رحلات هجرة لا تراها الشاشات: إيغاد وأفريقيا تعيدان تعريف الهجرة من اليمن والسودان إلى إثيوبيا - ENA عربي
رحلات هجرة لا تراها الشاشات: إيغاد وأفريقيا تعيدان تعريف الهجرة من اليمن والسودان إلى إثيوبيا
بقلم: تدروس حَبنوم
في القرن الأفريقي، حيث تتقاطع خطوط النار مع أحلام البقاء، وحيث تُرسم خرائط الأوطان بدموع النازحين وعرق الكادحين، تدور فصول قصة عالمية كبرى تُروى بعيداً عن عدسات الإعلام الغربي. قصةٌ لا تبدأ بقوارب مطاطية تغرق في البحر الأبيض المتوسط، بل بحافلات تخترق الحدود، وأقدام تعبر التضاريس الوعرة بحثاً عن ملاذ آمن في حضن القارة الإفريقية ذاتها.
بينما تُختزل أزمة الهجرة في الخطاب العالمي في "عقدة الشمال"، تقف دول مثل إثيوبيا، مدعومة بسياسات الهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، لتؤسس لمقاربة مختلفة تماماً: الهجرة ليست غزواً يُصدّ، ولا عبئاً يُعزل في مخيمات نائية، بل هي طاقة بشرية وامتداد لأسرة إقليمية واحدة.
السردية المفقودة: لغة الأرقام التي تُكذّب الشاشات
إذا أردت أن تفهم تعقيدات الهجرة في أفريقيا، عليك أولاً أن تتخلص من الصور النمطية. تُشير البيانات الموثقة الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة في 2019 والاتحاد الأفريقي إلى حقيقة تُغيّبها السردية العالمية عمداً: أكثر من 80% من المهاجرين والنازحين الأفارقة لا يغادرون قارتهم، بل يتنقلون بين دول الجوار.
في منطقة القرن الأفريقي، تتداخل عوامل الطرد لتصنع مشهداً بالغ التعقيد. وفقاً لأحدث قراءات مركز إيغاد للتنبؤات المناخية وتطبيقاته، فإن التغيرات المناخية الحادة، من موجات الجفاف القاسية التي تضرب مساحات شاسعة، إلى الفيضانات المدمرة، لم تعد تعمل بمعزل عن الصراعات المسلحة. هذا "النزوح المزدوج" (المناخي والأمني) دفع بملايين البشر نحو الممرات الحدودية.
هنا، تبرز إثيوبيا كمركز استقطاب وعبور حيوي؛ حيث تترابط جغرافياً وديموغرافياً مع شبكة معقدة تشمل جيبوتي، الصومال، كينيا، والسودان. هذا الترابط الإقليمي يحتم الانتقال من عقلية "إدارة الأزمات المؤقتة" إلى استراتيجية "التكامل الإقليمي وحرية الحركة"، وهو بالضبط ما تقوده "إيغاد" اليوم.
حينما يتحدث الوجع: الوطن ليس مكاناً بل أسلوب حياة
خلف هذه الإحصائيات الجافة، تنبض قلوب مثقلة بالحنين وعامرة بالأمل. في أزقة أديس أبابا، حيث تتشابك اللغات وتتعدد السحنات، تلتقي مسارات الهجرة هرباً من الموت.
ابتسام خالد، سيدة يمنية حملت معها ذكريات وطن مزقته الحرب، ووصلت إلى إثيوبيا في عام 2011. لم تكن تحمل سوى إرادتها في مجتمع لا تتحدث لغته. لكنها لم تجد جدراناً عازلة، بل أذرعاً مفتوحة. بنبرة يملؤها الدفء، تختزل ابتسام تجربتها قائلة:
"كيف أصف لك إثيوبيا؟ هل تستطيع أن تصف والدتك؟ إن استطعت، فهكذا تكون إثيوبيا بالنسبة لي... لا أستطيع أن أصفها بالكلمات. نحن لا نشعر بأننا مطالبون برد الجميل فقط، بل نرى هذا المكان وطناً لنا، ولا أشعر فيه بأنني ضيفة أو غريبة."
وعلى الجانب الآخر من المدينة، يحمل سالم إسماعيل ابن ولاية شمال كردفان السودانية، جرحاً أحدث. ظل سالم صامداً في الخرطوم لعام كامل تحت نيران حرب السودان التي اندلعت في 15 من أبريل 2023 ، قبل أن يُجبر على الرحيل، تاركاً خلفه أسرة تشتتت بين أم درمان وإثيوبيا ومصر والسعودية.
بعينين تلخصان مأساة جيل كامل، يقول سالم:
"مهما شعر الإنسان بالراحة في بلد آخر، فلن يعوضه شيء عن إحساسه بالانتماء إلى وطنه. فالوطن ليس مجرد مكان، بل هو أسلوب حياة كامل. وهنا في إثيوبيا، حظينا بحسن ضيافة استثنائي، وتنقلنا بحرية. صدق رئيس الوزراء الدكتور آبي أحمد حين قال إن السودانيين ليسوا أجانب، بل جزء من الأسرة. لقد لمسنا ذلك واقعاً."
هذه الأصوات ليست مجرد شهادات عابرة؛ إنها دليل حي على أن "الدمج الاجتماعي" يبدأ من التقبل الشعبي قبل أن يُكتب في المواثيق الرسمية.
مبادرة ماكاتيت: من الخيام إلى المجتمعات المستدامة
والترحيب الشعبي وحده ايضا لا يكفي لبناء حياة مستقرة؛ بل يتطلب تدخلاً حكومياً جِذرياً يكسر قيود اللجوء التقليدية. وهنا، ضربت إثيوبيا موعداً مع التاريخ بإطلاقها خارطة طريق ماكاتيت.
في متحف النصب التذكاري لانتصار عَدْوَا – وهو مكان يحمل رمزية عميقة للتحرر الأفريقي – وفي 18 من يونيو 2026 أُعلنت هذه الاستراتيجية الوطنية. إنها ليست مجرد خطة إغاثية، بل هي إعلان وفاة لنموذج مخيمات العزل. تهدف الخارطة إلى دمج اللاجئين بشكل كامل في الأنظمة الوطنية للتعليم والرعاية الصحية والتنمية الاقتصادية.
طيبة حسن، المديرة العامة لهيئة شؤون اللاجئين والعائدين، وقفت لتؤكد أن المبادرة "تمثل انتقالاً حاسماً يتجاوز سياسات الإيواء التقليدية، لتتيح للاجئين والمجتمعات المحلية الازدهار معاً".
مثل هذا التحول الجريء منح المهاجرين ، مثل ابتسام، أجنحة للتحليق. تشرح ابتسام كيف غيرت الإصلاحات الحكومية في اثيوبيا حياتها:
"في السابق لم يكن يُسمح للاجئين بالعمل. اليوم، تحسنت القوانين، أصبح لدي تصريح عمل قانوني، افتتحت مشروعي الخاص، بل وأسست جمعية خيرية أصبحت مديرتها. ليس كل لاجئ منتظراً للدعم؛ نحن قادرون على العطاء."
الصدى الدولي لهذه السياسة كان مدوياً. المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، برهام صالح، أشاد بالتقاليد الإثيوبية الراسخة في حماية الفارين من الاضطهاد، بينما أكدت ليراتو دوروثي ماتابوغي، مفوضة الاتحاد الأفريقي للبنية التحتية والطاقة، أن المبادرة الإثيوبية "تُطرح باستمرار كنموذج يُحتذى به لتحويل التزامات إدماج اللاجئين في أفريقيا إلى إجراءات ملموسة."
الحل الجذري: بروتوكولات إيغاد والتكامل الإقليمي
لا تعمل خارطة ماكاتيت في فراغ سياسي، بل هي الترجمة الوطنية لأهداف إقليمية أوسع ترعاها منظمة إيغاد. من خلال "بروتوكول إيغاد لحرية حركة الأشخاص"، تسعى دول المنطقة إلى تحطيم الحدود الوهمية التي تعيق التنمية.
وفي هذا السياق، وتأكيداً على هذا التحول الاستراتيجي، أشار الدكتور ورقنه غبييهو، السكرتير التنفيذي لمنظمة إيغاد، في بيان رسمـي صدر بتاريخ 2 يوليو 2023 (عبر مبادرة قطار إيغاد للتكامل الإقليمي كتعاون مشترك بين إثيوبيا وجيبوتي تحت قيادة إيغاد):
"إننا في إيغاد نرى في مبادرات الإدماج الوطني تجسيداً حياً لرؤيتنا الإقليمية. الهجرة والتنقل البشري ليسا تهديداً، بل هما محركان أساسيان للتكامل الاقتصادي والاجتماعي في القرن الأفريقي. بروتوكول حرية حركة الأشخاص الذي نتبناه يهدف إلى تحويل التحديات والنزوح إلى فرص حقيقية تضمن كرامة الإنسان وتدعم اقتصادات دولنا."
وتعزيزاً لهذا التوجه، توضح إدارة الصحة والتنمية الاجتماعية في إيغاد من خلال تقاريرها وبرامجها المعتمدة أن الانتقال من سياسة المخيمات المغلقة إلى الإدماج الشامل يعكس نضجاً في التعاطي مع قضايا النزوح، مؤكدة أن جهود المنظمة تتركز على دعم الدول الأعضاء لتوحيد السياسات التي تضمن للمهاجرين واللاجئين حق الوصول إلى الخدمات الأساسية وسوق العمل، مما يسهم في تحقيق استدامة حقيقية.
هذا المنطق الاستراتيجي لإيغاد ينطلق من حقيقة اقتصادية: الهجرة الآمنة والنظامية وحرية تنقل العمالة هي محركات للنمو، وليست تهديداً أمنياً. هذا التوجه ينسجم تماماً مع أجندة الاتحاد الأفريقي 2063 التي تطمح لبناء أفريقيا متكاملة ومزدهرة وشاملة لا تُقصي أحداً.
يؤمن سالم بهذا الحلم القاري بشدة، موجهاً رسالة للقادة الأفارقة:
"ما تحتاج إليه أفريقيا حقاً هو وحدة حقيقية، سياسات موحدة، وربما جواز سفر وعملة موحدة. الجيل الجديد من القادة يمتلك الرؤية للنهوض بالقارة بدلاً من ترك مواردنا ليجني الآخرون ثمارها."
فجوات الواقع وتحديات الاستدامة
رغم ريادة الإطار القانوني والسياسي، تفرض قسوة الواقع الاقتصادي تحديات لا يمكن تجاهلها. حرية الحركة تحتاج إلى فرص عمل تستوعبها.
يضع سالم يده على الجرح بشفافية تامة، مشيراً إلى أن الإعفاءات الحكومية الإثيوبية من رسوم الإقامة للسودانيين (التي امتدت لتسعة أشهر) كانت طوق نجاة..
ويضيف بحسرة: "في الوقت الراهن، ما بين 30% إلى 35% فقط من السودانيين قادرون على إعالة أنفسهم، بينما يعتمد الباقون على المساعدات أو التكافل. "
هنا تبرز الحاجة الماسة إلى:
تفعيل بنود بروتوكول "إيغاد" لحرية الحركة بشكل كامل، بحيث يصبح تنقل العمالة المتضررة من النزاعات رافداً لاقتصادات دول الجوار وليس عبئاً عليها.
توسيع نطاق برامج التمويل الأصغر المدعومة من "إيغاد" لتشمل مشاريع ريادة الأعمال للمهاجرين والمجتمعات المستضيفة، لرفع نسبة الاعتماد على الذات.
برامج التأهيل اللغوي والمهني: لتسريع اندماج الوافدين الجدد في سوق العمل المحلي، كما فعلت ابتسام التي أتقنت وأبناؤها اللغة الأمهرية.
ضرورة التوصل إلى صيغ إقليمية دائمة لمعالجة الرسوم الإدارية للإقامة وتوحيد وثائق السفر، لتخفيف العبء عن الأسر بعد انقضاء فترات السماح الأولية.
تفعيل وثائق السفر الإقليمية الموحدة: لضمان سلاسة حركة رؤوس الأموال والعمالة بين دول الجوار.
رسالة من القرن الأفريقي إلى العالم
إن قصة الهجرة في إثيوبيا والقرن الأفريقي اليوم هي بمثابة مختبر حي لمستقبل الإنسانية. إنها تثبت أن الأسلاك الشائكة والحدود المغلقة لا تصنع استقراراً، بل إن التمكين، والدمج، والاعتراف بإنسانية الآخر هو طوق النجاة الوحيد.
حينما تفتح دولة مسارات التعليم والعمل أمام لاجئ قادم من تحت الركام، فهي لا تقدم صدقة، بل تستثمر في اقتصادها وأمنها الإقليمي. وبينما لا يزال العالم يتجادل حول كيفية إيقاف المهاجرين، تقدم أفريقيا، من خلال تشريعاتها ومجتمعاتها المتسامحة، درساً بليغاً: لا يمكن بناء أوطان آمنة إلا عبر فتح الأبواب للباحثين عن الحياة.
ومثل ابتسام التي وجدت في أديس أبابا وطناً واحتضاناً، وسالم الذي يحمل أملاً لا ينضب بالعودة ووحدة القارة، هناك الملايين من القصص المشابهة لأشخاص عَبَروا جحيم الحروب والمناخ ليصنعوا في رحاب منظمة إيغاد بداية جديدة؛ قصص تؤكد أن الإنسان الأفريقي حين يجد البيئة الحاضنة، يتحول من ضحية للأزمات إلى صانع حقيقي لمستقبل قارته.