهم في تعزيز السلام والمصالحة الوطنية. وقد أضفت تصريحاتها ثقلاً دولياً على عملية يعتبرها الكثير من الإثيوبيين واحدة من أهم المبادرات السياسية في تاريخ البلاد الحديث. أما بالنسبة للمشاركين، فإن سقف التوقعات مرتفع؛ إذ يأملون أن يسهم الحوار في تعزيز التماسك الوطني، ومعالجة المظالم القائمة منذ أمد طويل، وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل إثيوبيا. ولا شك أن الطريق المقبل سيكون معقداً، إلا أن بدء العملية بحد ذاته شكل تحولاً مهماً؛ فقد انتقل السعي لإيجاد حلول عبر الحوار من مجرد طموح إلى مسعى وطني فعلي. زخم جديد للعمل الدبلوماسي في الوقت الذي استحوذ فيه "الحوار الوطني" على الاهتمام الداخلي، ظل الحراك الدبلوماسي الإثيوبي نشطاً للغاية. وقد أعرب السفراء المعتمدون لدى إثيوبيا عن ثقتهم في المسار الذي تنتهجه البلاد، وجددوا التزامهم بتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية. وعكست هذه التقييمات اهتماماً دولياً متزايداً بمسار الإصلاح في إثيوبيا وجهودها الرامية إلى توسيع وتنويع شراكاتها العالمية؛ إذ واصلت البلاد توسيع نطاق تواصلها الدبلوماسي ليتجاوز دائرة الشركاء التقليديين. وخلال الأسبوع، تعهدت كل من إثيوبيا وقيرغيزستان بتعميق التعاون في مجالات رئيسية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار وتعزيز العلاقات الثنائية بشكل أوسع. اكتسبت الدبلوماسية الاقتصادية زخماً مماثلاً فقد جمع "حوار الاستثمار بين إثيوبيا والولايات المتحدة" مسؤولين حكوميين ومستثمرين وأطرافاً معنية من القطاع الخاص، وذلك في مسعى لتعزيز العلاقات التجارية وخلق فرص جديدة للتجارة والاستثمار. وفي الوقت نفسه، أكد مسؤولون في وزارة الخارجية على الأهمية المتزايدة لـ "دبلوماسية الأعمال" باعتبارها ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لإثيوبيا. وكانت الرسالة واضحة: إذ بات يُنتظر من العلاقات الدبلوماسية أن تحقق فوائد اقتصادية ملموسة بشكل متزايد. وبالنسبة لإثيوبيا، يعني هذا ربط الشراكات السياسية بفرص الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا والتنمية؛ وهو نهج يكتسب أهمية مركزية متزايدة في تفاعل البلاد مع المجتمع الدولي. المصالح الاستراتيجية تظل في صلب الاهتمام وإلى جانب الحراك الدبلوماسي والاقتصادي، واصلت المصالح الاستراتيجية طويلة الأمد لإثيوبيا تصدر الاهتمام الوطني. وقد برزت مسألة سعي البلاد للحصول على منفذ موثوق ومستدام إلى البحر كقضية رئيسية خلال الأسبوع. وفي هذا السياق، رأى المحلل الجيوسياسي "إلياس أبي" أن فقدان إثيوبيا لمنفذ مباشر على البحر الأحمر كان نتيجة لقرارات اتخذتها سلطات انتقالية افتقرت -من وجهة نظره- إلى الشرعية الدستورية والتفويض الشعبي الواضح. وفي تصريحات لوكالة الأنباء الإثيوبية ، أوضح أن سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري ينبع من مصالح وطنية مشروعة، وليس من طموحات توسعية. كما أشار إلى أن الوصول إلى البحر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتنمية الاقتصادية طويلة الأمد لإثيوبيا، وبالتكامل الإقليمي، وبالمصالح الوطنية. وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة السعي لتحقيق مصالح إثيوبيا من خلال الحوار السلمي، والمنفعة المتبادلة، واحترام القانون الدولي. يعكس هذا النقاش الأهمية المتزايدة للوصول إلى المنافذ البحرية ضمن الاستراتيجية الوطنية الأوسع لإثيوبيا. وبالنسبة لدولة حبيسة (غير ساحلية) يربو عدد سكانها على 130 مليون نسمة، فإن هذه القضية لا تقتصر على الجوانب الجيوسياسية فحسب، بل تمتد لتشمل أبعاداً اقتصادية واستراتيجية، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبل الاندماج الإقليمي للبلاد. **الذكاء الاصطناعي والابتكار يصيغان رؤية إثيوبيا المستقبلية** احتلت التكنولوجيا والابتكار أيضاً مكانة بارزة ومتنامية في أجندة التنمية الإثيوبية. فقد زار رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير، معهد الذكاء الاصطناعي في إثيوبيا، معرباً عن دعمه لجهود البلاد الرامية إلى تسخير الذكاء الاصطناعي لتحسين تقديم الخدمات العامة. وسلطت الزيارة الضوء على الاهتمام الدولي المتزايد بطموحات إثيوبيا في مجال التقنيات الناشئة وأجندتها الأوسع للتحول الرقمي. وتواصل هذا الزخم مع إشادة قادة كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بجامعة الذكاء الاصطناعي في إثيوبيا، واصفين إياها بأنها مؤسسة تمتلك القدرة على أن تصبح محركاً لمستقبل أفريقيا الرقمي. وقد أكدت هذه التطورات على طموح وطني أوسع يتمثل في تجاوز مرحلة استهلاك التكنولوجيا والعمل على تطوير رأس المال البشري والمؤسسات ومنظومات الابتكار اللازمة للمنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي. وبالنسبة لقارة شابة تشهد تحولات متسارعة، قد يثبت تطوير مهارات ومؤسسات الذكاء الاصطناعي أنه عامل حاسم بشكل متزايد؛ ولذا فإن جهود إثيوبيا في هذا المجال تحمل أهمية تتجاوز حدودها الوطنية. **السياحة والصحة العامة تعززان دور إثيوبيا القاري** شهد الأسبوع أيضاً توسعاً في انخراط إثيوبيا في قطاعات تتجاوز مجالات الدبلوماسية التقليدية والتكنولوجيا. فقد أطلقت البلاد حملة للترويج السياحي على مستوى القارة ، سعياً لتعزيز التعاون الإقليمي وترسيخ مكانة إثيوبيا كواحدة من الوجهات السياحية الرائدة في القارة. وجاءت هذه المبادرة في إطار مواصلة إثيوبيا الترويج لمعالمها التاريخية والثقافية والطبيعية الغنية أمام جمهور دولي أوسع. وفي القطاع الصحي، شارك نائب رئيس الوزراء، تيميسجين تيرونه، في القمة الاستثنائية للاتحاد الأفريقي حول الصحة في غانا، حيث أكد مجدداً على دور إثيوبيا الفاعل في التعاون الصحي القاري. كما حظيت البلاد بتقدير إضافي من منظمة الصحة العالمية، التي أشادت بمعهد الصحة العامة الإثيوبي تقديراً لمساهمته في تعزيز الصحة العامة في جميع أنحاء أفريقيا. وقد عكس هذا التقدير الدور المتنامي لإثيوبيا في تعزيز الأمن الصحي القاري ومساهمتها في بناء أنظمة صحية عامة أكثر قوة تتجاوز حدودها الوطنية. دولة تبني التوافق داخلياً وتعزز نفوذها خارجياً أما على الصعيد الخارجي، فقد واصلت البلاد توسيع شراكاتها الدبلوماسية، واقتناص فرص الاستثمار، والترويج للسياحة، وتعزيز التعاون الصحي القاري، وترسيخ مكانتها كمركز صاعد للابتكار الرقمي. لقد مثّل كل تطور من هذه التطورات جانباً مختلفاً من جوانب التحول الوطني في إثيوبيا. غير أنها مجتمعةً، شكلت قصةً أوسع نطاقاً. إذ تسعى إثيوبيا إلى بناء مستقبل يرتكز على الحوار لا الانقسام، وعلى التعاون لا العزلة، وعلى الابتكار لا الركون إلى الوضع الراهن. ولم يعد قياس التحول الذي تشهده البلاد يقتصر على مؤشرات النمو الاقتصادي ومشاريع البنية التحتية والتنمية فحسب، بل بات يشمل أيضاً قوة مؤسساتها، واتساع نطاق شراكاتها الدولية، والثقة التي تتسم بها علاقاتها مع مواطنيها ومع العالم بأسره. وبهذا المعنى، قدم الأسبوع لمحةً معبرة عن إثيوبيا في مرحلة مفصلية؛ فهي تتجه نحو الداخل لبناء التوافق، بينما تتطلع إلى الخارج لتوسيع نطاق حضورها الدبلوماسي والاقتصادي والاستراتيجي. وإذا كانت هناك رسالة واحدة تجمع بين أحداث هذا الأسبوع، فهي أن مستقبل إثيوبيا يُصاغ في آن واحد عبر طاولات الحوار، وفي الأروقة الدبلوماسية، ومن خلال الابتكار التكنولوجي، وعبر المشهدين الأفريقي والعالمي الأوسع.
رحلات هجرة لا تراها الشاشات: إيغاد وأفريقيا تعيدان تعريف الهجرة من اليمن والسودان إلى إثيوبيا
Jul 24, 2026 315
بقلم: تدروس حَبنوم في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع خطوط النار مع أحلام البقاء، وحيث تُرسم خرائط الأوطان بدموع النازحين وعرق الكادحين، تدور فصول قصة عالمية كبرى تُروى بعيداً عن عدسات الإعلام الغربي. قصةٌ لا تبدأ بقوارب مطاطية تغرق في البحر الأبيض المتوسط، بل بحافلات تخترق الحدود، وأقدام تعبر التضاريس الوعرة بحثاً عن ملاذ آمن في حضن القارة الإفريقية ذاتها. بينما تُختزل أزمة الهجرة في الخطاب العالمي في "عقدة الشمال"، تقف دول مثل إثيوبيا، مدعومة بسياسات الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، لتؤسس لمقاربة مختلفة تماماً: الهجرة ليست غزواً يُصدّ، ولا عبئاً يُعزل في مخيمات نائية، بل هي طاقة بشرية وامتداد لأسرة إقليمية واحدة. السردية المفقودة: لغة الأرقام التي تُكذّب الشاشات إذا أردت أن تفهم تعقيدات الهجرة في أفريقيا، عليك أولاً أن تتخلص من الصور النمطية. تُشير البيانات الموثقة الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة في 2019 والاتحاد الأفريقي إلى حقيقة تُغيّبها السردية العالمية عمداً: أكثر من 80% من المهاجرين والنازحين الأفارقة لا يغادرون قارتهم، بل يتنقلون بين دول الجوار.   في منطقة القرن الأفريقي، تتداخل عوامل الطرد لتصنع مشهداً بالغ التعقيد. وفقاً لأحدث قراءات مركز إيغاد للتنبؤات المناخية وتطبيقاته، فإن التغيرات المناخية الحادة، من موجات الجفاف القاسية التي تضرب مساحات شاسعة، إلى الفيضانات المدمرة، لم تعد تعمل بمعزل عن الصراعات المسلحة. هذا "النزوح المزدوج" (المناخي والأمني) دفع بملايين البشر نحو الممرات الحدودية. هنا، تبرز إثيوبيا كمركز استقطاب وعبور حيوي؛ حيث تترابط جغرافياً وديموغرافياً مع شبكة معقدة تشمل جيبوتي، الصومال، كينيا، والسودان. هذا الترابط الإقليمي يحتم الانتقال من عقلية "إدارة الأزمات المؤقتة" إلى استراتيجية "التكامل الإقليمي وحرية الحركة"، وهو بالضبط ما تقوده "إيغاد" اليوم. حينما يتحدث الوجع: الوطن ليس مكاناً بل أسلوب حياة خلف هذه الإحصائيات الجافة، تنبض قلوب مثقلة بالحنين وعامرة بالأمل. في أزقة أديس أبابا، حيث تتشابك اللغات وتتعدد السحنات، تلتقي مسارات الهجرة هرباً من الموت. ابتسام خالد، سيدة يمنية حملت معها ذكريات وطن مزقته الحرب، ووصلت إلى إثيوبيا في عام 2011. لم تكن تحمل سوى إرادتها في مجتمع لا تتحدث لغته. لكنها لم تجد جدراناً عازلة، بل أذرعاً مفتوحة. بنبرة يملؤها الدفء، تختزل ابتسام تجربتها قائلة: "كيف أصف لك إثيوبيا؟ هل تستطيع أن تصف والدتك؟ إن استطعت، فهكذا تكون إثيوبيا بالنسبة لي... لا أستطيع أن أصفها بالكلمات. نحن لا نشعر بأننا مطالبون برد الجميل فقط، بل نرى هذا المكان وطناً لنا، ولا أشعر فيه بأنني ضيفة أو غريبة."   وعلى الجانب الآخر من المدينة، يحمل سالم إسماعيل ابن ولاية شمال كردفان السودانية، جرحاً أحدث. ظل سالم صامداً في الخرطوم لعام كامل تحت نيران حرب السودان التي اندلعت في 15 من أبريل 2023 ، قبل أن يُجبر على الرحيل، تاركاً خلفه أسرة تشتتت بين أم درمان وإثيوبيا ومصر والسعودية. بعينين تلخصان مأساة جيل كامل، يقول سالم: "مهما شعر الإنسان بالراحة في بلد آخر، فلن يعوضه شيء عن إحساسه بالانتماء إلى وطنه. فالوطن ليس مجرد مكان، بل هو أسلوب حياة كامل. وهنا في إثيوبيا، حظينا بحسن ضيافة استثنائي، وتنقلنا بحرية. صدق رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد حين قال إن السودانيين ليسوا أجانب، بل جزء من الأسرة. لقد لمسنا ذلك واقعاً." هذه الأصوات ليست مجرد شهادات عابرة؛ إنها دليل حي على أن "الدمج الاجتماعي" يبدأ من التقبل الشعبي قبل أن يُكتب في المواثيق الرسمية.   مبادرة ماكاتيت: من الخيام إلى المجتمعات المستدامة والترحيب الشعبي وحده ايضا لا يكفي لبناء حياة مستقرة؛ بل يتطلب تدخلاً حكومياً جِذرياً يكسر قيود اللجوء التقليدية. وهنا، ضربت إثيوبيا موعداً مع التاريخ بإطلاقها خارطة طريق ماكاتيت. في متحف النصب التذكاري لانتصار عَدْوَا – وهو مكان يحمل رمزية عميقة للتحرر الأفريقي – وفي 18 من يونيو 2026 أُعلنت هذه الاستراتيجية الوطنية. إنها ليست مجرد خطة إغاثية، بل هي إعلان وفاة لنموذج مخيمات العزل. تهدف الخارطة إلى دمج اللاجئين بشكل كامل في الأنظمة الوطنية للتعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية.   طيبة حسن، المديرة العامة لهيئة شؤون اللاجئين والعائدين، وقفت لتؤكد أن المبادرة "تمثل انتقالاً حاسماً يتجاوز سياسات الإيواء التقليدية، لتتيح للاجئين والمجتمعات المحلية الازدهار معاً". مثل هذا التحول الجريء منح المهاجرين ، مثل ابتسام، أجنحة للتحليق. تشرح ابتسام كيف غيرت الإصلاحات الحكومية في اثيوبيا حياتها: "في السابق لم يكن يُسمح للاجئين بالعمل. اليوم، تحسنت القوانين، أصبح لدي تصريح عمل قانوني، افتتحت مشروعي الخاص، بل وأسست جمعية خيرية أصبحت مديرتها. ليس كل لاجئ منتظراً للدعم؛ نحن قادرون على العطاء." الصدى الدولي لهذه السياسة كان مدوياً. المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهام صالح، أشاد بالتقاليد الإثيوبية الراسخة في حماية الفارين من الاضطهاد، بينما أكدت ليراتو دوروثي ماتابوغي، مفوضة الاتحاد الأفريقي للبنية التحتية والطاقة، أن المبادرة الإثيوبية "تُطرح باستمرار كنموذج يُحتذى به لتحويل التزامات إدماج اللاجئين في أفريقيا إلى إجراءات ملموسة." الحل الجذري: بروتوكولات إيغاد والتكامل الإقليمي لا تعمل خارطة ماكاتيت في فراغ سياسي، بل هي الترجمة الوطنية لأهداف إقليمية أوسع ترعاها منظمة إيغاد. من خلال "بروتوكول إيغاد لحرية حركة الأشخاص"، تسعى دول المنطقة إلى تحطيم الحدود الوهمية التي تعيق التنمية. وفي هذا السياق، وتأكيداً على هذا التحول الاستراتيجي، أشار الدكتور ورقنه غبييهو، السكرتير التنفيذي لمنظمة إيغاد، في بيان رسمـي صدر بتاريخ 2 يوليو 2023 (عبر مبادرة قطار إيغاد للتكامل الإقليمي كتعاون مشترك بين إثيوبيا وجيبوتي تحت قيادة إيغاد): "إننا في إيغاد نرى في مبادرات الإدماج الوطني تجسيداً حياً لرؤيتنا الإقليمية. الهجرة والتنقل البشري ليسا تهديداً، بل هما محركان أساسيان للتكامل الاقتصادي والاجتماعي في القرن الأفريقي. بروتوكول حرية حركة الأشخاص الذي نتبناه يهدف إلى تحويل التحديات والنزوح إلى فرص حقيقية تضمن كرامة الإنسان وتدعم اقتصادات دولنا."   وتعزيزاً لهذا التوجه، توضح إدارة الصحة والتنمية الاجتماعية في إيغاد من خلال تقاريرها وبرامجها المعتمدة أن الانتقال من سياسة المخيمات المغلقة إلى الإدماج الشامل يعكس نضجاً في التعاطي مع قضايا النزوح، مؤكدة أن جهود المنظمة تتركز على دعم الدول الأعضاء لتوحيد السياسات التي تضمن للمهاجرين واللاجئين حق الوصول إلى الخدمات الأساسية وسوق العمل، مما يسهم في تحقيق استدامة حقيقية. هذا المنطق الاستراتيجي لإيغاد ينطلق من حقيقة اقتصادية: الهجرة الآمنة والنظامية وحرية تنقل العمالة هي محركات للنمو، وليست تهديداً أمنياً. هذا التوجه ينسجم تماماً مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 التي تطمح لبناء أفريقيا متكاملة ومزدهرة وشاملة لا تُقصي أحداً. يؤمن سالم بهذا الحلم القاري بشدة، موجهاً رسالة للقادة الأفارقة: "ما تحتاج إليه أفريقيا حقاً هو وحدة حقيقية، سياسات موحدة، وربما جواز سفر وعملة موحدة. الجيل الجديد من القادة يمتلك الرؤية للنهوض بالقارة بدلاً من ترك مواردنا ليجني الآخرون ثمارها." فجوات الواقع وتحديات الاستدامة رغم ريادة الإطار القانوني والسياسي، تفرض قسوة الواقع الاقتصادي تحديات لا يمكن تجاهلها. حرية الحركة تحتاج إلى فرص عمل تستوعبها. يضع سالم يده على الجرح بشفافية تامة، مشيراً إلى أن الإعفاءات الحكومية الإثيوبية من رسوم الإقامة للسودانيين (التي امتدت لتسعة أشهر) كانت طوق نجاة.. ويضيف بحسرة: "في الوقت الراهن، ما بين 30% إلى 35% فقط من السودانيين قادرون على إعالة أنفسهم، بينما يعتمد الباقون على المساعدات أو التكافل. " هنا تبرز الحاجة الماسة إلى: تفعيل بنود بروتوكول "إيغاد" لحرية الحركة بشكل كامل، بحيث يصبح تنقل العمالة المتضررة من النزاعات رافداً لاقتصادات دول الجوار وليس عبئاً عليها. توسيع نطاق برامج التمويل الأصغر المدعومة من "إيغاد" لتشمل مشاريع ريادة الأعمال للمهاجرين والمجتمعات المستضيفة، لرفع نسبة الاعتماد على الذات. برامج التأهيل اللغوي والمهني: لتسريع اندماج الوافدين الجدد في سوق العمل المحلي، كما فعلت ابتسام التي أتقنت وأبناؤها اللغة الأمهرية. ضرورة التوصل إلى صيغ إقليمية دائمة لمعالجة الرسوم الإدارية للإقامة وتوحيد وثائق السفر، لتخفيف العبء عن الأسر بعد انقضاء فترات السماح الأولية. تفعيل وثائق السفر الإقليمية الموحدة: لضمان سلاسة حركة رؤوس الأموال والعمالة بين دول الجوار. رسالة من القرن الأفريقي إلى العالم إن قصة الهجرة في إثيوبيا والقرن الأفريقي اليوم هي بمثابة مختبر حي لمستقبل الإنسانية. إنها تثبت أن الأسلاك الشائكة والحدود المغلقة لا تصنع استقراراً، بل إن التمكين، والدمج، والاعتراف بإنسانية الآخر هو طوق النجاة الوحيد. حينما تفتح دولة مسارات التعليم والعمل أمام لاجئ قادم من تحت الركام، فهي لا تقدم صدقة، بل تستثمر في اقتصادها وأمنها الإقليمي. وبينما لا يزال العالم يتجادل حول كيفية إيقاف المهاجرين، تقدم أفريقيا، من خلال تشريعاتها ومجتمعاتها المتسامحة، درساً بليغاً: لا يمكن بناء أوطان آمنة إلا عبر فتح الأبواب للباحثين عن الحياة. ومثل ابتسام التي وجدت في أديس أبابا وطناً واحتضاناً، وسالم الذي يحمل أملاً لا ينضب بالعودة ووحدة القارة، هناك الملايين من القصص المشابهة لأشخاص عَبَروا جحيم الحروب والمناخ ليصنعوا في رحاب منظمة إيغاد بداية جديدة؛ قصص تؤكد أن الإنسان الأفريقي حين يجد البيئة الحاضنة، يتحول من ضحية للأزمات إلى صانع حقيقي لمستقبل قارته.
سيناريو القاهرة الفاشل: الدعاية لا تستطيع إيقاف صعود إثيوبيا
Jul 22, 2026 639
بقلم: جبريل لامو على مدى أجيال، عملت المؤسسة السياسية المصرية وفق افتراض خطير أصبح متجاوزًا بشكل متزايد؛ وهو أن الحفاظ على أمن المياه في دول المصب لا يمكن تحقيقه إلا عبر إبقاء دول المنبع ضعيفة، فقيرة، ومتخلفة عن التنمية. ذلك المنطق الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية بدأ الآن في الانهيار. ومع تقدم إثيوبيا نحو مزيد من الاعتماد الاقتصادي على الذات، والسيادة في مجال الطاقة، وترسيخ مؤسساتها الديمقراطية، وتعزيز الترابط الإقليمي، لا تزال بعض وسائل الإعلام المصرية المدعومة من الدولة وأجهزة الاتصال الرسمية تعيد إنتاج النهج القديم ذاته؛ نهج قائم على التخويف، والتضليل، والضغط الدبلوماسي، والتدخل السياسي. الأهداف واضحة. فقد تم تصوير سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره تهديدًا وجوديًا. كما جرى التقليل من أهمية الحوار الوطني الإثيوبي أو محاولة نزع الشرعية عنه. وتم تقديم مساعي إثيوبيا المشروعة لتعزيز الترابط الإقليمي وضمان الوصول الآمن إلى البحر الأحمر باعتبارها طموحات مزعزعة للاستقرار. وفي الوقت ذاته، تواصل القاهرة حشد شبكاتها الدبلوماسية والإعلامية بهدف تقييد الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا. والرسالة الكامنة وراء هذه الحملات أصبحت واضحة بشكل متزايد: يجب احتواء صعود إثيوبيا. لكن إثيوبيا لم تعد الدولة التي يمكن للقوى الخارجية عزلها أو ترهيبها أو رسم صورتها نيابة عنها. إن التركيز المتواصل على الشؤون الداخلية لإثيوبيا يبدو بصورة متزايدة أقل ارتباطًا بقلق حقيقي على الاستقرار الإقليمي، وأكثر ارتباطًا بمحاولة محسوبة لتحويل الأنظار عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة داخل مصر نفسها. فبدلًا من مواجهة التحديات الهيكلية التي تواجه مجتمعها، تواصل المؤسسة السياسية المصرية وسلطاتها إيجاد فائدة سياسية في تقديم إثيوبيا باعتبارها تهديدًا خارجيًا مناسبًا. قد تحقق هذه الاستراتيجية عناوين إعلامية مؤقتة، لكنها لا تستطيع إيقاف حركة التاريخ.   سد النهضة وسياسة الخوف في قلب الحملة المصرية يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي صورته الروايات السياسية والإعلامية المصرية مرارًا باعتباره عملًا أحادي الجانب وعدوانيًا. هذه الادعاءات تختزل بصورة متعمدة قضية مائية عابرة للحدود ومعقدة إلى مجرد سياسة قائمة على الخوف. إن حوض أبّاي (النيل) ليس ملكية سياسية تخص دولة واحدة. إنه نظام جغرافي مشترك يجب أن يُبنى مستقبله على أساس التعاون، والعلم، والاستخدام العادل للموارد المشتركة. لقد أكدت إثيوبيا باستمرار أن التنمية والأمن المائي ليسا أمرين متعارضين. فالقضية الأساسية ليست ما إذا كان ينبغي لدولة واحدة أن تسيطر على أبّاي، بل ما إذا كانت دول الحوض قادرة على تجاوز المفاهيم القديمة القائمة على الامتيازات الحصرية، وبناء إطار يخدم جميع الدول المشاطئة. يمثل سد النهضة تعبيرًا عن إصرار إثيوبيا على تجاوز فقر الطاقة وتحقيق إمكاناتها الاقتصادية. فبالنسبة لدولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، وتواجه احتياجات تنموية واسعة وتمتلك إمكانات ضخمة في مجال الطاقة الكهرومائية، فإن السعي إلى توفير الكهرباء ليس عملًا عدائيًا، بل ضرورة وطنية. كما أن النقاش الهيدرولوجي الأوسع يتطلب حوارًا أكثر عمقًا وتعقيدًا من الخطاب الذي تقدمه الدعاية السياسية. فإدارة المياه في حوض النيل ترتبط بعوامل متعددة تشمل معدلات هطول الأمطار، والتبخر، وحماية الأحواض المائية، وإدارة الخزانات، والاستخدام الزراعي، والاستدامة البيئية طويلة الأمد. إن التعامل مع النهر باعتباره أداة صفرية للسيطرة الجيوسياسية لا يخدم العلم ولا شعوب الحوض. بل إن المرتفعات الإثيوبية تلعب دورًا حاسمًا في النظام المائي الأوسع لأبّاي. فحماية هذه النظم البيئية واستعادتها ليست مجرد قضية إثيوبية داخلية، بل هي ضرورة لصحة الحوض بأكمله على المدى الطويل.   إثيوبيا تستثمر في مستقبل الحوض في الوقت الذي تستمر فيه الروايات السياسية في تصوير إثيوبيا كتهديد، تستثمر إثيوبيا في الأسس البيئية التي ستدعم مستقبلها. ومن خلال مبادرة البصمة الخضراء، أطلقت البلاد واحدة من أكثر حملات الاستعادة البيئية طموحًا في أفريقيا. وركزت المبادرة على إعادة التشجير، وتأهيل الأحواض المائية، والحفاظ على التربة، واستعادة الأراضي المتدهورة في مختلف أنحاء البلاد. وترتبط هذه الجهود بشكل مباشر بالصحة طويلة الأمد للأنهار والأحواض المائية الإثيوبية. فالنظم البيئية السليمة تعزز احتفاظ التربة بالمياه، وتدعم تغذية المياه الجوفية، وتحد من التعرية، وتقوي قدرة الأراضي على الصمود، وهي أراضٍ يعتمد عليها ملايين الأشخاص. هذه هي الحقيقة التي غالبًا ما تتجاهلها الدعاية الجيوسياسية. وتواجه دول حوض النيل، ولا سيما دول المصب، خيارًا واضحًا. فإما أن تواصل ضخ الموارد في الاستعراضات العسكرية، والمواجهات الدبلوماسية، والحملات الإعلامية العدائية، أو أن تستثمر في التعاون، والاستعادة البيئية، والإدارة العلمية للمياه، والتنمية المشتركة. المسار الأول يعمق حالة انعدام الأمن. أما المسار الثاني فيفتح إمكانية تحقيق ازدهار مستدام.   إثيوبيا ذات السيادة لم تعد قابلة للعزل إن تحول إثيوبيا لا يقتصر على قضية أبّاي. فالدولة الإثيوبية تمثل قوة أفريقية كبرى، يبلغ عدد سكانها أكثر من 130 مليون نسمة، وتمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وإمكانات اقتصادية كبيرة، وإرادة متزايدة لتحديد مستقبلها بنفسها. ولعقود طويلة، جرى التعامل مع الظروف الجغرافية لإثيوبيا باعتبارها قيدًا استراتيجيًا دائمًا. فقد ساهم غياب منفذ بحري مباشر في زيادة هشاشتها الاقتصادية، وعزز نمطًا أوسع من العزلة الإقليمية. لكن هذه الحقيقة التاريخية آخذة في التغير. إن سعي إثيوبيا إلى ضمان وصول آمن وموثوق إلى البحر الأحمر ليس عملًا عدائيًا تجاه جيرانها. بل هو ضرورة استراتيجية نابعة من الجغرافيا، والحاجة الاقتصادية، ومتطلبات التنمية الوطنية. فدولة بحجم وأهمية إثيوبيا لا يمكن أن يُتوقع منها أن تبقى معتمدة بشكل دائم على ترتيبات خارجية فيما يتعلق بتجارتها الدولية وترابطها الاستراتيجي. لقد انتهى العصر الذي كان يمكن فيه مطالبة إثيوبيا بقبول العزلة باعتبارها واقعًا دائمًا. لقد اتبعت إثيوبيا، وبصبر، مسار الحوار والحلول التفاوضية. لكن الحوار لا يمكن أن يعني الإبقاء الدائم على اختلالات تاريخية، كما لا يمكن اختزال المفاوضات في مطالب تُجبر إثيوبيا على التخلي عن مصالحها السيادية. وعلى المنطقة في نهاية المطاف أن تدرك حقيقة بسيطة: إن إثيوبيا المزدهرة والمتصلة إقليميًا ليست تهديدًا للقرن الأفريقي، بل يمكن أن تصبح أحد أكبر محركات النمو في المنطقة. الحوار الوطني الإثيوبي سيحدده الإثيوبيون ينطبق المبدأ ذاته على الشؤون السياسية الداخلية في إثيوبيا. إن محاولات بعض المعلقين الأجانب والجهات الإقليمية التقليل من شأن الحوار الوطني الإثيوبي واعتباره مجرد مسرحية سياسية تكشف عن سوء فهم جوهري لطبيعة المسار السياسي الذي تمر به البلاد. إن تحديات إثيوبيا حقيقية. وخلافاتها السياسية معقدة. وتاريخها يحمل العديد من التفسيرات المتباينة. لكن مسؤولية معالجة هذه القضايا تقع أولًا وقبل كل شيء على عاتق الإثيوبيين أنفسهم. ويمثل الحوار الوطني محاولة لإنشاء منصة مؤسسية تتيح مناقشة ومعالجة مختلف المظالم السياسية والاجتماعية والتاريخية بين مختلف الأطراف. إنه ليس مشروعًا يحتاج إلى موافقة خارجية.   لن يتم تصميم مستقبل إثيوبيا السياسي في القاهرة أو واشنطن أو أي عاصمة أجنبية أخرى. كما أنه لن تحدده الحملات الإعلامية، أو الضغوط بالوكالة، أو المحاولات الخارجية لاستغلال الانقسامات الداخلية. قد تكون المؤسسات الديمقراطية في إثيوبيا لا تزال في مرحلة التطور، كما هو الحال في العديد من الدول حول العالم. لكن مستقبل إثيوبيا السياسي يجب أن يُناقش ويُحدد في نهاية المطاف بواسطة الإثيوبيين أنفسهم، وأن يتشكل وفقًا لمصالح الشعب الإثيوبي. لا يمكن إبقاء حوض أبّاي (النيل) رهينة للصراعات التاريخية ترتبط دول حوض النيل ببعضها البعض بحكم الجغرافيا. ولذلك فإن مصائرها مترابطة. فإما أن تتعاون هذه الدول لبناء مستقبل قائم على الازدهار المشترك، أو أن تبقى عالقة في دائرة من الشكوك، والمواجهات، والتنافس الجيوسياسي. لقد أكدت إثيوبيا مرارًا التزامها بالاستخدام العادل والمعقول للموارد المائية المشتركة. لكن الاستخدام العادل لا يمكن أن يعني الحفاظ على امتيازات الماضي. كما أن التعاون لا يمكن أن يعني احتفاظ دولة واحدة بحق النقض على تطلعات دولة أخرى في التنمية. فالنيل ليس ملكية خاصة لأي دولة واحدة. ويجب أن يُبنى مستقبل الحوض على أساس التعاون، والاحترام المتبادل، والأدلة العلمية، والاعتراف بحقوق التنمية المشروعة لجميع الدول المشاطئة. لن تقبل إثيوبيا بنظام إقليمي تكون فيه تنميتها خاضعة بشكل دائم للمخاوف السياسية لدولة أخرى. كما أنها لن تقبل فكرة أن يبقى شعبها فقيرًا حتى يشعر الآخرون بالأمان. النهج القديم يفشل إن الاستراتيجية المألوفة لدى القاهرة — تسييس التنمية الإثيوبية، وتدويل تحدياتها الداخلية، وإثارة المخاوف حول سد النهضة، وعرقلة طموحات إثيوبيا الإقليمية — ربما كانت فعالة في حقبة سابقة. لكنها تفشل بشكل متزايد اليوم. إثيوبيا تتغير. اقتصادها يتوسع. بنيتها التحتية تنمو. طموحاتها البيئية تتزايد. علاقاتها الدبلوماسية تتسع. وشعبها يطالب بمزيد من الازدهار، ومؤسسات أقوى، ودور أكثر تأثيرًا في الشؤون الإقليمية والدولية. ولا تستطيع أي حملة إعلامية أن تعكس هذا المسار بشكل دائم. وبالتالي فإن الخيار المطروح أمام مصر ليس ما إذا كانت إثيوبيا ستتطور أم لا. فإثيوبيا ستتطور. الخيار الحقيقي هو ما إذا كانت مصر ستواصل النظر إلى صعود إثيوبيا باعتباره تهديدًا، أم ستدرك أن إثيوبيا المستقرة، والمزدهرة، والآمنة في مجال الطاقة، والمتصلة اقتصاديًا، يمكن أن تصبح شريكًا في بناء حوض نيل أقوى وقرن أفريقي أكثر ازدهارًا. إن عصر الاحتواء يقترب من نهايته. وعصر السيادة الإثيوبية يتقدم. ولا يمكن لأي قدر من الدعاية أن يوقف أمة مصممة على صياغة مستقبلها بيدها.
سوء التقديرات الاستراتيجية في حوض أباي: لماذا ستفشل استراتيجية عزل مصر لإثيوبيا حتماً؟
Jul 22, 2026 398
بقلم: أيلي ييمر – لصالح POA لأكثر من قرن من الزمن، عملت الدبلوماسية المائية في حوض نهر أباي ضمن نظام غير متكافئ قائم على واقع جيوسياسي موروث من الحقبة الاستعمارية. فقد جرى بناء هذا الوضع على أساس اتفاقيتي عامي 1929 و1959، اللتين أُبرمتا دون مشاركة إثيوبيا أو موافقتها، رغم أن أراضيها تُسهم بأكثر من 85% من إجمالي تدفق مياه نهر أباي. وقد منحت تلك الاتفاقيات التاريخية كامل السيطرة على تدفقات النهر لدول المصب، كما كرّست لمصر تحديداً حق الاعتراض الكامل على أي مشروعات تنموية مائية في دول المنبع. عندما أعلنت إثيوبيا رسمياً عام 2011 بدء بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، تعامل صانعو القرار في القاهرة في البداية مع المشروع باعتباره مجرد استعراض سياسي لا أكثر. فقد استند التقدير السائد في مصر آنذاك إلى أن إثيوبيا، نظراً لقيودها الاقتصادية الحادة، والتحديات الأمنية الداخلية، وضعف بنيتها التكنولوجية، لن تكون قادرة بأي حال من الأحوال على تنفيذ مشروع ضخم تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار بمفردها. اعتمدت الثقة المصرية المبكرة بدرجة كبيرة على افتراض أن النفوذ الدبلوماسي المصري قادر على قطع الطريق بصورة دائمة أمام حصول إثيوبيا على التمويل من الأسواق المالية الدولية. وبالفعل، ومن خلال جهود ضغط مستمرة داخل المؤسسات المالية متعددة الأطراف، والبنوك التنموية الدولية، والأسواق الرأسمالية الغربية، جرى بصورة منهجية منع حصول أديس أبابا على القروض الخارجية أو التمويل الثنائي اللازم لبناء السد. غير أن هذا الفيتو الدبلوماسي أنتج نتيجة لم تكن القاهرة تتوقعها؛ إذ أدى إلى تعبئة وطنية واسعة لا يمكن كسرها. وبعد إدراك أن أي دعم مالي خارجي لن يكون متاحاً، تبنت الدولة الإثيوبية والمجتمع الإثيوبي بأكمله مبدأ الاعتماد الكامل على الذات. فمن المزارعين في المناطق الريفية الذين اشتروا سندات صغيرة لتمويل المشروع، إلى العمال في المدن الذين ساهموا بجزء من رواتبهم الشهرية، إضافة إلى الحملات الواسعة التي قادتها الجالية الإثيوبية حول العالم، تم تمويل مشروع الـ5 مليارات دولار بالكامل من خلال التضحيات المحلية. وبذلك، تطور سد النهضة بسرعة ليتجاوز كونه مجرد منشأة لإنتاج الطاقة الكهرومائية. فقد تحول إلى رمز مركزي للسيادة الوطنية، والوحدة الداخلية، وحق إثيوبيا في تقرير مسارها التنموي الحديث، حتى أصبح يُوصف كثيراً في الخطاب الوطني الإثيوبي بأنه "عدوا الثانية"، في إشارة إلى الانتصار التاريخي لإثيوبيا على محاولات الهيمنة والتدخل الخارجي. من الإكراه إلى التطويق: المراحل الثلاث لمعارضة سد النهضة مع استمرار تقدم بناء السد اعتماداً على الموارد المحلية الخالصة، تطورت السياسة المصرية عبر ثلاث مراحل رئيسية هدفت إلى وقف المشروع أو تحييده: أولاً: الإكراه المباشر والحصار المالي (2011–2015) اتسمت المرحلة الأولى بالمواقف العلنية الحادة، والتحركات غير المعلنة، والتهديدات باستخدام وسائل الضغط القسري. ففي عام 2013، بُث اجتماع تلفزيوني شهير شارك فيه عدد من كبار الشخصيات السياسية المصرية على الهواء مباشرة، حيث ناقش المشاركون بشكل علني خيارات تتعلق بالتخريب العسكري، والعمليات الاستخباراتية السرية، وتمويل جماعات معارضة مسلحة داخل إثيوبيا. استند هذا النهج التصعيدي إلى اعتقاد أساسي مفاده أن حرمان إثيوبيا من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية سيجبر أديس أبابا في نهاية المطاف على التخلي عن استكمال المشروع. لكن هذا الحساب الاستراتيجي لم يأخذ في الاعتبار قدرة الدولة الإثيوبية والمجتمع الإثيوبي على تعبئة الموارد داخلياً، وتحويل التحدي الخارجي إلى قضية وطنية جامعة. ثانياً: عرقلة المفاوضات والمطالب القانونية (2015–2021) مع تسارع وتيرة البناء على أرض الواقع، انتقلت القاهرة إلى استراتيجية تعتمد على إطالة أمد المفاوضات وعرقلة التوصل إلى اتفاق. ومن خلال مسار المفاوضات الثلاثية الممتد بين إثيوبيا والسودان ومصر، أصرت القاهرة على تثبيت حصص مائية تاريخية تعكس ترتيبات الحقبة الاستعمارية. وتحت شعار الحاجة إلى "إطار قانوني ملزم لتشغيل السد"، سعت مصر إلى الحفاظ على حق دائم في الاعتراض على أي مشروعات تنموية مستقبلية في دول المنبع، مع تحميل إثيوبيا وحدها تبعات فترات الجفاف الطبيعية وتقلبات الموارد المائية. ثالثاً: التطويق الإقليمي والعزل الدبلوماسي (2021–حتى الوقت الراهن) مع اكتمال البناء المادي لسد النهضة وترسخ واقع جديد أصبح من الصعب تغييره، أعادت مصر توجيه استراتيجيتها نحو محيط إثيوبيا الإقليمي، ولا سيما دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي. وبعد فشل أدوات التدخل المباشر، والضغوط القانونية، ومحاولات فرض حق النقض التاريخي، بدأت القاهرة في بناء شبكة من التحالفات الثنائية، واتفاقيات التعاون الدفاعي، والممرات الاقتصادية بهدف تطويق إثيوبيا دبلوماسياً. وبالتزامن مع ذلك، أطلقت القاهرة حملة واسعة في مجال الخطاب السياسي والإعلامي، سعت من خلالها إلى تصوير عمليات تشغيل السد الكهرومائي الاعتيادية، التي لا تستهلك المياه، على أنها "إجراءات أحادية الجانب" وانتهاكات للقانون الدولي. كما تكررت التصريحات الرسمية التي اتهمت إثيوبيا بالتسبب في تقلبات مائية تؤثر على دول المصب. وللتقليل من أهمية الإنجاز الوطني الإثيوبي، انتشرت روايات من جهات خارجية تزعم أن سد النهضة يعتمد على تمويل جيوسياسي أجنبي، وهي ادعاءات رفضتها القيادة الإثيوبية بشكل قاطع، كما نفاها الرئيس التنفيذي لشركة WeBuild الإيطالية، بيترو ساليني، الذي أكد أن المشروع تم تمويله بنسبة 100% من الشعب الإثيوبي. ورغم التوغلات المسلحة بالقرب من محيط المشروع، والتحديات القانونية، والضغوط الدبلوماسية المكثفة، واصلت إثيوبيا أعمال البناء دون توقف. واليوم يقف سد النهضة مكتملاً باعتباره أكبر منشأة لإنتاج الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، بقدرة إنتاجية مركبة تتجاوز 5150 ميغاواط، وقد صُمم حصرياً لإنتاج الطاقة النظيفة دون استهلاك للمياه.   العيوب البنيوية في الاستراتيجية المصرية تعتمد استراتيجية مصر القائمة على التطويق الدبلوماسي على مجموعة من الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والهيدرولوجية الخاطئة، الأمر الذي يجعل استمرارها على المدى الطويل أمراً غير قابل للاستدامة. أولاً: الحقيقة الهيدرولوجية غير القابلة للتغيير لا يمكن لأي تحرك دبلوماسي أو بناء تحالفات سياسية أن يغير الحقائق الجغرافية والطبيعية لحوض النهر. فإثيوبيا تسهم بأكثر من 85% من التدفق السنوي للنظام النهري من خلال أنظمة أباي (النيل الأزرق)، وبارو-أكوبو، وتكيزي. إن محاولة عزل الدولة التي تتحكم في المصدر الهيدرولوجي الأساسي للنهر الرئيسي تمثل مفارقة استراتيجية واضحة. فالاستقرار الحقيقي لدول المصب لا يمكن تحقيقه عبر سياسة الاحتواء والعزل، بل من خلال إقامة علاقات مباشرة وفعالة ومستقرة مع أديس أبابا. إن الأمن المائي طويل الأمد لمصر والسودان يعتمد في جوهره على التعاون مع إثيوبيا، وليس على محاولة تجاوز دورها أو تحييدها. ثانياً: الضرورات الاقتصادية مقابل التحالفات الدبلوماسية في الوقت الذي ترحب فيه دول حوض النيل وإفريقيا الشرقية بالاستثمارات في البنية التحتية، فإن أهدافها التنموية بعيدة المدى ترتبط بشكل متزايد بالتكامل الإقليمي في مجال الطاقة، والذي تتمحور فيه إثيوبيا كمصدر رئيسي للطاقة النظيفة. فالدول المجاورة، بما فيها كينيا والسودان وجيبوتي وجنوب السودان، تعمل بصورة مباشرة أو تفاوض من أجل استيراد الكهرباء الكهرومائية منخفضة التكلفة التي ينتجها سد النهضة. إن الحاجة الملحة إلى توسيع شبكات الكهرباء، ودعم التصنيع، وتحقيق النمو الاقتصادي، تجعل دول شرق إفريقيا غير مستعدة للتخلي عن فرص الحصول على الطاقة الخضراء فقط من أجل دعم حملات دبلوماسية تقوم على منطق الصفرية التي ترفضها القاهرة. فالواقع الاقتصادي الإقليمي يدفع نحو التعاون في مجال الطاقة، وليس نحو مزيد من الانقسام السياسي. ثالثاً: الضرورة الأخلاقية والقانونية إن مطالبة دولة غير ساحلية تضم أكثر من 130 مليون نسمة بالبقاء في حالة من الفقر الطاقي، حيث ما زال عشرات الملايين من سكانها يفتقرون إلى الكهرباء الأساسية، من أجل الحفاظ على ترتيبات مائية تاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، هو مطلب يصعب الدفاع عنه أخلاقياً وسياسياً. ويتأكد هذا التحول من خلال الانتشار الإقليمي الواسع لـ اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، التي تمثل تحولاً جوهرياً في إدارة مياه النيل نحو مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، الأمر الذي يضعف عملياً الأساس القانوني لفكرة حق النقض التاريخي الذي طالبت به مصر لعقود. ما بعد سد النهضة: الاستراتيجية الكبرى لـ "المياهين" إن اكتمال وتشغيل سد النهضة لا يمثل نهاية الرؤية الوطنية الإثيوبية، بل يشكل نقطة ارتكاز أساسية لتحول جيوسياسي أوسع في منطقة القرن الإفريقي. فالرؤية الاستراتيجية الإثيوبية تتجه بصورة متزايدة نحو مفهوم "استراتيجية المياهين"، وهي رؤية تربط بين الجغرافيا السياسية لحوض أباي وبين الوصول البحري إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وتقوم هذه الاستراتيجية على إدراك أن حوض النيل والبحر الأحمر ليسا مجالين منفصلين جغرافياً أو سياسياً، بل يمثلان فضاءً مترابطاً من حيث الأمن والتنمية والنفوذ الإقليمي. فإن الضغوط الأمنية التي تُمارس في المجال البحري من قبل بعض القوى المنافسة في ملف النيل، مثل السعي المصري إلى إنشاء وجود عسكري أو استخباراتي في دول مجاورة مثل إريتريا، تُعد امتداداً مباشراً للتنافس المرتبط بالسياسة المائية لحوض النيل. ما بعد سد النهضة: الاستراتيجية الكبرى لـ "المياهين" (تكملة) وباعتبارها أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان في العالم، لا تستطيع إثيوبيا الحفاظ على اقتصاد صناعي متنامٍ وهي مقيدة بالكامل بالاعتماد اللوجستي على موانئ دول أخرى. ولذلك، فإن سعيها إلى ضمان وصول بحري مستدام وآمن، إلى جانب تطوير قدرات دفاعية بحرية، يمثل جزءاً من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة موقعها الإقليمي. فمن خلال الجمع بين قدراتها الهائلة في إنتاج الطاقة الكهرومائية وبين شبكات الاتصال البحري، تسعى أديس أبابا إلى تحقيق استقلال اقتصادي طويل الأمد، وتعزيز قدرتها على التأثير، وترسيخ دورها باعتبارها قوة استقرار رئيسية في منطقتي البحر الأحمر والقرن الإفريقي. ولا تنظر إثيوبيا إلى الوصول البحري باعتباره مجرد مسألة تجارية أو لوجستية، بل تعتبره جزءاً من معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. فاقتصاد بحجم السكان الإثيوبيين وطموحاتها الصناعية المستقبلية يحتاج إلى منافذ بحرية مستقرة ومتنوعة لتسهيل التجارة، وجذب الاستثمارات، وتقليل الاعتماد على ترتيبات خارجية قد تكون عرضة للضغوط السياسية. ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم "المياهين" يجمع بين مجالين استراتيجيين مترابطين: المياه العذبة في حوض أباي (النيل) باعتبارها أساس التنمية والطاقة والسيادة الاقتصادية. المياه المالحة في البحر الأحمر وباب المندب باعتبارها بوابة التجارة العالمية والأمن البحري. وترى هذه الرؤية أن التحكم الفعال في هذين المجالين سيمنح إثيوبيا قدرة أكبر على حماية مصالحها الوطنية، والمساهمة في تشكيل توازن إقليمي جديد في القرن الإفريقي. ضرورة الازدهار المشترك إن الاستراتيجية المصرية تجاه سد النهضة الإثيوبي الكبير، التي انتقلت من مرحلة التقليل من أهمية المشروع، مروراً بمحاولات الضغط غير المباشر، وصولاً إلى سياسة التطويق الدبلوماسي الحالية، لم تنجح في وقف تقدم إثيوبيا. فاكتمال السد يمثل دليلاً واضحاً على أن الإرادة الوطنية، وحشد الموارد المحلية، والوضوح الاستراتيجي، يمكن أن تتغلب على محاولات الاحتواء الخارجية. إن محاولة عزل إثيوبيا دبلوماسياً ليست فقط صعبة التطبيق من الناحية العملية، بل إنها تأتي بنتائج عكسية بالنسبة لمصالح دول المصب نفسها. فالاستقرار طويل الأمد والأمن المائي في شرق إفريقيا لا يمكن تحقيقهما من خلال منطق الصراع الصفري أو تقسيم المنطقة إلى أطراف متنافسة، وإنما عبر الاعتراف بالدور الطبيعي لإثيوبيا باعتبارها دولة محورية في مجال الطاقة وشريكاً أساسياً في الاستقرار الإقليمي. إن الواقع الجديد يتطلب تجاوز التصورات القديمة التي تأسست على ترتيبات استعمارية لم تعد تتوافق مع الحقائق الديموغرافية والاقتصادية والسياسية الحالية. فبدلاً من محاولة منع إثيوبيا من استثمار مواردها الطبيعية، يمكن لدول المصب الانتقال نحو نموذج قائم على التعاون، تستفيد فيه جميع الأطراف من: الكهرباء النظيفة منخفضة التكلفة. التكامل الاقتصادي الإقليمي. تطوير شبكات الطاقة والبنية التحتية المشتركة. الإدارة التعاونية لموارد حوض النيل. بناء نظام إقليمي يقوم على المصالح المتبادلة بدلاً من الهيمنة التاريخية. وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل حوض النيل لن يتحدد عبر محاولات فرض الإرادة الأحادية أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل من خلال القدرة على التكيف مع الواقع الجديد الذي أصبحت فيه إثيوبيا لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه. إن الانتقال من منطق "من يسيطر على المياه؟" إلى منطق "كيف يمكن للجميع الاستفادة من المياه؟" يمثل الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار المشترك في شرق إفريقيا.  
أسبوع إثيوبيا المحوري: الحوار الوطني والزخم الدبلوماسي
Jul 20, 2026 502
    بقلم هيئة التحرير أديس أبابا 20 يوليو/ 2026 (إينا) شهدت إثيوبيا أسبوعًا حافلًا بالتطورات السياسية والدبلوماسية والتنموية الهامة، حيث افتتحت البلاد فصلًا تاريخيًا محتملًا في جهودها لمعالجة الخلافات السياسية العالقة عبر الحوار والتوافق. هيمن انطلاق مؤتمر الحوار الوطني الذي طال انتظاره على الأجندة الوطنية، جامعًا آلاف الممثلين من مختلف أطياف المجتمع الإثيوبي في مسعى لمواجهة أعقد التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه البلاد من خلال التشاور السلمي. في الوقت نفسه، أبرزت التطورات في شمال البلاد، ولا سيما في إقليم تيغراي، التحديات المستمرة التي تواجه عملية السلام في إثيوبيا، بينما سلطت مشاريع البنية التحتية الكبرى، وتوسيع شبكة الطيران، والنشاط الاقتصادي المتزايد حول سد النهضة الإثيوبي الكبير، والنشاط الدبلوماسي المكثف، الضوء على جهود البلاد الأوسع نطاقًا لتعزيز السلام والإصلاح والتحول الاقتصادي. عكست أحداث الأسبوع مجتمعةً واقعَ بلدٍ يمر بمرحلة انتقالية معقدة، ساعيًا إلى ترسيخ السلام والحوار السياسي داخليًا، مع توسيع نطاق مشاركته الاقتصادية والدبلوماسية في الخارج. افتتاح حوار وطني تاريخي كان الحدث الأبرز في الأسبوع هو الافتتاح الرسمي لمؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي في 15 يوليو في أديس أبابا. جمع المؤتمر، الذي يستمر ثلاثة أسابيع، أكثر من 4000 ممثل من الولايات الإقليمية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، والجمعيات المهنية، والقيادات التقليدية، وجماعات الشباب والنساء، فضلًا عن أفراد من الجالية الإثيوبية في الخارج. يمثل هذا المؤتمر، الذي نظمته اللجنة الوطنية الإثيوبية للحوار، أوسع عملية تشاور على مستوى البلاد منذ تأسيس النظام الفيدرالي الحالي. دعا رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال افتتاح المؤتمر، الإثيوبيين إلى استبدال المواجهة السياسية بالحوار والتوافق. قال إن الخلافات يجب ألا تتصاعد من مجرد "كلمات حادة" إلى "أفعال حادة" عبر العنف، بل يجب معالجتها من خلال التشاور السلمي والتفاهم المتبادل والمسؤولية الجماعية. ووصف رئيس الوزراء هذه العملية بأنها فرصة تاريخية لوضع أسس سلام دائم ومصالحة وطنية ومستقبل وطني مشترك. الأمن والاستقرار في إقليم تيغراي ومن أحداث الأسبوع أيضا ، احتشد آلاف المتظاهرين من تيغراي في ميدان مسكل بأديس أبابا في 18 يوليو/ تحت شعار "أوقفوا عمليات الاختطاف؛ ليعم السلام". نظّم مجلس تيغراي للسلام والتغيير مسيرةً دعت إلى التنفيذ الكامل لاتفاقية وقف إطلاق النار في بريتوريا، الموقعة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، وإنهاء ما يُزعم من تجنيد قسري في تيغراي، وعودة النازحين داخلياً. واتهم المشاركون جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة بالمساهمة في استمرار عدم الاستقرار في الإقليم ، ودعوا الحكومة الفيدرالية والمجتمع الدولي إلى دعم السلام والاستقرار الدائمين. وكان من أبرز لحظات المسيرة مشاركة غيتاشيو ردا، رئيس حزب سيمريت والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة في تيغراي. وفي كلمته أمام المتظاهرين، اتهم غيتاشيو جبهة تحرير شعب تيغراي بعرقلة جهود التنمية، وقال إنها تجند الشباب قسراً. تطور البنية التحتية ظلّ التنمية الاقتصادية وتوسيع البنية التحتية من أهم أولويات إثيوبيا خلال الأسبوع. افتتح رئيس الوزراء آبي أحمد مطار الملك تيكلي هايمانوت في دبر ماركوس، بإقليم أمهرة، مُعيداً بذلك تشغيل منشأة ظلت مُعطّلة لما يقرب من ثلاثة عقود. من المتوقع أن يُحسّن هذا التجديد الربط الإقليمي، ويُسهّل التجارة، ويُعزّز السياحة، ويُقوّي التكامل الاقتصادي. في الوقت نفسه، وسّعت الخطوط الجوية الإثيوبية شبكتها الدولية بإطلاق رحلات ركاب مباشرة بين أديس أبابا وبورت لويس، موريشيوس. يعزز هذا المسار الجديد مكانة إثيوبيا كإحدى أهم مراكز الطيران في أفريقيا، ويخلق فرصًا جديدة للتجارة والسياحة والاستثمار والروابط التجارية بين شرق وجنوب أفريقيا والأسواق العالمية. سد النهضة كما واصل سد النهضة الإثيوبي توليد فوائد اقتصادية تتجاوز إنتاج الكهرباء. وأفاد مكتب الزراعة الإقليمي في بني شنقول-جوموز بصيد أكثر من 10,700 طن من الأسماك من بحيرة نيغات خلال السنة المالية الإثيوبية المنتهية. ويدعم الخزان بشكل متزايد قطاعي الصيد والسياحة والنقل الداخلي، بالإضافة إلى توفير فرص العمل من خلال التعاونيات المنظمة، مما يُبرز الأثر الاقتصادي الأوسع لمشاريع البنية التحتية الكبرى. الدبلوماسية في الصدارة واصلت إثيوبيا نشاطها الدبلوماسي طوال الأسبوع، معززةً علاقاتها مع شركائها الدوليين، ودافعةً عن أولوياتها الاستراتيجية في القرن الأفريقي وخارجه. وكانت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كاجا كالاس، من أبرز الأحداث الدبلوماسية خلال الأسبوع. خلال الاجتماعات مع رئيس الوزراء آبي أحمد ووزير الخارجية جيديون تيموثيوس، تركزت المناقشات على تعزيز العلاقات بين إثيوبيا والاتحاد الأوروبي، وتوسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز السلام والأمن الإقليميين، ودعم أجندة الإصلاح في إثيوبيا. أكدت كالاس مجددًا التزام الاتحاد الأوروبي بتوسيع التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والحوكمة الرقمية والمواد الخام الأساسية، مع تشجيع بيئة استثمارية أكثر استقرارًا وملاءمة للأعمال. كما حضرت مؤتمر الحوار الوطني، واصفةً إياه بأنه مبادرة شعبية شاملة، قادرة على المساهمة في تحقيق سلام دائم ومصالحة ووحدة وطنية. وأجرى رئيس الوزراء آبي أحمد محادثات مع الرئيس المنتخب حديثًا للبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد، الدكتور جورج إيلومبي، وأعضاء مجلس إدارة البنك. وركزت المناقشات على تعزيز التعاون المالي بقيادة أفريقية، وتوسيع فرص الاستثمار، ودعم التحول الاقتصادي طويل الأجل في القارة. وسّعت إثيوبيا نطاق مشاركتها الدولية بتوليها رئاسة منظمة الدول الأفريقية والكاريبية والمحيط الهادئ. وقالت وزيرة الدولة للمالية، سيميريتا سيواسيو، إن رئاسة إثيوبيا ستركز على توسيع الفرص الاقتصادية، وتعبئة التمويل المستدام، وتعزيز الشراكات بين الدول الأعضاء الـ 79 في المنظمة. كما احتلت العلاقات مع دول الخليج مكانة بارزة على أجندة إثيوبيا الدبلوماسية. سافر رئيس الوزراء آبي إلى قطر لتقديم تعازي إثيوبيا وإلقاء التحية في أعقاب وفاة الأمير الأب ، صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، مؤكداً بذلك الصداقة العريقة بين البلدين. في غضون ذلك، واصلت إثيوبيا تواصلها مع المملكة العربية السعودية بشأن وضع المواطنين الإثيوبيين الذين يواجهون إجراءات قانونية في المملكة. وأعلنت وزارة الخارجية أن نحو ألفي إثيوبي استفادوا من العفو الملكي الذي منحته السلطات السعودية، وأكدت مجددًا التزام الحكومة بحماية حقوق ورفاهية المواطنين الإثيوبيين في الخارج. كما أجرى رئيس الوزراء آبي أحمد محادثات مع رئيس بنين، روموالد واداني، في أديس أبابا. وأكد الزعيمان التزامهما بتوسيع التعاون الثنائي وتعزيز الشراكة التاريخية بين إثيوبيا وبنين. يظل الوصول إلى البحر وسد النهضة من الأولويات الاستراتيجية ولا يزال سعي إثيوبيا الدؤوب نحو الوصول الموثوق إلى البحر موضوعًا بارزًا في النقاشات الوطنية والدولية. وصف باحثون وخبراء في السياسات الوصول البحري بأنه ضرورة وطنية استراتيجية وليس مجرد طموح سياسي، مؤكدين أن دولة يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة واقتصادها سريع النمو تحتاج إلى وصول موثوق إلى طرق التجارة الدولية. دعا الرئيس السابق لإدارة ولاية تيغراي الإقليمية، جبرو أسرات، إلى وضع استراتيجية وطنية مدروسة بعناية، تستند إلى أسس قانونية، وتعتمد على الدبلوماسية، بما في ذلك إنشاء مؤسسة متخصصة لتنسيق الأبعاد التقنية والقانونية والتاريخية للمصالح البحرية لإثيوبيا. في غضون ذلك، استمر سد النهضة في بثّ دعاية لا أساس لها من الصحة من قبل المسؤولين المصريين كجزء من حربهم الإعلامية ضد إثيوبيا. وأشار المحلل السياسي الأمريكي أندرو كوريبكو إلى أن لإثيوبيا الحق السيادي في استخدام نهر أباي ضمن أراضيها المعترف بها دوليًا. وأكد أن السلام الدائم في حوض النيل يعتمد على الحوار والاحترام المتبادل والحلول التي تقودها أفريقيا، لا على المواجهة. في الوقت نفسه، تستمر الاتهامات المصرية الموجهة ضد إثيوبيا بشأن سد النهضة في تجاهل الحقائق التاريخية ومبادئ الاستخدام العادل والمعقول والتعاون المنصوص عليها في القانون الدولي، حسبما صرح به عضو البرلمان محمد العروسي لوكالة الأنباء الإثيوبية. وأضاف أن مزاعم مصر تتجاهل حقوق التنمية المشروعة لدول حوض النيل العليا وحقها السيادي في استخدام موارد المياه المشتركة وفقًا للقانون الدولي. كما واصلت إثيوبيا مشاوراتها مع الدول المجاورة والمنظمات الإقليمية بشأن السلام والأمن والتكامل الاقتصادي، مما يعزز دور أديس أبابا كمركز دبلوماسي لمنطقة القرن الأفريقي. ظلّت الدبلوماسية المناخية أولوية استراتيجية أخرى، في ظلّ استمرار الاستعدادات لاستضافة إثيوبيا لمؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين (COP32) عام 2027. كما أشار إطار الحوار الثنائي المنظم بين إثيوبيا والولايات المتحدة، الذي وُقّع مؤخرًا، إلى الجهود المبذولة لتعميق التعاون في مجالات التجارة والاستثمار والدفاع والسلام والأمن الإقليميين. أسبوع من المصالحة الداخلية والانخراط العالمي أكّدت أحداث الأسبوع مجتمعةً على سعي إثيوبيا لتعزيز المصالحة الداخلية، إلى جانب تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات الاستراتيجية في أفريقيا وخارجها. شكّل إطلاق الحوار الوطني محاولةً واعدةً لمعالجة عقود من الخلافات السياسية عبر التشاور والتوافق بدلًا من المواجهة. ومع ذلك، أظهرت التطورات في إقليم تيغراي وجود تحديات كبيرة لا تزال قائمة أمام التنفيذ الكامل لاتفاقيات السلام، وإعادة بناء الثقة، ومعالجة المظالم الإقليمية. وبعيدًا عن السياسة الداخلية، واصلت إثيوبيا تأكيد مصالحها الاستراتيجية في قضايا من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبيروالوصول البحري، مع تعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الأفريقية ودول الخليج. في الوقت نفسه، عكست الاستثمارات في البنية التحتية، وتوسيع نطاق الربط الجوي، والفوائد الاقتصادية المتزايدة التي حققها سد النهضة، استمرار تركيز الحكومة على التنمية طويلة الأجل والتحول الاقتصادي. ومع استمرار الحوار الوطني في الأسابيع المقبلة، ستُراقَب عن كثب، محلياً ودولياً، قدرته على تقديم توصيات عملية، وتعزيز ثقة الشعب، ومعالجة أكثر القضايا السياسية تعقيداً في إثيوبيا. ويمكن أن تلعب نتائج هذا الحوار، إلى جانب جهود إثيوبيا المتواصلة لتعميق التعاون الإقليمي، وتوسيع الشراكات الاستراتيجية، وتسريع التحول الاقتصادي، دوراً حاسماً في رسم مسار البلاد نحو مزيد من السلام والاستقرار والتنمية. وبالنسبة لإثيوبيا، مثّل هذا الأسبوع تذكيراً قوياً بحجم التحديات المقبلة، ولكنه أظهر أيضاً عزم البلاد المتزايد على مواجهتها من خلال الحوار الداخلي، والتنمية على أرض الواقع، والدبلوماسية الخارجية.
الحوار الوطني في إثيوبيا: مسعى لإنهاء الصراع وترسيخ سلام دائم
Jul 17, 2026 449
بقلم: هيئة التحرير 17 يوليو 2026 (إينا) بعث اليوم الأول من مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، الذي افتُتحت أعماله يوم الثلاثاء الموافق 15 يوليو 2026، برسالتين متكاملتين. فعلى الصعيد الداخلي، قُدِّم الحوار باعتباره فرصة حاسمة لإحداث تحول في الثقافة السياسية الإثيوبية، من خلال استبدال دوائر المواجهة المتكررة بثقافة تقوم على التشاور، والتسوية، والتوافق. أما على الصعيد الدولي، فقد حظي المؤتمر بدعم قوي من كبار القادة الأفارقة والمؤسسات الإقليمية، وهو ما ارتقى بهذه المبادرة من مجرد عملية وطنية إلى مسار يحمل أهمية على مستوى القارة الأفريقية. وشهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة أكثر من أربعة آلاف ممثل من مختلف أنحاء إثيوبيا، إلى جانب رئيس الوزراء آبي أحمد، ورئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي البروفيسور مسفن أرايا، والرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو، ومفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن السفير بانكولي أدييوي، والأمين التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد) ورقنه غبيهو. ورغم أن كل متحدث تناول الحوار من زاوية مختلفة، فإن رسائلهم التقت حول عدد من المحاور الأساسية، تمثلت في رفض العنف السياسي، وضرورة الحوار الشامل، وملكية الإثيوبيين للعملية الحوارية، والمصالحة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وثقة أفريقيا في قدرة إثيوبيا على أن تصبح نموذجًا لحل النزاعات بالوسائل السلمية.   إنهاء دوامة العنف السياسي استهل رئيس الوزراء آبي أحمد كلمته بتشخيص ما وصفه بالمأزق السياسي المزمن في إثيوبيا، قائلاً: "تبدأ سياستنا بكلمات قوية وتنتهي بأفعال قوية. ويجب أن يتوقف هذا الانقسام إلى الأبد." ولم يصور رئيس الوزراء التوترات الراهنة باعتبارها أحداثًا معزولة، بل رأى أن إثيوبيا طورت على مر السنين ثقافة سياسية تتصاعد فيها الخلافات بصورة متكررة إلى أعمال عنف، بسبب استمرار ضعف الآليات السلمية لتسوية النزاعات. وكانت رسالته الأساسية أن إثيوبيا تقف اليوم أمام فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري في هذا الإرث السياسي. وقال: "إن الفرصة التي أمامنا اليوم ليست فرصة تتكرر كثيرًا. لقد اجتمعنا هنا لنكتب التاريخ معًا." ودعا الممثلين المشاركين إلى تقديم المصلحة الوطنية على الانقسامات السياسية والعرقية والأيديولوجية، مؤكدًا أن الأجيال القادمة ينبغي أن تتذكر هذا الاجتماع باعتباره اللحظة التي اختارت فيها إثيوبيا، عن قصد، الحوار بدلًا من الانقسام. ومن جانبه، عزز رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، البروفيسور مسفن أرايا، هذا التشخيص من منظور المفوضية، قائلاً: "لقد حاولت بلادنا مرارًا تسوية الخلافات من خلال القوة، والإقصاء، والترتيبات السياسية المؤقتة. ولم ينجح أي من هذه الأساليب في تحقيق سلام دائم." وبالنسبة للمفوضية، فإن الحوار لا يمثل مؤتمرًا سياسيًا آخر، بل هو محاولة مؤسسية لاستبدال القوة بالتشاور باعتباره الوسيلة الأساسية لإثيوبيا في معالجة الخلافات المتعلقة بالحكم، والترتيبات الدستورية، والهوية، والمظالم التاريخية، وتقاسم الموارد، والوحدة الوطنية.   وكان من أبرز المحاور التي هيمنت على اليوم الافتتاحي الإجماع على رفض العنف باعتباره أداة للعمل السياسي. وقدم الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو ما يمكن اعتباره أقوى تحذير في هذا السياق، مستندًا إلى التجربة التاريخية المؤلمة لنيجيريا. وقال: "إن الحرب لا تجلب أي فوائد"، مضيفًا: "إن الحرب الأهلية أكثر خطورة وأكثر تدميرًا من الحرب مع عدو خارجي. ولذلك، يجب أن نحمي أنفسنا من الحروب الأهلية والصراعات." واكتسبت مداخلته أهمية أخلاقية خاصة لأنها استندت إلى الدروس المستفادة من تجربة واحدة من أكبر المجتمعات الأفريقية وأكثرها تعقيدًا في مرحلة ما بعد الصراع. وبدلًا من الاكتفاء بطرح ملاحظات نظرية، استند أوباسانجو إلى خبرته العملية ليؤكد أن الحروب الداخلية تترك آثارًا مؤسسية واجتماعية ونفسية أعمق من النزاعات مع الأعداء الخارجيين. كما وسع الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، هذا الطرح ليتجاوز الجانب الأمني، قائلاً: "لم تُبنَ أي دولة ولم تحقق الازدهار من خلال الصراع." وربط في كلمته بين السلام والتنمية الوطنية بصورة مباشرة، مشيرًا إلى أن الدول لا تحقق التقدم المستدام إلا عندما تجعل الحوار، والتوافق، والمصلحة الوطنية المشتركة أولويات تتقدم على المواجهة. وشكلت كلماته، إلى جانب مداخلات رئيس الوزراء آبي أحمد ورئيس مفوضية الحوار الوطني البروفيسور مسفن أرايا، رسالة متسقة بصورة لافتة مفادها أن مستقبل إثيوبيا لا يمكن تأمينه بالقوة، وإنما بالحوار السياسي المستدام.   الإصغاء بدلًا من السعي إلى الانتصار كان من السمات البارزة للجلسة الافتتاحية التركيز على تغيير السلوك السياسي، وليس فقط النتائج السياسية. وأكد رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي أن الاختلاف في وجهات النظر يمثل سمة طبيعية في المجتمعات الديمقراطية، قائلاً: "إن وجود آراء مختلفة أمر طبيعي. وتبدأ المشكلة عندما نحاول إسكات هذا الاختلاف بالعنف بدلًا من معالجته بالحوار." وأضاف أن الحوار لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافسة بين منتصر ومهزوم، قائلاً: "الحوار لا يتعلق بهزيمة شخص آخر، وإنما يتعلق بإيجاد أرضية مشتركة مع احترام الاختلافات." وبالمثل، دعا رئيس الوزراء آبي أحمد المشاركين مرارًا إلى الإصغاء بصبر وإخلاص، بدلًا من محاولة فرض مواقف محددة سلفًا. ويمثل ذلك تحولًا فكريًا مهمًا من سياسة المحصلة الصفرية إلى نموذج للحكم قائم على التوافق، حيث تُدار الخلافات السياسية عبر المؤسسات، وليس من خلال العنف.   نموذج أفريقي حرص المتحدثون الأفارقة المدعوون إلى المؤتمر على الارتقاء بالحوار الوطني إلى ما هو أبعد من المشهد السياسي الداخلي في إثيوبيا. ووصف الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو المؤتمر بأنه "حدث ذو أهمية تاريخية ليس لإثيوبيا فحسب، بل للقارة الأفريقية بأكملها." ووضع التجربة الإثيوبية في إطار الجهود القارية الأوسع الرامية إلى إثبات قدرة الدول الأفريقية على معالجة تحدياتها السياسية بنفسها من خلال الحوار، بدلًا من الانزلاق إلى صراعات طويلة الأمد. ومن جانبه، عزز مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، السفير بانكولي أدييوي، هذا الطرح من منظور الاتحاد الأفريقي، قائلاً: "يمثل الحوار الوطني الإثيوبي أساسًا لتحقيق السلام الدائم والمصالحة الوطنية." وتعكس هذه التصريحات التوجه العام للاتحاد الأفريقي، الذي يفضل العمليات السياسية الشاملة التي تقودها الدول نفسها باعتبارها آليات للوقاية من النزاعات والتعافي في مرحلة ما بعد الصراع. وبالمثل، وصف الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه جبيهو، المؤتمر بأنه لحظة تاريخية فارقة، قائلاً: "يمثل هذا المؤتمر التاريخي حدثًا مهمًا سيفتح فصلًا جديدًا في تاريخ إثيوبيا الطويل والمشرف." ومجتمعة، أسهمت هذه المداخلات في تحويل المؤتمر من مبادرة وطنية للمصالحة إلى تجربة ينظر إليها العديد من القادة الأفارقة باعتبارها مرجعًا قاريًا محتملاً لإدارة التنوع السياسي المعقد.   الملكية الإثيوبية والحلول الأفريقية ومن أبرز نقاط الالتقاء بين المتحدثين التأكيد على أن إثيوبيا هي صاحبة العملية الحوارية وصاحبة نتائجها. وأكد السفير بانكولي أدييوي مرارًا أن الحوار تقوده إثيوبيا نفسها، موضحًا أن دور الاتحاد الأفريقي يتمثل في تقديم الدعم، وليس توجيه الخيارات السياسية للإثيوبيين. وذهب الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، إلى أبعد من ذلك، عندما سلط الضوء على تقاليد إثيوبيا التاريخية في المصالحة. وقال: "ليست هناك حاجة للبحث خارج البلاد عن حلول لمشكلاتنا. فإثيوبيا تمتلك العديد من التجارب الإيجابية والنموذجية التي يمكن أن ترشد هذه العملية." ويعكس هذا الطرح فلسفة أفريقية تتزايد أهميتها، ومفادها أن السلام المستدام يكون أكثر قابلية للتحقق عندما تبني الدول جهودها على مؤسساتها الوطنية، وتقاليدها الثقافية، وآلياتها المحلية المقبولة، بدلًا من الاعتماد الحصري على صيغ سياسية تُصمم من الخارج. ولم يقتصر حديث المتحدثين على معالجة الصراع القائم، بل قدموا الحوار بوصفه مشروعًا طويل الأمد لبناء الدولة. ورأى أوباسانجو أن المؤتمر ينبغي أن يفضي في نهاية المطاف إلى "إثيوبيا قوية وموحدة"، قادرة على توحيد مواطنيها حول رؤية وطنية مشتركة، وترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة في أفريقيا. كما ربط رئيس الوزراء آبي أحمد بين الوحدة الداخلية والمصالح الاستراتيجية لإثيوبيا، مشيرًا إلى أن الانقسام السياسي أوجد، على امتداد التاريخ، فرصًا لقوى خارجية لاستغلال الخلافات الداخلية. ومن ثم، جرى تقديم المصالحة الوطنية ليس باعتبارها هدفًا سياسيًا فحسب، وإنما أيضًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا من عناصر السيادة الوطنية وتعزيز النفوذ الإقليمي. ومن جانبه، أكد البروفيسور مسفن أرايا أن المؤتمر ينبغي النظر إليه باعتباره بداية لمسار طويل، وليس نهايته. وقال: "هذا المؤتمر ليس محطة الوصول، بل هو بداية رحلة وطنية نحو التفاهم، وبناء الثقة، وتحقيق السلام الدائم." وتبرز تصريحاته مستوى النضج المؤسسي الذي بلغته مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، والتي انتقلت، بعد ما يقرب من أربع سنوات من المشاورات الوطنية، وجمع أجندات الحوار، والتواصل مع مختلف أصحاب المصلحة، إلى مرحلة المداولات الموضوعية.   الاستقرار الإقليمي والرهانات القارية أكد كل من الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد أن استقرار إثيوبيا يحمل تداعيات تتجاوز حدودها الوطنية. وبالنسبة للاتحاد الأفريقي، يرتبط السلام في إثيوبيا ارتباطًا وثيقًا باستقرار منطقة القرن الأفريقي، لا سيما بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للبلاد، ونفوذها الدبلوماسي، ودورها بوصفها الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي. كما جددت منظمة إيغاد التزامها بمرافقة إثيوبيا طوال مسار الحوار، انطلاقًا من إدراكها أن التطورات داخل البلاد تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الإقليمي، والتجارة، والهجرة، والتكامل السياسي. ومن ثم، فإن تأييد المؤسستين للحوار لا يعكس فقط تضامنهما مع إثيوبيا، بل يعبر أيضًا عن إدراكهما بأن نجاح هذا الحوار من شأنه أن يسهم في تعزيز الاستقرار على مستوى المنطقة بأسرها. الخاتمة حدد اليوم الأول من مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي الفلسفة السياسية والطموحات الاستراتيجية التي يُتوقع أن توجه مسار العملية خلال الأسابيع المقبلة. وركزت الرسائل التي قدمها المتحدثون على تحويل الثقافة السياسية في إثيوبيا من خلال استبدال المواجهة بالتشاور، والاعتراف بالمظالم التاريخية، وتعزيز المؤسسات، وتشجيع التسوية بدلًا من الإكراه. وقد تعززت هذه الرسائل الداخلية بصوت أفريقي موحد. فقد قدم الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو منظورًا تاريخيًا من خلال التحذير من العواقب المدمرة للصراعات الأهلية، ودعوة الإثيوبيين إلى بناء دولة موحدة تستند إلى تطلعات مشتركة.   وأكد مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، السفير بانكولي أدييوي، أن الحوار يمثل أساسًا وطنيًا لتحقيق السلام الدائم والمصالحة، في حين شدد الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، على تقاليد إثيوبيا الخاصة بالتشاور، داعيًا البلاد إلى إثبات أن الحوار يظل الطريق الوحيد المستدام نحو التجديد الوطني. وبالنظر إلى مجمل هذه الكلمات والمواقف، يتضح وجود توافق متزايد على أن الحوار الوطني الإثيوبي يتجاوز كونه مجرد مؤتمر سياسي. فهو يمثل محاولة طموحة لإعادة تعريف الطريقة التي تدير بها إحدى أقدم دول أفريقيا تنوعها، وتعالج خلافاتها، وتبني توافقًا وطنيًا. غير أن نجاح هذه العملية في نهاية المطاف لن يعتمد على الرمزية التي رافقت افتتاحها، بل على مدى استعداد المشاركين لتحويل الحوار إلى اتفاقات دائمة، وإصلاحات مؤسسية، ورؤية مشتركة قادرة على ضمان سلام دائم للأجيال القادمة.
لماذا يمكن أن يصبح الحوار الوطني الإثيوبي محطة فارقة للسلام والوحدة والتجديد الديمقراطي
Jul 15, 2026 691
بقلم: يوردانوس د. أديس أبابا، 15 يوليو 2026 (إينا) — دخلت إثيوبيا مرحلة محورية في تاريخها السياسي الحديث، مع افتتاح مؤتمر الحوار الوطني في العاصمة أديس أبابا، حيث بدأت البلاد واحدة من أكثر جهودها طموحًا لمعالجة الانقسامات السياسية المتجذرة من خلال الحوار بدلًا من الصراع. ويأتي المؤتمر، الذي أطلقته لجنة الحوار الوطني الإثيوبية، وهي هيئة مستقلة أنشأها مجلس نواب الشعب في أواخر عام 2021، تتويجًا لسنوات من المشاورات الوطنية الواسعة، وجمع القضايا والمحاور المطروحة، والتحضيرات المؤسسية. والأهم من ذلك، أنه يعكس التزامًا وطنيًا بمعالجة التحديات العميقة من خلال المشاركة الشاملة بدلًا من المواجهة السياسية. وبالنسبة للكثير من الإثيوبيين، فإن الحوار الوطني يمثل أكثر من مجرد تجمع سياسي، إذ يشكل فرصة لمعالجة الخلافات الوطنية الممتدة عبر النقاش السلمي بدلًا من العنف، وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل واحدة من أقدم دول القارة الأفريقية. كما يحمل الحوار أهمية تتجاوز حدود إثيوبيا، فباعتبارها مقر الاتحاد الأفريقي وفاعلًا سياسيًا واقتصاديًا رئيسيًا في منطقة القرن الأفريقي، فإن استقرارها يرتبط بشكل مباشر بالسلام الإقليمي، والتجارة، والهجرة، والدبلوماسية القارية. ومن ثم، فإن نجاح الحوار يمكن أن يكون له صدى واسع في أفريقيا، من خلال تقديم نموذج حول أساليب وطنية لمعالجة النزاعات.   فصل جديد في تاريخ إثيوبيا بالنسبة لدولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، يوفر الحوار الوطني فرصة نادرة للقطيعة مع تاريخ شهدت فيه التحولات السياسية الكبرى غالبًا ارتباطًا بالعنف وعدم الاستقرار. ويسعى المسار الجديد إلى استبدال المواجهة بالتشاور عبر إنشاء منصة رسمية لمعالجة الخلافات السياسية من خلال الحوار والتسوية والتوافق. ومن أبرز سمات الحوار التزامه بالشمولية، إذ تمت دعوة المزارعين، والنساء، والشباب، والنازحين داخليًا، ورجال الدين، وكبار السن، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والأكاديميين، وقادة قطاع الأعمال، وممثلي مختلف المجتمعات للمشاركة. ويمنح هذا التمثيل الواسع الفئات التي ظلت لفترات طويلة على هامش عملية صنع القرار السياسي فرصة للمساهمة المباشرة في رسم مستقبل إثيوبيا. كما أكدت اللجنة مبدأ المساواة بين المشاركين، حيث لن يتم الاعتراف بالألقاب والمناصب الرسمية أثناء المداولات، بما يسمح للوزراء، والأساتذة، والضباط العسكريين، والزعماء التقليديين، والمواطنين العاديين بالمشاركة على قدم المساواة. ومن خلال تقليل الفوارق الهرمية، تأمل اللجنة في تشجيع نقاشات صريحة ومفتوحة يتمكن خلالها كل مشارك من التعبير بحرية عن آرائه. وبالنسبة للفئات التي عانت تاريخيًا من ضعف التمثيل، بما في ذلك المجتمعات الرعوية، والسكان في المناطق الريفية النائية، والنساء، والنازحين داخليًا، يمثل الحوار فرصة غير مسبوقة للتأثير في عملية صنع القرار الوطني.   معالجة الانقسامات التاريخية لطالما تشكل المشهد السياسي الإثيوبي بفعل تفسيرات متباينة للتاريخ الوطني. ففي حين يحتفي كثيرون بإرث البلاد في الاستقلال وبناء الدولة، يشير آخرون إلى تجارب تاريخية من الإقصاء السياسي، والتهميش الثقافي، والتنمية غير المتكافئة. وقد أثرت هذه الروايات المتباينة في تشكيل الهويات السياسية وأسهمت في استمرار التوترات بين المجتمعات. ويوفر الحوار الوطني منصة منظمة لمعالجة هذه القضايا الحساسة من خلال النقاش بدلًا من تجاهلها. ورغم أنه قد لا ينهي جميع الخلافات، فإنه يهدف إلى بناء فهم أكبر، ووضع أساس لرؤية وطنية مشتركة تحترم تنوع إثيوبيا وتعزز في الوقت ذاته الشعور المشترك بالمواطنة. كما سيتناول الحوار بعضًا من أكثر القضايا الدستورية والحوكمية أهمية في البلاد. ولتوجيه هذه المناقشات، حددت اللجنة ثمانية محاور رئيسية تشمل بناء الدولة، وهيكل النظام السياسي، والوضع الدستوري لكل من أديس أبابا ودير داوا، والشؤون الدينية، وبناء المؤسسات، والعدالة الانتقالية، والقضايا الاجتماعية والاقتصادية، وبناء السلام، والحكم الرشيد. ومن خلال هذه المحاور، سيناقش المشاركون الإصلاحات الدستورية، والعمليات الانتخابية، والآليات السلمية لحل النزاعات الحدودية، وسبل تعزيز المؤسسات الديمقراطية. كما تبرز أهمية بناء توافق حول حماية استقلالية وشفافية ومساءلة مؤسسات مثل القضاء، والهيئات الانتخابية، وأجهزة إنفاذ القانون، باعتبارها عناصر أساسية لاستعادة ثقة المواطنين في الدولة. دعم السلام والعدالة الانتقالية خلفت سنوات الصراع في إثيوبيا أسئلة صعبة تتعلق بالمساءلة، والمصالحة، والتعافي الوطني. فالمجتمعات المتضررة من العنف تطالب بتحقيق العدالة للضحايا، في حين يتعين على صناع القرار البحث عن سبل لتعزيز المصالحة والتماسك الاجتماعي. ويمتلك الحوار الوطني القدرة على دعم مسار العدالة الانتقالية في إثيوبيا من خلال بناء توافق سياسي واسع حول المبادئ التي ينبغي أن توجه عمليات المساءلة والمصالحة. وبدلًا من اعتبار هذه الأهداف متعارضة، يتيح الحوار مساحة لتطوير نهج متوازن يجمع بين البحث عن الحقيقة، والعدالة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والمصالحة الوطنية. وفي حال تطبيق هذا الإطار بفاعلية، فإنه يمكن أن يسهم في معالجة المظالم التاريخية والحد من مخاطر اندلاع صراعات مستقبلية. الأهمية الإقليمية والقارية تمتد أهمية الحوار الوطني الإثيوبي إلى ما هو أبعد من حدود البلاد. وباعتبارها مقر الاتحاد الأفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تحتل إثيوبيا موقعًا استراتيجيًا في الشؤون القارية. ومن شأن تحقيق استقرار سياسي أكبر أن يعزز السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي، حيث غالبًا ما تمتد تداعيات عدم الاستقرار عبر الحدود من خلال تدفقات اللاجئين، وانعدام الأمن، واضطرابات التجارة الإقليمية. كما يمكن أن تكون المكاسب الاقتصادية كبيرة، إذ تعد إثيوبيا واحدة من أكبر الأسواق في شرق أفريقيا، وتعتمد بشكل كبير على ممرات النقل الإقليمية، ولا سيما عبر جيبوتي. ومن شأن بيئة سياسية أكثر استقرارًا أن تشجع التجارة، وتجذب الاستثمارات، وتعزز البنية التحتية، وتوسع التعاون الإقليمي في مجال الطاقة.   وبعيدًا عن الأبعاد الاقتصادية والأمنية، قد يقدم الحوار نموذجًا مهمًا لدول أفريقية أخرى تواجه نزاعات دستورية، أو توترات إثنية، أو مراحل انتقالية بعد الصراعات. وإذا نجحت التجربة الإثيوبية، فقد تثبت قيمة الحوار الشامل بقيادة وطنية في معالجة الانقسامات السياسية العميقة. وبالنسبة للاتحاد الأفريقي، الذي يتخذ من أديس أبابا مقرًا له، فإن إثيوبيا المسالمة والمستقرة ستعزز فعالية مفهوم الحلول الأفريقية للتحديات الأفريقية، وتدعم الثقة في آليات السلام والحوكمة القارية. الخاتمة يمثل الحوار الوطني الإثيوبي واحدة من أكثر المحاولات طموحًا في تاريخ البلاد لمعالجة التحديات السياسية والدستورية والاجتماعية الممتدة عبر التشاور السلمي بدلًا من المواجهة. وبالنسبة للإثيوبيين، فإنه يوفر فرصة لاستبدال دوائر الصراع المتكررة بثقافة تقوم على الحوار والاحترام المتبادل والتنافس السياسي السلمي. أما بالنسبة للدولة الإثيوبية، فهو يمثل مسارًا لتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة وبناء نظام دستوري أكثر شمولًا. وبالنسبة لأفريقيا، فإنه يشكل اختبارًا مهمًا لقدرة الحوار الوطني بقيادة أفريقية على تقديم حلول دائمة للتحديات السياسية المعقدة.
مصر تردد مجددًا الأسطوانة ذاتها بشأن «الأحادية» الإثيوبية!
Jul 15, 2026 433
بقلم: البروفيسور آل مريم (أستاذ فخري ومحامٍ) 15 يوليو 2026 (إينا) كرر وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، للمرة التي لا تُحصى، تأكيد أن مصر تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن أمنها المائي في نهر أباي إذا تعرض للضرر من جانب إثيوبيا، وأن تشييد سد النهضة الإثيوبي الكبير يمثل إجراءً أحاديًا غير قانوني اتخذته إثيوبيا دون التشاور مع دولتي المصب. وقال: «نحتفظ بحقنا في الدفاع المشروع عن النفس وفقًا لقواعد القانون الدولي.» لقد استخدمت مصر مصطلح «الأحادية»، إلى جانب أوصاف مغرضة أخرى، لتشويه صورة إثيوبيا، ليس فقط في وسائل الإعلام العالمية، بل وأمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في مناسبات عديدة. إن تكرار هذه الرواية لا يعكس واقعًا قانونيًا بقدر ما يعكس حنينًا مستمرًا إلى حقبة مضت كانت تتمتع فيها مصر بهيمنة حصرية على نهر النيل. لقد غيّر سد النهضة الإثيوبي الكبير هذه الرواية تغييرًا جذريًا. فمن دون أن يستهلك أو يحوّل قطرة واحدة من التدفق الطبيعي لمياه نهر أباي إلى دول المصب، أطاح السد بالعقيدة القديمة القائمة على السيطرة الحصرية، وأصبح رمزًا قويًا لمبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه المشتركة. وبموجب القانون الدولي، تشير «الأحادية» إلى تصرف دولة بصورة مستقلة لتحقيق مصالحها الخاصة أو إنفاذ حقوقها القانونية، من دون موافقة الدول الأخرى أو تعاونها أو التشاور المسبق معها. وحين يلوّح عبد العاطي بإصبع الاتهام في وجه إثيوبيا، فإنه ينسى أن ثلاثة أصابع تشير إلى مصر، القوة المهيمنة أحاديًا على نهر النيل عبر آلاف السنين. دعوا الحقائق تتحدث بنفسها: في البروتوكول الإنجليزي–الإيطالي لعام 1891، ضمنت بريطانيا، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، لمصر استمرار التدفق غير المنقطع لمياه النيل، وذلك من خلال تقييد مساعي إيطاليا للسيطرة على مشروع مائي على نهر عطبرة، أحد روافد النيل. وفي المعاهدة الإنجليزية–الإثيوبية لعام 1902، قامت بريطانيا، بصورة أحادية وبطريقة احتيالية، بمنع إثيوبيا من أي استخدام تنموي لمياه أباي، ومنحت مصر حق النقض الكامل على أي مشروعات تقام في أعالي نهر أباي. وفي الاتفاق الثلاثي لعام 1906 بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ضمنت القوى الاستعمارية الثلاث، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، حماية «مصالح بريطانيا العظمى ومصر في حوض النيل، ولا سيما فيما يتعلق بتنظيم مياه ذلك النهر وروافده». وفي المعاهدة الإنجليزية–المصرية لعام 1929، مُنحت مصر، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، حقوقًا استثنائية تمثلت في الحصول على 48 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، والحق في تنفيذ أي مشروع على النيل داخل أراضيها، والحق في مراقبة تدفقات النيل في دول المنبع، وحق الاعتراض على أي مشروعات إنشائية قد تؤثر في مصالحها. وفي اتفاقية مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان، ضمنت مصر لنفسها، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، 84 مليار متر مكعب من المياه، فضلًا عن الحق في تشييد السد العالي في أسوان، القادر على تخزين كامل التدفق السنوي لنهر النيل. فما الذي يمكن أن يكون أكثر أحادية من إصرار مصر على الاستخدام الأحادي والحصري لجميع مياه النيل لنفسها استنادًا إلى اتفاقية عام 1902 الاحتيالية؟ فلننظر إلى بعض الحقائق الأخرى بشأن الأحادية المصرية. لقد شيدت مصر السد العالي في أسوان، وهو أكبر سد ركامي في العالم على نهر النيل، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، وذلك لإحكام السيطرة على الفيضانات، وتوفير كميات أكبر من المياه لأغراض الري، وتوليد الطاقة الكهرومائية، وتسريع وتيرة التصنيع في مصر. وفي عام 1979، بدأت مصر، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، حفر قناة لنقل المياه من فرع دمياط من نهر النيل، بالقرب من ساحلها المطل على البحر الأبيض المتوسط، إلى شبه جزيرة سيناء. وقد بدأت المياه تتدفق عبر القناة إلى سيناء في عام 2001. واليوم، تبني مصر عاصمة إدارية جديدة لتحل محل القاهرة «على امتداد صحراوي منبسط بين نهر النيل وقناة السويس»، وذلك بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا. كما تستخدم مصر، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا، المياه المستخرجة من الخزان الجوفي الضخم المعروف باسم نظام الحجر الرملي النوبي، والذي تشير التقديرات إلى أن عمره الافتراضي، مقارنة بمعدلات الاستخراج الحالية، يبلغ نحو ألف عام. وشيدت مصر أيضًا قناتي الإسماعيلية والإبراهيمية، بصورة أحادية ودون التشاور مع إثيوبيا. فليحكم العالم المنصف! من هي الدولة التي كانت، وما زالت دائمًا، القوة المهيمنة الأحادية المتشددة، والمتجذرة في أحاديتها، والعنيدة، وغير المرنة في ما يتعلق بمياه نهر النيل؟ ومن هو الطرف الأحادي المتعنت، ومن هو الضحية في نزاع مياه النيل؟ لقد قامت السياسة الخارجية الإثيوبية، على الدوام، على مبدأي الثنائية والتعددية. لم تكن إثيوبيا يومًا دولة أحادية! لقد كانت دائمًا تؤمن بالعمل الثنائي ومتعدد الأطراف. فقد كانت إثيوبيا من الأعضاء المؤسسين لعصبة الأمم عام 1920، وهي أول منظمة دولية متعددة الأطراف أُنشئت بهدف الحفاظ على السلام العالمي. وفي عام 1945، حلت الأمم المتحدة محل عصبة الأمم، وكانت إثيوبيا من الدول المؤسسة لها، وهي منظمة أُنشئت للحفاظ على السلم والأمن الدوليين وتعزيز العلاقات الودية بين الدول. وفي عام 1963، كانت إثيوبيا أيضًا من أبرز مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية. وأعلنت إثيوبيا أمام العالم أنها ستلتزم بإعلان المبادئ الخاص بسد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي وقعته إثيوبيا ومصر والسودان عام 2015. كما أن إثيوبيا من الدول الموقعة على الاتفاقية الإطارية التعاونية لحوض النيل، وهي معاهدة تهدف إلى إنشاء إطار قانوني ومؤسسي دائم للإدارة التعاونية لمياه حوض نهر النيل. وعلى خلاف الاتفاقيات التي أُبرمت في الحقبة الاستعمارية، والتي ركزت على تخصيص حصص محددة من المياه، تركز الاتفاقية الإطارية التعاونية على مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول، والتنمية المستدامة، وإنشاء مفوضية حوض نهر النيل بوصفها هيئة مشتركة لإدارة الحوض. وتهدف الاتفاقية إلى استبدال الترتيبات الثنائية المجزأة بمنهج موحد يشمل كامل الحوض، بما يعزز السلام الإقليمي، والأمن، والإدارة المتكاملة للموارد المائية. وقد وقعت الاتفاقية كل من إثيوبيا، وكينيا، ورواندا، وتنزانيا، وبوروندي، وجنوب السودان، وأصبحت ملزمة قانونًا اعتبارًا من 13 أكتوبر 2024. أما مصر والسودان، فقد رفضتا باستمرار التوقيع على الاتفاقية الإطارية التعاونية متعددة الأطراف. وفي خطابه بمناسبة حصوله على جائزة نوبل للسلام، أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد أمام العالم أجمع أن هدفه لإثيوبيا، ولمنطقة القرن الأفريقي، وما بعدها، هو السلام، ثم السلام، ثم المزيد من السلام. وقال: «يمثل القرن الأفريقي منطقة ذات أهمية استراتيجية. وتعمل القوى العسكرية الكبرى على توسيع وجودها العسكري في المنطقة. كما تسعى الجماعات الإرهابية والتنظيمات المتطرفة إلى إيجاد موطئ قدم لها. ونحن لا نريد أن يصبح القرن الأفريقي ساحة معركة للقوى العظمى، ولا ملاذًا للإرهابيين أو لتجار الإرهاب ووكلاء اليأس والبؤس. بل نريد أن تصبح أفريقيا خزينة للسلام والتقدم. بل إننا نريد للقرن الأفريقي أن يصبح قرن الوفرة لبقية أنحاء القارة.» وفي يونيو 2018، تعهد رئيس الوزراء آبي أحمد للشعب المصري في القاهرة قائلًا: «أقسم بالله أن إثيوبيا لن تُلحق أي ضرر بمياه مصر.» وحتى اليوم، لا توجد ذرة واحدة من الأدلة تثبت أن سد النهضة الإثيوبي الكبير ألحق أي قدر من الضرر بمصر. ويتعين على مصر والسودان التوقيع على الاتفاقية الإطارية التعاونية والانضمام إلى بقية الدول الشقيقة المطلة على النيل لتحقيق المنفعة المتبادلة من هذا النهر. وينبغي لمصر أن تتطلع إلى العمل المشترك مع دول حوض النيل، وأن تتخلى عن النهج العقيم القائم على مبدأ: إما طريقتي أو لا طريق. فلنعمل جميعًا، إثيوبيا ومصر والسودان، على جعل سد النهضة الإثيوبي الكبير مصدرًا للخير والوفرة، ليس لشعوبنا وحدها، بل للقارة الأفريقية بأسرها. ليكن سد النهضة الإثيوبي الكبير قرن الوفرة في القرن الأفريقي. وليكن سد النهضة الإثيوبي الكبير مصدر وفرة أفريقيا
أسبوع رسم ملامح المرحلة المقبلة لإثيوبيا نحو الإصلاح والتنمية والاستقرار
Jul 13, 2026 950
  بقلم هيئة التحرير ليست كل الأسابيع متشابهة؛ فبعضها يمر محملًا بالعناوين الإخبارية، بينما يكشف بعضها الآخر عن اتجاهات دولة بأكملها ومساراتها المستقبلية. وكان الأسبوع المنصرم من النوع الثاني، إذ شهد سلسلة من التطورات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية التي رسمت ملامح مرحلة جديدة لإثيوبيا، في وقت تسعى فيه إلى ترسيخ الإصلاحات، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ أسس الاستقرار والنمو المستدام. فمن إقرار البرلمان لأكبر موازنة اتحادية في تاريخ البلاد، إلى الاستعدادات الجارية لانعقاد المنتدى الوطني للحوار، عكست أجندة إثيوبيا خلال الأسبوع طموحًا أوسع يتمثل في بناء دولة قوية وقادرة على تحقيق التنمية، وحماية سيادتها، وتعزيز السلام الدائم. ولم تكن هذه التطورات أحداثًا منفصلة، بل شكلت في مجملها صورة متكاملة لدولة تمر بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها الإصلاحات الاقتصادية، والحكم الديمقراطي، والتعاون الإقليمي، والحفاظ على البيئة ضمن مسار وطني واحد. البرلمان يرسم ملامح العام المالي الجديد برزت أهم محطات الأسبوع داخل مجلس نواب الشعب الإثيوبي، حيث وافق النواب على موازنة اتحادية قياسية بلغت تريليونين وثلاثمائة وأربعين مليار بر للسنة المالية الإثيوبية المقبلة. وخلال تقديم تقرير الأداء السنوي للحكومة، استعرض رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد الإنجازات التي تحققت خلال الفترة الماضية، وحدد الأولويات الوطنية للمرحلة المقبلة، في خطاب شامل تناول مختلف القطاعات الحيوية، من التحول الاقتصادي والأمن الوطني إلى الصحة والتعليم وتعزيز الحكم الديمقراطي. وكان الاقتصاد في صدارة محاور الخطاب، حيث أعلن رئيس الوزراء أن إثيوبيا حققت عائدات تاريخية من الصادرات بلغت أحد عشر مليار دولار أمريكي، وهي أعلى حصيلة في تاريخ البلاد، مرجعًا ذلك إلى نتائج الإصلاحات الاقتصادية الكلية، وتحسن الإنتاجية، والجهود المبذولة لتنويع الصادرات وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي. وتهدف الموازنة الجديدة إلى البناء على هذه المكتسبات من خلال تمويل مشاريع البنية التحتية، وتوسيع الخدمات العامة، ودعم استمرار النمو الاقتصادي، مع الحفاظ على الانضباط المالي. كما قدم رئيس الوزراء رؤية وطنية أوسع تقوم على تعزيز الاعتماد على القدرات الذاتية، موضحًا أن إثيوبيا تعمل وفق إطار استراتيجي يرتكز على ثلاثة محاور لتعزيز الصمود الوطني، وحماية السيادة، ورفع قدرة المؤسسات المحلية على مواجهة التحديات التنموية والأمنية. وشكل موضوع الحكم الديمقراطي محورًا مهمًا في خطاب رئيس الوزراء، حيث أشار إلى الانتخابات العامة الأخيرة باعتبارها محطة جديدة في تطور المسار الديمقراطي للبلاد، مؤكدًا أنها عكست تنامي ثقة المواطنين في معالجة الخلافات السياسية عبر الوسائل الدستورية والديمقراطية. كما احتل تنمية الإنسان موقعًا بارزًا في أجندة الحكومة، حيث أكد رئيس الوزراء أن قطاع الصحة دخل مرحلة متقدمة نتيجة الاستثمارات المستمرة في توسيع الخدمات وتحسين جودتها، مشيرًا إلى تسارع إصلاحات التعليم بهدف رفع مستوى الجودة وتوسيع فرص الوصول وتأهيل الشباب الإثيوبي لمتطلبات الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة. وبذلك عكست جلسة البرلمان توجهًا حكوميًا نحو تحول وطني شامل يجمع بين التحديث الاقتصادي، وتعزيز المؤسسات، وتطوير الحكم الديمقراطي، والاستثمار في رأس المال البشري. الحوار الوطني يقترب من محطة تاريخية في الوقت الذي ركز فيه البرلمان على رسم ملامح المستقبل الاقتصادي، واصلت إثيوبيا استعداداتها لحدث وطني بارز يتمثل في انطلاق المنتدى الرئيسي للحوار الوطني. وخلال الأسبوع، بدأت الوفود القادمة من مختلف أنحاء البلاد في الوصول إلى العاصمة أديس أبابا للمشاركة في هذا الاستحقاق المنتظر، وسط تأكيدات على أن الحوار يمثل عملية وطنية يقودها الشعب الإثيوبي بهدف الوصول إلى توافقات حول القضايا الوطنية الكبرى. وأكد المشاركون وممثلو المجتمعات المحلية والقيادات المدنية أهمية الحوار باعتباره فرصة لتعزيز المصالحة الوطنية، وتقوية الوحدة، ووضع أسس مستدامة للسلام. كما دعا قادة دينيون إلى دعم العملية الحوارية، مؤكدين أنها تمثل مسارًا مهمًا نحو التعافي الوطني وتعزيز التفاهم المشترك بين مختلف مكونات المجتمع. ومع اقتراب انطلاق المنتدى، تتزايد الآمال في أن يسهم الحوار في بناء توافق حول القضايا التي شكلت المشهد السياسي الإثيوبي على مدى عقود. دعوات متجددة لترسيخ السلام في تيغراي ظلت التطورات في شمال إثيوبيا حاضرة ضمن أجندة الأسبوع، حيث جددت جهات مختلفة في إقليم تيغراي الدعوات إلى إنهاء التجنيد القسري، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على السلام وتسريع جهود التعافي وإعادة الإعمار. وأشار عدد من العاملين في مجال الإعلام إلى أن التقارير المتعلقة بالتجنيد القسري والاختطافات تعكس تراجع الدعم الشعبي للفصيل غير القانوني التابع لجبهة تحرير شعب تيغراي، معتبرين أن هذه الممارسات تمثل تهديدًا لمستقبل الشباب في الإقليم. كما حذرت الرئيسة السابقة لمجلس الاتحاد خيرية إبراهيم من استمرار ممارسات الجبهة السابقة التي تقوض مستقبل الأجيال الشابة في تيغراي وتهدد استقرار المنطقة. وأكدت هذه التطورات أهمية حماية المدنيين، والحفاظ على مكاسب اتفاقية بريتوريا للسلام، وضمان استمرار جهود التعافي في مسارها الصحيح. توسيع الشراكات الإقليمية والدولية شهد الأسبوع كذلك نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا، حيث أكدت الولايات المتحدة التزامها بتعزيز التعاون الأمني مع إثيوبيا دعمًا للسلام والاستقرار الإقليمي. كما عززت الشرطة الفيدرالية الإثيوبية والهيئة الحكومية للتنمية التعاون في مجالات الأمن الإقليمي من خلال مبادرات جديدة تهدف إلى تعزيز التنسيق المشترك. وفي إطار تطوير القدرات المؤسسية في منطقة القرن الأفريقي، تم إطلاق منحة أكاديمية في مجال علوم الأدلة الجنائية تكريمًا للأمين التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية، ورغبة في دعم بناء القدرات المهنية. وعلى صعيد الدبلوماسية المناخية، أجرى وزير الخارجية الإثيوبي غيديون تيموثيوس مباحثات مع السفير أندريه كوريا دو لاغو، الرئيس المعين لمؤتمر المناخ العالمي المقبل، في إطار استعدادات إثيوبيا لاستضافة مؤتمر المناخ العالمي الثاني والثلاثين. كما أكدت إثيوبيا خلال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التزامها بالتعاون البناء في قضايا حقوق الإنسان، ودعت إلى تعزيز التعاون الأفريقي في تطوير الكوادر الصحية المستقبلية. وفي المنتدى البرلماني للاستخبارات والأمن، شدد رئيس مجلس نواب الشعب تاغيسي تشافو على أهمية تعزيز التعددية الدولية والشراكات العالمية لمواجهة التحديات الأمنية المتشابكة. وتعكس هذه التحركات استمرار جهود إثيوبيا لتعزيز دورها في دعم الاستقرار الإقليمي، والتعاون القاري، والدبلوماسية متعددة الأطراف. الاستدامة والتراث والتكامل الإقليمي برزت خلال الأسبوع أيضًا جهود إثيوبيا في مجالات التنمية المستدامة وتعزيز الترابط الإقليمي، حيث عززت البلاد تعاونها في مجال الطاقة مع كينيا من خلال شراكة جديدة تهدف إلى تحسين إمدادات الكهرباء وتعزيز التكامل الإقليمي. كما شارك المشاركون في المنتدى البرلماني للاستخبارات والأمن في مبادرة البصمة الخضراء الإثيوبية من خلال زراعة الأشجار، حيث أشاد خبراء دوليون بالمبادرة باعتبارها نموذجًا شاملًا للعمل المناخي. وفي المجال الثقافي، أعلنت هيئة التراث الإثيوبية عن تقدم ملموس في جهود حماية الكنوز التاريخية والثقافية للبلاد، مؤكدة التزامها بالحفاظ على أحد أغنى الموروثات الحضارية في أفريقيا للأجيال القادمة. دولة تبني مستقبلها على المدى الطويل عند النظر إلى كل حدث بصورة منفصلة، يحمل كل منها أهمية خاصة، إلا أن جمع هذه التطورات يكشف صورة أكبر لدولة تعمل على عدة مسارات في وقت واحد. فإثيوبيا تمضي قدمًا في الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، والاستثمار في الإنسان، وحماية البيئة، وتوسيع شراكاتها الإقليمية والدولية. وأظهرت الاستعدادات للحوار الوطني رغبة البلاد في الوصول إلى التوافق عبر الحوار السلمي، بينما عكست مناقشات البرلمان الالتزام بالتحول الاقتصادي وتعزيز قدرة المؤسسات، وأكدت التحركات الدبلوماسية تنامي الدور الإقليمي والدولي لإثيوبيا. وفي المحصلة، لم يقدم الأسبوع مجرد مجموعة من الأخبار، بل رسم صورة لدولة تسعى إلى صياغة فصلها المقبل من خلال مؤسسات أقوى، وقدرة أكبر على الصمود، ورؤية طويلة الأمد تقوم على السلام والتنمية الشاملة والتجدد الوطني. ومع دخول إثيوبيا عامها المالي الجديد، تتضح رسالة أساسية مفادها أن مستقبل البلاد لا يُبنى عبر حدث واحد، بل من خلال تراكم الإصلاحات، وتعزيز الشراكات، وبناء المؤسسات التي تشكل معًا أساس التقدم المستدام.
عكس التيار: لماذا لا تستطيع التحالفات الإقليمية إيقاف صعود إثيوبيا ؟
Jul 10, 2026 1429
بقلم: هيئة التحرير يمرّ القرن الأفريقي بإحدى أكثر مراحله هشاشة خلال السنوات الأخيرة. فما تزال حالة عدم الاستقرار السياسي، والنزاعات المسلحة، والأزمات الإنسانية تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، في وقتٍ اشتدت فيه المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، مع انجذاب الجماعات المحلية بصورة متزايدة إلى صراعات جيوسياسية أوسع. وفي ظل هذه التطورات، تؤكد إثيوبيا أنها لا تزال متمسكة بالمضي قدماً في تنفيذ أجندة إصلاحها الوطني، من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، ودفع التحول الاقتصادي، وترسيخ دعائم السلام. وفي الوقت ذاته، أعربت الحكومة عن تزايد مخاوفها إزاء التحولات الجارية في البيئة الأمنية الإقليمية، والتي ترى أنها تشكل تهديداً لاستقرار منطقة القرن الأفريقي. ومن بين التطورات التي تحظى باهتمام متزايد، ما يصفه بعض المسؤولين الإثيوبيين بعودة تشكل اصطفاف إقليمي يضم السلطات في السودان وإريتريا، إلى جانب عناصر مرتبطة بالقيادة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة». ويرى المسؤولون أن هذا الاصطفاف، الذي سبق إحباطه، يسعى إلى تقويض طموحات إثيوبيا في مجالي الأمن والتنمية، بالتوازي مع توسيع نفوذه الإقليمي عبر توظيف أطراف بالوكالة. ولا يقتصر هدف هذا التحالف، بحسب الرؤية الإثيوبية، على عرقلة التقدم الوطني لإثيوبيا، بل يمتد إلى إطالة أمد عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وتهيئة بيئة تغذي النزاعات المسلحة، والنزوح، والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود. اتفاق بريتوريا شكّل اتفاق السلام في بريتوريا، الذي وُقّع في نوفمبر 2022، نقطة تحول أنهت الصراع الذي استمر عامين في شمال إثيوبيا، وأرست الأساس لعمليات إعادة الإعمار والتعافي في إقليم تيغراي. غير أن بعض القيادات للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة لم تلتزم، وفقاً للمسؤولين، بتنفيذ عدد من الالتزامات الأساسية الواردة في الاتفاق، ولا سيما البنود المتعلقة بنزع السلاح ونقل المسؤوليات إلى المؤسسات الفيدرالية. وبدلاً من الانخراط الكامل في برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، تشير السلطات إلى أن بعض الجماعات المسلحة واصلت عمليات تجنيد المقاتلين، بما في ذلك عبر وسائل قسرية. وقد عادت هذه الاتهامات إلى الواجهة عقب التقرير الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في السادس من يوليو 2026، والذي اتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة بتنفيذ حملات واسعة للتجنيد القسري، شملت أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم 15عاماً. وأشار التقرير إلى أن هذه الممارسات تصاعدت بعد أبريل 2026، عقب اعتماد ما وصفه بـ«إعلان تعبئة مثير للجدل» صدر في يونيو، والذي وسّع نطاق الخدمة العسكرية الإلزامية، وفرض عقوبات على الرافضين للتجنيد. وبحسب التقرير، فقد خلّفت هذه الممارسات آثاراً مدمرة على الأسر في إقليم تيغراي، بعدما دفعت أعداداً من الشباب إلى الانخراط في نزاعات مسلحة خارج الحدود الإثيوبية. كما نُقل بعض المجندين إلى السودان للمشاركة في الصراع الدائر هناك، وهو ما وصفه التقرير بأنه يمثل شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر عبر الحدود. كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقارير صادرة عن جهات حقوقية، عائلات تبحث عن أقارب مفقودين، فيما ناشدت أسر أخرى وضع حد لعمليات التجنيد القسري. وأدان مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا، غيتاتشو ردا، حملة التجنيد بشدة، قائلاً: "إن التجنيد القسري للشباب من المدارس والمؤسسات الدينية والشوارع، الذي تنفذه القيادات المتطرفة والهدامة في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، يمثل عملاً لا إنسانياً وخبيثاً، يكشف زيف شعاراتهم، ويُظهر استخفافهم بمستقبل وحياة أبناء الإقليم، كما يشكل انتهاكاً صارخاً لالتزامات السلام لا يمكن القبول به." الصراع في السودان وتداعياته الإقليمية أثارت حملة التجنيد المبلغ عنها أيضاً مخاوف بشأن تداعياتها المحتملة خارج الحدود الإثيوبية. وتشير تقارير واردة من مناطق في السودان إلى أن عناصر مسلحة مرتبطة بقيادات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة شاركت في عمليات عسكرية إلى جانب أطراف سودانية. ويرى مراقبون أن مثل هذا الانخراط من شأنه أن يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى إحلال السلام في السودان، وأن يقوض المبادرات الدبلوماسية التي تقودها المنظمات الإقليمية. وظلت إثيوبيا تدعو باستمرار إلى إطلاق حوار سياسي شامل يقوده السودانيون، وذلك من خلال كلٍ من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، مؤكدة أن التوصل إلى تسوية تفاوضية يظل الحل الوحيد القابل للاستدامة لإنهاء الصراع في السودان. سياسة إثيوبيا تجاه اللاجئين وعلى الرغم من تصاعد التوترات الإقليمية، تواصل إثيوبيا استضافة مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من السودان وإريتريا. ولا تقتصر سياسة البلاد تجاه اللاجئين على تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة، بل تمتد إلى تعزيز إدماجهم اجتماعياً واقتصادياً، عبر توسيع فرص الحصول على العمل والتعليم والخدمات العامة. وينعكس هذا التوجه في «خارطة طريق ماكاتيت»، التي تتبناها الحكومة بهدف دمج اللاجئين في المجتمعات المحلية، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية وخلق فرص تنموية للمجتمعات المستضيفة. وأشاد الصحفي السوداني، رئيس تحرير منصة «السلطة نت»، سالم إسماعيل، بالاستجابة الإنسانية التي قدمتها إثيوبيا، قائلاً إن البلاد وفرت بيئة آمنة مكّنت العديد من اللاجئين السودانيين من إعادة بناء حياتهم بعيداً عن ويلات الصراع. الصبر الاستراتيجي تشير الحكومة الإثيوبية إلى أن إثيوبيا اليوم تختلف بصورة جوهرية عن إثيوبيا مطلع تسعينيات القرن الماضي، مستندة في ذلك إلى ما تصفه بتعزيز مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين القدرات الوطنية. وخلال كلمته أمام مجلس نواب الشعب هذا الأسبوع، أكد رئيس الوزراء آبي أحمد أن سيادة إثيوبيا مصونة، ولا يمكن لأي طرف داخلي أو خارجي أن يهددها. وقال: "إذا تساءلتم لماذا انتهجت الحكومة الصبر وتجنبت الدخول في صراع في معظم المواقف، فلأن مثل هذا الصراع لا يحقق أي هدف ذي قيمة . وحتى لو عدنا إلى القتال مرة أخرى، فإن القتل والموت من أي طرف لن يحققا شيئاً ." وأضاف أن ضبط النفس الذي تنتهجه إثيوبيا يعكس الثقة وليس الضعف، مؤكداً أن الحكومة واصلت بصورة مطردة تعزيز قدرات البلاد على الردع والاستجابة للتهديدات. وقال: "لأننا نعرف مصادر التهديد التي تستهدف سلام إثيوبيا، فإننا نبني القدرات اللازمة لمنع أي استفزاز قد يصدر عنها والتعامل معه. وأود أن أؤكد لهذا المجلس أن إثيوبيا تمتلك اليوم القدرات الكافية للدفاع عن نفسها." ورأى رئيس الوزراء أن بعض خصوم إثيوبيا لا يزالون يستندون إلى تصورات قديمة لم تعد تعكس الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري الحالي للبلاد. وأضاف: "من يعتقد أن إثيوبيا اليوم هي إثيوبيا التي كانت قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، فإنه يرتكب خطأً جسيماً. لقد تغيرت إثيوبيا، وتغيرت مؤسساتنا، كما تغيرت قدراتنا." وفي السياق ذاته، شهدت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإصلاحات الواسعة، استهدفت تطوير هيكلها التنظيمي، ورفع جاهزيتها العملياتية، وتعزيز قدراتها التكنولوجية. وأكد رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، أن الجيش يواصل تحديث هيكل القيادة، والاستثمار في تقنيات دفاعية متقدمة، تشمل أنظمة الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، وأنظمة المدفعية الحديثة. وبحسب القيادات العسكرية، فإن هذه الإصلاحات تهدف إلى ضمان جاهزية البلاد للتعامل مع التهديدات الأمنية الإقليمية المتغيرة. كما شدد رئيس الوزراء آبي أحمد على أن استثمارات إثيوبيا في مجال الدفاع تستهدف صون السلام، وليس تشجيع الصراع. وقال: "خيارنا هو السلام، لكن السلام تحميه الجاهزية. ونحن نبني القدرات اللازمة لصون سيادة إثيوبيا وضمان ألا تتمكن أي قوة من تهديد أمننا الوطني." الحوار الوطني ترى الحكومة الإثيوبية أن عملية الحوار الوطني الجارية تمثل إحدى الركائز الأساسية لاستقرار البلاد على المدى الطويل. ويؤكد المسؤولون أن هذا الحوار يوفر منصة جامعة لمعالجة الخلافات السياسية الممتدة، مع تعزيز المؤسسات الدستورية والحد من فرص استغلال الأطراف الخارجية للانقسامات الداخلية. وجدد رئيس الوزراء التأكيد على أن مستقبل إثيوبيا يجب أن يُبنى على الحوار لا على العنف، قائلاً: "يجب أن تُحل الخلافات بين الإثيوبيين عبر الحوار، لا عبر فوهة البندقية. وحتى إذا عدنا إلى القتال مرة أخرى، فلن يكون هناك منتصر. إن السلام الدائم يتحقق من خلال النقاش والتفاهم المتبادل." ويرى المسؤولون أن بناء توافق وطني من خلال الحوار السلمي يعد شرطاً أساسياً لتعزيز صمود النظام السياسي وترسيخ السلام المستدام. التحول الاقتصادي بالتوازي مع الإصلاحات الأمنية، تواصل إثيوبيا تنفيذ أجندة طموحة للتحول الاقتصادي. وتؤكد الحكومة أن الإصلاحات الهيكلية التي تنفذها أسهمت في توسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز قطاعي الصناعة والزراعة، وزيادة النشاط السياحي، وتنويع مصادر الدخل الوطني. ومن بين أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تضعها الحكومة في صدارة أولوياتها مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تصفه بأنه ليس مجرد مشروع بنية تحتية استراتيجي، بل رمز للاعتماد الوطني على الذات. كما تشير الحكومة إلى مبادرة البصمة الخضراء، والتوسع في إنتاج القمح، ومشروعات تطوير الممرات التنموية الكبرى، باعتبارها شواهد على التقدم الاقتصادي الشامل الذي تشهده البلاد. ويرى المسؤولون أن هذه المبادرات أسهمت في تعزيز الأمن الغذائي، وتحسين البنية التحتية الحضرية، وزيادة جاذبية إثيوبيا كوجهة للاستثمار. وأكد رئيس الوزراء آبي أحمد أن الأمن الحقيقي لإثيوبيا على المدى الطويل يرتكز في نهاية المطاف على التنمية المستدامة والازدهار الوطني. وقال: "إن قوة الدولة لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، بل أيضاً بمتانة اقتصادها، ووحدة شعبها، وإصرارها على بناء مستقبل أفضل." الخاتمة في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي، تؤكد إثيوبيا أنها ستواصل تحقيق التوازن بين أولوياتها الأمنية الوطنية ومسؤولياتها الإنسانية على المستوى الإقليمي. ويشدد المسؤولون الحكوميون على أن البلاد ستبقى ملتزمة بدعم مبادرات السلام، واستضافة اللاجئين، وتعزيز التعاون الإقليمي، مع مواصلة اليقظة تجاه التهديدات الأمنية المتغيرة. وفي الوقت نفسه، أضافت مزاعم التجنيد القسري والانخراط عبر الحدود لعناصر مرتبطة بالقيادات للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة، بما في ذلك ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، بعداً جديداً من التعقيد إلى المشهد الأمني الهش في المنطقة. ويرى المسؤولون الإثيوبيون أن الحفاظ على الاستقرار، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومواصلة مسيرة التحول الاقتصادي، ستظل جميعها عناصر محورية في الاستراتيجية طويلة الأمد للبلاد، وهي تسعى إلى ترسيخ دورها باعتبارها إحدى ركائز السلام والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي. وجدد رئيس الوزراء آبي أحمد التأكيد على أن التزام إثيوبيا بالسلام يستند إلى الثقة بالنفس، وليس إلى الضعف. وقال: "إننا نسعى إلى السلام لأن السلام شرط لا غنى عنه لتحقيق التنمية. لكن لا ينبغي لأحد أن يفسر تمسكنا بالسلام على أنه ضعف. ستواصل إثيوبيا مد يدها للسلام، وفي الوقت نفسه ستواصل حماية سيادتها ومصالحها الوطنية." ومن منظور الحكومة، فإن أجندة الإصلاحات الوطنية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتنامي القدرات الاقتصادية، قد وضعت إثيوبيا في موقع يمكّنها من مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء. ويؤكد المسؤولون أن المحاولات التي تبذلها الأطراف المناهضة للسلام لعرقلة مسار إثيوبيا لن تتمكن من وقف تقدمها، مشيرين إلى أن صمود الدولة، ووحدة شعبها، والزخم الذي تحققه في مسيرة التنمية، ستظل عوامل حاسمة في رسم مستقبل البلاد.
كيف انتقلت جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة من التخريب الاقتصادي إلى الاتجار بشباب تيغراي؟
Jul 9, 2026 1756
    بقلم هيئة التحرير تترك كل حرب وراءها درسًا. بعض هذه الدروس تُدوَّن في كتب التاريخ، بينما تُكتب أخرى في معاناة وحياة الناس العاديين. بالنسبة لإثيوبيا، أصبح هناك درس يصعب تجاهله بشكل متزايد: فعندما تفشل وسيلة معينة لزعزعة استقرار الدولة، تظهر وسيلة أخرى لتحل محلها بسرعة. قبل سنوات، اعتمدت بقايا جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة على شبكات غير قانونية لتجارة الذهب، والتلاعب بسوق العملات الأجنبية، وممارسات التخريب الاقتصادي بهدف إضعاف الدولة الإثيوبية. لكن بدلًا من الالتزام بالسلام بعد اتفاق بريتوريا، اختارت المجموعة، وفقًا للانتقادات الموجهة إليها، طريقًا أكثر خطورة، يتمثل في تحويل شباب تيغراي إلى ضحايا جدد في صراعها من أجل البقاء السياسي. وقد عبّر رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد عن هذا الواقع بوضوح خلال كلمته في الجلسة الختامية للدورة الخامسة لمجلس نواب الشعب. ولم تكن كلمته مجرد استعراض لإنجازات الحكومة، بل حملت أيضًا تحذيرًا من أن المأساة الأكبر التي تتكشف اليوم في شمال إثيوبيا لا تأتي من أطراف خارجية، وإنما من جماعة مسلحة تُتهم بأنها تضحي بالأشخاص الذين تدّعي تمثيلهم. وقال رئيس الوزراء أمام البرلمان: "الأسوأ من ذلك كله أن عددًا كبيرًا من شباب تيغراي يتم اختطافهم قسرًا وبيعهم للانخراط في الصراع الدائر في السودان." وأضاف: "في الحرب السودانية، يفقد شباب تيغراي حياتهم في نزاع لا علاقة لهم به. وكأن الأزمة داخل إثيوبيا لم تكن كافية، فقد امتدت الآن إلى السودان. وفي كل هذه الظروف، يظل شعب تيغراي هو الضحية الأولى." لقد عكست هذه التصريحات تحولًا مؤلمًا في مسار الأحداث. فالجماعة التي اعتمدت في السابق على شبكات اقتصادية غير مشروعة لتمويل نشاطها، وصلت، بحسب ما ذكره رئيس الوزراء، إلى مرحلة أصبح فيها شبابها أنفسهم ضحايا للاستغلال. ومع فقدان القدرة على استعادة الشرعية السياسية، وغياب الرغبة في تحقيق السلام، وتراجع الثقة الشعبية، لجأت العناصر المسلحة المتبقية إلى التجنيد القسري ونقل شباب تيغراي إلى حرب خارج حدود إثيوبيا. إن هذا الانحدار المأساوي لا يعكس مصالح شعب تيغراي، بل يعكس حالة من اليأس لدى قيادة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها بأي ثمن. ولشرح أسباب استمرار دائرة الصراع رغم محاولات السلام المتكررة، استخدم رئيس الوزراء تشبيه "الفأس والحطّاب". وقال: "هذا الفأس الرمزي يتكون من ثلاثة أطراف مختلفة. الطرف الأول هو الرأس الحديدي الحاد الذي يقوم بعملية القطع. والطرف الثاني هو المقبض الخشبي المنحني الذي يثبت الرأس الحديدي. أما الطرف الثالث فهو اليد التي تمسك بالمقبض وتستخدم الفأس." ثم أوضح عناصر التشبيه قائلًا: "تعمل جبهة تحرير شعب تيغراي مثل الرأس الحديدي للفأس، بينما يشبه المقبض الخشبي نظام أسمرا. أما القادة الأساسيون والأطراف صاحبة المصلحة فهم كيانات منفصلة. فإذا واجهنا فقط الرأس الحديدي للفأس، فإن الصراع سيستمر ما دام المقبض موجودًا، وإذا واجهنا المقبض، فلن يتحقق السلام الدائم ما دامت الجهة التي تحرك المقبض قائمة." وقد توافقت هذه الرؤية مع تصريحات عدد من المسؤولين السابقين في جبهة تحرير شعب تيغراي خلال الأشهر الماضية. فقد قال أريغاوي برهي، أحد المؤسسين الأوائل للجبهة والذي غادرها لاحقًا، إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهودًا حقيقية لتنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام، إلا أن الجناح المسلح لم يكن مستعدًا للالتزام به. وأضاف: "كانت الحكومة الفيدرالية تعمل بجد لتسهيل عملية السلام في المنطقة، لكن الطرف الذي تلقى هذه الجهود لم يكن مستعدًا لأي اتفاق سلام." وأشار إلى أن المجموعة استخدمت اتفاق السلام كفرصة لإعادة تنظيم صفوفها. وقال: "لقد أرادوا استخدام عملية سلام بريتوريا لكسب الوقت وإعادة ترتيب أنفسهم لمواصلة أهدافهم الفاشلة." وأوضح أن العديد من المقاتلين القدامى تركوا التنظيم بعد أن فقدوا الأمل في القيادة الحالية. وقال: "غادر معظم أفراد الجيل القديم من الجيش التنظيم لأنهم لا يرون مستقبلًا تحت هذه القيادة." وأضاف أن الجماعة لجأت لتعويض النقص إلى استهداف الأطفال والشباب. وقال: "إنهم يخطفون أطفالًا لا تتجاوز أعمار بعضهم الثالثة عشرة والرابعة عشرة." وأشار إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى إرسال أبنائها عبر البحر الأحمر والسودان هربًا من التجنيد القسري. كما حذر البروفيسور كينديا غبرهيويت، الذي شغل منصب رئيس أمانة مجلس الوزراء في الإدارة الانتقالية الأولى لإقليم تيغراي، من خطورة الخلط بين الجماعة المسلحة وشعب تيغراي. وقال: "يجب ألا يخلط الإثيوبيون بين هذه الجماعة المسلحة وشعب تيغراي." وأضاف أن هذه المجموعة "لا تستطيع الاستمرار دون خلق أجواء من الصراع والمواجهة". وأوضح أن فرص السلام والتعافي تعرضت للتقويض بشكل متكرر، مشيرًا إلى أن الإدارات الانتقالية المتعاقبة واجهت عراقيل عندما حاولت تحقيق الاستقرار في الإقليم. وقال: "كلما ظهرت فرصة لتعزيز السلام والتعافي والاستقرار المؤسسي، يسعون إلى خلق العقبات والحفاظ على حالة المواجهة." كما وجه تحذيرًا واضحًا بشأن مستقبل شباب تيغراي، مؤكدًا أن كثيرًا منهم يرفضون العودة إلى الحرب. ومن جانبه، أشار رئيس الوزراء إلى مفارقة مؤلمة، موضحًا أن مواطنًا من تيغراي يعيش بسلام في مدن مثل أديس أبابا، وبحردار، وغوندار، ودسي، وبشوفْتو، وأداما، وأربا مينتش، وهواسا، يتمتع اليوم بحرية وأمان أكبر من كثيرين يعيشون داخل تيغراي نفسها. ورغم الاستفزازات المتكررة، أكدت الحكومة الفيدرالية أنها اختارت المصالحة بدلًا من الانتقام. وأوضح رئيس الوزراء أمام البرلمان أن الحكومة مولت عملية نزع السلاح وإعادة دمج أكثر من ستين ألف مقاتل سابق، وأعادت خدمات الاتصالات والمصارف والطيران وغيرها من الخدمات العامة، وفتحت طرق النقل، كما امتنعت عن مصادرة ممتلكات قادة سابقين في جبهة تحرير شعب تيغراي. وفي الوقت نفسه، تصاعد القلق الدولي بشأن الوضع. وفرضت الولايات المتحدة قيودًا على تأشيرات بعض الشخصيات المتشددة . وقال الرئيس السابق للإدارة الانتقالية في تيغراي، غيتاتشو ردا، إن أهمية القرار لا تكمن فقط في منع السفر، بل في اعتراف واشنطن بالجهة التي تتحمل مسؤولية تصاعد التوترات. كما أعربت منظمة هيومن رايتس ووتش عن مخاوف بشأن إعلان يمنح صلاحيات واسعة للتجنيد الإجباري، محذرة من أنه يعكس بعض الممارسات القمعية التي شهدتها المنطقة. وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى تنامي قناعة بأن الخطر الأكبر الذي يواجه تيغراي اليوم لا يأتي من شعبها، بل من جماعة مسلحة تضع استمرار الصراع فوق مصالح السلام والاستقرار. وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء أن إثيوبيا أصبحت تدرك مصدر عدم الاستقرار، وأنها مستعدة للدفاع عن سيادتها في مواجهة أي استفزازات مستقبلية. وقال: "بما أننا ندرك تمامًا المصدر الحقيقي لزعزعة السلام في إثيوبيا، فإنني أؤكد لهذا البرلمان الموقر أننا نبني القدرة اللازمة لردع أي استفزاز صادر من ذلك المصدر." وأضاف: "أؤكد لكم أننا نمتلك الجاهزية الكاملة والقدرة اللازمة للدفاع عن وحدة إثيوبيا وسيادتها ضد أي تهديد." لقد عانى شعب تيغراي سنوات طويلة من الحرب والنزوح والمعاناة. وهو يستحق التعافي والاستقرار والفرصة لإعادة بناء حياته. لكن تحقيق هذا المستقبل يتطلب إنهاء السياسات التي حولت معاناته مرارًا إلى أداة لتحقيق طموحات أطراف أخرى.
الحوار الوطني الإثيوبي: إرادة الشعب تصنع القرار وترسم مستقبل الدولة
Jul 6, 2026 2623
بقلم: تدروس حَبنوم 7 يوليو 2026 (إينا) مع اقتراب الخامس عشر من يوليو، الموعد المقرر لانطلاق مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، تقف إثيوبيا عند مفترق طرق تاريخي يحمل في طياته فرصة لإعادة رسم مستقبل البلاد. فقد أُنشئت المفوضية الإثيوبية للحوار الوطني عام 2021، في مرحلة اتسمت باضطرابات سياسية حادة، استجابةً لسؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أنهكتها المظالم التاريخية المتجذرة والصراعات الأهلية أن تبني مستقبلاً مستقراً وموحداً؟ وقد اختارت إثيوبيا الإجابة الأكثر جرأة وديمقراطية، والمتمثلة في تمكين الشعب من رسم مصيره بنفسه. وعلى مدى عقود، هيمنت على المشهد السياسي الإثيوبي مقاربة تقودها النخب، حيث كانت اتفاقيات السلام والعقود الاجتماعية تُصاغ خلف الأبواب المغلقة من قبل القيادات السياسية. غير أن التجربة أثبتت أن مثل هذه التسويات، رغم قدرتها على احتواء الأزمات الآنية، تظل هشة بطبيعتها، لأنها تعالج الأعراض دون معالجة جذور المشكلات البنيوية، كما أنها تتجاوز الإرادة الشعبية ولا تعكس تطلعات المواطنين. ويمثل الحوار الوطني الحالي تحولاً جذرياً عن هذا النهج التقليدي، إذ يضع الإرادة السيادية للمواطنين في صميم عملية بناء الدولة، باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق سلام مستدام. ولإدراك أهمية هذه المبادرة، لا يكفي النظر إلى المؤتمر بوصفه حدثاً افتتاحياً، بل ينبغي النظر إلى العملية الممتدة التي مهدت له على مدار عدة سنوات. فمنذ عام 2021، عملت المفوضية، بصفتها مؤسسة مستقلة، على تنفيذ عملية تشاورية واسعة النطاق شملت أكثر من 1,200 دائرة إدارية في مختلف أنحاء البلاد، من خلال مشاورات شعبية انطلقت من القاعدة إلى القمة. ولم تكن هذه العملية مجرد استطلاع للآراء، بل مثلت جهداً وطنياً غير مسبوق للاستماع إلى المجتمعات التي طالما شعرت بالتهميش والإقصاء من النقاش الوطني. وقد أسهمت هذه المرحلة التحضيرية الطويلة في إحداث تحول مهم في الوعي الوطني، إذ أُتيحت للمواطنين فرصة المشاركة في حوارات هادئة ومنظمة، بعيداً عن ضغوط الاستقطاب السياسي، مما ساعد على ترسيخ ثقافة الحوار كنهج دائم. كما أثبتت سنوات جمع القضايا المطروحة وإجراء الدراسات الميدانية أن الملكية الحقيقية لهذه العملية تعود إلى الشعب الإثيوبي. ومن ثم، فإن المؤتمر المرتقب يمثل تتويجاً لحراك وطني واسع انطلق من القاعدة الشعبية، حيث جاءت الموضوعات المطروحة للنقاش استجابة مباشرة لما طرحه المواطنون أنفسهم. من احتكار النخب إلى الشمول الوطني تكمن القوة الديمقراطية الأساسية لهذا الحوار في نجاحه في كسر الاحتكار التاريخي للنخب السياسية لعملية صنع القرار الوطني. فمن خلال التوجه المباشر إلى المجتمعات المحلية، ضمنت المفوضية أن تعكس الجلسات العامة المقبلة التنوع الحقيقي للنسيج الاجتماعي الإثيوبي. وقد تجسد هذا الالتزام بالشمولية بصورة واضحة عندما أعلن رئيس المفوضية، البروفيسور مسفن أرايا، الانتهاء من إعداد الأجندة الوطنية النهائية. ويضم المشاركون في الحوار طيفاً واسعاً من مكونات المجتمع، يشمل الزعماء التقليديين والدينيين، وممثلي الشباب، والجمعيات النسائية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب أطراف أخرى، بما يتجاوز الأطر السياسية التقليدية. وفي هذا الفضاء الوطني، يحظى صوت المزارع أو الراعي بالمكانة نفسها التي يحظى بها أي شخصية سياسية أو نخبوية، من حيث القيمة والشرعية في عملية الحوار. ويمنح هذا التمثيل الواسع مخرجات الحوار سلطة أخلاقية جماعية يصعب الطعن فيها، ويحول مبدأ الشفافية من مجرد شعار سياسي إلى ممارسة واقعية. إدارة مستقلة وإسناد معرفي متخصص ومن أهم العوامل التي تعزز مكانة الحوار الوطني باعتباره الخيار الأمثل لمستقبل البلاد، وجود فصل واضح بين الجهات المشرفة على تنفيذ العملية. فقد صُممت البنية التنظيمية بما يضمن استقلالية الحوار بصورة كاملة، بحيث يقتصر دور الحكومة الإثيوبية على تقديم الدعم اللوجستي، وتوفير التمويل، وتأمين أماكن انعقاد الجلسات، بما يكفل بيئة آمنة ومحايدة تسمح بتبادل الآراء بحرية، بعيداً عن أي ضغوط سياسية أو مؤسسية. وللارتقاء بمستوى النقاشات دون التأثير في نتائجها، اعتمدت المفوضية جلسات إحاطة يقدمها خبراء وباحثون مستقلون، يقتصر دورهم على تزويد المشاركين بالبيانات الموضوعية والتحليلات العلمية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والهيكلية المعقدة. ويهدف هذا الدعم المعرفي إلى الحد من الاستقطاب العاطفي، بما يضمن أن تستند القرارات النهائية للمشاركين إلى المعرفة والحقائق، وأن تصدر عن إرادتهم الحرة بصورة كاملة. الركائز الأساسية للعقد الاجتماعي الجديد تستند خارطة الطريق التي ستوجه مداولات المؤتمر إلى مجموعة من المحاور الرئيسية التي جرى استخلاصها من آلاف المقترحات التي قدمها المواطنون خلال المشاورات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد. وتتناول هذه المحاور أبرز القضايا الهيكلية اللازمة لترسيخ استقرار الدولة الإثيوبية وتحديثها، وفي مقدمتها قضايا بناء الدولة، وتحديد الرموز الوطنية والهوية المشتركة، ومعالجة النقاشات الدستورية المتعلقة بالنظام الفيدرالي والهياكل الإدارية. كما تشمل الأجندة بحث أوضاع المدن الفيدرالية، وتعزيز التعايش المؤسسي بين الأديان، وترسيخ استقلال السلطة القضائية، وتعزيز حماية حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، لا تقتصر الأجندة على القضايا الدستورية الكبرى، بل تولي اهتماماً مباشراً بالهموم المعيشية للمواطنين في الريف والحضر، من خلال التركيز على احتياجات المزارعين والرعاة، وإصلاح الإدارة العامة، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، ووضع أطر شاملة لتحقيق السلام المستدام والمصالحة الوطنية. ويؤكد هذا التكامل بين القضايا البنيوية والاحتياجات اليومية للمواطنين أن أجندة الحوار تنطلق من الواقع، وتعكس الأولويات التي حددها الشعب الإثيوبي نفسه. ترسيخ ثقافة التوافق الوطني في نهاية المطاف، سيُقاس الإرث الحقيقي للحوار الوطني بقدرته على إحداث تحول دائم في الثقافة السياسية الإثيوبية. فعلى مدى أجيال، ظلت المنافسة السياسية في البلاد محكومة بمنطق الإقصاء والصراع الصفري، الذي يقوم على فوز طرف مقابل خسارة الآخر. أما هذا الحوار، فيقدم جسراً مؤسسياً نحو نموذج سياسي تعددي قائم على التوافق، وهو شرط أساسي لبناء دولة قوية وقادرة على مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية. كما أن الدعوات المستمرة التي يوجهها رئيس المفوضية، البروفيسور مسفن أرايا، إلى الأطراف المقاطعة والجماعات المسلحة للمشاركة في الحوار، تؤكد أن هذه المبادرة لا تزال تمثل مظلة وطنية جامعة، لا تشترط سوى الالتزام بالمسار السلمي والبناء. فمستقبل إثيوبيا لا يمكن أن يُفرض بالقوة، ولا أن تحدده فئة محدودة. وإنما يتحقق عبر إرادة جماعية تؤمن بأن الوطن مسؤولية مشتركة. ومن خلال إسناد رسم خارطة المستقبل إلى مواطنيها، تؤكد إثيوبيا أن الشعوب، عندما تُمنح حق الاختيار، تختار السلام والاستقرار والتعايش المشترك.
السياحة وصادرات البن القياسية والحوار الوطني ترسم ملامح أسبوع من التقدم في إثيوبيا
Jul 6, 2026 1689
  أديس أبابا، 06 يوليو/ 2026 (إينا) اختتمت إثيوبيا الأسبوع بتحقيق تقدم ملحوظ في مختلف القطاعات الرئيسية، مما ساهم في دفع أجندة التنمية الوطنية. عززت السياحة مكانتها كركيزة استراتيجية للتحول الاقتصادي، وبلغت صادرات البن مستوى قياسياً غير مسبوق، واكتسبت الجهود الدبلوماسية زخماً جديداً، واستمرت الاستعدادات لحوار وطني شامل في التقدم. من رؤية رئيس الوزراء آبي أحمد للسياحة كمحرك رئيسي للنمو الاقتصادي، إلى عائدات صادرات البن القياسية، والاعتراف الدولي المتزايد بالأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا، والجهود المتواصلة لبناء توافق وطني من خلال الحوار، عكست تطورات الأسبوع مسيرة إثيوبيا في توسيع أسس نموها الاقتصادي، وبناء السلام، والانخراط الدولي. السياحة محور التحول الاقتصادي وضع رئيس الوزراء آبي أحمد قطاع السياحة في صدارة أجندة التنمية الإثيوبية هذا الأسبوع، واصفاً إياه بالمحرك الجديد للتحول الاقتصادي في البلاد. في مقابلة حصرية مع هيئة الإذاعة الوطنية (NBC)، صرّح رئيس الوزراء بأن إثيوبيا تتجاوز مجرد إدراك إمكاناتها السياحية، وتتجه نحو تطوير وترويج ثرواتها التاريخية والثقافية والطبيعية الغنية بشكل منهجي. وأشار إلى أنه على الرغم من امتلاك البلاد لموارد سياحية استثنائية، إلا أن محدودية الترويج وعدم كفاية تطوير الوجهات السياحية حالا دون تحقيق القطاع لكامل إمكاناته لفترة طويلة. وتجلّت رؤية الحكومة بشكل أوضح في وقت لاحق من الأسبوع عندما تفقد رئيس الوزراء آبي أحمد مشروع طريق تشانو-تشينشا الجاري تنفيذه في جنوب إثيوبيا. ويعكس مشروع الطريق، الذي يبلغ طوله 29 كيلومترًا ، نهج الحكومة المتكامل لتطوير البنية التحتية والترويج السياحي. ووفقًا لرئيس الوزراء، فإن تحسين شبكة الطرق سيسهل السفر، ويحفز الأعمال التجارية المحلية، ويوسع فرص السياحة، ويحسن سبل العيش، مع إطلاق العنان للإمكانات البيئية والثقافية والاقتصادية الهائلة للمنطقة. كما شجع الإثيوبيين وأفراد الجالية الإثيوبية في الخارج والزوار الدوليين على الاستمتاع بجمال المنطقة الطبيعي الفريد وتراثها الثقافي الغني. أكدت تصريحات رئيس الوزراء ومشروع البنية التحتية، مجتمعين، على توجه سياسي أوسع. إذ يُنظر إلى السياحة بشكل متزايد ليس فقط كأصل ثقافي، بل أيضاً كركيزة استراتيجية لخلق فرص العمل، وتوليد العملات الأجنبية، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام. ارتفاع تاريخي في صادرات البن حققت إثيوبيا إنجازاً هاماً في قطاع البن، مسجلةً عائدات تصديرية غير مسبوقة بلغت ثلاثة مليارات دولار أمريكي. يعكس هذا الرقم القياسي الجهود المتواصلة لزيادة الإنتاجية، وتحسين الجودة، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق، وتعزيز الصادرات الزراعية. وباعتباره السلعة التصديرية الرئيسية في البلاد، لا يزال البن يلعب دوراً حيوياً في توليد العملات الأجنبية ودعم التحول الاقتصادي الشامل في إثيوبيا. دبلوماسيون يُبرزون الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا كان تزايد الثقة الدولية بإثيوبيا تطوراً بارزاً آخر خلال الأسبوع. وصف أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدون لدى أديس أبابا إثيوبيا بأنها وجهة جذابة بشكل متزايد للاستثمار والتجارة، مع إقرارهم بدورها المحوري في تعزيز السلام والاستقرار والتعاون الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي. عكس تقييمهم توسع الانخراط الدبلوماسي لإثيوبيا وأهميتها المستمرة كمركز سياسي واقتصادي في القارة الأفريقية. الحوار الوطني يتقدم نحو التوافق وتستمر الجهود المبذولة لتعزيز الوحدة الوطنية في اكتساب زخم متزايد. وصف رئيس مفوضية الحوار الوطني، يوناس أداي، الحوار الوطني بأنه خطوة هامة نحو بناء توافق وطني وتحقيق سلام دائم. وأيد البروفيسور الفخري ألمايهو جبر مريم هذا الرأي، قائلاً إن الحوار يمثل مساراً حيوياً نحو السلام والتقدم والازدهار، مؤكداً أن المشاركة الفعّالة تتيح فرصة لحل الخلافات من خلال التشاور والتفاهم المتبادل. ومع استمرار الاستعدادات، يبقى الحوار الوطني أحد أهم المبادرات الوطنية الإثيوبية الرامية إلى تعزيز المصالحة، وتوطيد التوافق الديمقراطي، وإرساء أسس الاستقرار الدائم. انضمام السلك الدبلوماسي إلى مبادرة القيادة العالمية كما برزت الدبلوماسية البيئية بشكل لافت خلال الأسبوع. شارك أعضاء السلك الدبلوماسي في أديس أبابا في حملة إثيوبيا لزراعة الأشجار ضمن مبادرة "الإرث الأخضر" خلال زيارتهم إلى مدينة لاليبيلا. وسلّطت مشاركتهم الضوء على الاعتراف الدولي المتزايد بمبادرة إثيوبيا البيئية الرائدة، في الوقت الذي عزز التعاون في مجالات التكيف مع تغير المناخ، وإعادة تأهيل النظم البيئية، والتنمية المستدامة. كما أبرز الحدث الأهمية التاريخية والثقافية الفريدة لمدينة لاليبيلا، موضحًا كيف يمكن لجهود الحفاظ على البيئة والسياحة التراثية أن تُكمّل بعضها بعضًا. استمرار إصلاحات مجال الدفاع على الصعيد الأمني، أعلنت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية أنها تواصل إصلاحاتها المؤسسية الشاملة وجهود التحديث لتعزيز قدراتها العملياتية. وصرح المشير برهانو جولا بأن هذه الإصلاحات تُنفذ استجابةً لبيئة أمنية متزايدة التعقيد، ولتعزيز الاحترافية والجاهزية العملياتية، وقدرة القوات على مواجهة تحديات الأمن القومي المتطورة. ويعكس التحديث المستمر التزام إثيوبيا الأوسع ببناء مؤسسات قوية وفعّالة قادرة على حماية السيادة الوطنية مع التكيف مع متغيرات الواقع الأمني ​​الإقليمي والعالمي. أسبوع من التقدم الشامل عكست تطورات الأسبوع جهود إثيوبيا المتواصلة لتنويع محركات نموها الاقتصادي مع تعزيز المؤسسات التي تدعم التنمية الوطنية طويلة الأجل. تبرز السياحة كركيزة استراتيجية إلى جانب الزراعة والصناعة. وقد حققت صادرات البن إنجازًا تاريخيًا، مما يعزز مكانة إثيوبيا في الأسواق العالمية. يواصل الشركاء الدوليون إدراك الدور الاستراتيجي للبلاد في تحقيق السلام والاستقرار والتعاون الاقتصادي الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يُسهم الحوار الوطني في تعزيز الجهود الرامية إلى بناء التوافق والمصالحة، بينما تُعزز المبادرات البيئية والدفاعية الأولويات الوطنية طويلة الأجل. وبالنظر إلى هذه التطورات مجتمعة، يتضح أن البلاد تسعى إلى تنفيذ أجندة تنموية شاملة تهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومؤسسات أقوى، ومستقبل أكثر استدامة.
نتائج الانتخابات، وزخم الإصلاح، والديناميكيات الإقليمية ترسم ملامح أسبوع إثيوبيا
Jun 29, 2026 4175
  29 يونيو/ 2026 (إينا) شهد الأسبوع الرابع من عام 2026 إحدى أهم الفترات في المشهد السياسي والاقتصادي لإثيوبيا في الآونة الأخيرة. فقد هيمنت ثلاثة أحداث رئيسية على الأجندة الوطنية: الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات العامة السابعة، وتزايد الأدلة على أن برنامج الإصلاح الاقتصادي المحلي يُترجم إلى نتائج ملموسة عقب قمة "إثيوبيا تُنجز" التاريخية، وتجدد النقاش حول الأمن الإقليمي في ظل الديناميكيات الجيوسياسية المتغيرة في القرن الأفريقي. وتُظهر هذه الأحداث مجتمعةً دولةً تُعزز مؤسساتها الديمقراطية، وتُحرز تقدماً في التحول الاقتصادي الهيكلي، وتُواجه بيئة أمنية إقليمية بالغة التعقيد. كما تُؤكد عزم إثيوبيا على تعزيز قدرتها على الصمود الوطني، مع ترسيخ موقعها الاستراتيجي في إحدى أهم المناطق الجيوسياسية في أفريقيا. الانتخابات تمنح تفويضًا سياسيًا متجددًا أعلن المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا رسميًا النتائج النهائية للانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا، والتي شملت مجلس نواب الشعب ومجالس الولايات الإقليمية، مؤكدًا فوزًا ساحقًا لحزب الازدهار الحاكم. وبحصوله على أغلبية ساحقة في كل من البرلمان الاتحادي والمجالس الإقليمية، حصل حزب الازدهار على تفويض شعبي متجدد لمواصلة تنفيذ برنامجه الإصلاحي. إلى جانب تحديد القيادة السياسية، مثّلت الانتخابات علامة فارقة أخرى في مسيرة إثيوبيا الديمقراطية. وقد عزّزت الأجواء السلمية للانتخابات والمشاركة الواسعة للمواطنين أهمية المؤسسات الدستورية والعمليات الانتخابية في رسم مستقبل البلاد السياسي. الإصلاحات الاقتصادية تنتقل من السياسات إلى الأداء وكان من بين الإنجازات البارزة أيضاً اختتام قمة "إثيوبيا تُنجز" الوطنية بنجاح، والتي عُقدت تحت شعار "من الإصلاح إلى التغيير الدائم". ربما قدمت القمة أوضح دليل حتى الآن على أن أجندة الإصلاح الاقتصادي المحلي في إثيوبيا تتجاوز تصميم السياسات إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس. بدلاً من التركيز على إنجازات منفردة، قدمت القمة صورة شاملة للتحول الهيكلي، موضحةً كيف تُعزز الإصلاحات في المالية العامة والزراعة والتعدين والتصنيع والبنية التحتية والتكنولوجيا الرقمية والتنمية الحضرية وتشجيع الاستثمار بعضها بعضاً لبناء اقتصاد أكثر تنافسية ومرونة وتنوعاً. وفي افتتاح القمة، وصف رئيس الوزراء آبي أحمد برنامج الإصلاح بأنه مشروع بناء وطني طويل الأمد، وليس مجرد سلسلة من التعديلات السياسية قصيرة الأجل. وبالنظر إلى الإصلاحات من منظور فلسفة ميديمر، أكد أن التحديث الاقتصادي والتحول الرقمي والإصلاح المؤسسي والتنمية الاجتماعية تُشكل ركائز متكاملة للتقدم الوطني المستدام. وبالتزامن مع كلمة رئيس الوزراء، قدّم مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى تفاصيل الإصلاحات الجارية في مجالات المالية والنقد والاستثمار والقطاعات، والتي تُعزّز استقرار الاقتصاد الكلي، وتُوسّع في الوقت نفسه القدرة الإنتاجية في القطاعات الاستراتيجية. وقد عزّزت القمة، في مجملها، الثقة المتزايدة بأنّ أجندة الإصلاح في إثيوبيا تتحوّل بثبات من التزامات سياسية طموحة إلى تحوّل اقتصادي ملموس. الحوار الوطني يتقدّم نحو توافق شامل وشهد الأسبوع إنجازًا هامًا آخر، تمثّل في إعلان اللجنة الوطنية الإثيوبية للحوار رسميًا عن الركائز الثماني للأجندة الموضوعية التي ستُوجّه منتدى المشاورات الوطنية القادم في البلاد. تم تطوير هذا الإطار عبر سنوات من المشاورات على مستوى البلاد، وإحدى أوسع عمليات المشاركة العامة في تاريخ إثيوبيا، وهو يوفر خارطة طريق منظمة لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية العالقة منذ زمن طويل، من خلال حوار شامل وسلمي ووطني. يمثل هذا الإعلان خطوة هامة نحو ترسيخ بناء التوافق وخلق منصة شاملة لمعالجة القضايا المحورية لاستقرار إثيوبيا على المدى الطويل وتماسكها الوطني. المخاوف الأمنية لا تزال تُؤثر على الديناميكيات الإقليمية بينما عكست التطورات السياسية والاقتصادية الثقة، ظل الأمن الإقليمي سمة بارزة في الخطاب الوطني خلال الأسبوع. وفي كلمة ألقاها في مؤتمر للأمن القومي نظمته كلية الدفاع الوطني الإثيوبية في أديس أبابا، أكد مستشار رئيس الوزراء لشؤون شرق أفريقيا، غيتاشيو ردا، أن النظام الإريتري لا يزال يسعى لتحقيق هدف استراتيجي قديم يتمثل في إضعاف إثيوبيا. ووفقًا للمستشار، فإن حسابات إريتريا الأمنية لطالما ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الداخلي لإثيوبيا. أكد أن إثيوبيا المسالمة والموحدة والمزدهرة اقتصاديًا تُشكّل تحديًا جوهريًا للافتراضات الاستراتيجية التي اعتمد عليها النظام الإريتري طويلًا. وقد أضفت تصريحاته زخمًا جديدًا للمناقشات الجارية حول الأمن الإقليمي والتغيرات الجيوسياسية في القرن الأفريقي. وقد عبّرت حركة المعارضة الإريترية المعروفة باسم "الثورة الخضراء" عن مخاوف مماثلة. ففي مقابلة مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، وصف رئيس الحركة، محمد أحمد أسناي، الحكومة الإريترية بأنها مصدر رئيسي لعدم الاستقرار في المنطقة. ووفقًا له ، فقد دأب النظام تاريخيًا على إطالة أمد حكمه من خلال استغلال الصراعات الإقليمية ودعم الجماعات المسلحة في جميع أنحاء القرن الأفريقي. وأكد أن تحقيق سلام إقليمي دائم يتطلب في نهاية المطاف معالجة الأزمة السياسية الداخلية في إريتريا جنبًا إلى جنب مع جهود بناء السلام الإقليمية الأوسع نطاقًا. أدى تقارب هذه الرؤى من المسؤولين الإثيوبيين وشخصيات المعارضة الإريترية إلى تكثيف النقاش حول مستقبل البنية الأمنية لمنطقة القرن الأفريقي، وأهمية معالجة العوامل الهيكلية المسببة لعدم الاستقرار الإقليمي. الصورة الأوسع تُظهر تطورات هذا الأسبوع، مجتمعةً، ثلاث أولويات رئيسية تُحدد مسار إثيوبيا الوطني: ترسيخ الديمقراطية، والتحول الاقتصادي الهيكلي، والأمن القومي. أعطت نتائج الانتخابات الرسمية شرعية سياسية متجددة لبرنامج الإصلاح الحكومي. وأظهرت قمة "إثيوبيا تُنجز" الوطنية أن الإصلاحات الاقتصادية الشاملة تُترجم بشكل متزايد إلى مكاسب ملموسة في استقرار الاقتصاد الكلي، والاستثمار، وتحديث المؤسسات. وفي الوقت نفسه، يُشير التقدم المُحرز في عملية الحوار الوطني إلى التزام متزايد بحل القضايا الوطنية العالقة منذ زمن طويل من خلال التشاور السلمي والشامل، بينما تُؤكد المناقشات الأمنية الجارية على أهمية حماية هذه المكاسب في ظل بيئة إقليمية تزداد تعقيدًا. مع مُضي إثيوبيا قُدمًا في برنامجها التنموي الطموح، سيستمر التفاعل بين الحكم الديمقراطي، والإصلاح الاقتصادي، والحوار الوطني، والأمن الإقليمي في تشكيل مستقبل البلاد. أظهر الأسبوع الرابع من عام 2026 أن هذه ليست محادثات وطنية منفصلة، ​​بل هي ركائز مترابطة تدعم سعي إثيوبيا الأوسع نطاقاً لتحقيق السلام الدائم والازدهار المستدام والاستقرار الاستراتيجي.
من الإصلاح إلى التغيير المستدام: رحلة إثيوبيا نحو عهد تنموي جديد
Jun 24, 2026 5380
بقلم: تدروس حَبنوم أديس أبابا، 24 يونيو 2026 (إينا) – شكّل خطاب رئيس الوزراء آبي أحمد خلال القمة الوطنية "إثيوبيا تُنجز"، المنعقدة تحت شعار "من الإصلاح إلى التغيير المستدام"، أكثر من مجرد استعراض للمنجزات، إذ قدّم رؤية استراتيجية لمستقبل البلاد. وجاءت الرسالة الأساسية واضحة: الإصلاحات ليست محطات نهائية، بل هي أساسات تُبنى عليها عملية تحول وطني طويل الأمد. وأكد رئيس الوزراء أن "بناء الدولة عملية جماعية مستمرة"، في إشارة إلى فلسفة ترى التنمية كمشروع ممتد بين الأجيال، لا كمجموعة إنجازات منفصلة. ووفق مبدأ "مدمر" (التكامل عبر العمل المشترك)، سعت مسيرة التحول منذ عام 2018 إلى دمج التحديث الاقتصادي، والإصلاح المؤسسي، وتوسيع البنية التحتية، وحماية البيئة، والانخراط الدبلوماسي، ضمن مسار وطني واحد. ومع انتقال البلاد من إطلاق الإصلاحات إلى مرحلة ترسيخها، لم يعد السؤال حول ما إذا كان التغيير قد بدأ، بل حول كيفية ضمان استدامته وتحويله إلى رخاء طويل الأمد. إعادة بناء الاقتصاد عبر إصلاحات هيكلية عند تولي الحكومة الحالية السلطة عام 2018، واجهت إثيوبيا تحديات اقتصادية كبيرة شملت ضغوط الديون، ونقص النقد الأجنبي، واختلالات في الاقتصاد الكلي. ورداً على ذلك، أطلقت الحكومة أحد أكثر برامج الإصلاح الاقتصادي طموحاً في تاريخ البلاد. تم فتح قطاعات استراتيجية كانت حكراً على الدولة تدريجياً أمام القطاع الخاص. كما أدخلت إصلاحات بارزة في قطاع الاتصالات، سمحت بدخول مشغلين عالميين إلى السوق الإثيوبية، ما عزز المنافسة وجذب الاستثمارات. وشملت الإصلاحات النقدية أيضاً تحرير سعر الصرف لمعالجة التشوهات الاقتصادية وتعزيز ثقة المستثمرين. وقد مهدت هذه الخطوات لاتفاقيات تمويل مهمة مع مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما ساهم في استقرار الاقتصاد وتهيئة بيئة للنمو طويل الأجل. "مدمر" وتعزيز التماسك الوطني في قلب التحول السياسي الإثيوبي تبرز فلسفة "مدمر". فهي ليست مجرد شعار سياسي، بل إطار مفاهيمي يوجّه جهود تعزيز الوحدة الوطنية والعمل الجماعي. وقد شكّل تأسيس حزب الازدهار عام 2019 إعادة هيكلة مهمة للمشهد السياسي، إذ جمع أطرافاً إقليمية وسياسية متنوعة تحت مظلة وطنية واحدة. وفي موازاة ذلك، جاء إنشاء "اللجنة الوطنية للحوار الإثيوبي" كمسار مؤسسي لمعالجة المظالم التاريخية عبر الحوار والتفاعل الدستوري. وتعكس هذه المبادرات معاً توجهاً أوسع نحو تعزيز التماسك الوطني باعتباره شرطاً أساسياً للتنمية المستدامة والاستقرار طويل الأمد. التحول الزراعي والأمن الغذائي يُعد القطاع الزراعي أحد أبرز مؤشرات الطموح التنموي في إثيوبيا. فمن خلال برنامج واسع لإنتاج القمح المروي، أعادت البلاد صياغة نهجها في الإنتاج الزراعي بشكل جذري. ومع توسع البنية التحتية للري وتحديث أساليب الزراعة وإدخال الميكنة، انتقلت إثيوبيا من الاعتماد على استيراد القمح إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتصدير الفائض إلى الأسواق المجاورة. وفي سياق تعزيز هذا التحول، رفع رجل الأعمال أليكو دانغوتي التزام مجموعته الاستثمارية في إثيوبيا من 2.5 مليار دولار إلى أكثر من 4 مليارات دولار، عقب زيارة عمل إلى مدينة غودي في إقليم الصومال، حيث استقبله رئيس الوزراء. ويُتوقع أن يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على الواردات الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي على المدى الطويل. استثمار الإمكانات الطاقية أصبح قطاع الطاقة أحد الأعمدة الأساسية للاستراتيجية التنموية الإثيوبية. ويُعد تدشين المرحلة الأولى من مشروع الغاز الطبيعي المسال في إقليم الصومال خطوة مهمة نحو التصنيع وتنويع الصادرات. وفي الوقت ذاته، يظل التوسع في الطاقة المتجددة محوراً رئيسياً في رؤية البلاد. ويبرز مشروع "عائشة 2" لطاقة الرياح كأحد أكبر المشاريع في المنطقة، مؤكداً التزام إثيوبيا بالموازنة بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية. البصمة الخضراء: تنمية عبر حماية البيئة تُعد مبادرة "البصمة الخضراء" من أبرز المشاريع التي حظيت باعتراف دولي، حيث دمجت الاستدامة البيئية ضمن الأجندة التنموية الوطنية. وقد أسهمت الحملة في تعبئة ملايين المواطنين لزراعة مليارات الأشجار، واستعادة الأراضي المتدهورة، ومكافحة التصحر والتغير المناخي. كما فتحت آفاقاً اقتصادية مرتبطة بمشاريع الحفاظ على البيئة والكربون. ومنذ انطلاقها، تم زراعة ما يُقدّر بنحو 48 مليار شتلة في أنحاء البلاد. وبناءً على هذا الزخم، وضعت الحكومة هدفاً لزراعة 8 مليارات شتلة إضافية خلال موسم الأمطار الحالي، تعزيزاً لرؤية بيئية أكثر استدامة. السياحة كمحرك للنمو شهد قطاع السياحة تحولاً ملحوظاً ضمن الأجندة التنموية. فقد أعادت مشاريع مثل منتزه إنطوطو الطبيعي وحديقة الصداقة تعريف المساحات الترفيهية الحضرية، فيما ساهمت مبادرات “العشاء من أجل الأمة” و“العشاء من أجل إثيوبيا” في جذب استثمارات في وجهات سياحية عالمية. كما تسهم مشاريع مثل غورغورا وكويشا وونشي في ترسيخ مكانة إثيوبيا كوجهة ناشئة للسياحة الفاخرة والبيئية والمؤتمرات، مع خلق فرص عمل وإبراز التراث الثقافي والطبيعي للبلاد. سد النهضة والريادة الإقليمية في الطاقة يظل سد النهضة أحد أبرز رموز الطموح التنموي للبلاد. ومع دخوله مرحلة توليد الكهرباء، يعيد تشكيل المشهد الطاقي الوطني ويعزز التكامل الإقليمي. ومن خلال اتفاقيات تصدير الطاقة إلى الدول المجاورة، تعزز إثيوبيا دورها كمركز إقليمي للطاقة، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي في شرق إفريقيا. إعادة تصور المدن الإثيوبية تعمل مبادرة تطوير الممرات الحضرية على إعادة تشكيل المدن الإثيوبية عبر استثمارات واسعة في الطرق، والبنية التحتية للمشاة، والمساحات العامة، وأنظمة الصرف الصحي، والتجميل البيئي. ولا تقتصر هذه المشاريع على تحسين البنية التحتية، بل تهدف إلى بناء مدن أكثر نظافة وكفاءة وقابلية للعيش، قادرة على دعم النمو الاقتصادي المستقبلي. التحول نحو المستقبل الرقمي إدراكاً لأهمية الابتكار في تعزيز التنافسية المستقبلية، كثفت إثيوبيا استثماراتها في مجالات العلوم والتكنولوجيا. ويعكس تأسيس “المعهد الإثيوبي للذكاء الاصطناعي” التوجه نحو توظيف التقنيات الحديثة في مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتنبؤ المناخي. كما يُعد متحف العلوم والتكنولوجيا في أديس أبابا منصة لتعزيز الابتكار وإلهام الجيل الجديد من الباحثين ورواد الأعمال. حضور دبلوماسي متصاعد إلى جانب التحولات الداخلية، عززت إثيوبيا حضورها على الساحة الدولية. وبصفتها مقراً للاتحاد الإفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تواصل أديس أبابا لعب دور العاصمة الدبلوماسية للقارة. كما يعكس فوز البلاد باستضافة قمة المناخ التابعة للأمم المتحدة لعام 2027 اعترافاً متزايداً بدورها في مجال الطاقة المتجددة والعمل المناخي. وفي السياق ذاته، وسّعت إثيوبيا شراكاتها الاستراتيجية مع دول مثل تركيا والهند وماليزيا، في حين يمثل انضمامها إلى مجموعة بريكس خطوة مهمة نحو تنويع علاقاتها الاقتصادية والجيوسياسية. من الإصلاح إلى التغيير المستدام لا تُختزل قصة إثيوبيا منذ عام 2018 في كونها سلسلة إصلاحات، بل هي مسار لتحويل التحول المؤقت إلى تقدم مؤسسي مستدام. وكما أشار رئيس الوزراء في القمة الوطنية، فإن بناء الدولة مسؤولية تتجاوز الأجيال. والتحدي القادم لا يتمثل فقط في الحفاظ على المكتسبات، بل في تحويلها إلى قاعدة لانطلاقة نحو مزيد من الازدهار والاستقرار والوحدة. ولا تزال رحلة “من الإصلاح إلى التغيير المستدام” في طور التشكل، لكن مسارها الحالي يشير إلى أن إثيوبيا تتجه ليس فقط نحو تغيير واقعها الراهن، بل نحو صياغة مستقبلها أيضاً.
وزير الخارجية الإثيوبي يدعو إلى بناء شراكة أقوى بين إثيوبيا والمملكة المتحدة
Jun 22, 2026 2276
  أديس أبابا، 22 يونيو 2026 (إينا) دعا وزير الخارجية الإثيوبي جيديون تيموثيوس إلى بناء شراكة أقوى بين إثيوبيا والمملكة المتحدة، ترتكز على الحوار والثقة المتبادلة والتعاون المشترك لمواجهة التحديات العالمية واستثمار الفرص الجديدة بما يحقق الازدهار للبلدين. وخلال كلمة ألقاها في مأدبة عشاء دبلوماسية بالعاصمة البريطانية لندن، أكد الوزير أن العلاقات الإثيوبية البريطانية تتجاوز إطار التعاون الحكومي التقليدي، مشيراً إلى عمق الروابط الإنسانية والشعبية التي تجمع البلدين.   وذكرت وزارة الخارجية الإثيوبية، في منشور على منصاتها للتواصل الاجتماعي، أن جيديون شدد على أهمية العلاقات المتنامية بين مؤسسات الأعمال والجامعات والجاليات الإثيوبية والبريطانية والمواطنين، معتبراً أن هذه الروابط الإنسانية تشكل أساساً متيناً لشراكة مستدامة وطويلة الأمد تقوم على التفاهم المتبادل والمصالح المشتركة. كما استعرض وزير الخارجية مسيرة الإصلاحات الجارية في إثيوبيا ورؤيتها التنموية طويلة المدى، مسلطاً الضوء على الجهود المبذولة لتعزيز الاقتصاد الوطني، وتوسيع الفرص أمام الشباب، وتحقيق نمو شامل ومستدام. وأعرب جيديون عن تفاؤله بمستقبل البلاد، مشيداً بقدرة الشعب الإثيوبي على الصمود وبالفرص المتزايدة التي أتاحها التحول الاقتصادي الذي تشهده إثيوبيا. وفي معرض حديثه عن آفاق التعاون المستقبلي، حدد قطاعات التجارة والاستثمار والتعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار والتكيف مع تغير المناخ باعتبارها مجالات استراتيجية واعدة لتعزيز الشراكة بين إثيوبيا والمملكة المتحدة. وأكد الوزير أن تنامي التحديات العالمية وتسارع التحولات الدولية يجعلان من بناء شراكات دولية قوية أمراً ضرورياً لتحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطنين وتعزز التنمية المشتركة. وخلال الفعالية، أشاد إرنست أمبي، رئيس شبكة العمل الأفريقية، بالدور الذي تضطلع به الشبكة في تعزيز حضور أفريقيا وتأثيرها داخل دوائر صنع السياسات والأعمال والدبلوماسية في المملكة المتحدة، كما سلط الضوء على الزخم الاقتصادي الذي تشهده إثيوبيا، واصفاً إياها بأنها من أكبر الأسواق الأفريقية وأكثرها نمواً.   من جانبه، أكد سفير إثيوبيا لدى المملكة المتحدة، بيروك ميكونين، أهمية المنصات التي تجمع بين قادة الحكومات وقطاع الأعمال وصناع القرار، لما لها من دور في تعزيز العلاقات البريطانية الأفريقية وتوسيع مجالات التعاون في التجارة والاستثمار والابتكار. ووصف السفير العلاقات المتنامية بين إثيوبيا والمملكة المتحدة بأنها بوابة واعدة لتعزيز الفرص الاقتصادية وتوسيع الشراكات التجارية، معرباً عن ثقته بأن توثيق التعاون بين البلدين، وبين المملكة المتحدة وأفريقيا بشكل عام، سيسهم في تحقيق الازدهار المشترك ودعم النمو والتنمية المستدامة.
الإصلاحات الانتخابية تعكس التقدم الديمقراطي في إثيوبيا
Jun 22, 2026 1885
  بقلم أحد المحررين يُنظر إلى النجاح في إجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا على نطاق واسع على أنه انعكاس للتطور الديمقراطي المستمر في البلاد. وأشار المراقبون إلى أن العملية الانتخابية أظهرت تقدما كبيرا في الحكم الديمقراطي، مدفوعا بسلسلة من الإصلاحات المؤسسية والإدارية والتكنولوجية التي تم تنفيذها في السنوات الأخيرة. يُنظر إلى النجاح في إجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا على نطاق واسع على أنه انعكاس للتطور الديمقراطي المستمر في البلاد. وأشار المراقبون إلى أن العملية الانتخابية أظهرت تقدما كبيرا في الحكم الديمقراطي، مدفوعا بسلسلة من الإصلاحات المؤسسية والإدارية والتكنولوجية التي تم تنفيذها في السنوات الأخيرة. وقد لعبت هذه الإصلاحات دورا حاسما في تعزيز نزاهة وفعالية النظام الانتخابي. و ساهم تعزيز المؤسسات الانتخابية، وتحسين القدرة الإدارية، وإدخال التكنولوجيات الحديثة في جعل عملية التصويت أكثر شفافية وكفاءة ومصداقية. وبحسب المراقبين، فقد ساعدت هذه التدابير على زيادة ثقة الجمهور في الإطار الانتخابي مع ضمان إجراء إدارة الانتخابات بطريقة مهنية وخاضعة للمساءلة. وشدد المراقبون كذلك على أن الإصلاحات وسعت الفرص لمشاركة المواطنين وشمولهم على نطاق أوسع. ومن خلال تحسين أنظمة تسجيل الناخبين، وتعزيز الخدمات اللوجستية الانتخابية، وتعزيز آليات الرقابة، تمكنت الانتخابات من استيعاب مشاركة ملايين الناخبين عبر بيئات جغرافية واجتماعية متنوعة. بالنسبة للعديد من المحللين، تعني هذه التطورات أكثر من مجرد الإدارة الناجحة لانتخابات واحدة. وهي تمثل جزءا من جهد أوسع لتوطيد الحكم الديمقراطي، وتعزيز المؤسسات العامة، وتعزيز الثقافة السياسية المرتكزة على مشاركة المواطنين والعمليات الدستورية. وبالتالي فإن الانتخابات تمثل مؤشرا هاما على التزام البلاد ببناء نظام ديمقراطي أكثر شمولا وشفافية ومرونة. وأشار المراقبون إلى أن التقدم الذي تم تحقيقه من خلال هذه الإصلاحات يوفر أساسًا قويًا للعمليات الانتخابية المستقبلية ويقدم دروسًا قيمة للتقدم المستمر للحكم الديمقراطي في إثيوبيا. بعد الانتهاء بنجاح من الانتخابات، أشادت بعثات مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) للانتخابات الإثيوبية لعام 2026 بالإنجاز الكبير الذي تحقق في العملية الانتخابية في البلاد. خلال الإحاطة الإعلامية المشتركة بشأن النتائج الأولية التي توصلوا إليها في وقت سابق من هذا الشهر، أكد رؤساء بعثة الاتحاد الأفريقي لمراقبة الانتخابات وبعثة مراقبة الانتخابات التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) لانتخابات إثيوبيا عام 2026، أن الانتخابات تؤكد الالتزام الوطني المشترك بالاستقرار والدستورية والتقدم الديمقراطي. وقال رئيس بعثة الاتحاد الأفريقي والرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، أثناء تقديم البيان الأولي للبعثة، إن الانتخابات أجريت ضمن إطار قانوني ومؤسسي يدعم الحكم الديمقراطي على نطاق واسع. وشدد الرئيس أوهورو أيضاً على ضرورة التذكير بأن إثيوبيا أمة وقفت في وجه موجة الاستعمار، موحدة ولم تخضع للاستعمار قط، مشيراً كذلك إلى أن إثيوبيا أمة دافعت عن استقلال أفريقيا وحقها في الحكم الذاتي؛ نتيجة لذلك، أصبحت عاصمة أفريقيا. من جانبها، قالت رئيسة بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) ونائبة الرئيس الأوغندي السابقة، سبيسيوسا وانديرا كازيبوي، إن الانتخابات مثّلت علامة فارقة في التطور الديمقراطي والانتخابي لإثيوبيا. أشادت وانديرا كازيبوي بشعب إثيوبيا وحكومتها والمجلس الوطني للانتخابات وجميع الجهات الفاعلة في العملية الانتخابية لإجرائهم انتخابات ناجحة ونزيهة. وأكدت رئيسة البعثة التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) أن الانتخابات العامة تمثل علامة فارقة في مسيرة التطور الديمقراطي والانتخابي في إثيوبيا، لا سيما مع إدخال إصلاحات تكنولوجية ومؤسسية جوهرية تهدف إلى تحسين إدارة الانتخابات وتعزيز شمولية ومصداقية المشاركة الانتخابية. وأضافت أن هذه الخطوة الهامة في مسيرة التطور الديمقراطي والانتخابي في إثيوبيا تتجلى بوضوح في الإصلاحات المؤسسية والإدارية والتكنولوجية الكبرى. وباسم بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، قدمت وانديرا كازيبوي خالص التهاني للحكومة وشعب إثيوبيا على سير العملية الانتخابية بشكل سلمي ومنظم. وأكدت مجدداً أن هذه الانتخابات تؤكد التزاماً وطنياً مشتركاً بالاستقرار والدستورية والتقدم الديمقراطي. وبناءً على ذلك، تؤكد إيغاد مجدداً التزامها بدعم حكومة وشعب إثيوبيا في تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد وإجراء انتخابات نزيهة. وبالمثل، عقب اختتام الانتخابات بنجاح، رحّب وفد الاتحاد الأوروبي لدى إثيوبيا، إلى جانب البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد، بإجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا في الأول من يونيو/حزيران 2026. وأشاد الوفد بجهود المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، والعاملين في الانتخابات، والأحزاب السياسية، والمرشحين، ومنظمات المجتمع المدني، مُثنيًا على الدور الهام الذي اضطلع به الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) كمراقبين دوليين. وقد اختتمت إثيوبيا بنجاح انتخاباتها العامة السابعة التاريخية في الأول من يونيو/حزيران، حيث شارك ملايين المواطنين سلميًا في الإدلاء بأصواتهم. وبإجراء هذه الانتخابات التاريخية، متجاوزةً مختلف التحديات ومُظهرةً صمودًا في وجه كل الصعاب، أثبتت إثيوبيا مثابرتها وقدرتها على الصمود، محققةً بذلك انتصارًا وطنيًا، مدعومًا بالتزام وطني مشترك من جانب الإثيوبيين بالاستقرار والدستورية والتقدم الديمقراطي.
الانتخابات التي غيّرت قواعد اللعبة: إعادة ضبط المسار الديمقراطي في إثيوبيا
Jun 21, 2026 523
بقلم: هيئة التحرير أديس أبابا، 21 يونيو 2026 (إينا) – برزت الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا كعلامة فارقة في المسار الديمقراطي المتطور للبلاد، إذ لم تعكس مجرد نتائج سياسية، بل جسّدت تحولًا أعمق في كيفية التنافس على السلطة، وانتقالها، واكتسابها للشرعية. ومع حصول حزب الازدهار على تفويض انتخابي حاسم، تؤكد هذه الانتخابات تحولًا أوسع وأكثر أهمية، يتمثل في الانتقال التدريجي ولكن الثابت من المنافسة السياسية التي كانت تُحسم تاريخيًا بمنطق القوة، نحو نظام حكم يرتكز بصورة متزايدة على صناديق الاقتراع، والمؤسسات، والنظام الدستوري. وبعيدًا عن النتائج النهائية، يُنظر إلى انتخابات 2026 على نطاق واسع باعتبارها انعكاسًا لإعادة هندسة البنية الديمقراطية في إثيوبيا. وبالنسبة للمراقبين، فإن هذه الانتخابات لا تمثل مجرد حدث انتخابي عابر، بل تشكل تجسيدًا لإصلاحات طويلة الأمد تستهدف إعادة تشكيل الثقافة السياسية في البلاد وتعزيز أسس الحكم التمثيلي. وخلال السنوات الأخيرة، شرعت إثيوبيا في تنفيذ إصلاحات انتخابية واسعة النطاق تهدف إلى تعزيز المصداقية والشفافية والكفاءة الإدارية. وقد تمحورت هذه الجهود حول تعزيز قدرات المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، إلى جانب تحسين أنظمة تسجيل الناخبين، وتطوير التنسيق اللوجستي، ودمج التقنيات الرقمية في إدارة العملية الانتخابية. وقد أسهمت هذه الإصلاحات مجتمعة في تحديث العملية الانتخابية بصورة كبيرة، عبر بناء منظومة أكثر تنظيمًا وشفافية وإدارة مهنية. ويرى مراقبون للانتخابات أن هذه التغييرات انعكست بشكل مباشر على مشاركة المواطنين. فقد أتاح التوسع في تغطية تسجيل الناخبين، وتحسين الوصول إلى مراكز الاقتراع، ورفع كفاءة الترتيبات اللوجستية، لملايين الإثيوبيين في مختلف الأقاليم فرصة المشاركة في العملية الديمقراطية. كما حظي إدخال الأدوات الرقمية بإشادة خاصة لدوره في تسهيل التحقق من بيانات الناخبين وتعزيز مشاركة الشباب الأكثر ارتباطًا بالتكنولوجيا. لكن، إلى جانب التحسينات الإدارية، يؤكد محللون وجود تحول مؤسسي أعمق. فالإطار الانتخابي المتطور في إثيوبيا لم يعد يهدف فقط إلى إدارة الانتخابات، بل إلى ترسيخ المبادئ الديمقراطية داخل منظومة الحكم الأوسع، عبر تعزيز المساءلة، والشمول، والدستورية كركائز مستدامة للحياة السياسية. وعقب الانتخابات، أقرت بعثات المراقبة الإقليمية والدولية بالتقدم الذي أحرزته إثيوبيا. وأشادت بعثة مراقبة الانتخابات التابعة لـالاتحاد الإفريقي، إلى جانب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية، بسير عملية التصويت بشكل سلمي عمومًا، وبالإصلاحات المؤسسية التي دعمت العملية الانتخابية. وخلال إحاطة مشتركة في أديس أبابا، وصف الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا، رئيس بعثة مراقبة الاتحاد الإفريقي، الانتخابات بأنها جرت ضمن إطار قانوني ومؤسسي داعم بصورة عامة للحكم الديمقراطي. وأشار إلى أن يوم الاقتراع اتسم بالهدوء والتنظيم في معظم مراكز التصويت التي تمت مراقبتها، مع مشاركة الناخبين دون اضطرابات تُذكر. كما لفت إلى الدور المتنامي لأنظمة التسجيل الرقمي في تحسين إمكانية الوصول، خصوصًا لدى فئة الشباب. وبالمثل، وصفت نائبة الرئيس الأوغندية السابقة سبيسيوزا وانديرا-كازيبوي، التي ترأست بعثة إيغاد، الانتخابات بأنها محطة مهمة في التطور الديمقراطي لإثيوبيا. وأشادت بالجهود المشتركة للمؤسسات الانتخابية، والهيئات الحكومية، والأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، في ضمان سير العملية الانتخابية بصورة سلمية ومنظمة بشكل عام. كما أكدت أن الإصلاحات المستمرة عززت من شمولية ومصداقية المشاركة الانتخابية. من جهتها، رحبت بعثة الاتحاد الأوروبي لدى إثيوبيا أيضًا بسير الانتخابات، مشيدة بمساهمات السلطات الانتخابية، والفاعلين السياسيين، ومنظمات المجتمع المدني. كما أقرت، إلى جانب البعثات الدبلوماسية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بالدور الذي لعبه المراقبون الدوليون، بما في ذلك الاتحاد الإفريقي وإيغاد، في تعزيز الشفافية والمصداقية خلال العملية الانتخابية. وتعكس هذه التقييمات مجتمعة توافقًا دوليًا متزايدًا على أن إثيوبيا تمضي بثبات نحو ترسيخ الحكم الديمقراطي من خلال الإصلاح المؤسسي والتطور السياسي المنظم. وبالنسبة للعديد من المحللين، فإن أهمية الانتخابات العامة السابعة تتجاوز بكثير نتائجها السياسية المباشرة. فهي تمثل جهدًا وطنيًا أوسع يهدف إلى تحقيق الاستقرار في منظومة الحكم عبر الآليات الدستورية، مع توسيع نطاق المشاركة السياسية الفاعلة ضمن إطار أكثر وضوحًا وقائم على القواعد. ويرى مراقبون أن التجربة الإثيوبية تقدم نموذجًا لافتًا للبناء الديمقراطي التدريجي، حيث تتكامل تقوية المؤسسات، والابتكار التكنولوجي، والشمول المجتمعي، في صياغة مصداقية انتخابية تتعزز بمرور الوقت. ومع مضي البلاد قدمًا، تمثل انتخابات 2026 محطة مفصلية ومرجعًا مهمًا في مسار التطور الديمقراطي لإثيوبيا، إذ لا تعكس مجرد انتقال سياسي، بل تؤكد أيضًا استمرار ترسيخ المؤسسات المصممة لضمان استدامة التنافس الديمقراطي في إطار النظام الدستوري.
نهضة السياحة في إثيوبيا: جسر يربط التاريخ والثقافة بالتحول الاقتصادي
Jun 19, 2026 1776
بقلم: يوردانوس د. قليل من الدول في العالم تستطيع الادعاء بأنها تروي قصة الإنسانية نفسها، وإثيوبيا واحدة من تلك الدول. فمن بقايا أقدم أسلاف الإنسان المتحجرة إلى الممالك العريقة التي وقفت يومًا بين أعظم حضارات العالم، تمتلك إثيوبيا عمقًا تاريخيًا وثراءً ثقافيًا فريدين لا مثيل لهما. وتزخر البلاد بمواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، ومناظر جبلية خلابة، وتقاليد نابضة بالحياة، ومجتمعات متنوعة، ما جعلها تمتلك منذ زمن طويل جميع المقومات اللازمة لتكون وجهة سياحية عالمية المستوى. ومع ذلك، ظل هذا الإمكان السياحي الهائل غير مستغل بالشكل الكافي طوال فترات طويلة من تاريخها الحديث، نتيجة فجوات البنية التحتية، وضعف الترويج الدولي، ومحدودية الاستثمارات، إلى جانب التحديات الجيوسياسية المتكررة التي أعاقت القطاع عن تحقيق كامل قيمته الاقتصادية والاجتماعية. أما اليوم، فتشهد إثيوبيا واحدة من أكثر عمليات التحول السياحي طموحًا في القارة الإفريقية. فما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه وجهة مخصصة لعشاق التاريخ والمغامرين، يتحول تدريجيًا إلى اقتصاد سياحي متكامل ومتعدد الأبعاد يجمع بين التراث والطبيعة والثقافة وسياحة الأعمال والتجارب الحضرية الحديثة. وفي مختلف أنحاء البلاد، تُرمم المعالم التاريخية، وتُستحدث وجهات جديدة، وتُطوَّر المساحات الخضراء، بينما يترسخ دور السياحة كركيزة استراتيجية للتنمية الوطنية. لقد تغير هذا المسار التاريخي بصورة حاسمة؛ إذ تعيد إثيوبيا تموضعها تدريجيًا من وجهة سياحية محدودة تعتمد أساسًا على التراث التاريخي إلى اقتصاد سياحي قوي ومتنوّع يدمج بسلاسة بين الثقافة العريقة والطبيعة الخلابة وسياحة المؤتمرات الحديثة والتجارب الحضرية المتجددة. الجذور التاريخية لفهم الإمكانات السياحية لإثيوبيا، لا بد أولًا من استيعاب العمق التاريخي الاستثنائي الذي تتمتع به. فعلى عكس العديد من الوجهات التي تعتمد على معالم مصطنعة، تستند إثيوبيا في جاذبيتها الأساسية إلى أصالتها ومكانتها بوصفها أحد مواطن نشأة الحضارة الإنسانية. تبدأ الرواية السياحية العالمية لإثيوبيا مع فجر الإنسانية نفسها. ففي وادي أواش الأدنى، المدرج ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، اكتُشفت "لوسي"، الهيكل العظمي الشهير لإنسانٍ أولي يعود عمره إلى 3.2 مليون سنة، وهو اكتشاف غيّر فهم البشرية لتطور الإنسان. وقد انتقل تطوير السياحة المرتبطة بهذا الإرث من مجرد بعثات أكاديمية متخصصة إلى سياحة تعليمية متاحة للجميع، مدعومة بمرافق حديثة مثل متحف العلوم الإثيوبي والمعارض المطورة في المتحف الوطني بأديس أبابا. أما مدينة أكسوم التاريخية، قلب الإمبراطورية الأكسومية، فقد اعتُبرت في يوم من الأيام واحدة من القوى الأربع العظمى في العالم القديم إلى جانب روما وفارس والصين. واليوم تستقطب المدينة الزوار بفضل مسلاتها الشاهقة المنحوتة من كتلة حجرية واحدة، ومقابرها الملكية القديمة، وكنيسة السيدة مريم صهيون التي يُعتقد أنها تضم تابوت العهد المذكور في النصوص الدينية. وفي الجنوب، تجسد مدينة غوندر براعة العمارة الإثيوبية في القرن السابع عشر خلال عهد السلالة السليمانية. ويضم مجمع فاسيل غيبي الملكي قصورًا فخمة وقاعات احتفالات وحمامات ملكية تعكس مزيجًا فريدًا من التأثيرات المعمارية الإثيوبية. كما تظل كنائس لاليبيلا الإحدى عشرة المنحوتة بالكامل في الصخور البركانية خلال القرن الثاني عشر بأمر من الملك لاليبيلا تحفة هندسية وروحية استثنائية. وبصفتها موقعًا دينيًا نشطًا للحج، تمنح الزائر فرصة فريدة للانغماس في تقليد روحي حيّ ظل قائمًا على مدى قرون دون تغير يُذكر. وتجسد مواقع التراث العالمي في إثيوبيا تنوعًا ثريًا يجمع بين التاريخ والطبيعة والروحانية. وتتصدرها كنائس لاليبيلا المنحوتة في الصخر، وهي من أبرز معالم التراث الثقافي العالمي، حيث تمثل تحفة معمارية مذهلة تجذب الزوار والسياح الدينيين من مختلف أنحاء العالم. وبعيدًا عن المراكز الإمبراطورية والدينية، تزخر البلاد بمواقع ذات أهمية علمية وطبيعية استثنائية. فإلى جانب وادي أواش الأدنى، يوفر منتزه سيمين الوطني تجربة طبيعية فريدة بجباله الوعرة ومناظره الدرامية وحياته البرية النادرة، مما جعله وجهة عالمية لعشاق المشي الجبلي وتصوير الحياة البرية. أما مدينة هرر جغول التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي، فتأسر الزوار بأسوارها العريقة وتراثها الإسلامي العريق وتقليدها الشهير والفريد المتمثل في إطعام الضباع ليلًا. التحول السياحي الحديث منذ عام 2018، تبنت إثيوبيا أجندة طموحة وشاملة لتحويل قطاع السياحة، ترتكز على توسيع البنية التحتية، وتطوير الوجهات السياحية، وترميم المواقع التراثية، وتجديد المشهد الحضري. وقد أدركت الحكومة أن الترويج وحده لم يعد كافيًا، وأن تحقيق القيمة الاقتصادية يتطلب تطويرًا منظمًا للوجهات السياحية. وأصبحت السياحة اليوم جزءًا أساسيًا من الاستراتيجية الاقتصادية طويلة الأمد للبلاد. ويُنظر إلى هذا القطاع عالميًا باعتباره من أكثر القطاعات الاقتصادية ديناميكية وقدرة على الصمود وشمولية، وقد سعت إثيوبيا إلى مواءمة أدائها مع المعايير العالمية من خلال إصلاحات واسعة النطاق. ويبرهن القطاع على قدرته في دعم فرص العمل المتنوعة في مجالات الضيافة والزراعة والنقل والحرف التقليدية والترفيه الحديث، مما يخلق روابط اقتصادية واسعة تعود بالنفع على المدن والمجتمعات الريفية على حد سواء. إعادة تعريف أديس أبابا يمثل التحول الجذري الذي شهدته العاصمة أديس أبابا أحد أبرز مظاهر النهضة السياحية الإثيوبية. فبعد أن كانت تُعتبر في نظر كثير من المسافرين الدوليين مجرد مركز دبلوماسي أو محطة عبور نحو شمال البلاد التاريخي أو وادي أومو في الجنوب، أصبحت تتطور بسرعة إلى وجهة سياحية قائمة بذاتها. ويُعد منتزه الوحدة نموذجًا بارزًا لهذا التحول؛ إذ أُنشئ داخل مجمع القصر الوطني الكبير الذي كان مغلقًا سابقًا أمام العامة. ويجمع المنتزه بين متاحف حديثة وحدائق نباتية ومبانٍ تراثية تم ترميمها وحديقة حيوان عصرية، كما يضم أجنحة تمثل مختلف الأقاليم الثقافية الإثيوبية، بما يتيح للزائر التعرف على تنوع البلاد في مكان واحد. وبالتوازي مع جهود الترميم التاريخي، تصدرت مشاريع التخضير الحضري المشهد، حيث حوّل منتزه الصداقة أراضي مهملة في قلب العاصمة إلى مساحة خضراء واسعة مخصصة للترفيه والفعاليات الثقافية والتجمعات العامة. ويأتي ذلك ضمن مشروع "تجميل شِغِر" الضخم، الذي أعاد تشكيل أجزاء واسعة من العاصمة من خلال تأهيل الأنهار وإنشاء الممرات الخضراء ومسارات المشاة والمرافق الترفيهية، مما أسهم في تحسين البيئة الحضرية وتعزيز جاذبية المدينة للسياح والمستثمرين والمقيمين الأجانب. كما شهدت جبال إنتوتو تطويرًا كبيرًا من خلال إنشاء منتزه إنتوتو، الذي أصبح مركزًا للسياحة البيئية والترفيهية، ويضم مسارات للمشي وركوب الدراجات والخيول، ومرافق للانزلاق بالحبال والرماية، إضافة إلى نُزل فاخرة ومقاهٍ متخصصة بالقهوة المحلية، مع إطلالات بانورامية على العاصمة. وقد أسهمت هذه المشروعات مجتمعة في تحويل أديس أبابا إلى وجهة قادرة على استقطاب الزوار لفترات أطول، مما يزيد من الإنفاق السياحي ويدعم الاقتصاد الحضري. مبادرة «العشاء من أجل الوطن» رغم التحول اللافت للعاصمة، تدرك الحكومة الإثيوبية أن التنمية السياحية المستدامة لا بد أن تمتد إلى الأقاليم. ومن هذا المنطلق أُطلقت مبادرة «العشاء من أجل الوطن» لتوسيع مشاريع التنمية السياحية إلى المناطق النائية والأقل حظًا من الاستثمارات. فعلى الضفة الشمالية لبحيرة تانا، منبع النيل الأزرق وأكبر بحيرات البلاد، يجري تطوير منطقة غورغورا لتصبح منتجعًا عالميًا على ضفاف البحيرة، يجمع بين المنتجعات البيئية الفاخرة والأنشطة المائية والجولات التاريخية. وفي إقليم أوروميا، تشهد منطقة ونشي تطويرًا سياحيًا مستدامًا حول بحيرتها البركانية المرتفعة، مع إنشاء طرق وصول ومنصات مشاهدة ومرافق إقامة تديرها المجتمعات المحلية، بما يضمن حماية النظام البيئي الهش. أما مشروع كويشا في جنوب غرب إثيوبيا، فيُعد من أكثر المشاريع طموحًا، حيث يهدف إلى إنشاء وجهة متكاملة للسياحة البيئية والثقافية في منطقة غنية بالتنوع البيولوجي والتراث الثقافي. ولا تستهدف هذه المشاريع جذب شرائح جديدة من السياح فحسب، بل تهدف أيضًا إلى توزيع المنافع الاقتصادية للسياحة على مختلف الأقاليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الحفاظ على البيئة المحلية. التراث الثقافي غير المادي تستند الهوية السياحية الإثيوبية إلى تراثها الحي بقدر اعتمادها على مواقعها التاريخية. فالمهرجانات الدينية والثقافية الكبرى مثل عيد الغطاس (تمكيت)، وعيد العثور على الصليب (مسكل)، ومهرجان إريتشا للأورومو، تستقطب عشرات الآلاف من الزوار سنويًا. وما يميز هذه المناسبات أنها ليست عروضًا موجهة للسياح، بل تعبيرات أصيلة عن الإيمان والثقافة المحلية. ولذلك تعمل الحكومة على تحسين إدارة الحشود والخدمات السياحية والبث الرقمي لهذه الفعاليات مع الحفاظ على قدسيتها. وباعتبارها الموطن الأصلي لنبات البن، تمتلك إثيوبيا فرصة استثنائية للاستفادة من النمو العالمي في سياحة الطعام والزراعة. فالقهوة ليست مجرد محصول اقتصادي، بل جزء أساسي من الثقافة الوطنية، ويتجلى ذلك في مراسم إعداد القهوة الإثيوبية التقليدية. وفي هذا السياق، يجري تطوير «مسارات القهوة» في مناطق كافا ويرغاتشيفي وسيداما، لتمكين الزوار من متابعة رحلة القهوة من الغابات إلى الفنجان والتفاعل مع المزارعين المحليين والمشاركة في طقوس التحميص التقليدية. المتاحف والهوية الوطنية استثمرت الحكومة الإثيوبية بشكل كبير في المتاحف الحديثة التي تربط بين التاريخ العريق والهوية المعاصرة. ومن أبرزها متحف ومركز ذكرى معركة عَدْوة، الذي يخلد انتصار القوات الإثيوبية على الجيش الإيطالي عام 1896 وحفاظ البلاد على استقلالها، ليصبح رمزًا للفخر الإفريقي ومقصدًا مهمًا لسياحة التراث والشتات الإفريقي. كما يعكس متحف العلوم الإثيوبي التوجه نحو المستقبل من خلال التركيز على التكنولوجيا والابتكار والاستدامة البيئية، مضيفًا بعدًا جديدًا للمشهد الثقافي الوطني. قوة الربط والاتصال تُعد الخطوط الجوية الإثيوبية أكبر وأكثر شركات الطيران الإفريقية ربحية، إذ تربط البلاد بأكثر من 140 وجهة دولية عبر القارات الخمس. ويستقبل مطار بولي الدولي ملايين المسافرين سنويًا، ما يعزز مكانة أديس أبابا كمركز عالمي للنقل الجوي. كما تشهد سياحة المؤتمرات نموًا متسارعًا بفضل المكانة الدبلوماسية للعاصمة، التي تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي واللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لإفريقيا والعديد من المنظمات الدولية والسفارات. وباتت أديس أبابا مركزًا قاريًا بارزًا للاجتماعات والقمم والمعارض الكبرى، وهو قطاع يحقق عوائد اقتصادية مرتفعة نظرًا لمستويات الإنفاق العالية لزوار الأعمال مقارنة بالسياح التقليديين. ازدهار السياحة الداخلية لطالما اعتمد قطاع السياحة الإثيوبي على الزوار الدوليين، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت نموًا ملحوظًا في السياحة الداخلية، مع تزايد أعداد الأسر والطلاب والمهنيين الذين يستكشفون مختلف مناطق البلاد. ويعود ذلك إلى توسع الطبقة الوسطى وتحسن شبكات الطرق وجهود تعزيز الشعور بالفخر الوطني والاستكشاف المحلي. وتوفر السياحة الداخلية مزايا استراتيجية مهمة، أبرزها الاستقرار الاقتصادي واستدامة الإيرادات وتعزيز التماسك الاجتماعي بين مكونات المجتمع الإثيوبي المتنوع. الاستدامة والتنمية القائمة على البيانات مع تسارع نمو القطاع، أصبحت الاستدامة محورًا رئيسيًا في الاستراتيجية السياحية الوطنية. فالحكومة تدرك مخاطر التوسع غير المنضبط وما قد يسببه من أضرار بيئية أو تشويه للثقافات المحلية. ولهذا الغرض، طورت إثيوبيا حسابًا فرعيًا للسياحة بالتعاون مع اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لإفريقيا، بما يتوافق مع المعايير الدولية ويساعد في اتخاذ القرارات استنادًا إلى البيانات والإحصاءات الدقيقة. كما تُعد الشمولية عنصرًا أساسيًا في السياسة السياحية الجديدة، حيث يُتوقع توسع مبادرات السياحة المجتمعية خاصة في المناطق البيئية الحساسة مثل جبال سيمين وبالي ووادي أومو، لضمان استفادة المجتمعات المحلية مباشرة من النشاط السياحي. خاتمة تتمتع إثيوبيا بميزة تنافسية استثنائية قائمة على مزيج نادر من العمق التاريخي الهائل والتنوع الجغرافي المذهل والاتصال الجوي القاري والثروة الثقافية الغنية. وما تكشفه البيانات والمشروعات والسياسات الحالية لا يقتصر على نمو قطاع بعينه، بل يعكس تحولًا وطنيًا شاملًا في الطريقة التي تقدم بها إثيوبيا نفسها للعالم. فالسياحة لم تعد نشاطًا اقتصاديًا هامشيًا، بل أصبحت جسرًا حيويًا يربط بين هوية البلاد العريقة وطموحاتها الحديثة. ومن خلال الاستثمار المستمر في التراث، وحماية الموارد الطبيعية، وتطوير المدن، وتمكين المجتمعات المحلية، ترسخ إثيوبيا مكانتها كوجهة سياحية عالمية أكثر حضورًا وتنافسية واحترامًا على الساحة الدولية. إن أرض البدايات تستعيد اليوم مكانتها المستحقة بوصفها وجهة المستقبل.
إثيوبيا توسّع حضورها الدبلوماسي على الساحة الدولية
Jun 18, 2026 1306
بقلم: تدروس حَبنوم في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تواصل إثيوبيا تعزيز حضورها الدبلوماسي على المستويين الإقليمي والدولي، مؤكدة مكانتها المتنامية بوصفها أحد المراكز المحورية لصناعة الحوار السياسي والتعاون متعدد الأطراف في القارة الإفريقية. وتبرز العاصمة أديس أبابا اليوم كمنصة دبلوماسية نشطة تعكس اتساع دور البلاد وتأثيرها في القضايا العالمية. وتحت قيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، شهدت إثيوبيا خلال الأشهر الأخيرة حراكاً دبلوماسياً مكثفاً تمثل في استقبال عدد من قادة العالم وكبار المسؤولين الدوليين، في زيارات رفيعة المستوى عكست عمق الاهتمام الدولي المتزايد بإثيوبيا، ومكانتها كطرف فاعل في النقاشات الدولية المتعلقة بالأمن والتنمية.   وقد شملت هذه الزيارات شخصيات بارزة، من بينها رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، ورئيس وزراء سنغافورة لورانس وونغ، ورئيس وزراء ماليزيا أنور إبراهيم، إلى جانب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. ويعكس هذا التنوع في مستوى التمثيل اتساع شبكة علاقات إثيوبيا الدولية وتعاظم دورها في الدبلوماسية متعددة الأطراف. ولا تقتصر هذه الزيارات على بعدها البروتوكولي، بل تمثل امتداداً لحوارات استراتيجية معمقة تناولت ملفات حيوية تتصدر أجندة المجتمع الدولي، من بينها تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي، ودفع مسارات التنمية الاقتصادية، وتوسيع آفاق التجارة والاستثمار، وتعزيز الأمن الغذائي، ومواجهة تحديات تغير المناخ، إضافة إلى دعم جهود التكامل الإفريقي وتعزيز التعاون بين دول القارة.   وفي هذا السياق، تواصل إثيوبيا توسيع شراكاتها الدولية مع مختلف القوى الفاعلة في النظام العالمي، بما يعزز قدرتها على الإسهام في صياغة حلول مشتركة للتحديات العالمية المتزايدة، ويؤكد مكانتها كشريك موثوق في مسارات التعاون الدولي والتنمية المستدامة. وباعتبارها مقر الاتحاد الإفريقي وإحدى الاقتصادات الإفريقية الأسرع نمواً وتحولاً، تواصل إثيوبيا ترسيخ موقعها كدولة ذات تأثير متصاعد في محيطها الإقليمي والدولي، بما يجعلها طرفاً محورياً في النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة الإفريقية ودورها في النظام العالمي.   وفي ضوء هذه التطورات، لم تعد أديس أبابا مجرد مدينة تستضيف الفعاليات الدبلوماسية، بل أصبحت مركزاً فاعلاً في تشكيل ملامحها وتوجيه مساراتها، لتجسد بذلك دور إثيوبيا كجسر يربط إفريقيا بالعالم، وشريك استراتيجي يسهم في صياغة مستقبل يقوم على التعاون، والاستقرار، والتنمية المشتركة.
وكالة الأنباء الأثيوبية
2023