إعادة تقييم السياسة المائية لنهر النيل: من التهويل إلى الحقائق العلمية في الرؤية المصرية - ENA عربي
إعادة تقييم السياسة المائية لنهر النيل: من التهويل إلى الحقائق العلمية في الرؤية المصرية
تحليل خاص من نبض إفريقيا (بي أو إيه)
29 يوليو 2026 (إينا)
على مدى عقود، هيمن على الخطاب المصري بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير خطاب تحذيري اتسم بالمبالغة، واستند إلى مخاوف من نقص المياه وتهديدات وُصفت بأنها وجودية. وقد تشكل هذا الخطاب إلى حد كبير بفعل اعتماد مصر على اتفاقيات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، مثل اتفاقيتي عامي 1929 و1959، اللتين منحتا الأولوية لما اعتُبر حقوقًا مائية لمصر، مع استبعاد دول المنبع، وفي مقدمتها إثيوبيا. وظل سياسيون ووسائل إعلام ومعلقون مصريون يصورون سد النهضة باعتباره أداة استراتيجية تهدف إلى حرمان مصر من مواردها المائية الحيوية.
ففي عام 2013، قال الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي خلال اجتماع لمجلس الوزراء: "إذا نقصت حصة مصر من مياه النيل ولو بقطرة واحدة، فسيكون دمنا هو البديل. جميع الخيارات مفتوحة لحماية الأمن المائي المصري." كما اعتبر وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، أن بناء سد النهضة يمثل "انتهاكًا مباشرًا للحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل"، محذرًا من أنه قد يؤدي إلى "تدمير ملايين الأفدنة الزراعية، وتهجير السكان، والتسبب في نقص حاد في المياه على مستوى البلاد."
كما دأبت وسائل الإعلام والخطابات السياسية في مصر على تصوير السد باعتباره تهديدًا للاستقرار الإقليمي، عبر طرح مزاعم مثيرة تشير إلى أن إثيوبيا تسعى عمدًا إلى تغيير النظام الهيدرولوجي لنهر النيل. وتكرر وصف السد بأنه تهديد وجودي يهدف إلى "تجويع الشعب المصري"، و"احتجاز القاهرة رهينة"، و"تعطيل التدفق الطبيعي للنيل". وأسهم هذا الخطاب في ترسيخ رؤية تقوم على مبدأ المكسب والخسارة، باعتبار أن أي مشروع تنموي في دول المنبع يمثل عملًا عدائيًا يهدد بقاء مصر. ولطالما شكل هذا التصور أساسًا للسياسات والرأي العام في مصر، مع التركيز على حماية ما يسمى "الأمن المائي" مهما كانت الكلفة، حتى وإن جاء ذلك على حساب التعاون الإقليمي أو الفهم العلمي.
غير أن تطورات حديثة تشير إلى تحول تدريجي، وإن كان محدودًا، في الخطاب المصري، مدفوعًا بتحليلات خبراء وتزايد الاعتراف بالحقائق الهيدرولوجية. ويبرز في هذا السياق حوار مطول أجراه أستاذ الموارد المائية والجيولوجيا بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، مع منصة "مصراوي". ورغم أن المقابلة تضمنت بعض الانتقادات والمخاوف المتعلقة بإجراءات السلامة، فإنها اشتملت أيضًا على إقرارات جوهرية تتعارض مع الخطاب التحذيري الذي ساد لسنوات.
وأوضح الدكتور شراقي: "من الناحية الجغرافية والجيولوجية، فإن الطبيعة الجبلية والصخرية للمناطق المحيطة بسد النهضة تجعل من المستحيل تقريبًا استخدام المياه في تنفيذ توسع زراعي واسع النطاق بالمناطق المجاورة." ويُعد هذا التصريح نفيًا مباشرًا للرواية التي تزعم أن إثيوبيا تعتزم تحويل مياه النيل إلى مشروعات ري واسعة حول بحيرة السد، إذ إن طبيعة التضاريس تمثل عائقًا طبيعيًا أمام مثل هذا الاستخدام.
كما أكد الدكتور شراقي أن تدفق المياه إلى دولتي المصب أمر لا مفر منه، بغض النظر عن عمليات التخزين في السد، قائلًا: "المياه المخزنة في سد النهضة ليس أمامها مسار جغرافي سوى التوجه إلى السودان ومصر. ولذلك أقول دائمًا للإثيوبيين: حافظوا على هذه المياه، لأنها في النهاية مياه ستصل إلى مصر. وليس أمام إثيوبيا سوى فتح البوابات لتوليد الكهرباء أو تصريف الفائض."
ويتوافق هذا الطرح مع المبادئ الهيدرولوجية التي تؤكد أن المياه، بحكم الجاذبية وطبيعة الأنهار، لا يمكن احتجازها أو تحويلها بصورة دائمة في أعالي النهر دون أن تواصل تدفقها نحو دول المصب. كما يعزز الفهم القائل إن سد النهضة يؤدي دورًا رئيسيًا في تنظيم تدفق المياه وتخزينها لتوليد الطاقة، وليس مشروعًا يستهلك المياه أو يحول مجراها.
وفي تصريح لافت، وصف الدكتور شراقي سد النهضة بأنه "خزان احتياطي فعلي لمصر يقع على الأراضي الإثيوبية"، مضيفًا: "من الناحية الجيولوجية والهيدرولوجية، فإن المياه تتجه حتمًا إلى مصر والسودان، ويمكن لإثيوبيا إغلاق البوابات لفترة محدودة، لكنها ستكون مضطرة في النهاية إلى فتحها."
ويؤكد هذا التوصيف أن قدرة إثيوبيا على حجز المياه بصورة دائمة محدودة بالقيود الطبيعية والهيدرولوجية، وأن الوظيفة الأساسية للسد تتمثل في تنظيم تدفقات المياه وليس التحكم فيها أو تحويلها.
وفيما يتعلق بالأمن المائي المصري، أكد الدكتور شراقي أن مصر "تتمتع بوضع آمن مائيًا بفضل السد العالي، وبحيرة ناصر، والجهود الوطنية المعروفة". وأضاف أنه رغم استمرار بعض المخاوف المتعلقة بالسلامة وآليات التشغيل، فإن البنية التحتية المائية والاحتياطيات الاستراتيجية في مصر توفر هامش أمان في مواجهة الأزمات، وهو ما يتعارض مع الادعاءات التي تتحدث عن أن سد النهضة سيتسبب في جفاف وشيك.
ويرى التحليل أن هذا الاعتراف المتزايد بالحقائق الهيدرولوجية لا يعني حدوث تحول جذري في السياسة أو الخطاب المصري، لكنه يعكس الحاجة إلى تبني فهم أوسع يستند إلى العلم بدلًا من الخطاب السياسي. فعلى مدى سنوات، استند النقاش العام في مصر إلى فرضية مفادها أن أي احتجاز للمياه في دول المنبع يعادل سرقة أو انتقاصًا من الحقوق المصرية، في حين توضح المعطيات العلمية المتعلقة بطبيعة حوض النيل، مثل التضاريس، والجاذبية، والطبيعة غير الاستهلاكية لتوليد الطاقة الكهرومائية، أنها يجب أن تكون الأساس الذي تُبنى عليه المفاوضات والتعاون الإقليمي مستقبلًا.
ويشير التحليل إلى أن اعتماد السياسات على المبادئ العلمية من شأنه أن يفتح المجال أمام اتفاقيات إقليمية أكثر واقعية، تشمل شراء الكهرباء عبر الحدود، وإطلاق مبادرات مشتركة لتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، وتنفيذ مشروعات تنموية تخدم جميع الأطراف، بما يسهم في تجاوز الخطابات القائمة على التخويف والانتقال نحو التفاهم والتعاون في إدارة حوض النيل بصورة مستدامة.
ويخلص التحليل إلى أن التغير النسبي في نبرة تصريحات الدكتور عباس شراقي، والانتقال من الرفض العاطفي إلى الإقرار بمحدودية تأثير السد، يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه. ورغم أن الخطاب السياسي قد يتأخر في مواكبة هذه الحقائق، فإن الجغرافيا والعلم يظلان ثابتين لا يتغيران.
ويؤكد التحليل أن إعطاء الأولوية للحقائق الهيدرولوجية بدلًا من الطروحات المثيرة يعد عنصرًا أساسيًا لتعزيز الثقة بين دول حوض النيل، ووضع أطر تعاون تحقق مصالح الجميع. ومع تطور المشهد الإقليمي، فإن تبني خطاب قائم على العلم وتعزيز التكامل الإقليمي سيشكلان عاملًا رئيسيًا في دعم الاستقرار، وتحقيق الازدهار المشترك، وضمان الإدارة المستدامة لموارد نهر النيل.