ملايين الإثيوبيين يصنعون نموذجًا عالميًا للعمل المناخي بزراعة 800 مليون شتلة في يوم واحد

أديس أبابا، 3 أغسطس 2026 (إينا) — منذ الساعات الأولى من صباح اليوم الاثنين، بدأ ملايين الإثيوبيين بالتوافد إلى المدن والبلدات والقرى والمزارع والمدارس والمؤسسات العامة في مختلف أنحاء البلاد، يحملهم هدف واحد يتمثل في غرس الأشجار.

ولم يكن ما شهدته البلاد مجرد حملة وطنية للتشجير، بل واحدة من أكبر عمليات الحشد البيئي المنسقة التي شهدها العالم على الإطلاق.

وأطلقت إثيوبيا اليوم رسميًا حملة وطنية تستهدف غرس 800 مليون شتلة في يوم واحد، في مبادرة بيئية غير مسبوقة تضع البلاد في صدارة النقاشات العالمية حول العمل المناخي، واستعادة النظم البيئية، والاستدامة القائمة على المشاركة المجتمعية. وفي وقت يواجه فيه العالم تحديات متزايدة تتمثل في تغير المناخ، وتدهور الأراضي، وفقدان التنوع البيولوجي، تقدم إثيوبيا نموذجًا لافتًا للعمل البيئي واسع النطاق.

وتأتي هذه الحملة في إطار مبادرة البصمة الخضراء، التي تستهدف زراعة 8 مليارات شتلة خلال موسم الأمطار الحالي، كما تعكس قدرة دولة نامية على تحويل استعادة البيئة إلى حركة وطنية شاملة تشارك فيها المؤسسات الحكومية، والمجتمعات المحلية، والشباب، ومنظمات المجتمع المدني، وشركاء التنمية.

وخلال إطلاق الحملة الوطنية، أكدت وزيرة الاتصال الحكومي، إيناتاليم مليسي، أن المبادرة تنطلق من الحاجة الملحة لاستعادة الأراضي المتدهورة، وإعادة تأهيل النظم البيئية المستنزفة، وتعزيز قدرة إثيوبيا على مواجهة التحديات البيئية على المدى الطويل.

وقالت: «إن الدافع الأساسي لإطلاق مبادرة البصمة الخضراء هو مواجهة تدهور الأراضي وجفافها واستنزافها».

وأضافت أن المبادرة تجسد رؤية وطنية تربط بين استعادة البيئة وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود، وتحقيق الأمن الغذائي، والحفاظ على الموارد المائية، ودعم التنمية المستدامة.

وتابعت: «اليوم هو يوم استثنائي، حيث تلامس 800 مليون شتلة خضراء الأرض، وهو يوم تؤكد فيه الأرض قدرتها على العطاء، وأنها قادرة على أن تمنح أكثر مما تتلقى».

ما وراء رمزية التشجير

ورغم أن حملات غرس الأشجار تُنظم في العديد من دول العالم، فإن مبادرة إثيوبيا تتميز بحجمها وطموحها. فمنذ إطلاقها عام 2019 بقيادة رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد، تطورت مبادرة البصمة الخضراء لتصبح أحد أكبر برامج استعادة البيئة في إفريقيا.

وتجمع المبادرة، ضمن إطار وطني واحد، بين إعادة التشجير، وتأهيل الأحواض المائية، والتوسع في الزراعة الحرجية، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتعزيز الزراعة المستدامة.

ولا يقتصر هدفها على زيادة الغطاء النباتي، بل يمتد إلى إعادة بناء النظم البيئية التي تعرضت للتدهور نتيجة إزالة الغابات، وانجراف التربة، والضغوط السكانية، والتغيرات المناخية.

ولا تكمن أهمية غرس 800 مليون شتلة في يوم واحد في الرقم القياسي وحده، بل في حجم الحشد المجتمعي واللوجستي الذي جمع ملايين المواطنين للعمل في وقت واحد عبر واحدة من أكبر الدول الإفريقية وأكثرها تنوعًا بيئيًا.

وأكدت الوزيرة إيناتاليم أن نجاح الحملة يقوم على العمل الجماعي وليس على الجهود الفردية.

وقالت: «ما نزرعه اليوم، نزرعه بوحدة الفكر والعمل».

وأضافت أن هذا المفهوم أصبح السمة الأساسية لمبادرة البصمة الخضراء، التي تنظر إلى استعادة البيئة باعتبارها مسؤولية وطنية مشتركة، وليست مجرد برنامج حكومي.

نموذج مختلف للعمل المناخي

وغالبًا ما تركز النقاشات الدولية بشأن المناخ على خفض الانبعاثات، والتحول في قطاع الطاقة، وأسواق الكربون، والمفاوضات متعددة الأطراف، إلا أن التجربة الإثيوبية تسلط الضوء على بعد آخر للعمل المناخي يتمثل في المشاركة الشعبية الواسعة.

وقد بدأت هذه المقاربة تؤتي ثمارها على نطاق واسع.

ففي حين تظل السياسات البيئية في كثير من الدول محصورة في الأطر المؤسسية، سعت إثيوبيا إلى تحويل استعادة البيئة إلى نشاط وطني يشارك فيه ملايين المواطنين بصورة مباشرة، من خلال إعادة تأهيل الغابات، وحماية الأحواض المائية، وتحسين البيئات المحلية.

وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة لأن تدهور البيئة لا يمثل مشكلة بيئية فحسب، بل ينعكس أيضًا على الإنتاج الزراعي، ويزيد من آثار الجفاف، ويهدد الموارد المائية، ويقوض سبل العيش في المناطق الريفية.

ومن هذا المنطلق، أصبحت زراعة الأشجار مرتبطة بصورة مباشرة بتعزيز القدرة الاقتصادية على الصمود، وتحسين الأمن الغذائي، ودعم تكيف المجتمعات مع التغيرات المناخية.

ويمكن لكل شتلة تُغرس أن تسهم في استعادة خصوبة التربة، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، والحد من انجراف التربة، وامتصاص الكربون، واستعادة التنوع البيولوجي، وتحسين الإنتاجية الزراعية.

وبذلك تعكس الحملة استراتيجية تنموية متكاملة تجعل من استعادة البيئة ركيزة للتعافي البيئي والتحول الاقتصادي في آن واحد.

لحظة ريادة إفريقية في العمل الأخضر

وأصبحت الأجندة البيئية لإثيوبيا جزءًا من دبلوماسيتها الخضراء، حيث تسعى البلاد إلى ترسيخ مكانتها كدولة رائدة في العمل المناخي والتعاون البيئي على مستوى القارة.

وفي هذا السياق، شاركت إثيوبيا الشتلات والخبرات الفنية وتجارب استعادة البيئة مع عدد من الدول الإفريقية، انطلاقًا من قناعة بأن تحديات تدهور الأراضي والتصحر وتغير المناخ تستدعي حلولًا إفريقية مشتركة.

ويتكامل هذا التوجه مع المبادرات القارية، مثل مبادرة السور الأخضر العظيم، ومبادرة استعادة المناظر الطبيعية للغابات في إفريقيا.

كما تنسجم مبادرة البصمة الخضراء مع طموحات إثيوبيا في مجال الطاقة المتجددة، إذ تشكل الاستثمارات في الطاقة الكهرومائية، والكهرباء النظيفة، وإدارة الأحواض المائية، والبنية التحتية الخضراء، جزءًا من رؤية أشمل تربط بين حماية البيئة والتنمية الاقتصادية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، لا تُعد حملة التشجير حدثًا بيئيًا معزولًا، بل جزءًا من استراتيجية وطنية متكاملة تربط بين الغابات، والموارد المائية، والزراعة، والطاقة، والقدرة على مواجهة تغير المناخ.

دلالات عالمية

ورغم أن نجاح المبادرة على المدى البعيد سيعتمد على استدامة رعاية الشتلات، ومتابعة نموها، وحمايتها من الرعي الجائر وإزالة الغابات، وتوفير المياه، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في المحافظة عليها، فإن المعيار الحقيقي للنجاح لن يكون عدد الشتلات المزروعة في يوم واحد، بل الغابات، والأحواض المائية، وسبل العيش التي ستنشأ عنها خلال السنوات المقبلة.

ومع ذلك، فإن الأهمية الدولية لهذه الحملة باتت واضحة منذ اليوم.

ففي وقت تتسم فيه الساحة العالمية بتزايد التشاؤم المناخي، والانقسامات السياسية، وبطء التقدم البيئي، أثبتت إثيوبيا قدرة الحشد الشعبي واسع النطاق على تحويل العمل المناخي إلى واقع ملموس.

وقليل من الدول استطاع تنظيم عمل بيئي يشارك فيه ملايين المواطنين في يوم واحد وعلى هذا النطاق الواسع.

ومع استمرار العالم في البحث عن مسارات عملية لاستعادة البيئة وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، تطرح التجربة الإثيوبية سؤالًا مهمًا: هل يمكن أن تتحول استعادة البيئة إلى حركة اجتماعية وطنية، بدلًا من أن تظل مجرد هدف سياسي؟

وفي الثالث من أغسطس 2026، قدمت إثيوبيا إجابة عملية عن هذا السؤال، حيث تحولت الجبال والوديان، والمزارع، والمدارس، والساحات العامة، إلى مساحات يعمل فيها ملايين المواطنين معًا لغرس الأشجار، في مشهد جسد تحول حملة مناخية إلى فعل وطني لاستعادة البيئة، تتجاوز رسائله حدود البلاد.

وتبعث هذه التجربة برسالة واضحة إلى العالم مفادها أن العمل المناخي لا يقتصر على الاتفاقيات الدولية أو الأهداف المستقبلية، بل يبدأ أيضًا بما يختار الناس أن ينجزوه معًا، على أرض الواقع، اليوم.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023