سيناريو القاهرة الفاشل: الدعاية لا تستطيع إيقاف صعود إثيوبيا

بقلم: جبريل لامو

على مدى أجيال، عملت المؤسسة السياسية المصرية وفق افتراض خطير أصبح متجاوزًا بشكل متزايد؛ وهو أن الحفاظ على أمن المياه في دول المصب لا يمكن تحقيقه إلا عبر إبقاء دول المنبع ضعيفة، فقيرة، ومتخلفة عن التنمية.

ذلك المنطق الذي يعود إلى الحقبة الاستعمارية بدأ الآن في الانهيار.

ومع تقدم إثيوبيا نحو مزيد من الاعتماد الاقتصادي على الذات، والسيادة في مجال الطاقة، وترسيخ مؤسساتها الديمقراطية، وتعزيز الترابط الإقليمي، لا تزال بعض وسائل الإعلام المصرية المدعومة من الدولة وأجهزة الاتصال الرسمية تعيد إنتاج النهج القديم ذاته؛ نهج قائم على التخويف، والتضليل، والضغط الدبلوماسي، والتدخل السياسي.

الأهداف واضحة. فقد تم تصوير سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره تهديدًا وجوديًا. كما جرى التقليل من أهمية الحوار الوطني الإثيوبي أو محاولة نزع الشرعية عنه. وتم تقديم مساعي إثيوبيا المشروعة لتعزيز الترابط الإقليمي وضمان الوصول الآمن إلى البحر الأحمر باعتبارها طموحات مزعزعة للاستقرار. وفي الوقت ذاته، تواصل القاهرة حشد شبكاتها الدبلوماسية والإعلامية بهدف تقييد الخيارات الاستراتيجية لإثيوبيا.

والرسالة الكامنة وراء هذه الحملات أصبحت واضحة بشكل متزايد: يجب احتواء صعود إثيوبيا.

لكن إثيوبيا لم تعد الدولة التي يمكن للقوى الخارجية عزلها أو ترهيبها أو رسم صورتها نيابة عنها.

إن التركيز المتواصل على الشؤون الداخلية لإثيوبيا يبدو بصورة متزايدة أقل ارتباطًا بقلق حقيقي على الاستقرار الإقليمي، وأكثر ارتباطًا بمحاولة محسوبة لتحويل الأنظار عن الضغوط الاجتماعية والاقتصادية المتفاقمة داخل مصر نفسها. فبدلًا من مواجهة التحديات الهيكلية التي تواجه مجتمعها، تواصل المؤسسة السياسية المصرية وسلطاتها إيجاد فائدة سياسية في تقديم إثيوبيا باعتبارها تهديدًا خارجيًا مناسبًا.

قد تحقق هذه الاستراتيجية عناوين إعلامية مؤقتة، لكنها لا تستطيع إيقاف حركة التاريخ.


 

سد النهضة وسياسة الخوف

في قلب الحملة المصرية يقف سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي صورته الروايات السياسية والإعلامية المصرية مرارًا باعتباره عملًا أحادي الجانب وعدوانيًا.

هذه الادعاءات تختزل بصورة متعمدة قضية مائية عابرة للحدود ومعقدة إلى مجرد سياسة قائمة على الخوف.

إن حوض أبّاي (النيل) ليس ملكية سياسية تخص دولة واحدة. إنه نظام جغرافي مشترك يجب أن يُبنى مستقبله على أساس التعاون، والعلم، والاستخدام العادل للموارد المشتركة.

لقد أكدت إثيوبيا باستمرار أن التنمية والأمن المائي ليسا أمرين متعارضين. فالقضية الأساسية ليست ما إذا كان ينبغي لدولة واحدة أن تسيطر على أبّاي، بل ما إذا كانت دول الحوض قادرة على تجاوز المفاهيم القديمة القائمة على الامتيازات الحصرية، وبناء إطار يخدم جميع الدول المشاطئة.

يمثل سد النهضة تعبيرًا عن إصرار إثيوبيا على تجاوز فقر الطاقة وتحقيق إمكاناتها الاقتصادية. فبالنسبة لدولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، وتواجه احتياجات تنموية واسعة وتمتلك إمكانات ضخمة في مجال الطاقة الكهرومائية، فإن السعي إلى توفير الكهرباء ليس عملًا عدائيًا، بل ضرورة وطنية.

كما أن النقاش الهيدرولوجي الأوسع يتطلب حوارًا أكثر عمقًا وتعقيدًا من الخطاب الذي تقدمه الدعاية السياسية. فإدارة المياه في حوض النيل ترتبط بعوامل متعددة تشمل معدلات هطول الأمطار، والتبخر، وحماية الأحواض المائية، وإدارة الخزانات، والاستخدام الزراعي، والاستدامة البيئية طويلة الأمد. إن التعامل مع النهر باعتباره أداة صفرية للسيطرة الجيوسياسية لا يخدم العلم ولا شعوب الحوض.

بل إن المرتفعات الإثيوبية تلعب دورًا حاسمًا في النظام المائي الأوسع لأبّاي. فحماية هذه النظم البيئية واستعادتها ليست مجرد قضية إثيوبية داخلية، بل هي ضرورة لصحة الحوض بأكمله على المدى الطويل.


 

إثيوبيا تستثمر في مستقبل الحوض

في الوقت الذي تستمر فيه الروايات السياسية في تصوير إثيوبيا كتهديد، تستثمر إثيوبيا في الأسس البيئية التي ستدعم مستقبلها.

ومن خلال مبادرة البصمة الخضراء، أطلقت البلاد واحدة من أكثر حملات الاستعادة البيئية طموحًا في أفريقيا. وركزت المبادرة على إعادة التشجير، وتأهيل الأحواض المائية، والحفاظ على التربة، واستعادة الأراضي المتدهورة في مختلف أنحاء البلاد.

وترتبط هذه الجهود بشكل مباشر بالصحة طويلة الأمد للأنهار والأحواض المائية الإثيوبية. فالنظم البيئية السليمة تعزز احتفاظ التربة بالمياه، وتدعم تغذية المياه الجوفية، وتحد من التعرية، وتقوي قدرة الأراضي على الصمود، وهي أراضٍ يعتمد عليها ملايين الأشخاص.

هذه هي الحقيقة التي غالبًا ما تتجاهلها الدعاية الجيوسياسية.

وتواجه دول حوض النيل، ولا سيما دول المصب، خيارًا واضحًا. فإما أن تواصل ضخ الموارد في الاستعراضات العسكرية، والمواجهات الدبلوماسية، والحملات الإعلامية العدائية، أو أن تستثمر في التعاون، والاستعادة البيئية، والإدارة العلمية للمياه، والتنمية المشتركة.

المسار الأول يعمق حالة انعدام الأمن. أما المسار الثاني فيفتح إمكانية تحقيق ازدهار مستدام.


 

إثيوبيا ذات السيادة لم تعد قابلة للعزل

إن تحول إثيوبيا لا يقتصر على قضية أبّاي.

فالدولة الإثيوبية تمثل قوة أفريقية كبرى، يبلغ عدد سكانها أكثر من 130 مليون نسمة، وتمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وإمكانات اقتصادية كبيرة، وإرادة متزايدة لتحديد مستقبلها بنفسها.

ولعقود طويلة، جرى التعامل مع الظروف الجغرافية لإثيوبيا باعتبارها قيدًا استراتيجيًا دائمًا. فقد ساهم غياب منفذ بحري مباشر في زيادة هشاشتها الاقتصادية، وعزز نمطًا أوسع من العزلة الإقليمية.

لكن هذه الحقيقة التاريخية آخذة في التغير.

إن سعي إثيوبيا إلى ضمان وصول آمن وموثوق إلى البحر الأحمر ليس عملًا عدائيًا تجاه جيرانها. بل هو ضرورة استراتيجية نابعة من الجغرافيا، والحاجة الاقتصادية، ومتطلبات التنمية الوطنية.

فدولة بحجم وأهمية إثيوبيا لا يمكن أن يُتوقع منها أن تبقى معتمدة بشكل دائم على ترتيبات خارجية فيما يتعلق بتجارتها الدولية وترابطها الاستراتيجي.

لقد انتهى العصر الذي كان يمكن فيه مطالبة إثيوبيا بقبول العزلة باعتبارها واقعًا دائمًا.

لقد اتبعت إثيوبيا، وبصبر، مسار الحوار والحلول التفاوضية. لكن الحوار لا يمكن أن يعني الإبقاء الدائم على اختلالات تاريخية، كما لا يمكن اختزال المفاوضات في مطالب تُجبر إثيوبيا على التخلي عن مصالحها السيادية.

وعلى المنطقة في نهاية المطاف أن تدرك حقيقة بسيطة: إن إثيوبيا المزدهرة والمتصلة إقليميًا ليست تهديدًا للقرن الأفريقي، بل يمكن أن تصبح أحد أكبر محركات النمو في المنطقة.

الحوار الوطني الإثيوبي سيحدده الإثيوبيون

ينطبق المبدأ ذاته على الشؤون السياسية الداخلية في إثيوبيا.

إن محاولات بعض المعلقين الأجانب والجهات الإقليمية التقليل من شأن الحوار الوطني الإثيوبي واعتباره مجرد مسرحية سياسية تكشف عن سوء فهم جوهري لطبيعة المسار السياسي الذي تمر به البلاد.

إن تحديات إثيوبيا حقيقية. وخلافاتها السياسية معقدة. وتاريخها يحمل العديد من التفسيرات المتباينة. لكن مسؤولية معالجة هذه القضايا تقع أولًا وقبل كل شيء على عاتق الإثيوبيين أنفسهم.

ويمثل الحوار الوطني محاولة لإنشاء منصة مؤسسية تتيح مناقشة ومعالجة مختلف المظالم السياسية والاجتماعية والتاريخية بين مختلف الأطراف.

إنه ليس مشروعًا يحتاج إلى موافقة خارجية.


 

لن يتم تصميم مستقبل إثيوبيا السياسي في القاهرة أو واشنطن أو أي عاصمة أجنبية أخرى. كما أنه لن تحدده الحملات الإعلامية، أو الضغوط بالوكالة، أو المحاولات الخارجية لاستغلال الانقسامات الداخلية.

قد تكون المؤسسات الديمقراطية في إثيوبيا لا تزال في مرحلة التطور، كما هو الحال في العديد من الدول حول العالم. لكن مستقبل إثيوبيا السياسي يجب أن يُناقش ويُحدد في نهاية المطاف بواسطة الإثيوبيين أنفسهم، وأن يتشكل وفقًا لمصالح الشعب الإثيوبي.

لا يمكن إبقاء حوض أبّاي (النيل) رهينة للصراعات التاريخية

ترتبط دول حوض النيل ببعضها البعض بحكم الجغرافيا. ولذلك فإن مصائرها مترابطة.

فإما أن تتعاون هذه الدول لبناء مستقبل قائم على الازدهار المشترك، أو أن تبقى عالقة في دائرة من الشكوك، والمواجهات، والتنافس الجيوسياسي.

لقد أكدت إثيوبيا مرارًا التزامها بالاستخدام العادل والمعقول للموارد المائية المشتركة. لكن الاستخدام العادل لا يمكن أن يعني الحفاظ على امتيازات الماضي. كما أن التعاون لا يمكن أن يعني احتفاظ دولة واحدة بحق النقض على تطلعات دولة أخرى في التنمية.

فالنيل ليس ملكية خاصة لأي دولة واحدة.

ويجب أن يُبنى مستقبل الحوض على أساس التعاون، والاحترام المتبادل، والأدلة العلمية، والاعتراف بحقوق التنمية المشروعة لجميع الدول المشاطئة.

لن تقبل إثيوبيا بنظام إقليمي تكون فيه تنميتها خاضعة بشكل دائم للمخاوف السياسية لدولة أخرى.

كما أنها لن تقبل فكرة أن يبقى شعبها فقيرًا حتى يشعر الآخرون بالأمان.

النهج القديم يفشل

إن الاستراتيجية المألوفة لدى القاهرة — تسييس التنمية الإثيوبية، وتدويل تحدياتها الداخلية، وإثارة المخاوف حول سد النهضة، وعرقلة طموحات إثيوبيا الإقليمية — ربما كانت فعالة في حقبة سابقة.

لكنها تفشل بشكل متزايد اليوم.

إثيوبيا تتغير. اقتصادها يتوسع. بنيتها التحتية تنمو. طموحاتها البيئية تتزايد. علاقاتها الدبلوماسية تتسع. وشعبها يطالب بمزيد من الازدهار، ومؤسسات أقوى، ودور أكثر تأثيرًا في الشؤون الإقليمية والدولية.

ولا تستطيع أي حملة إعلامية أن تعكس هذا المسار بشكل دائم.

وبالتالي فإن الخيار المطروح أمام مصر ليس ما إذا كانت إثيوبيا ستتطور أم لا. فإثيوبيا ستتطور.

الخيار الحقيقي هو ما إذا كانت مصر ستواصل النظر إلى صعود إثيوبيا باعتباره تهديدًا، أم ستدرك أن إثيوبيا المستقرة، والمزدهرة، والآمنة في مجال الطاقة، والمتصلة اقتصاديًا، يمكن أن تصبح شريكًا في بناء حوض نيل أقوى وقرن أفريقي أكثر ازدهارًا.

إن عصر الاحتواء يقترب من نهايته.

وعصر السيادة الإثيوبية يتقدم.

ولا يمكن لأي قدر من الدعاية أن يوقف أمة مصممة على صياغة مستقبلها بيدها.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023