إثيوبيا تتمسك بالسلام والجبهة المنحلة تدفع تيغراي نحو الحرب

بقلم: تدروس حَبنوم

تقف منطقة القرن الأفريقي بأسرها أمام منعطف تاريخي حاسم، تتجاذبه إرادة وطنية إثيوبية صادقة لترسيخ السلام وإعادة البناء، في مقابل مساعٍ حثيثة من أطراف متشددة وتدخلات إقليمية تدفع المنطقة مجدداً نحو أتون الحرب.

فمنذ توقيع اتفاقية "بريتوريا" للسلام، تتكشف يوماً بعد يوم ديناميكيات معقدة تحكم المشهد، حيث تبرز جهود الحكومة الفيدرالية الإثيوبية كركيزة أساسية للاستقرار، في مقابل تحركات مضادة تقودها عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنحلة، مدعومة بتشابكات إقليمية تهدف إلى إطالة أمد النزاع.

التزام فيدرالي راسخ بمسار السلام
في نوفمبر 2022، استبشر الإثيوبيون والمجتمع الدولي بتوقيع اتفاقية "بريتوريا" التي أوقفت الصراع وفتحت نافذة أمل لتعافي إقليم تيغراي. ومنذ تلك اللحظة المفصلية، انتهجت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية سياسة اتسمت بأقصى درجات ضبط النفس والصبر الاستراتيجي.

وقد ترجمت الحكومة الإثيوبية هذا الالتزام إلى خطوات عملية ملموسة شملت تدفق المساعدات الإنسانية، وتخصيص ميزانيات كبيرة لإعادة الإعمار، وإنشاء إدارة مؤقتة للإقليم لتسهيل مسار الانتقال السياسي.

وقد أكد هذا التوجه الإيجابي العضو المؤسس والرئيس السابق للجبهة، أريغاوي برهي، أن قيادة الطرف المنحل لم تكن مستعدة لأي نوع من اتفاقيات السلام المستدام، بل نظرت إلى "بريتوريا" كفرصة لتجنب الهزيمة الكاملة، وإعادة تنظيم الصفوف، وكسب الوقت لمواصلة نواياها المشؤومة وبناء قدراتها العسكرية مجدداً.

تقويض الاتفاق والعودة إلى التجنيد القسري
تعامل الجناح المتشدد داخل الجبهة المنحلة مع اتفاق بريتوريا باعتباره هدنة مؤقتة، وهو ما انعكس في ممارسات خطيرة لتعويض النقص البشري وتراجع القبول الشعبي. فقد أشارت تقارير متطابقة إلى لجوء الجبهة إلى التجنيد القسري، الذي شمل قاصرين لا تتجاوز أعمارهم 13 و14 عاماً.

وبحلول أبريل 2026، اتخذ هذا المسار التصعيدي طابعاً مؤسسياً، مع قيام حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بتفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة الشرعية، وإعلان تشكيل "إدارة ذاتية" وبرلمانات محلية تفتقر إلى أي غطاء قانوني، في محاولة للتهرب من المساءلة وفرض واقع سياسي وعسكري أحادي.

وفي هذا السياق، جاء تحذير البروفيسور كينديا غبرهيوت، رئيس سابق لأمانة مجلس الوزراء للإدارة المؤقتة في تيغراي، ليعكس عمق الأزمة؛ حيث أكد أن فلول الجبهة المنحلة، بإقدامها على الإطاحة غير القانونية بالإدارة الإقليمية المؤقتة، تسلك مساراً كارثياً قد يعود بشمال إثيوبيا إلى دوامة صراع مدمرة.

وأشاد البروفيسور غبرهيوت بـ"أقصى درجات الصبر" والمسؤولية العالية التي أبدتها الحكومة الفيدرالية في الحفاظ على عملية السلام وحمايتها من الانهيار، لافتاً في الوقت ذاته إلى تنامي وعي الشارع في تيغراي، وتزايد المقاومة الشعبية الواسعة داخل الإقليم لأي محاولات تهدف للزج بالمنطقة في أتون الحرب مجدداً.

التدخلات العابرة للحدود وتوسيع رقعة الصراع
لم يقتصر التصعيد على الداخل، بل امتد ليشمل انخراطاً إقليمياً مباشراً من قوى تسعى إلى إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي.

فقد كشفت تقارير استخباراتية ومصادر رصد دولي، من بينها تقرير منظمة "أي.سي.ال.اي.دي" المعروفة بأنها من ضمن أكثر مصادر معلومات النزاعات موثوقيةً في العالم عن تحول مناطق متنازع عليها (ولكايت) إلى بؤر توتر نشطة بتنسيق عابر للحدود.

وتشير المعطيات إلى تقديم دعم لوجستي وعملياتي من أطراف إقليمية لقوات حزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، حيث تبلور هذا الدعم في استضافة مدينة بورتسودان في منتصف مايو 2026 لمؤتمر أُعلن خلاله عن تشكيل تحالف "سيمدو" ، الذي يضم الجبهة المنحلة ومجموعات متمردة أخرى مثل جماعات مليشيا الفانو المتمردة ومشاركة من دول مجاورة.

ويتزامن ذلك مع اتهامات رسمية مسبقة وجهتها وزارة الخارجية الإثيوبية للقوات المسلحة السودانية بانتهاك السيادة الوطنية، واستخدام عناصر مرتبطة بحزب الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وتسليحهم للمشاركة في النزاع السوداني، وهو ما أسهم في تسهيل تحركاتهم على طول الحدود الغربية لإثيوبيا.

تحذيرات مشتركة من عودة الحرب
وفي سياق قراءة هذه التطورات، دقّ كل من مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والرئيس السابق لإدارة إقليم تيغراي المؤقتة، غيتاشيو ردا، ورئيس جهاز الاستخبارات، رضوان حسين، ناقوس الخطر بشأن احتمالات تجدد الصراع.

ففي مقال تحليلي مشترك نُشر عبر موقع قناة "الجزيرة"، حذر المسؤولان بوضوح من أن عناصر متشددة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تستغل اتفاق بريتوريا كغطاء تكتيكي لكسب الوقت، وإعادة تنظيم صفوفها، والتحضير لشن هجمات جديدة على الحكومة الفيدرالية خلال الفترة المقبلة.

وكشف المقال عن أبعاد تحالفات معقدة تُحاك ضد مسار الاستقرار، مؤكداً أن محاولات الجبهة المنحلة لإشعال جولة جديدة من النزاع تحظى بدعم وتحريض مباشر من أسمرة ودول مجاورة أخرى. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد إلى علاقات تكتيكية مع مليشيات "فانو" في إقليم أمهراة، في تقاطع مصالح يسعى لإبقاء الدولة الإثيوبية في حالة استنزاف دائم، وإجهاض أي فرصة للتعافي.

 

إعادة تشكيل المشهد السياسي وصمت المجتمع الدولي
في خضم هذا المشهد المعقد، برزت استجابة سياسية تمثلت في إعلان قوى سياسية وعسكرية معارضة وفصائل منشقة عن الجبهة, تأسيس "مجلس تيغراي للسلام والتغيير".

ويحظى هذا التكتل بدعم من شعب تيغراي و المجتمع الدولي، ليُنظر إليه كبديل سياسي يسعى إلى إنهاء هيمنة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وتقديم مسار قائم على السلام وإرادة التغيير ورفض العودة إلى الحرب.

ورغم هذه الجهود، يظل التحدي الأكبر مرتبطاً بالموقف الدولي. إذ يُنظر إلى الصمت الدولي إزاء التجنيد القسري والتسليح والتدخلات الإقليمية على أنه عامل قد يشجع الأطراف المتشددة على مواصلة التصعيد.

ويؤكد هذا السياق أن استقرار إثيوبيا لا ينفصل عن استقرار القرن الأفريقي بأسره، وأن حماية مكتسبات السلام تتطلب موقفاً دولياً أكثر حزماً يضغط على معرقلي اتفاق بريتوريا وداعميهم، لضمان عدم انزلاق البلاد مجدداً نحو الحرب.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023