كيف انتقلت جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة من التخريب الاقتصادي إلى الاتجار بشباب تيغراي؟ - ENA عربي
كيف انتقلت جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة من التخريب الاقتصادي إلى الاتجار بشباب تيغراي؟
بقلم هيئة التحرير
تترك كل حرب وراءها درسًا. بعض هذه الدروس تُدوَّن في كتب التاريخ، بينما تُكتب أخرى في معاناة وحياة الناس العاديين.
بالنسبة لإثيوبيا، أصبح هناك درس يصعب تجاهله بشكل متزايد: فعندما تفشل وسيلة معينة لزعزعة استقرار الدولة، تظهر وسيلة أخرى لتحل محلها بسرعة.
قبل سنوات، اعتمدت بقايا جبهة تحرير شعب تيغراي المنحلة على شبكات غير قانونية لتجارة الذهب، والتلاعب بسوق العملات الأجنبية، وممارسات التخريب الاقتصادي بهدف إضعاف الدولة الإثيوبية.
لكن بدلًا من الالتزام بالسلام بعد اتفاق بريتوريا، اختارت المجموعة، وفقًا للانتقادات الموجهة إليها، طريقًا أكثر خطورة، يتمثل في تحويل شباب تيغراي إلى ضحايا جدد في صراعها من أجل البقاء السياسي.
وقد عبّر رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد عن هذا الواقع بوضوح خلال كلمته في الجلسة الختامية للدورة الخامسة لمجلس نواب الشعب. ولم تكن كلمته مجرد استعراض لإنجازات الحكومة، بل حملت أيضًا تحذيرًا من أن المأساة الأكبر التي تتكشف اليوم في شمال إثيوبيا لا تأتي من أطراف خارجية، وإنما من جماعة مسلحة تُتهم بأنها تضحي بالأشخاص الذين تدّعي تمثيلهم.
وقال رئيس الوزراء أمام البرلمان:
"الأسوأ من ذلك كله أن عددًا كبيرًا من شباب تيغراي يتم اختطافهم قسرًا وبيعهم للانخراط في الصراع الدائر في السودان."
وأضاف:
"في الحرب السودانية، يفقد شباب تيغراي حياتهم في نزاع لا علاقة لهم به. وكأن الأزمة داخل إثيوبيا لم تكن كافية، فقد امتدت الآن إلى السودان. وفي كل هذه الظروف، يظل شعب تيغراي هو الضحية الأولى."
لقد عكست هذه التصريحات تحولًا مؤلمًا في مسار الأحداث.
فالجماعة التي اعتمدت في السابق على شبكات اقتصادية غير مشروعة لتمويل نشاطها، وصلت، بحسب ما ذكره رئيس الوزراء، إلى مرحلة أصبح فيها شبابها أنفسهم ضحايا للاستغلال.
ومع فقدان القدرة على استعادة الشرعية السياسية، وغياب الرغبة في تحقيق السلام، وتراجع الثقة الشعبية، لجأت العناصر المسلحة المتبقية إلى التجنيد القسري ونقل شباب تيغراي إلى حرب خارج حدود إثيوبيا.
إن هذا الانحدار المأساوي لا يعكس مصالح شعب تيغراي، بل يعكس حالة من اليأس لدى قيادة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها بأي ثمن.
ولشرح أسباب استمرار دائرة الصراع رغم محاولات السلام المتكررة، استخدم رئيس الوزراء تشبيه "الفأس والحطّاب".
وقال:
"هذا الفأس الرمزي يتكون من ثلاثة أطراف مختلفة. الطرف الأول هو الرأس الحديدي الحاد الذي يقوم بعملية القطع. والطرف الثاني هو المقبض الخشبي المنحني الذي يثبت الرأس الحديدي. أما الطرف الثالث فهو اليد التي تمسك بالمقبض وتستخدم الفأس."
ثم أوضح عناصر التشبيه قائلًا:
"تعمل جبهة تحرير شعب تيغراي مثل الرأس الحديدي للفأس، بينما يشبه المقبض الخشبي نظام أسمرا. أما القادة الأساسيون والأطراف صاحبة المصلحة فهم كيانات منفصلة. فإذا واجهنا فقط الرأس الحديدي للفأس، فإن الصراع سيستمر ما دام المقبض موجودًا، وإذا واجهنا المقبض، فلن يتحقق السلام الدائم ما دامت الجهة التي تحرك المقبض قائمة."
وقد توافقت هذه الرؤية مع تصريحات عدد من المسؤولين السابقين في جبهة تحرير شعب تيغراي خلال الأشهر الماضية.
فقد قال أريغاوي برهي، أحد المؤسسين الأوائل للجبهة والذي غادرها لاحقًا، إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهودًا حقيقية لتنفيذ اتفاق بريتوريا للسلام، إلا أن الجناح المسلح لم يكن مستعدًا للالتزام به.
وأضاف:
"كانت الحكومة الفيدرالية تعمل بجد لتسهيل عملية السلام في المنطقة، لكن الطرف الذي تلقى هذه الجهود لم يكن مستعدًا لأي اتفاق سلام."
وأشار إلى أن المجموعة استخدمت اتفاق السلام كفرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
وقال:
"لقد أرادوا استخدام عملية سلام بريتوريا لكسب الوقت وإعادة ترتيب أنفسهم لمواصلة أهدافهم الفاشلة."
وأوضح أن العديد من المقاتلين القدامى تركوا التنظيم بعد أن فقدوا الأمل في القيادة الحالية.
وقال:
"غادر معظم أفراد الجيل القديم من الجيش التنظيم لأنهم لا يرون مستقبلًا تحت هذه القيادة."
وأضاف أن الجماعة لجأت لتعويض النقص إلى استهداف الأطفال والشباب.
وقال:
"إنهم يخطفون أطفالًا لا تتجاوز أعمار بعضهم الثالثة عشرة والرابعة عشرة."
وأشار إلى أن بعض الأسر اضطرت إلى إرسال أبنائها عبر البحر الأحمر والسودان هربًا من التجنيد القسري.
كما حذر البروفيسور كينديا غبرهيويت، الذي شغل منصب رئيس أمانة مجلس الوزراء في الإدارة الانتقالية الأولى لإقليم تيغراي، من خطورة الخلط بين الجماعة المسلحة وشعب تيغراي.
وقال:
"يجب ألا يخلط الإثيوبيون بين هذه الجماعة المسلحة وشعب تيغراي."
وأضاف أن هذه المجموعة "لا تستطيع الاستمرار دون خلق أجواء من الصراع والمواجهة".
وأوضح أن فرص السلام والتعافي تعرضت للتقويض بشكل متكرر، مشيرًا إلى أن الإدارات الانتقالية المتعاقبة واجهت عراقيل عندما حاولت تحقيق الاستقرار في الإقليم.
وقال:
"كلما ظهرت فرصة لتعزيز السلام والتعافي والاستقرار المؤسسي، يسعون إلى خلق العقبات والحفاظ على حالة المواجهة."
كما وجه تحذيرًا واضحًا بشأن مستقبل شباب تيغراي، مؤكدًا أن كثيرًا منهم يرفضون العودة إلى الحرب.
ومن جانبه، أشار رئيس الوزراء إلى مفارقة مؤلمة، موضحًا أن مواطنًا من تيغراي يعيش بسلام في مدن مثل أديس أبابا، وبحردار، وغوندار، ودسي، وبشوفْتو، وأداما، وأربا مينتش، وهواسا، يتمتع اليوم بحرية وأمان أكبر من كثيرين يعيشون داخل تيغراي نفسها.
ورغم الاستفزازات المتكررة، أكدت الحكومة الفيدرالية أنها اختارت المصالحة بدلًا من الانتقام.
وأوضح رئيس الوزراء أمام البرلمان أن الحكومة مولت عملية نزع السلاح وإعادة دمج أكثر من ستين ألف مقاتل سابق، وأعادت خدمات الاتصالات والمصارف والطيران وغيرها من الخدمات العامة، وفتحت طرق النقل، كما امتنعت عن مصادرة ممتلكات قادة سابقين في جبهة تحرير شعب تيغراي.
وفي الوقت نفسه، تصاعد القلق الدولي بشأن الوضع.
وفرضت الولايات المتحدة قيودًا على تأشيرات بعض الشخصيات المتشددة .
وقال الرئيس السابق للإدارة الانتقالية في تيغراي، غيتاتشو ردا، إن أهمية القرار لا تكمن فقط في منع السفر، بل في اعتراف واشنطن بالجهة التي تتحمل مسؤولية تصاعد التوترات.
كما أعربت منظمة هيومن رايتس ووتش عن مخاوف بشأن إعلان يمنح صلاحيات واسعة للتجنيد الإجباري، محذرة من أنه يعكس بعض الممارسات القمعية التي شهدتها المنطقة.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى تنامي قناعة بأن الخطر الأكبر الذي يواجه تيغراي اليوم لا يأتي من شعبها، بل من جماعة مسلحة تضع استمرار الصراع فوق مصالح السلام والاستقرار.
وفي ختام كلمته، أكد رئيس الوزراء أن إثيوبيا أصبحت تدرك مصدر عدم الاستقرار، وأنها مستعدة للدفاع عن سيادتها في مواجهة أي استفزازات مستقبلية.
وقال:
"بما أننا ندرك تمامًا المصدر الحقيقي لزعزعة السلام في إثيوبيا، فإنني أؤكد لهذا البرلمان الموقر أننا نبني القدرة اللازمة لردع أي استفزاز صادر من ذلك المصدر."
وأضاف:
"أؤكد لكم أننا نمتلك الجاهزية الكاملة والقدرة اللازمة للدفاع عن وحدة إثيوبيا وسيادتها ضد أي تهديد."
لقد عانى شعب تيغراي سنوات طويلة من الحرب والنزوح والمعاناة. وهو يستحق التعافي والاستقرار والفرصة لإعادة بناء حياته.
لكن تحقيق هذا المستقبل يتطلب إنهاء السياسات التي حولت معاناته مرارًا إلى أداة لتحقيق طموحات أطراف أخرى.