من الإصلاح إلى التغيير المستدام: رحلة إثيوبيا نحو عهد تنموي جديد - ENA عربي
من الإصلاح إلى التغيير المستدام: رحلة إثيوبيا نحو عهد تنموي جديد
بقلم: تدروس حَبنوم
أديس أبابا، 24 يونيو 2026 (إينا) – شكّل خطاب رئيس الوزراء آبي أحمد خلال القمة الوطنية "إثيوبيا تُنجز"، المنعقدة تحت شعار "من الإصلاح إلى التغيير المستدام"، أكثر من مجرد استعراض للمنجزات، إذ قدّم رؤية استراتيجية لمستقبل البلاد. وجاءت الرسالة الأساسية واضحة: الإصلاحات ليست محطات نهائية، بل هي أساسات تُبنى عليها عملية تحول وطني طويل الأمد.
وأكد رئيس الوزراء أن "بناء الدولة عملية جماعية مستمرة"، في إشارة إلى فلسفة ترى التنمية كمشروع ممتد بين الأجيال، لا كمجموعة إنجازات منفصلة. ووفق مبدأ "مدمر" (التكامل عبر العمل المشترك)، سعت مسيرة التحول منذ عام 2018 إلى دمج التحديث الاقتصادي، والإصلاح المؤسسي، وتوسيع البنية التحتية، وحماية البيئة، والانخراط الدبلوماسي، ضمن مسار وطني واحد.
ومع انتقال البلاد من إطلاق الإصلاحات إلى مرحلة ترسيخها، لم يعد السؤال حول ما إذا كان التغيير قد بدأ، بل حول كيفية ضمان استدامته وتحويله إلى رخاء طويل الأمد.
إعادة بناء الاقتصاد عبر إصلاحات هيكلية
عند تولي الحكومة الحالية السلطة عام 2018، واجهت إثيوبيا تحديات اقتصادية كبيرة شملت ضغوط الديون، ونقص النقد الأجنبي، واختلالات في الاقتصاد الكلي. ورداً على ذلك، أطلقت الحكومة أحد أكثر برامج الإصلاح الاقتصادي طموحاً في تاريخ البلاد.
تم فتح قطاعات استراتيجية كانت حكراً على الدولة تدريجياً أمام القطاع الخاص. كما أدخلت إصلاحات بارزة في قطاع الاتصالات، سمحت بدخول مشغلين عالميين إلى السوق الإثيوبية، ما عزز المنافسة وجذب الاستثمارات. وشملت الإصلاحات النقدية أيضاً تحرير سعر الصرف لمعالجة التشوهات الاقتصادية وتعزيز ثقة المستثمرين.
وقد مهدت هذه الخطوات لاتفاقيات تمويل مهمة مع مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ما ساهم في استقرار الاقتصاد وتهيئة بيئة للنمو طويل الأجل.
"مدمر" وتعزيز التماسك الوطني
في قلب التحول السياسي الإثيوبي تبرز فلسفة "مدمر". فهي ليست مجرد شعار سياسي، بل إطار مفاهيمي يوجّه جهود تعزيز الوحدة الوطنية والعمل الجماعي.
وقد شكّل تأسيس حزب الازدهار عام 2019 إعادة هيكلة مهمة للمشهد السياسي، إذ جمع أطرافاً إقليمية وسياسية متنوعة تحت مظلة وطنية واحدة. وفي موازاة ذلك، جاء إنشاء "اللجنة الوطنية للحوار الإثيوبي" كمسار مؤسسي لمعالجة المظالم التاريخية عبر الحوار والتفاعل الدستوري.
وتعكس هذه المبادرات معاً توجهاً أوسع نحو تعزيز التماسك الوطني باعتباره شرطاً أساسياً للتنمية المستدامة والاستقرار طويل الأمد.
التحول الزراعي والأمن الغذائي
يُعد القطاع الزراعي أحد أبرز مؤشرات الطموح التنموي في إثيوبيا. فمن خلال برنامج واسع لإنتاج القمح المروي، أعادت البلاد صياغة نهجها في الإنتاج الزراعي بشكل جذري.
ومع توسع البنية التحتية للري وتحديث أساليب الزراعة وإدخال الميكنة، انتقلت إثيوبيا من الاعتماد على استيراد القمح إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وتصدير الفائض إلى الأسواق المجاورة.
وفي سياق تعزيز هذا التحول، رفع رجل الأعمال أليكو دانغوتي التزام مجموعته الاستثمارية في إثيوبيا من 2.5 مليار دولار إلى أكثر من 4 مليارات دولار، عقب زيارة عمل إلى مدينة غودي في إقليم الصومال، حيث استقبله رئيس الوزراء. ويُتوقع أن يسهم المشروع في تقليل الاعتماد على الواردات الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي على المدى الطويل.
استثمار الإمكانات الطاقية
أصبح قطاع الطاقة أحد الأعمدة الأساسية للاستراتيجية التنموية الإثيوبية. ويُعد تدشين المرحلة الأولى من مشروع الغاز الطبيعي المسال في إقليم الصومال خطوة مهمة نحو التصنيع وتنويع الصادرات.
وفي الوقت ذاته، يظل التوسع في الطاقة المتجددة محوراً رئيسياً في رؤية البلاد. ويبرز مشروع "عائشة 2" لطاقة الرياح كأحد أكبر المشاريع في المنطقة، مؤكداً التزام إثيوبيا بالموازنة بين النمو الاقتصادي والاستدامة البيئية.
البصمة الخضراء: تنمية عبر حماية البيئة
تُعد مبادرة "البصمة الخضراء" من أبرز المشاريع التي حظيت باعتراف دولي، حيث دمجت الاستدامة البيئية ضمن الأجندة التنموية الوطنية.
وقد أسهمت الحملة في تعبئة ملايين المواطنين لزراعة مليارات الأشجار، واستعادة الأراضي المتدهورة، ومكافحة التصحر والتغير المناخي. كما فتحت آفاقاً اقتصادية مرتبطة بمشاريع الحفاظ على البيئة والكربون.
ومنذ انطلاقها، تم زراعة ما يُقدّر بنحو 48 مليار شتلة في أنحاء البلاد. وبناءً على هذا الزخم، وضعت الحكومة هدفاً لزراعة 8 مليارات شتلة إضافية خلال موسم الأمطار الحالي، تعزيزاً لرؤية بيئية أكثر استدامة.
السياحة كمحرك للنمو
شهد قطاع السياحة تحولاً ملحوظاً ضمن الأجندة التنموية. فقد أعادت مشاريع مثل منتزه إنطوطو الطبيعي وحديقة الصداقة تعريف المساحات الترفيهية الحضرية، فيما ساهمت مبادرات “العشاء من أجل الأمة” و“العشاء من أجل إثيوبيا” في جذب استثمارات في وجهات سياحية عالمية.
كما تسهم مشاريع مثل غورغورا وكويشا وونشي في ترسيخ مكانة إثيوبيا كوجهة ناشئة للسياحة الفاخرة والبيئية والمؤتمرات، مع خلق فرص عمل وإبراز التراث الثقافي والطبيعي للبلاد.
سد النهضة والريادة الإقليمية في الطاقة
يظل سد النهضة أحد أبرز رموز الطموح التنموي للبلاد. ومع دخوله مرحلة توليد الكهرباء، يعيد تشكيل المشهد الطاقي الوطني ويعزز التكامل الإقليمي.
ومن خلال اتفاقيات تصدير الطاقة إلى الدول المجاورة، تعزز إثيوبيا دورها كمركز إقليمي للطاقة، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي في شرق إفريقيا.
إعادة تصور المدن الإثيوبية
تعمل مبادرة تطوير الممرات الحضرية على إعادة تشكيل المدن الإثيوبية عبر استثمارات واسعة في الطرق، والبنية التحتية للمشاة، والمساحات العامة، وأنظمة الصرف الصحي، والتجميل البيئي.
ولا تقتصر هذه المشاريع على تحسين البنية التحتية، بل تهدف إلى بناء مدن أكثر نظافة وكفاءة وقابلية للعيش، قادرة على دعم النمو الاقتصادي المستقبلي.
التحول نحو المستقبل الرقمي
إدراكاً لأهمية الابتكار في تعزيز التنافسية المستقبلية، كثفت إثيوبيا استثماراتها في مجالات العلوم والتكنولوجيا.
ويعكس تأسيس “المعهد الإثيوبي للذكاء الاصطناعي” التوجه نحو توظيف التقنيات الحديثة في مجالات الزراعة والصحة والتعليم والتنبؤ المناخي. كما يُعد متحف العلوم والتكنولوجيا في أديس أبابا منصة لتعزيز الابتكار وإلهام الجيل الجديد من الباحثين ورواد الأعمال.
حضور دبلوماسي متصاعد
إلى جانب التحولات الداخلية، عززت إثيوبيا حضورها على الساحة الدولية. وبصفتها مقراً للاتحاد الإفريقي ولجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، تواصل أديس أبابا لعب دور العاصمة الدبلوماسية للقارة.
كما يعكس فوز البلاد باستضافة قمة المناخ التابعة للأمم المتحدة لعام 2027 اعترافاً متزايداً بدورها في مجال الطاقة المتجددة والعمل المناخي. وفي السياق ذاته، وسّعت إثيوبيا شراكاتها الاستراتيجية مع دول مثل تركيا والهند وماليزيا، في حين يمثل انضمامها إلى مجموعة بريكس خطوة مهمة نحو تنويع علاقاتها الاقتصادية والجيوسياسية.
من الإصلاح إلى التغيير المستدام
لا تُختزل قصة إثيوبيا منذ عام 2018 في كونها سلسلة إصلاحات، بل هي مسار لتحويل التحول المؤقت إلى تقدم مؤسسي مستدام.
وكما أشار رئيس الوزراء في القمة الوطنية، فإن بناء الدولة مسؤولية تتجاوز الأجيال. والتحدي القادم لا يتمثل فقط في الحفاظ على المكتسبات، بل في تحويلها إلى قاعدة لانطلاقة نحو مزيد من الازدهار والاستقرار والوحدة.
ولا تزال رحلة “من الإصلاح إلى التغيير المستدام” في طور التشكل، لكن مسارها الحالي يشير إلى أن إثيوبيا تتجه ليس فقط نحو تغيير واقعها الراهن، بل نحو صياغة مستقبلها أيضاً.