خبراء يدعون إثيوبيا إلى مواصلة بناء السدود على نهر أباي لتعزيز التنمية والطاقة المتجددة

يدعو العديد من خبراء الطاقة الكهرومائية ومراقبي السياسات إلى أن تستثمر إثيوبيا الزخم الذي أحدثه سد النهضة الإثيوبي الكبير من خلال توسيع الاستثمارات في بناء المزيد من السدود العملاقة على نهر أباي (النيل الأزرق).

وقد افتتحت إثيوبيا مؤخراً سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي يعد أكبر محطة لإنتاج الطاقة الكهرومائية في أفريقيا وواحداً من أبرز الإنجازات الهندسية في القارة.

والأهم من ذلك، أن إنجاز إثيوبيا عبر سد النهضة أحدث تحولاً كبيراً في السردية المتعلقة بنهر أباي (النيل)، متحدياً الهيمنة التاريخية التي سعت مصر إلى فرضها على مياه النيل، ومعززاً مبدأ الاستخدام العادل للموارد المائية المشتركة.

وتساهم إثيوبيا بحصة كبيرة من مياه النيل من خلال منظومة نهر أباي، ما يجعل النهر محورياً في طموحات البلاد بمجال إنتاج الطاقة الكهرومائية والتنمية.

ويرى سولومون زينا، المدير التنفيذي لمركز أبحاث ابتكار السياسات، أن سد النهضة أظهر بشكل واضح ما يمكن للإثيوبيين تحقيقه من خلال الوحدة، مؤكداً ضرورة الحفاظ على هذا الزخم عبر البناء على الخبرات المهمة التي اكتسبتها البلاد من النجاح التاريخي للمشروع.

وفي مقابلة خاصة مع وكالة الأنباء الإثيوبية، قال سولومون إن إثيوبيا أثبتت مراراً قدرتها على تنفيذ مشاريع وطنية تحويلية. وأضاف أن الإنجاز الناجح لسد النهضة يمثل مثالاً قوياً على إصرار البلاد وقدرتها على الصمود والتزامها الجماعي.


 

ويعد سد النهضة الإثيوبي الكبير مشروعاً رئيسياً للطاقة النظيفة، إذ يعزز بشكل كبير إنتاج الطاقة الكهرومائية المتجددة، ويشكل أساساً استراتيجياً لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.

وأوضح سولومون أن سد النهضة يولد طاقة كهربائية متجددة لا تعمل فقط على إحداث تحول في قطاع الطاقة الإثيوبي، بل تسهم أيضاً في تعزيز جهود البلاد المتعلقة بالمناخ وتوفير الطاقة التي يمكن أن تدعم التنمية الإقليمية.

كما أوضح أهمية سد النهضة في مواجهة تغير المناخ من خلال إنتاج كميات كبيرة من الطاقة المتجددة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وشدد سولومون على ضرورة أن تواصل إثيوبيا مسيرتها في تطوير مواردها المائية، مستفيدة من الخبرات المؤسسية والفنية والمالية القيمة التي اكتسبتها خلال تنفيذ مشروع سد النهضة.

وقال: "يتعين على البلاد المضي قدماً وبناء المزيد من السدود".

وأضاف سولومون: "إن الإنجاز الناجح لسد النهضة يوضح بشكل جلي ما يمكن للإثيوبيين تحقيقه من خلال الوحدة والعزيمة".

وقد وضعت إثيوبيا مؤخراً خططاً لبناء المزيد من سدود الطاقة الكهرومائية والري. وتهدف هذه الخطط إلى تسريع التنمية الاقتصادية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتوسيع إنتاج الكهرباء، وتقوية الدور الريادي للبلاد في مجال التكامل الإقليمي من خلال الربط الكهربائي العابر للحدود.

وفي المقابل، واصل مسؤولون مصريون معارضة أجندة إثيوبيا المتعلقة ببناء السدود عبر الضغوط الدبلوماسية والتصريحات العلنية.

فعلى سبيل المثال، قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن مصر "لن تسمح" لإثيوبيا ببناء سدود جديدة على نهر النيل.


 

واعتبر العديد من المراقبين الإثيوبيين هذا التصريح تصعيداً كبيراً في الخطاب المصري، مؤكدين أن مثل هذه المواقف تهدف إلى تقييد حق الدولة الواقعة على المنبع في تنفيذ مشاريع التنمية داخل أراضيها.

علاوة على ذلك، يرى محللون أن مصر سعت إلى بناء شراكات سياسية وأمنية إقليمية بهدف زيادة الضغط على إثيوبيا بشأن قضايا مياه النيل والنفوذ الإقليمي الأوسع. ويشيرون إلى أن القاهرة حاولت تعزيز تحالفات مناهضة لإثيوبيا مع أطراف إقليمية، كجزء من جهودها للتأثير على موازين القوى المرتبطة بمفاوضات النيل والجغرافيا السياسية لمنطقة القرن الأفريقي.

ومن المعروف أن النظام المصري ذي النزعة التوسعية والعسكرية يعمل على تنظيم وتمويل تحالفات عسكرية ودبلوماسية مع القوات المسلحة السودانية والنظام الإريتري وقوى محلية متطرفة وإرهابية في أقاليم أمهرا وأوروميا وتيغراي، والمعروفة محلياً باسم "سمدو"، في محاولة لاحتواء البرامج الاقتصادية والدبلوماسية والتنموية الإقليمية والوطنية الناجحة التي تقودها إثيوبيا حالياً.

وتدعم مصر قوى إقليمية متآمرة ومثيرة للتوتر بهدف عرقلة التنمية الاقتصادية السلمية في إثيوبيا وخنق البلاد ومنعها من الوصول إلى الموانئ والممر التجاري الدولي عبر البحر الأحمر المفتوح لجميع دول العالم. ويشير ذلك بوضوح إلى الدور الذي لعبته مصر كعامل رئيسي في عدم الاستقرار العسكري والسياسي في المنطقة، ولا سيما في السودان.

ومع ذلك، فإن المعارضة المصرية المتزايدة لطموحات إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية أثارت استياءً واسعاً بين الإثيوبيين، وعززت النقاشات حول السيادة والاستخدام العادل للمياه وحق الدول في تحقيق التنمية المستدامة.

وأكد سولومون ضرورة الحفاظ على هذا الزخم من خلال توسيع الجهود التي أنتجت سد النهضة، وتطبيق الروح ذاتها من التعاون الوطني على المشاريع التنموية المستقبلية في مختلف القطاعات الاقتصادية.

وقال سولومون: "يجب على إثيوبيا الحفاظ على زخمها ما دام الشعب والحكومة يؤمنان بأن هذه المشاريع تعزز التنمية دون الإضرار بالآخرين".

وأضاف: "علينا أن نمضي قدماً ونفعل ما فعلناه مع سد النهضة الإثيوبي الكبير. وأدرك أننا بحاجة إلى المزيد من السدود".

من جانبه، شكك خبير الطاقة ميكائيل أليمو في الطابع السياسي لمعارضة مصر لسد النهضة.


 

وقال ميكائيل لوكالة الأنباء الإثيوبية: "إن حجة مصر بشأن سد النهضة تبدو سياسية بدرجة أكبر".

وأضاف: "لقد أصبح هذا الملف قضية مريحة للغاية في السياسة المصرية"، مشيراً إلى أن الضغوط السياسية الداخلية قد تدفع الحكومات إلى الإبقاء على النزاعات الخارجية.

وأوضح قائلاً: "في كثير من الأحيان، يبحث الوضع السياسي في مصر عن عدو خارجي. ومن المفيد سياسياً وجود خصم خارجي عندما تصبح السياسة الداخلية أكثر صعوبة".

ويرى ميكائيل أن الادعاء بأن إثيوبيا تسعى عمداً إلى حرمان مصر من المياه هو أمر غير منطقي بشكل أساسي.

ويُنظر على نطاق واسع إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره مشروعاً لا غنى عنه لتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي، وتوسيع إنتاج الطاقة المتجددة، وترسيخ مكانة إثيوبيا كمركز رئيسي للطاقة النظيفة في شرق أفريقيا.

وبالنسبة للعديد من الخبراء والمراقبين، فإن اكتمال سد النهضة لا يمثل نهاية رحلة إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية، بل يشكل بداية استراتيجية أوسع لتسخير نهر أباي من أجل التنمية المستدامة، وأمن الطاقة، والقدرة على مواجهة تغير المناخ، وتحقيق الازدهار الإقليمي المشترك.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023