عكس التيار: لماذا لا تستطيع التحالفات الإقليمية إيقاف صعود إثيوبيا ؟

بقلم: هيئة التحرير

يمرّ القرن الأفريقي بإحدى أكثر مراحله هشاشة خلال السنوات الأخيرة. فما تزال حالة عدم الاستقرار السياسي، والنزاعات المسلحة، والأزمات الإنسانية تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، في وقتٍ اشتدت فيه المنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، مع انجذاب الجماعات المحلية بصورة متزايدة إلى صراعات جيوسياسية أوسع.
وفي ظل هذه التطورات، تؤكد إثيوبيا أنها لا تزال متمسكة بالمضي قدماً في تنفيذ أجندة إصلاحها الوطني، من خلال تعزيز مؤسسات الدولة، ودفع التحول الاقتصادي، وترسيخ دعائم السلام.
وفي الوقت ذاته، أعربت الحكومة عن تزايد مخاوفها إزاء التحولات الجارية في البيئة الأمنية الإقليمية، والتي ترى أنها تشكل تهديداً لاستقرار منطقة القرن الأفريقي.
ومن بين التطورات التي تحظى باهتمام متزايد، ما يصفه بعض المسؤولين الإثيوبيين بعودة تشكل اصطفاف إقليمي يضم السلطات في السودان وإريتريا، إلى جانب عناصر مرتبطة بالقيادة لـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة».
ويرى المسؤولون أن هذا الاصطفاف، الذي سبق إحباطه، يسعى إلى تقويض طموحات إثيوبيا في مجالي الأمن والتنمية، بالتوازي مع توسيع نفوذه الإقليمي عبر توظيف أطراف بالوكالة.
ولا يقتصر هدف هذا التحالف، بحسب الرؤية الإثيوبية، على عرقلة التقدم الوطني لإثيوبيا، بل يمتد إلى إطالة أمد عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وتهيئة بيئة تغذي النزاعات المسلحة، والنزوح، والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود.

اتفاق بريتوريا
شكّل اتفاق السلام في بريتوريا، الذي وُقّع في نوفمبر 2022، نقطة تحول أنهت الصراع الذي استمر عامين في شمال إثيوبيا، وأرست الأساس لعمليات إعادة الإعمار والتعافي في إقليم تيغراي.
غير أن بعض القيادات للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة لم تلتزم، وفقاً للمسؤولين، بتنفيذ عدد من الالتزامات الأساسية الواردة في الاتفاق، ولا سيما البنود المتعلقة بنزع السلاح ونقل المسؤوليات إلى المؤسسات الفيدرالية.
وبدلاً من الانخراط الكامل في برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، تشير السلطات إلى أن بعض الجماعات المسلحة واصلت عمليات تجنيد المقاتلين، بما في ذلك عبر وسائل قسرية.
وقد عادت هذه الاتهامات إلى الواجهة عقب التقرير الذي أصدرته منظمة هيومن رايتس ووتش في السادس من يوليو 2026، والذي اتهم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة بتنفيذ حملات واسعة للتجنيد القسري، شملت أطفالاً لا تتجاوز أعمار بعضهم 15عاماً.
وأشار التقرير إلى أن هذه الممارسات تصاعدت بعد أبريل 2026، عقب اعتماد ما وصفه بـ«إعلان تعبئة مثير للجدل» صدر في يونيو، والذي وسّع نطاق الخدمة العسكرية الإلزامية، وفرض عقوبات على الرافضين للتجنيد.
وبحسب التقرير، فقد خلّفت هذه الممارسات آثاراً مدمرة على الأسر في إقليم تيغراي، بعدما دفعت أعداداً من الشباب إلى الانخراط في نزاعات مسلحة خارج الحدود الإثيوبية.
كما نُقل بعض المجندين إلى السودان للمشاركة في الصراع الدائر هناك، وهو ما وصفه التقرير بأنه يمثل شكلاً من أشكال الاتجار بالبشر عبر الحدود.
كما أظهرت مقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تقارير صادرة عن جهات حقوقية، عائلات تبحث عن أقارب مفقودين، فيما ناشدت أسر أخرى وضع حد لعمليات التجنيد القسري.
وأدان مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا، غيتاتشو ردا، حملة التجنيد بشدة، قائلاً:
"إن التجنيد القسري للشباب من المدارس والمؤسسات الدينية والشوارع، الذي تنفذه القيادات المتطرفة والهدامة في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، يمثل عملاً لا إنسانياً وخبيثاً، يكشف زيف شعاراتهم، ويُظهر استخفافهم بمستقبل وحياة أبناء الإقليم، كما يشكل انتهاكاً صارخاً لالتزامات السلام لا يمكن القبول به."

الصراع في السودان وتداعياته الإقليمية
أثارت حملة التجنيد المبلغ عنها أيضاً مخاوف بشأن تداعياتها المحتملة خارج الحدود الإثيوبية. وتشير تقارير واردة من مناطق في السودان إلى أن عناصر مسلحة مرتبطة بقيادات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة شاركت في عمليات عسكرية إلى جانب أطراف سودانية.
ويرى مراقبون أن مثل هذا الانخراط من شأنه أن يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى إحلال السلام في السودان، وأن يقوض المبادرات الدبلوماسية التي تقودها المنظمات الإقليمية.
وظلت إثيوبيا تدعو باستمرار إلى إطلاق حوار سياسي شامل يقوده السودانيون، وذلك من خلال كلٍ من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي، مؤكدة أن التوصل إلى تسوية تفاوضية يظل الحل الوحيد القابل للاستدامة لإنهاء الصراع في السودان.


سياسة إثيوبيا تجاه اللاجئين
وعلى الرغم من تصاعد التوترات الإقليمية، تواصل إثيوبيا استضافة مئات الآلاف من اللاجئين القادمين من السودان وإريتريا. ولا تقتصر سياسة البلاد تجاه اللاجئين على تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة، بل تمتد إلى تعزيز إدماجهم اجتماعياً واقتصادياً، عبر توسيع فرص الحصول على العمل والتعليم والخدمات العامة.
وينعكس هذا التوجه في «خارطة طريق ماكاتيت»، التي تتبناها الحكومة بهدف دمج اللاجئين في المجتمعات المحلية، بالتوازي مع تعزيز البنية التحتية وخلق فرص تنموية للمجتمعات المستضيفة.
وأشاد الصحفي السوداني، رئيس تحرير منصة «السلطة نت»، سالم إسماعيل، بالاستجابة الإنسانية التي قدمتها إثيوبيا، قائلاً إن البلاد وفرت بيئة آمنة مكّنت العديد من اللاجئين السودانيين من إعادة بناء حياتهم بعيداً عن ويلات الصراع.

الصبر الاستراتيجي
تشير الحكومة الإثيوبية إلى أن إثيوبيا اليوم تختلف بصورة جوهرية عن إثيوبيا مطلع تسعينيات القرن الماضي، مستندة في ذلك إلى ما تصفه بتعزيز مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق الإصلاحات الاقتصادية، وتحسين القدرات الوطنية.
وخلال كلمته أمام مجلس نواب الشعب هذا الأسبوع، أكد رئيس الوزراء آبي أحمد أن سيادة إثيوبيا مصونة، ولا يمكن لأي طرف داخلي أو خارجي أن يهددها.
وقال:
"إذا تساءلتم لماذا انتهجت الحكومة الصبر وتجنبت الدخول في صراع في معظم المواقف، فلأن مثل هذا الصراع لا يحقق أي هدف ذي قيمة . وحتى لو عدنا إلى القتال مرة أخرى، فإن القتل والموت من أي طرف لن يحققا شيئاً ."
وأضاف أن ضبط النفس الذي تنتهجه إثيوبيا يعكس الثقة وليس الضعف، مؤكداً أن الحكومة واصلت بصورة مطردة تعزيز قدرات البلاد على الردع والاستجابة للتهديدات.
وقال:
"لأننا نعرف مصادر التهديد التي تستهدف سلام إثيوبيا، فإننا نبني القدرات اللازمة لمنع أي استفزاز قد يصدر عنها والتعامل معه. وأود أن أؤكد لهذا المجلس أن إثيوبيا تمتلك اليوم القدرات الكافية للدفاع عن نفسها."
ورأى رئيس الوزراء أن بعض خصوم إثيوبيا لا يزالون يستندون إلى تصورات قديمة لم تعد تعكس الواقع السياسي والاقتصادي والعسكري الحالي للبلاد.
وأضاف:
"من يعتقد أن إثيوبيا اليوم هي إثيوبيا التي كانت قبل ثلاثين أو أربعين عاماً، فإنه يرتكب خطأً جسيماً. لقد تغيرت إثيوبيا، وتغيرت مؤسساتنا، كما تغيرت قدراتنا."
وفي السياق ذاته، شهدت قوات الدفاع الوطني الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الإصلاحات الواسعة، استهدفت تطوير هيكلها التنظيمي، ورفع جاهزيتها العملياتية، وتعزيز قدراتها التكنولوجية.
وأكد رئيس أركان قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، المشير برهانو جولا، أن الجيش يواصل تحديث هيكل القيادة، والاستثمار في تقنيات دفاعية متقدمة، تشمل أنظمة الدفاع الجوي، والقدرات السيبرانية، وأنظمة المدفعية الحديثة.
وبحسب القيادات العسكرية، فإن هذه الإصلاحات تهدف إلى ضمان جاهزية البلاد للتعامل مع التهديدات الأمنية الإقليمية المتغيرة.
كما شدد رئيس الوزراء آبي أحمد على أن استثمارات إثيوبيا في مجال الدفاع تستهدف صون السلام، وليس تشجيع الصراع.
وقال:
"خيارنا هو السلام، لكن السلام تحميه الجاهزية. ونحن نبني القدرات اللازمة لصون سيادة إثيوبيا وضمان ألا تتمكن أي قوة من تهديد أمننا الوطني."

الحوار الوطني
ترى الحكومة الإثيوبية أن عملية الحوار الوطني الجارية تمثل إحدى الركائز الأساسية لاستقرار البلاد على المدى الطويل. ويؤكد المسؤولون أن هذا الحوار يوفر منصة جامعة لمعالجة الخلافات السياسية الممتدة، مع تعزيز المؤسسات الدستورية والحد من فرص استغلال الأطراف الخارجية للانقسامات الداخلية.
وجدد رئيس الوزراء التأكيد على أن مستقبل إثيوبيا يجب أن يُبنى على الحوار لا على العنف، قائلاً:
"يجب أن تُحل الخلافات بين الإثيوبيين عبر الحوار، لا عبر فوهة البندقية. وحتى إذا عدنا إلى القتال مرة أخرى، فلن يكون هناك منتصر. إن السلام الدائم يتحقق من خلال النقاش والتفاهم المتبادل."
ويرى المسؤولون أن بناء توافق وطني من خلال الحوار السلمي يعد شرطاً أساسياً لتعزيز صمود النظام السياسي وترسيخ السلام المستدام.


التحول الاقتصادي
بالتوازي مع الإصلاحات الأمنية، تواصل إثيوبيا تنفيذ أجندة طموحة للتحول الاقتصادي. وتؤكد الحكومة أن الإصلاحات الهيكلية التي تنفذها أسهمت في توسيع الإنتاج المحلي، وتعزيز قطاعي الصناعة والزراعة، وزيادة النشاط السياحي، وتنويع مصادر الدخل الوطني.
ومن بين أبرز المشروعات الاستراتيجية التي تضعها الحكومة في صدارة أولوياتها مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، الذي تصفه بأنه ليس مجرد مشروع بنية تحتية استراتيجي، بل رمز للاعتماد الوطني على الذات.
كما تشير الحكومة إلى مبادرة البصمة الخضراء، والتوسع في إنتاج القمح، ومشروعات تطوير الممرات التنموية الكبرى، باعتبارها شواهد على التقدم الاقتصادي الشامل الذي تشهده البلاد.
ويرى المسؤولون أن هذه المبادرات أسهمت في تعزيز الأمن الغذائي، وتحسين البنية التحتية الحضرية، وزيادة جاذبية إثيوبيا كوجهة للاستثمار.
وأكد رئيس الوزراء آبي أحمد أن الأمن الحقيقي لإثيوبيا على المدى الطويل يرتكز في نهاية المطاف على التنمية المستدامة والازدهار الوطني.
وقال:
"إن قوة الدولة لا تُقاس بقدراتها العسكرية وحدها، بل أيضاً بمتانة اقتصادها، ووحدة شعبها، وإصرارها على بناء مستقبل أفضل."

الخاتمة
في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي، تؤكد إثيوبيا أنها ستواصل تحقيق التوازن بين أولوياتها الأمنية الوطنية ومسؤولياتها الإنسانية على المستوى الإقليمي.
ويشدد المسؤولون الحكوميون على أن البلاد ستبقى ملتزمة بدعم مبادرات السلام، واستضافة اللاجئين، وتعزيز التعاون الإقليمي، مع مواصلة اليقظة تجاه التهديدات الأمنية المتغيرة.
وفي الوقت نفسه، أضافت مزاعم التجنيد القسري والانخراط عبر الحدود لعناصر مرتبطة بالقيادات للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة، بما في ذلك ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، بعداً جديداً من التعقيد إلى المشهد الأمني الهش في المنطقة.
ويرى المسؤولون الإثيوبيون أن الحفاظ على الاستقرار، وتعزيز مؤسسات الدولة، ومواصلة مسيرة التحول الاقتصادي، ستظل جميعها عناصر محورية في الاستراتيجية طويلة الأمد للبلاد، وهي تسعى إلى ترسيخ دورها باعتبارها إحدى ركائز السلام والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.
وجدد رئيس الوزراء آبي أحمد التأكيد على أن التزام إثيوبيا بالسلام يستند إلى الثقة بالنفس، وليس إلى الضعف.
وقال:
"إننا نسعى إلى السلام لأن السلام شرط لا غنى عنه لتحقيق التنمية. لكن لا ينبغي لأحد أن يفسر تمسكنا بالسلام على أنه ضعف. ستواصل إثيوبيا مد يدها للسلام، وفي الوقت نفسه ستواصل حماية سيادتها ومصالحها الوطنية."
ومن منظور الحكومة، فإن أجندة الإصلاحات الوطنية، وتعزيز مؤسسات الدولة، وتنامي القدرات الاقتصادية، قد وضعت إثيوبيا في موقع يمكّنها من مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية على حد سواء.
ويؤكد المسؤولون أن المحاولات التي تبذلها الأطراف المناهضة للسلام لعرقلة مسار إثيوبيا لن تتمكن من وقف تقدمها، مشيرين إلى أن صمود الدولة، ووحدة شعبها، والزخم الذي تحققه في مسيرة التنمية، ستظل عوامل حاسمة في رسم مستقبل البلاد.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023