الحوار الوطني الإثيوبي: إرادة الشعب تصنع القرار وترسم مستقبل الدولة - ENA عربي
الحوار الوطني الإثيوبي: إرادة الشعب تصنع القرار وترسم مستقبل الدولة
بقلم: تدروس حَبنوم
7 يوليو 2026 (إينا)
مع اقتراب الخامس عشر من يوليو، الموعد المقرر لانطلاق مؤتمر الحوار الوطني الإثيوبي، تقف إثيوبيا عند مفترق طرق تاريخي يحمل في طياته فرصة لإعادة رسم مستقبل البلاد.
فقد أُنشئت المفوضية الإثيوبية للحوار الوطني عام 2021، في مرحلة اتسمت باضطرابات سياسية حادة، استجابةً لسؤال جوهري: كيف يمكن لدولة أنهكتها المظالم التاريخية المتجذرة والصراعات الأهلية أن تبني مستقبلاً مستقراً وموحداً؟ وقد اختارت إثيوبيا الإجابة الأكثر جرأة وديمقراطية، والمتمثلة في تمكين الشعب من رسم مصيره بنفسه.
وعلى مدى عقود، هيمنت على المشهد السياسي الإثيوبي مقاربة تقودها النخب، حيث كانت اتفاقيات السلام والعقود الاجتماعية تُصاغ خلف الأبواب المغلقة من قبل القيادات السياسية. غير أن التجربة أثبتت أن مثل هذه التسويات، رغم قدرتها على احتواء الأزمات الآنية، تظل هشة بطبيعتها، لأنها تعالج الأعراض دون معالجة جذور المشكلات البنيوية، كما أنها تتجاوز الإرادة الشعبية ولا تعكس تطلعات المواطنين.
ويمثل الحوار الوطني الحالي تحولاً جذرياً عن هذا النهج التقليدي، إذ يضع الإرادة السيادية للمواطنين في صميم عملية بناء الدولة، باعتبارها الركيزة الأساسية لتحقيق سلام مستدام.
ولإدراك أهمية هذه المبادرة، لا يكفي النظر إلى المؤتمر بوصفه حدثاً افتتاحياً، بل ينبغي النظر إلى العملية الممتدة التي مهدت له على مدار عدة سنوات.
فمنذ عام 2021، عملت المفوضية، بصفتها مؤسسة مستقلة، على تنفيذ عملية تشاورية واسعة النطاق شملت أكثر من 1,200 دائرة إدارية في مختلف أنحاء البلاد، من خلال مشاورات شعبية انطلقت من القاعدة إلى القمة. ولم تكن هذه العملية مجرد استطلاع للآراء، بل مثلت جهداً وطنياً غير مسبوق للاستماع إلى المجتمعات التي طالما شعرت بالتهميش والإقصاء من النقاش الوطني.
وقد أسهمت هذه المرحلة التحضيرية الطويلة في إحداث تحول مهم في الوعي الوطني، إذ أُتيحت للمواطنين فرصة المشاركة في حوارات هادئة ومنظمة، بعيداً عن ضغوط الاستقطاب السياسي، مما ساعد على ترسيخ ثقافة الحوار كنهج دائم.
كما أثبتت سنوات جمع القضايا المطروحة وإجراء الدراسات الميدانية أن الملكية الحقيقية لهذه العملية تعود إلى الشعب الإثيوبي. ومن ثم، فإن المؤتمر المرتقب يمثل تتويجاً لحراك وطني واسع انطلق من القاعدة الشعبية، حيث جاءت الموضوعات المطروحة للنقاش استجابة مباشرة لما طرحه المواطنون أنفسهم.
من احتكار النخب إلى الشمول الوطني
تكمن القوة الديمقراطية الأساسية لهذا الحوار في نجاحه في كسر الاحتكار التاريخي للنخب السياسية لعملية صنع القرار الوطني.
فمن خلال التوجه المباشر إلى المجتمعات المحلية، ضمنت المفوضية أن تعكس الجلسات العامة المقبلة التنوع الحقيقي للنسيج الاجتماعي الإثيوبي. وقد تجسد هذا الالتزام بالشمولية بصورة واضحة عندما أعلن رئيس المفوضية، البروفيسور مسفن أرايا، الانتهاء من إعداد الأجندة الوطنية النهائية.
ويضم المشاركون في الحوار طيفاً واسعاً من مكونات المجتمع، يشمل الزعماء التقليديين والدينيين، وممثلي الشباب، والجمعيات النسائية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب أطراف أخرى، بما يتجاوز الأطر السياسية التقليدية.
وفي هذا الفضاء الوطني، يحظى صوت المزارع أو الراعي بالمكانة نفسها التي يحظى بها أي شخصية سياسية أو نخبوية، من حيث القيمة والشرعية في عملية الحوار. ويمنح هذا التمثيل الواسع مخرجات الحوار سلطة أخلاقية جماعية يصعب الطعن فيها، ويحول مبدأ الشفافية من مجرد شعار سياسي إلى ممارسة واقعية.
إدارة مستقلة وإسناد معرفي متخصص
ومن أهم العوامل التي تعزز مكانة الحوار الوطني باعتباره الخيار الأمثل لمستقبل البلاد، وجود فصل واضح بين الجهات المشرفة على تنفيذ العملية.
فقد صُممت البنية التنظيمية بما يضمن استقلالية الحوار بصورة كاملة، بحيث يقتصر دور الحكومة الإثيوبية على تقديم الدعم اللوجستي، وتوفير التمويل، وتأمين أماكن انعقاد الجلسات، بما يكفل بيئة آمنة ومحايدة تسمح بتبادل الآراء بحرية، بعيداً عن أي ضغوط سياسية أو مؤسسية.
وللارتقاء بمستوى النقاشات دون التأثير في نتائجها، اعتمدت المفوضية جلسات إحاطة يقدمها خبراء وباحثون مستقلون، يقتصر دورهم على تزويد المشاركين بالبيانات الموضوعية والتحليلات العلمية المتعلقة بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والهيكلية المعقدة.
ويهدف هذا الدعم المعرفي إلى الحد من الاستقطاب العاطفي، بما يضمن أن تستند القرارات النهائية للمشاركين إلى المعرفة والحقائق، وأن تصدر عن إرادتهم الحرة بصورة كاملة.
الركائز الأساسية للعقد الاجتماعي الجديد
تستند خارطة الطريق التي ستوجه مداولات المؤتمر إلى مجموعة من المحاور الرئيسية التي جرى استخلاصها من آلاف المقترحات التي قدمها المواطنون خلال المشاورات الشعبية في مختلف أنحاء البلاد.
وتتناول هذه المحاور أبرز القضايا الهيكلية اللازمة لترسيخ استقرار الدولة الإثيوبية وتحديثها، وفي مقدمتها قضايا بناء الدولة، وتحديد الرموز الوطنية والهوية المشتركة، ومعالجة النقاشات الدستورية المتعلقة بالنظام الفيدرالي والهياكل الإدارية.
كما تشمل الأجندة بحث أوضاع المدن الفيدرالية، وتعزيز التعايش المؤسسي بين الأديان، وترسيخ استقلال السلطة القضائية، وتعزيز حماية حقوق الإنسان.
وفي الوقت نفسه، لا تقتصر الأجندة على القضايا الدستورية الكبرى، بل تولي اهتماماً مباشراً بالهموم المعيشية للمواطنين في الريف والحضر، من خلال التركيز على احتياجات المزارعين والرعاة، وإصلاح الإدارة العامة، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة، ووضع أطر شاملة لتحقيق السلام المستدام والمصالحة الوطنية.
ويؤكد هذا التكامل بين القضايا البنيوية والاحتياجات اليومية للمواطنين أن أجندة الحوار تنطلق من الواقع، وتعكس الأولويات التي حددها الشعب الإثيوبي نفسه.
ترسيخ ثقافة التوافق الوطني
في نهاية المطاف، سيُقاس الإرث الحقيقي للحوار الوطني بقدرته على إحداث تحول دائم في الثقافة السياسية الإثيوبية.
فعلى مدى أجيال، ظلت المنافسة السياسية في البلاد محكومة بمنطق الإقصاء والصراع الصفري، الذي يقوم على فوز طرف مقابل خسارة الآخر.
أما هذا الحوار، فيقدم جسراً مؤسسياً نحو نموذج سياسي تعددي قائم على التوافق، وهو شرط أساسي لبناء دولة قوية وقادرة على مواجهة تحدياتها الداخلية والخارجية.
كما أن الدعوات المستمرة التي يوجهها رئيس المفوضية، البروفيسور مسفن أرايا، إلى الأطراف المقاطعة والجماعات المسلحة للمشاركة في الحوار، تؤكد أن هذه المبادرة لا تزال تمثل مظلة وطنية جامعة، لا تشترط سوى الالتزام بالمسار السلمي والبناء.
فمستقبل إثيوبيا لا يمكن أن يُفرض بالقوة، ولا أن تحدده فئة محدودة. وإنما يتحقق عبر إرادة جماعية تؤمن بأن الوطن مسؤولية مشتركة. ومن خلال إسناد رسم خارطة المستقبل إلى مواطنيها، تؤكد إثيوبيا أن الشعوب، عندما تُمنح حق الاختيار، تختار السلام والاستقرار والتعايش المشترك.