نهج الحرب الدائم للنظام في أسمرة

 

بقلم ماتياس بول

لعقود، استند بقاء نظام الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا/الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة سياسياً في إريتريا بشكل أساسي إلى استراتيجية واحدة تركز على إضعاف إثيوبيا بشكل منهجي.

 فبدلاً من تعزيز التكامل الإقليمي والازدهار الاقتصادي المتبادل، دأب النظام في أسمرة على العمل كعامل زعزعة للاستقرار في القرن الأفريقي، خدمةً بذلك بقاءه الاستبدادي والمصالح الاستراتيجية لجهات خارجية تسعى إلى تقييد إمكانات إثيوبيا.

بدأت الأسس لهذه السياسة قبل وقت طويل من ترسيخ النظام لسيطرته، حيث لعب دوراً محورياً في رعاية وبناء القدرات العسكرية لجماعات وكيلة بهدف تفكيك بنية الدولة الإثيوبية من الداخل. وبالتنسيق مع قوى خارجية، بما في ذلك النظام في مصر، دبّر النظام بنشاط نتائج جعلت إثيوبيا حبيسة، مما قيّد استقلالها الاقتصادي وأمنها البحري بشدة.

عندما فشلت محاولات التخريب الداخلي في شلّ إثيوبيا بشكل دائم، لجأ النظام إلى العدوان العسكري المباشر، وبلغ ذروته في غزو بادمي عام ١٩٩٩. حشد الشعب الإثيوبي حشوده لصدّ الغزو وتحييد القدرات العسكرية الأساسية للنظام، ولكن حتى بعد توقيع اتفاقية الجزائرللسلام، لم يتخلَّ نظام أسمرة عن عقيدته العدائية.

بل عاد إلى حرب غير متكافئة، ورعاية الوكلاء، والتخريب الإقليمي في جميع أنحاء القرن الأفريقي. وشمل ذلك تقديم الدعم التكتيكي والمادي للعناصر المتطرفة في الصومال، مثل حركة الشباب، والمشاركة في عمليات زعزعة الاستقرار حول جيبوتي والبحر الأحمر، وتمويل وتسليح الفصائل المتمردة داخل إثيوبيا بشكل منهجي. أدت هذه الأعمال الإرهابية العابرة للحدود وانتهاكات القانون الدولي المستمرة في نهاية المطاف إلى فرض عقوبات شديدة من الأمم المتحدة على النظام.

ولإدامة حالة المواجهة الدائمة هذه، حوّل النظام إريتريا إلى دولة شديدة العسكرة من خلال الخدمة الوطنية الإلزامية غير المحددة المدة، والتي تتمحور حول مركز ساوا للتدريب العسكري الذي يعمل منذ فترة طويلة.

لقد جردت هذه السياسة القمعية أجيالاً من الشباب الإريتري من حريتهم ومستقبلهم الاقتصادي، مما أدى إلى نزوح جماعي من البلاد. وقد تجلى واقع هذه الأزمة الداخلية بوضوح تام عقب مبادرة السلام التاريخية التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي، والتي قوبلت على الفور بتدفق هائل من الشباب الإريتريين الذين عبروا إلى إثيوبيا هرباً من عبودية النظام.

إلى جانب الخسائر البشرية المباشرة، أدى هذا التسليح المستمر إلى شلّ الاقتصاد الإريتري تمامًا، محوّلاً ما كان يمكن أن يكون مركزًا تجاريًا مزدهرًا على البحر الأحمر إلى دولة مغلقة ذات نظام مركزي.

فمن خلال توجيه كامل القوى العاملة والموارد المالية المحدودة نحو دعم جهاز عسكري ضخم، أهملت قيادة أسمرة عمدًا البنية التحتية والتجارة والمؤسسات المدنية. ويعتمد النظام على افتعال أزمات خارجية لتبرير هذا الركود الداخلي، مُقنعًا شعبه عمدًا بأن البقاء يتطلب الخضوع التام للدولة العسكرية في مواجهة تهديد خارجي مُبالغ فيه.

علاوة على ذلك، تقوم السياسة الخارجية لأسمرة على منطق الربح والخسارة، حيث يُنظر إلى أي تقدم أو توسع اقتصادي أو انتصار دبلوماسي لإثيوبيا على أنه تهديد أمني مباشر لوجودها.

يدفع هذا النموذج النظام إلى التحالف مع أي قوة إقليمية تسعى إلى استغلال القرن الأفريقي للهيمنة الجيوسياسية، ما يجعله فعليًا أداةً لتنفيذ مصالح أجنبية على حساب السيادة الإقليمية.

من خلال محاولة إبقاء إثيوبيا مشتتة ومجزأة وذات توجه دفاعي، يأمل النظام في منعها من تحقيق كامل إمكاناتها كمحرك اقتصادي إقليمي وقائد في مجال الطاقة الكهرومائية.

واليوم، يُصعّد النظام التوترات مجدداً بالتحضير لصراع جديد ضد إثيوبيا، معتمداً على دعم خارجي وتواطؤ مع عناصر داخلية مُزعزعة للاستقرار. وبينما تُواصل إثيوبيا دعواتها للسلام والدبلوماسية، ترد أسمرة بخطاب حربي، وتعبئة مدفوعة بجنون العظمة، ودعاية عدائية.

يُظهر هذا النمط أن القيادة في أسمرة لا تنظر إلى السلام كفرصة للنمو الإقليمي، بل كتهديد بنيوي لسردية الحصار الدائم التي تُبقيها في السلطة.

في الوقت الراهن، يُردد نظام الشعبية بنشاط خطاباً تحريضياً على الحرب من خلال استغلال جبهة تحرير شعب تيغراي والتحالف مع القيادة المصرية في جهد مُنسق يهدف إلى إضعاف إثيوبيا وتفتيتها.

تتمثل الاستراتيجية الأساسية لقادة القاهرة في ترسيخ هيمنة اقتصادية وجيوسياسية مطلقة على المنطقة .

 أما الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، فهي مدفوعة بخوف لا أساس له من الصحة ورغبة جامحة في الحفاظ على قبضتها على السلطة من خلال صد تهديدات وهمية.

وقد بات من الحقائق التي لا يمكن إنكارها، والتي تُبث علنًا عبر وسائل الإعلام، أن القادة العسكريين للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ينتهكون الحدود السيادية لإثيوبيا تحت ذريعة زائفة تتمثل في تسهيل "العلاقات الشعبية" داخل إقليم تيغراي.

وقد تم تمكين هذا العدوان المتهور وغير القانوني علنًا من قبل جبهة تحرير تيغراي، التي تؤدي دورها التاريخي كوكيل مطيع.  

في الوقت نفسه، تعيش جبهة تحرير شعب تيغراي في وهم قدرتها على استعادة الهيمنة الديكتاتورية التي مارستها سابقًا على إثيوبيا بالقوة، آملةً في إعادة ترسيخ أنماطها التاريخية من الاستغلال الممنهج. إلا أن هذا التحالف يطارد سرابًا مستحيلًا، إذ تعجز حساباته عن إدراك المرونة الهيكلية للدولة الإثيوبية المعاصرة.

ولأن إثيوبيا تُمثّل الركيزة الاستراتيجية للاستقرار والمركز الديموغرافي للقرن الأفريقي، فلا يمكنها السماح بتعريض سيادتها الوطنية أو أمنها طويل الأمد للخطر من قِبل أجندات عدائية.

من البديهي أن إثيوبيا تحتفظ بكامل الحق في اتخاذ جميع التدابير الدفاعية اللازمة لحماية مواطنيها وبنيتها التحتية وسلامة أراضيها من زعزعة الاستقرار المدعومة من الخارج.

 يجب على المجتمع الدولي أن يُدرك أن تجاهل هذه الدعوات المستمرة للحرب يُنذر بخطر اندلاع انفجار إقليمي أوسع، مما يجعل الضغط الدبلوماسي الدولي الحاسم أمرًا ملحًا قبل أن تُجبر تصرفات النظام على مواجهة عسكرية مدمرة.

في نهاية المطاف، إن "عقيدة الحرب الدائمة" التي يتبناها نظام أسمرة هي إرث استراتيجي عفا عليه الزمن، ولم يعد يخدم سوى تعريض مستقبل القرن الأفريقي برمته للخطر.

فمن خلال إخضاع التنمية الوطنية لحملة مهووسة لا رابح فيها ضد إثيوبيا، لم تكتفِ القيادة الإريترية بإفقار شعبها، بل أصبحت أيضاً مهندساً رئيسياً للهشاشة الإقليمية.

هذه الدوامة من العداء المصطنع، التي تغذيها تحالفات خارجية وقمع داخلي، غير مستدامة وخطيرة بطبيعتها. ينظر نظام أسمرة إلى السلام على أنه تهديد وجودي لأنه من شأنه أن ينهي سردية الحصار التي تُرسّخ قبضته الاستبدادية؛ ومع ذلك، فإن هذا الرفض القاطع للسلام هو ما يضمن عزلة النظام المتزايدة.

أما بالنسبة لإثيوبيا، فالطريق واضح: فبينما تلتزم بالتعاون الإقليمي والتنمية العادلة والحل السلمي للنزاعات، لن تقف الدولة مكتوفة الأيدي في ظل هذا الوضع.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023