كيف يُحطّم الصعود التاريخي لإثيوبيا حملة العداء التي تشنها القاهرة؟ - ENA عربي
كيف يُحطّم الصعود التاريخي لإثيوبيا حملة العداء التي تشنها القاهرة؟
بقلم جبريل لامو
تشكّلت نظرة مصر إلى نهر النيل (أباي) وفقًا لمبدأ الهيمنة الاستراتيجية بدلًا من الشراكة العادلة. فقد سعت الحكومات المتعاقبة في القاهرة إلى الحفاظ على وضعٍ متميزٍ متجذرٍ في ترتيبات الحقبة الاستعمارية التي لم تقبلها إثيوبيا قط.
من هذا المنظور،لا تُعد إثيوبيا بما تمتلكه من قوة متنامية وقدرة متزايدة على الاكتفاء الذاتي مجرد دولة مجاورة تسعى إلى تحقيق التنمية. بل تمثل تحديا للنظام الإقليمي الذي حرصت مصر على ترسيخه والحفاظ عليه لعقود .
يُفسّر هذا التفكير جزئيًا سبب معارضة مصر المستمرة لبرنامج التنمية السيادي لإثيوبيا، ولا سيما سد النهضة الإثيوبي الكبير. فبدلًا من تبني إطارٍ للاستخدام العادل لمياه النيل، تعاملت القاهرة مرارًا وتكرارًا مع تنمية إثيوبيا باعتبارها تهديدًا جيوسياسيًا. وقد أسفر ذلك عن نمطٍ من الضغوط الدبلوماسية والمناورات الإقليمية وجهودٍ لتقييد الحيز الاستراتيجي لإثيوبيا.
في السنوات الأخيرة، امتدت هذه الجهود إلى ما هو أبعد من نهر النيل نفسه. من الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر إلى الديناميات الأمنية والدبلوماسية في القرن الأفريقي، سعت مصر إلى استغلال نقاط ضعف إثيوبيا لتعزيز نفوذها.
وقد برزت استراتيجية احتواء أوسع نطاقًا، تقوم على استخدام التحالفات الإقليمية والضغط الدبلوماسي والنفوذ السياسي لإبقاء إثيوبيا تحت ضغط جيوسياسي مستمر.
ومن أبرز سمات هذه الاستراتيجية استغلال الانقسامات الداخلية في إثيوبيا. فعلى مر التاريخ الحديث، حاولت جهات خارجية مرارًا تحويل الانقسامات السياسية الداخلية إلى نفوذ استراتيجي ضد الدولة الإثيوبية. واليوم، يرى العديد من المحللين الإثيوبيين أن بعض الفصائل المناهضة للحكومة قد تحالفت بشكل متزايد مع جهات خارجية تتلاقى مصالحها في إضعاف الموقف الوطني لإثيوبيا.
ويتعلق الأمر الأكثر إثارة للجدل بالتعاون بين عناصر من جبهة تحرير شعب تيغراي وجهات أجنبية معادية للصعود الاستراتيجي لإثيوبيا. وسواء كان ذلك من خلال التنسيق السياسي أو التغطية الإعلامية أو الدعم الخارجي، فإن الانطباع السائد في إثيوبيا هو أن عدم الاستقرار الداخلي يُضفى عليه طابع دولي.
وفي هذا السياق، تتحول الصراعات الداخلية في إثيوبيا إلى أدوات ضغط خارجي بدلًا من كونها مجرد نزاعات سياسية داخلية.
هنا برزت حملة مصر بشكلٍ جليّ: حرب نفسية، وعرقلة دبلوماسية، وتضليل إعلامي حول سد النهضة. لسنوات، روّج المسؤولون المصريون لروايات كارثية حول السد، رغم غياب أي دليل على أن سد النهضة سيحرم دول المصب من مياه نهري أباي أو النيل بشكل دائم. فالسد لا يبتلع النهر، بل ينظم تدفقه.
من الصعب تجاهل الواقع الهيدرولوجي. إذ يُمكن لسد النهضة الحدّ من الفيضانات الموسمية المدمرة، وتنظيم تدفق النهر، وتقليل تراكم الرواسب في خزانات المصب، وتحسين إدارة المياه في حوض النهر. هذه ليست مجرد ادعاءات إثيوبية، بل هي قضايا تُناقش على نطاق واسع في التقييمات الفنية والهيدرولوجية للخزانات الكبيرة في أعالي النهر.
والأهم من ذلك، أن سد النهضة يُمثل ما هو أبعد من مجرد مشروع كهرومائي. إنه رمز للتمويل الذاتي الأفريقي، والطموح التكنولوجي، والتنمية السيادية. بُني السد في معظمه بتمويل عام إثيوبي، وهو يُجسد مبدأً لطالما أثار حفيظة أولئك الذين يعتقدون أن النيل يجب أن يبقى خاضعًا لامتيازات جيوسياسية موروثة.
يبدو أن المسؤولين المصريين قد استهانوا دائمًا بصمود الدولة الإثيوبية وعمق الروح الوطنية الإثيوبية. لم تُضعف الضغوط الخارجية عزيمة إثيوبيا، بل زادتها قوةً في نواحٍ عديدة. تهدف جهود البلاد المستمرة في الحوار الوطني والمصالحة الداخلية إلى تقليص الانقسامات السياسية التي سعت جهات أجنبية تاريخيًا إلى استغلالها.
في الوقت نفسه، بات من الصعب تجاهل التحول الاقتصادي الذي تشهده إثيوبيا. فقد تحوّل الاهتمام الدولي من توقعات الانهيار إلى الاعتراف بدولة تستثمر بكثافة في الطاقة والبنية التحتية والخدمات اللوجستية والتصنيع.
ويعكس تركيز شبكة CNN مؤخرًا على المسار الاقتصادي لإثيوبيا حقيقةً أوسع: إذ يُنظر إلى إثيوبيا بشكل متزايد على أنها واحدة من أهم الاقتصادات الناشئة في أفريقيا.
ويُعدّ سد النهضة الإثيوبي الكبير محور هذا التحول. فبقدرة توليد تتجاوز 5000 ميغاواط، يُرسي السد الأساس للتوسع الصناعي، والتصنيع الموجه للتصدير، والكهرباء، والتكامل الإقليمي في مجال الطاقة. لا يقتصر دور المشروع على إنتاج الكهرباء فحسب، بل يُعيد تشكيل مستقبل إثيوبيا الاقتصادي.
تُكمّل هذه الثورة الطاقية استثمارات ضخمة في النقل والخدمات اللوجستية. ويهدف مشروع مطار بيشوفتو الدولي، بقيادة الخطوط الجوية الإثيوبية، إلى ترسيخ مكانة إثيوبيا كمركز طيران وشحن جوي قاري يخدم منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
وبالتزامن مع الاستثمارات في التعدين والطاقة المتجددة والسياحة والبنية التحتية الرقمية، تعمل إثيوبيا على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا ومرونة.
هذا هو المعنى الأعمق لصعود إثيوبيا. فقد استندت استراتيجية مصر إلى افتراض أن الضغوط قد تؤخر أو تعرقل صعود إثيوبيا. لكن على العكس، واصلت إثيوبيا توسيع بنيتها التحتية، وتعزيز قاعدتها الطاقية، وتعميق اندماجها الاقتصادي مع القارة.
لم يعد الخلاف الجوهري يدور حول السد فحسب، بل حول رؤى متنافسة بشأن النيل والقرن الأفريقي. تسعى إحدى الرؤيتين إلى الحفاظ على الهيمنة التاريخية، بينما تُصر الأخرى على التنمية العادلة والمساواة في السيادة.
يسير التاريخ في اتجاه واحد. فإثيوبيا لا تتخلى عن مبدأ الاستخدام العادل لمياه النيل، ولا تتنازل عن حقها في انتشال ملايين مواطنيها من براثن فقر الطاقة. أصبح سد النهضة رمزًا لهذا العزم.
قد تستمر مصر في مقاومة صعود إثيوبيا، لكن المقاومة لا تعني النصر. إن عهد سيطرة دولة واحدة على مستقبل النيل يقترب من نهايته. إن صعود إثيوبيا التاريخي لا يقتصر على مجرد الصمود في وجه عداء مصر، بل يكشف حدود هذا العداء.