سوء التقديرات الاستراتيجية في حوض أباي: لماذا ستفشل استراتيجية عزل مصر لإثيوبيا حتماً؟ - ENA عربي
سوء التقديرات الاستراتيجية في حوض أباي: لماذا ستفشل استراتيجية عزل مصر لإثيوبيا حتماً؟
بقلم: أيلي ييمر – لصالح POA
لأكثر من قرن من الزمن، عملت الدبلوماسية المائية في حوض نهر أباي ضمن نظام غير متكافئ قائم على واقع جيوسياسي موروث من الحقبة الاستعمارية. فقد جرى بناء هذا الوضع على أساس اتفاقيتي عامي 1929 و1959، اللتين أُبرمتا دون مشاركة إثيوبيا أو موافقتها، رغم أن أراضيها تُسهم بأكثر من 85% من إجمالي تدفق مياه نهر أباي. وقد منحت تلك الاتفاقيات التاريخية كامل السيطرة على تدفقات النهر لدول المصب، كما كرّست لمصر تحديداً حق الاعتراض الكامل على أي مشروعات تنموية مائية في دول المنبع.
عندما أعلنت إثيوبيا رسمياً عام 2011 بدء بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير، تعامل صانعو القرار في القاهرة في البداية مع المشروع باعتباره مجرد استعراض سياسي لا أكثر. فقد استند التقدير السائد في مصر آنذاك إلى أن إثيوبيا، نظراً لقيودها الاقتصادية الحادة، والتحديات الأمنية الداخلية، وضعف بنيتها التكنولوجية، لن تكون قادرة بأي حال من الأحوال على تنفيذ مشروع ضخم تبلغ تكلفته نحو 5 مليارات دولار بمفردها.
اعتمدت الثقة المصرية المبكرة بدرجة كبيرة على افتراض أن النفوذ الدبلوماسي المصري قادر على قطع الطريق بصورة دائمة أمام حصول إثيوبيا على التمويل من الأسواق المالية الدولية. وبالفعل، ومن خلال جهود ضغط مستمرة داخل المؤسسات المالية متعددة الأطراف، والبنوك التنموية الدولية، والأسواق الرأسمالية الغربية، جرى بصورة منهجية منع حصول أديس أبابا على القروض الخارجية أو التمويل الثنائي اللازم لبناء السد.
غير أن هذا الفيتو الدبلوماسي أنتج نتيجة لم تكن القاهرة تتوقعها؛ إذ أدى إلى تعبئة وطنية واسعة لا يمكن كسرها. وبعد إدراك أن أي دعم مالي خارجي لن يكون متاحاً، تبنت الدولة الإثيوبية والمجتمع الإثيوبي بأكمله مبدأ الاعتماد الكامل على الذات. فمن المزارعين في المناطق الريفية الذين اشتروا سندات صغيرة لتمويل المشروع، إلى العمال في المدن الذين ساهموا بجزء من رواتبهم الشهرية، إضافة إلى الحملات الواسعة التي قادتها الجالية الإثيوبية حول العالم، تم تمويل مشروع الـ5 مليارات دولار بالكامل من خلال التضحيات المحلية.
وبذلك، تطور سد النهضة بسرعة ليتجاوز كونه مجرد منشأة لإنتاج الطاقة الكهرومائية. فقد تحول إلى رمز مركزي للسيادة الوطنية، والوحدة الداخلية، وحق إثيوبيا في تقرير مسارها التنموي الحديث، حتى أصبح يُوصف كثيراً في الخطاب الوطني الإثيوبي بأنه "عدوا الثانية"، في إشارة إلى الانتصار التاريخي لإثيوبيا على محاولات الهيمنة والتدخل الخارجي.
من الإكراه إلى التطويق: المراحل الثلاث لمعارضة سد النهضة
مع استمرار تقدم بناء السد اعتماداً على الموارد المحلية الخالصة، تطورت السياسة المصرية عبر ثلاث مراحل رئيسية هدفت إلى وقف المشروع أو تحييده:
أولاً: الإكراه المباشر والحصار المالي (2011–2015)
اتسمت المرحلة الأولى بالمواقف العلنية الحادة، والتحركات غير المعلنة، والتهديدات باستخدام وسائل الضغط القسري. ففي عام 2013، بُث اجتماع تلفزيوني شهير شارك فيه عدد من كبار الشخصيات السياسية المصرية على الهواء مباشرة، حيث ناقش المشاركون بشكل علني خيارات تتعلق بالتخريب العسكري، والعمليات الاستخباراتية السرية، وتمويل جماعات معارضة مسلحة داخل إثيوبيا.
استند هذا النهج التصعيدي إلى اعتقاد أساسي مفاده أن حرمان إثيوبيا من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية سيجبر أديس أبابا في نهاية المطاف على التخلي عن استكمال المشروع.
لكن هذا الحساب الاستراتيجي لم يأخذ في الاعتبار قدرة الدولة الإثيوبية والمجتمع الإثيوبي على تعبئة الموارد داخلياً، وتحويل التحدي الخارجي إلى قضية وطنية جامعة.
ثانياً: عرقلة المفاوضات والمطالب القانونية (2015–2021)
مع تسارع وتيرة البناء على أرض الواقع، انتقلت القاهرة إلى استراتيجية تعتمد على إطالة أمد المفاوضات وعرقلة التوصل إلى اتفاق. ومن خلال مسار المفاوضات الثلاثية الممتد بين إثيوبيا والسودان ومصر، أصرت القاهرة على تثبيت حصص مائية تاريخية تعكس ترتيبات الحقبة الاستعمارية.
وتحت شعار الحاجة إلى "إطار قانوني ملزم لتشغيل السد"، سعت مصر إلى الحفاظ على حق دائم في الاعتراض على أي مشروعات تنموية مستقبلية في دول المنبع، مع تحميل إثيوبيا وحدها تبعات فترات الجفاف الطبيعية وتقلبات الموارد المائية.
ثالثاً: التطويق الإقليمي والعزل الدبلوماسي (2021–حتى الوقت الراهن)
مع اكتمال البناء المادي لسد النهضة وترسخ واقع جديد أصبح من الصعب تغييره، أعادت مصر توجيه استراتيجيتها نحو محيط إثيوبيا الإقليمي، ولا سيما دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي. وبعد فشل أدوات التدخل المباشر، والضغوط القانونية، ومحاولات فرض حق النقض التاريخي، بدأت القاهرة في بناء شبكة من التحالفات الثنائية، واتفاقيات التعاون الدفاعي، والممرات الاقتصادية بهدف تطويق إثيوبيا دبلوماسياً.
وبالتزامن مع ذلك، أطلقت القاهرة حملة واسعة في مجال الخطاب السياسي والإعلامي، سعت من خلالها إلى تصوير عمليات تشغيل السد الكهرومائي الاعتيادية، التي لا تستهلك المياه، على أنها "إجراءات أحادية الجانب" وانتهاكات للقانون الدولي. كما تكررت التصريحات الرسمية التي اتهمت إثيوبيا بالتسبب في تقلبات مائية تؤثر على دول المصب.
وللتقليل من أهمية الإنجاز الوطني الإثيوبي، انتشرت روايات من جهات خارجية تزعم أن سد النهضة يعتمد على تمويل جيوسياسي أجنبي، وهي ادعاءات رفضتها القيادة الإثيوبية بشكل قاطع، كما نفاها الرئيس التنفيذي لشركة WeBuild الإيطالية، بيترو ساليني، الذي أكد أن المشروع تم تمويله بنسبة 100% من الشعب الإثيوبي.
ورغم التوغلات المسلحة بالقرب من محيط المشروع، والتحديات القانونية، والضغوط الدبلوماسية المكثفة، واصلت إثيوبيا أعمال البناء دون توقف. واليوم يقف سد النهضة مكتملاً باعتباره أكبر منشأة لإنتاج الطاقة الكهرومائية في إفريقيا، بقدرة إنتاجية مركبة تتجاوز 5150 ميغاواط، وقد صُمم حصرياً لإنتاج الطاقة النظيفة دون استهلاك للمياه.
العيوب البنيوية في الاستراتيجية المصرية
تعتمد استراتيجية مصر القائمة على التطويق الدبلوماسي على مجموعة من الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والهيدرولوجية الخاطئة، الأمر الذي يجعل استمرارها على المدى الطويل أمراً غير قابل للاستدامة.
أولاً: الحقيقة الهيدرولوجية غير القابلة للتغيير
لا يمكن لأي تحرك دبلوماسي أو بناء تحالفات سياسية أن يغير الحقائق الجغرافية والطبيعية لحوض النهر. فإثيوبيا تسهم بأكثر من 85% من التدفق السنوي للنظام النهري من خلال أنظمة أباي (النيل الأزرق)، وبارو-أكوبو، وتكيزي.
إن محاولة عزل الدولة التي تتحكم في المصدر الهيدرولوجي الأساسي للنهر الرئيسي تمثل مفارقة استراتيجية واضحة. فالاستقرار الحقيقي لدول المصب لا يمكن تحقيقه عبر سياسة الاحتواء والعزل، بل من خلال إقامة علاقات مباشرة وفعالة ومستقرة مع أديس أبابا.
إن الأمن المائي طويل الأمد لمصر والسودان يعتمد في جوهره على التعاون مع إثيوبيا، وليس على محاولة تجاوز دورها أو تحييدها.
ثانياً: الضرورات الاقتصادية مقابل التحالفات الدبلوماسية
في الوقت الذي ترحب فيه دول حوض النيل وإفريقيا الشرقية بالاستثمارات في البنية التحتية، فإن أهدافها التنموية بعيدة المدى ترتبط بشكل متزايد بالتكامل الإقليمي في مجال الطاقة، والذي تتمحور فيه إثيوبيا كمصدر رئيسي للطاقة النظيفة.
فالدول المجاورة، بما فيها كينيا والسودان وجيبوتي وجنوب السودان، تعمل بصورة مباشرة أو تفاوض من أجل استيراد الكهرباء الكهرومائية منخفضة التكلفة التي ينتجها سد النهضة.
إن الحاجة الملحة إلى توسيع شبكات الكهرباء، ودعم التصنيع، وتحقيق النمو الاقتصادي، تجعل دول شرق إفريقيا غير مستعدة للتخلي عن فرص الحصول على الطاقة الخضراء فقط من أجل دعم حملات دبلوماسية تقوم على منطق الصفرية التي ترفضها القاهرة.
فالواقع الاقتصادي الإقليمي يدفع نحو التعاون في مجال الطاقة، وليس نحو مزيد من الانقسام السياسي.
ثالثاً: الضرورة الأخلاقية والقانونية
إن مطالبة دولة غير ساحلية تضم أكثر من 130 مليون نسمة بالبقاء في حالة من الفقر الطاقي، حيث ما زال عشرات الملايين من سكانها يفتقرون إلى الكهرباء الأساسية، من أجل الحفاظ على ترتيبات مائية تاريخية تعود إلى الحقبة الاستعمارية، هو مطلب يصعب الدفاع عنه أخلاقياً وسياسياً.
ويتأكد هذا التحول من خلال الانتشار الإقليمي الواسع لـ اتفاقية الإطار التعاوني لحوض النيل، التي تمثل تحولاً جوهرياً في إدارة مياه النيل نحو مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية، الأمر الذي يضعف عملياً الأساس القانوني لفكرة حق النقض التاريخي الذي طالبت به مصر لعقود.
ما بعد سد النهضة: الاستراتيجية الكبرى لـ "المياهين"
إن اكتمال وتشغيل سد النهضة لا يمثل نهاية الرؤية الوطنية الإثيوبية، بل يشكل نقطة ارتكاز أساسية لتحول جيوسياسي أوسع في منطقة القرن الإفريقي.
فالرؤية الاستراتيجية الإثيوبية تتجه بصورة متزايدة نحو مفهوم "استراتيجية المياهين"، وهي رؤية تربط بين الجغرافيا السياسية لحوض أباي وبين الوصول البحري إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وتقوم هذه الاستراتيجية على إدراك أن حوض النيل والبحر الأحمر ليسا مجالين منفصلين جغرافياً أو سياسياً، بل يمثلان فضاءً مترابطاً من حيث الأمن والتنمية والنفوذ الإقليمي.
فإن الضغوط الأمنية التي تُمارس في المجال البحري من قبل بعض القوى المنافسة في ملف النيل، مثل السعي المصري إلى إنشاء وجود عسكري أو استخباراتي في دول مجاورة مثل إريتريا، تُعد امتداداً مباشراً للتنافس المرتبط بالسياسة المائية لحوض النيل.
ما بعد سد النهضة: الاستراتيجية الكبرى لـ "المياهين" (تكملة)
وباعتبارها أكبر دولة حبيسة من حيث عدد السكان في العالم، لا تستطيع إثيوبيا الحفاظ على اقتصاد صناعي متنامٍ وهي مقيدة بالكامل بالاعتماد اللوجستي على موانئ دول أخرى. ولذلك، فإن سعيها إلى ضمان وصول بحري مستدام وآمن، إلى جانب تطوير قدرات دفاعية بحرية، يمثل جزءاً من رؤية استراتيجية تهدف إلى إعادة صياغة موقعها الإقليمي.
فمن خلال الجمع بين قدراتها الهائلة في إنتاج الطاقة الكهرومائية وبين شبكات الاتصال البحري، تسعى أديس أبابا إلى تحقيق استقلال اقتصادي طويل الأمد، وتعزيز قدرتها على التأثير، وترسيخ دورها باعتبارها قوة استقرار رئيسية في منطقتي البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ولا تنظر إثيوبيا إلى الوصول البحري باعتباره مجرد مسألة تجارية أو لوجستية، بل تعتبره جزءاً من معادلة الأمن القومي والتنمية الاقتصادية. فاقتصاد بحجم السكان الإثيوبيين وطموحاتها الصناعية المستقبلية يحتاج إلى منافذ بحرية مستقرة ومتنوعة لتسهيل التجارة، وجذب الاستثمارات، وتقليل الاعتماد على ترتيبات خارجية قد تكون عرضة للضغوط السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم "المياهين" يجمع بين مجالين استراتيجيين مترابطين:
المياه العذبة في حوض أباي (النيل) باعتبارها أساس التنمية والطاقة والسيادة الاقتصادية.
المياه المالحة في البحر الأحمر وباب المندب باعتبارها بوابة التجارة العالمية والأمن البحري.
وترى هذه الرؤية أن التحكم الفعال في هذين المجالين سيمنح إثيوبيا قدرة أكبر على حماية مصالحها الوطنية، والمساهمة في تشكيل توازن إقليمي جديد في القرن الإفريقي.
ضرورة الازدهار المشترك
إن الاستراتيجية المصرية تجاه سد النهضة الإثيوبي الكبير، التي انتقلت من مرحلة التقليل من أهمية المشروع، مروراً بمحاولات الضغط غير المباشر، وصولاً إلى سياسة التطويق الدبلوماسي الحالية، لم تنجح في وقف تقدم إثيوبيا.
فاكتمال السد يمثل دليلاً واضحاً على أن الإرادة الوطنية، وحشد الموارد المحلية، والوضوح الاستراتيجي، يمكن أن تتغلب على محاولات الاحتواء الخارجية.
إن محاولة عزل إثيوبيا دبلوماسياً ليست فقط صعبة التطبيق من الناحية العملية، بل إنها تأتي بنتائج عكسية بالنسبة لمصالح دول المصب نفسها. فالاستقرار طويل الأمد والأمن المائي في شرق إفريقيا لا يمكن تحقيقهما من خلال منطق الصراع الصفري أو تقسيم المنطقة إلى أطراف متنافسة، وإنما عبر الاعتراف بالدور الطبيعي لإثيوبيا باعتبارها دولة محورية في مجال الطاقة وشريكاً أساسياً في الاستقرار الإقليمي.
إن الواقع الجديد يتطلب تجاوز التصورات القديمة التي تأسست على ترتيبات استعمارية لم تعد تتوافق مع الحقائق الديموغرافية والاقتصادية والسياسية الحالية.
فبدلاً من محاولة منع إثيوبيا من استثمار مواردها الطبيعية، يمكن لدول المصب الانتقال نحو نموذج قائم على التعاون، تستفيد فيه جميع الأطراف من:
الكهرباء النظيفة منخفضة التكلفة.
التكامل الاقتصادي الإقليمي.
تطوير شبكات الطاقة والبنية التحتية المشتركة.
الإدارة التعاونية لموارد حوض النيل.
بناء نظام إقليمي يقوم على المصالح المتبادلة بدلاً من الهيمنة التاريخية.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل حوض النيل لن يتحدد عبر محاولات فرض الإرادة الأحادية أو إعادة إنتاج صراعات الماضي، بل من خلال القدرة على التكيف مع الواقع الجديد الذي أصبحت فيه إثيوبيا لاعباً رئيسياً لا يمكن تجاوزه.
إن الانتقال من منطق "من يسيطر على المياه؟" إلى منطق "كيف يمكن للجميع الاستفادة من المياه؟" يمثل الطريق الأكثر واقعية لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار المشترك في شرق إفريقيا.