الحوار الوطني في إثيوبيا: مسعى لإنهاء الصراع وترسيخ سلام دائم

بقلم: هيئة التحرير

17 يوليو 2026 (إينا)

بعث اليوم الأول من مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، الذي افتُتحت أعماله يوم الثلاثاء الموافق 15 يوليو 2026، برسالتين متكاملتين. فعلى الصعيد الداخلي، قُدِّم الحوار باعتباره فرصة حاسمة لإحداث تحول في الثقافة السياسية الإثيوبية، من خلال استبدال دوائر المواجهة المتكررة بثقافة تقوم على التشاور، والتسوية، والتوافق. أما على الصعيد الدولي، فقد حظي المؤتمر بدعم قوي من كبار القادة الأفارقة والمؤسسات الإقليمية، وهو ما ارتقى بهذه المبادرة من مجرد عملية وطنية إلى مسار يحمل أهمية على مستوى القارة الأفريقية.

وشهدت الجلسة الافتتاحية مشاركة أكثر من أربعة آلاف ممثل من مختلف أنحاء إثيوبيا، إلى جانب رئيس الوزراء آبي أحمد، ورئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي البروفيسور مسفن أرايا، والرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو، ومفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن السفير بانكولي أدييوي، والأمين التنفيذي للهيئة الحكومية الدولية للتنمية (إيغاد) ورقنه غبيهو.

ورغم أن كل متحدث تناول الحوار من زاوية مختلفة، فإن رسائلهم التقت حول عدد من المحاور الأساسية، تمثلت في رفض العنف السياسي، وضرورة الحوار الشامل، وملكية الإثيوبيين للعملية الحوارية، والمصالحة الوطنية، وتجديد المؤسسات، وثقة أفريقيا في قدرة إثيوبيا على أن تصبح نموذجًا لحل النزاعات بالوسائل السلمية.


 

إنهاء دوامة العنف السياسي

استهل رئيس الوزراء آبي أحمد كلمته بتشخيص ما وصفه بالمأزق السياسي المزمن في إثيوبيا، قائلاً: "تبدأ سياستنا بكلمات قوية وتنتهي بأفعال قوية. ويجب أن يتوقف هذا الانقسام إلى الأبد."

ولم يصور رئيس الوزراء التوترات الراهنة باعتبارها أحداثًا معزولة، بل رأى أن إثيوبيا طورت على مر السنين ثقافة سياسية تتصاعد فيها الخلافات بصورة متكررة إلى أعمال عنف، بسبب استمرار ضعف الآليات السلمية لتسوية النزاعات. وكانت رسالته الأساسية أن إثيوبيا تقف اليوم أمام فرصة نادرة لإحداث تغيير جذري في هذا الإرث السياسي.

وقال: "إن الفرصة التي أمامنا اليوم ليست فرصة تتكرر كثيرًا. لقد اجتمعنا هنا لنكتب التاريخ معًا."

ودعا الممثلين المشاركين إلى تقديم المصلحة الوطنية على الانقسامات السياسية والعرقية والأيديولوجية، مؤكدًا أن الأجيال القادمة ينبغي أن تتذكر هذا الاجتماع باعتباره اللحظة التي اختارت فيها إثيوبيا، عن قصد، الحوار بدلًا من الانقسام.

ومن جانبه، عزز رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، البروفيسور مسفن أرايا، هذا التشخيص من منظور المفوضية، قائلاً: "لقد حاولت بلادنا مرارًا تسوية الخلافات من خلال القوة، والإقصاء، والترتيبات السياسية المؤقتة. ولم ينجح أي من هذه الأساليب في تحقيق سلام دائم."

وبالنسبة للمفوضية، فإن الحوار لا يمثل مؤتمرًا سياسيًا آخر، بل هو محاولة مؤسسية لاستبدال القوة بالتشاور باعتباره الوسيلة الأساسية لإثيوبيا في معالجة الخلافات المتعلقة بالحكم، والترتيبات الدستورية، والهوية، والمظالم التاريخية، وتقاسم الموارد، والوحدة الوطنية.


 

وكان من أبرز المحاور التي هيمنت على اليوم الافتتاحي الإجماع على رفض العنف باعتباره أداة للعمل السياسي. وقدم الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو ما يمكن اعتباره أقوى تحذير في هذا السياق، مستندًا إلى التجربة التاريخية المؤلمة لنيجيريا.

وقال: "إن الحرب لا تجلب أي فوائد"، مضيفًا: "إن الحرب الأهلية أكثر خطورة وأكثر تدميرًا من الحرب مع عدو خارجي. ولذلك، يجب أن نحمي أنفسنا من الحروب الأهلية والصراعات."

واكتسبت مداخلته أهمية أخلاقية خاصة لأنها استندت إلى الدروس المستفادة من تجربة واحدة من أكبر المجتمعات الأفريقية وأكثرها تعقيدًا في مرحلة ما بعد الصراع. وبدلًا من الاكتفاء بطرح ملاحظات نظرية، استند أوباسانجو إلى خبرته العملية ليؤكد أن الحروب الداخلية تترك آثارًا مؤسسية واجتماعية ونفسية أعمق من النزاعات مع الأعداء الخارجيين.

كما وسع الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، هذا الطرح ليتجاوز الجانب الأمني، قائلاً: "لم تُبنَ أي دولة ولم تحقق الازدهار من خلال الصراع."

وربط في كلمته بين السلام والتنمية الوطنية بصورة مباشرة، مشيرًا إلى أن الدول لا تحقق التقدم المستدام إلا عندما تجعل الحوار، والتوافق، والمصلحة الوطنية المشتركة أولويات تتقدم على المواجهة.

وشكلت كلماته، إلى جانب مداخلات رئيس الوزراء آبي أحمد ورئيس مفوضية الحوار الوطني البروفيسور مسفن أرايا، رسالة متسقة بصورة لافتة مفادها أن مستقبل إثيوبيا لا يمكن تأمينه بالقوة، وإنما بالحوار السياسي المستدام.


 

الإصغاء بدلًا من السعي إلى الانتصار

كان من السمات البارزة للجلسة الافتتاحية التركيز على تغيير السلوك السياسي، وليس فقط النتائج السياسية.

وأكد رئيس مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي أن الاختلاف في وجهات النظر يمثل سمة طبيعية في المجتمعات الديمقراطية، قائلاً: "إن وجود آراء مختلفة أمر طبيعي. وتبدأ المشكلة عندما نحاول إسكات هذا الاختلاف بالعنف بدلًا من معالجته بالحوار."

وأضاف أن الحوار لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافسة بين منتصر ومهزوم، قائلاً: "الحوار لا يتعلق بهزيمة شخص آخر، وإنما يتعلق بإيجاد أرضية مشتركة مع احترام الاختلافات."

وبالمثل، دعا رئيس الوزراء آبي أحمد المشاركين مرارًا إلى الإصغاء بصبر وإخلاص، بدلًا من محاولة فرض مواقف محددة سلفًا. ويمثل ذلك تحولًا فكريًا مهمًا من سياسة المحصلة الصفرية إلى نموذج للحكم قائم على التوافق، حيث تُدار الخلافات السياسية عبر المؤسسات، وليس من خلال العنف.


 

نموذج أفريقي

حرص المتحدثون الأفارقة المدعوون إلى المؤتمر على الارتقاء بالحوار الوطني إلى ما هو أبعد من المشهد السياسي الداخلي في إثيوبيا.

ووصف الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو المؤتمر بأنه "حدث ذو أهمية تاريخية ليس لإثيوبيا فحسب، بل للقارة الأفريقية بأكملها."

ووضع التجربة الإثيوبية في إطار الجهود القارية الأوسع الرامية إلى إثبات قدرة الدول الأفريقية على معالجة تحدياتها السياسية بنفسها من خلال الحوار، بدلًا من الانزلاق إلى صراعات طويلة الأمد.

ومن جانبه، عزز مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، السفير بانكولي أدييوي، هذا الطرح من منظور الاتحاد الأفريقي، قائلاً: "يمثل الحوار الوطني الإثيوبي أساسًا لتحقيق السلام الدائم والمصالحة الوطنية."

وتعكس هذه التصريحات التوجه العام للاتحاد الأفريقي، الذي يفضل العمليات السياسية الشاملة التي تقودها الدول نفسها باعتبارها آليات للوقاية من النزاعات والتعافي في مرحلة ما بعد الصراع.

وبالمثل، وصف الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه جبيهو، المؤتمر بأنه لحظة تاريخية فارقة، قائلاً: "يمثل هذا المؤتمر التاريخي حدثًا مهمًا سيفتح فصلًا جديدًا في تاريخ إثيوبيا الطويل والمشرف."

ومجتمعة، أسهمت هذه المداخلات في تحويل المؤتمر من مبادرة وطنية للمصالحة إلى تجربة ينظر إليها العديد من القادة الأفارقة باعتبارها مرجعًا قاريًا محتملاً لإدارة التنوع السياسي المعقد.


 

الملكية الإثيوبية والحلول الأفريقية

ومن أبرز نقاط الالتقاء بين المتحدثين التأكيد على أن إثيوبيا هي صاحبة العملية الحوارية وصاحبة نتائجها.

وأكد السفير بانكولي أدييوي مرارًا أن الحوار تقوده إثيوبيا نفسها، موضحًا أن دور الاتحاد الأفريقي يتمثل في تقديم الدعم، وليس توجيه الخيارات السياسية للإثيوبيين.

وذهب الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، إلى أبعد من ذلك، عندما سلط الضوء على تقاليد إثيوبيا التاريخية في المصالحة.

وقال: "ليست هناك حاجة للبحث خارج البلاد عن حلول لمشكلاتنا. فإثيوبيا تمتلك العديد من التجارب الإيجابية والنموذجية التي يمكن أن ترشد هذه العملية."

ويعكس هذا الطرح فلسفة أفريقية تتزايد أهميتها، ومفادها أن السلام المستدام يكون أكثر قابلية للتحقق عندما تبني الدول جهودها على مؤسساتها الوطنية، وتقاليدها الثقافية، وآلياتها المحلية المقبولة، بدلًا من الاعتماد الحصري على صيغ سياسية تُصمم من الخارج.

ولم يقتصر حديث المتحدثين على معالجة الصراع القائم، بل قدموا الحوار بوصفه مشروعًا طويل الأمد لبناء الدولة.

ورأى أوباسانجو أن المؤتمر ينبغي أن يفضي في نهاية المطاف إلى "إثيوبيا قوية وموحدة"، قادرة على توحيد مواطنيها حول رؤية وطنية مشتركة، وترسيخ مكانتها كإحدى الدول الرائدة في أفريقيا.

كما ربط رئيس الوزراء آبي أحمد بين الوحدة الداخلية والمصالح الاستراتيجية لإثيوبيا، مشيرًا إلى أن الانقسام السياسي أوجد، على امتداد التاريخ، فرصًا لقوى خارجية لاستغلال الخلافات الداخلية.

ومن ثم، جرى تقديم المصالحة الوطنية ليس باعتبارها هدفًا سياسيًا فحسب، وإنما أيضًا باعتبارها عنصرًا أساسيًا من عناصر السيادة الوطنية وتعزيز النفوذ الإقليمي.

ومن جانبه، أكد البروفيسور مسفن أرايا أن المؤتمر ينبغي النظر إليه باعتباره بداية لمسار طويل، وليس نهايته.

وقال: "هذا المؤتمر ليس محطة الوصول، بل هو بداية رحلة وطنية نحو التفاهم، وبناء الثقة، وتحقيق السلام الدائم."

وتبرز تصريحاته مستوى النضج المؤسسي الذي بلغته مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي، والتي انتقلت، بعد ما يقرب من أربع سنوات من المشاورات الوطنية، وجمع أجندات الحوار، والتواصل مع مختلف أصحاب المصلحة، إلى مرحلة المداولات الموضوعية.


 

الاستقرار الإقليمي والرهانات القارية

أكد كل من الاتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد أن استقرار إثيوبيا يحمل تداعيات تتجاوز حدودها الوطنية.

وبالنسبة للاتحاد الأفريقي، يرتبط السلام في إثيوبيا ارتباطًا وثيقًا باستقرار منطقة القرن الأفريقي، لا سيما بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للبلاد، ونفوذها الدبلوماسي، ودورها بوصفها الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي.

كما جددت منظمة إيغاد التزامها بمرافقة إثيوبيا طوال مسار الحوار، انطلاقًا من إدراكها أن التطورات داخل البلاد تؤثر بصورة مباشرة في الأمن الإقليمي، والتجارة، والهجرة، والتكامل السياسي.

ومن ثم، فإن تأييد المؤسستين للحوار لا يعكس فقط تضامنهما مع إثيوبيا، بل يعبر أيضًا عن إدراكهما بأن نجاح هذا الحوار من شأنه أن يسهم في تعزيز الاستقرار على مستوى المنطقة بأسرها.

الخاتمة

حدد اليوم الأول من مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي الفلسفة السياسية والطموحات الاستراتيجية التي يُتوقع أن توجه مسار العملية خلال الأسابيع المقبلة.

وركزت الرسائل التي قدمها المتحدثون على تحويل الثقافة السياسية في إثيوبيا من خلال استبدال المواجهة بالتشاور، والاعتراف بالمظالم التاريخية، وتعزيز المؤسسات، وتشجيع التسوية بدلًا من الإكراه.

وقد تعززت هذه الرسائل الداخلية بصوت أفريقي موحد. فقد قدم الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو منظورًا تاريخيًا من خلال التحذير من العواقب المدمرة للصراعات الأهلية، ودعوة الإثيوبيين إلى بناء دولة موحدة تستند إلى تطلعات مشتركة.


 

وأكد مفوض الاتحاد الأفريقي للشؤون السياسية والسلام والأمن، السفير بانكولي أدييوي، أن الحوار يمثل أساسًا وطنيًا لتحقيق السلام الدائم والمصالحة، في حين شدد الأمين التنفيذي لمنظمة إيغاد، ورقنه غبيهو، على تقاليد إثيوبيا الخاصة بالتشاور، داعيًا البلاد إلى إثبات أن الحوار يظل الطريق الوحيد المستدام نحو التجديد الوطني.

وبالنظر إلى مجمل هذه الكلمات والمواقف، يتضح وجود توافق متزايد على أن الحوار الوطني الإثيوبي يتجاوز كونه مجرد مؤتمر سياسي.

فهو يمثل محاولة طموحة لإعادة تعريف الطريقة التي تدير بها إحدى أقدم دول أفريقيا تنوعها، وتعالج خلافاتها، وتبني توافقًا وطنيًا.

غير أن نجاح هذه العملية في نهاية المطاف لن يعتمد على الرمزية التي رافقت افتتاحها، بل على مدى استعداد المشاركين لتحويل الحوار إلى اتفاقات دائمة، وإصلاحات مؤسسية، ورؤية مشتركة قادرة على ضمان سلام دائم للأجيال القادمة.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023