إثيوبيا هذا الأسبوع: من ميزانية قياسية إلى إنجازات رقمية، وتقدم ديمقراطي - ENA عربي
إثيوبيا هذا الأسبوع: من ميزانية قياسية إلى إنجازات رقمية، وتقدم ديمقراطي
أديس أبابا، 15 يونيو 2026 (إينا) تمرّ في حياة الأمم أسابيع تمضي بهدوء دون أن تترك أثرًا يُذكر، بينما تأتي أسابيع أخرى ترسم ملامح مستقبلها وتكشف اتجاه مسيرتها. ولا شك أن الأسبوع المنصرم في إثيوبيا كان من هذا النوع الأخير .
من دعوة رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تسريع التحول الرقمي وحماية البيئة، إلى الكشف عن أكبر ميزانية اتحادية في تاريخ إثيوبيا، ومن التقدم الملحوظ في عملية الحوار الوطني إلى الاعتراف الدولي المتزايد بالإصلاحات الاقتصادية الإثيوبية، عكس هذا الأسبوع تقدماً مطرداً لبلاد تسير نحو تحقيق أهداف طموحة، في ظل تعقيدات الواقع السياسي والإقليمي.
وكان جوهر هذا الأسبوع هو الثقة - الثقة في الإصلاح، والثقة في المؤسسات، والثقة في مستقبل إثيوبيا.
بناء المستقبل: الشعب والتكنولوجيا والبيئة
افتُتح الأسبوع برسالتين هامتين من رئيس الوزراء آبي أحمد، لخصتا جوهر رؤية إثيوبيا التنموية طويلة الأمد.
وركزت الرسالة الأولى على التكنولوجيا والابتكار. احتفاءً بإنجاز تدريب خمسة ملايين إثيوبي من خلال مبادرة المبرمجين الإثيوبيين، سلط رئيس الوزراء الضوء على التحول الرقمي باعتباره حجر الزاوية لمستقبل البلاد.
إلى جانب الأرقام المبهرة، تعكس هذه المبادرة التزام إثيوبيا بتزويد شبابها بالمهارات اللازمة للمنافسة في اقتصاد عالمي متزايد الرقمنة والابتكار.
وركزت الرسالة الثانية على الاستدامة البيئية. فقد أعلن رئيس الوزراء آبي أحمد عن تجهيز أكثر من ثمانية مليارات شتلة لموسم زراعتها ضمن مبادرة "البصمة الخضراء" لهذا العام، مما يعزز التزام إثيوبيا بترميم البيئة ومواجهة تغير المناخ.
وما بدأ كحملة وطنية لزراعة الأشجار، تطور ليصبح إحدى أكثر المبادرات البيئية طموحًا في أفريقيا، جاذبًا الأنظار الدولية، ومساهمًا في مكافحة تدهور الأراضي والتحديات المناخية.
وتُجسد هاتان المبادرتان معًا رؤية وطنية أوسع: الاستثمار في مستقبل الشعب الإثيوبي ومستقبل أرضه في آن واحد.
ميزانية اتحادية قياسية تُشير إلى ثقة اقتصادية
كان الحدث الأبرز هذا الأسبوع هو عرض مسودة الميزانية الاتحادية الإثيوبية للسنة المالية المقبلة، وهي الأكبر في تاريخ البلاد.
وأثناء عرض الميزانية أمام البرلمان، وصف وزير المالية أحمد شيدي الاقتصاد بأنه يشهد تحولًا كبيرًا. بحسب الوزير، ساهمت الإصلاحات الاقتصادية الكلية المنسقة في دعم النمو الاقتصادي القوي مع خفض التضخم بشكل ملحوظ عن مستوياته السابقة.
لا يقتصر مشروع الميزانية المقترح على كونه خطة مالية فحسب، بل هو بمثابة تأكيد على ثقة الحكومة في مسار الإصلاح في إثيوبيا.
في وقتٍ لا تزال فيه العديد من الاقتصادات النامية تعاني من ضغوط التضخم وأعباء الديون والصدمات الخارجية، تبرز قدرة إثيوبيا على اقتراح ميزانية موسعة بشكلٍ كبير مع الحفاظ على التركيز على الاستقرار الاقتصادي كإنجازٍ جديرٍ بالملاحظة.
استمرار نضوج المؤسسات الديمقراطية
شهد الأسبوع أيضًا تطوراتٍ مشجعة فيما يتعلق بالتطور الديمقراطي في إثيوبيا.
أكد الرئيس تاي أتسكي سيلاسي أن السلوك السلمي والمشاركة الفعالة للمواطنين في الانتخابات العامة السابعة قد عززا أسس الحكم الديمقراطي وبناء الدولة.
وكان التقدم الذي أحرزته لجنة الحوار الوطني الإثيوبية ذا أهميةٍ مماثلة. فبعد مشاوراتٍ موسعة في جميع أنحاء البلاد، دخلت الاستعدادات للحوار الوطني مراحلها النهائية، ومن المقرر أن يبدأ المنتدى الوطني في 15 يوليو.
يمثل الحوار الوطني، بالنسبة للعديد من الإثيوبيين، إحدى أهم المبادرات السياسية في التاريخ الحديث، فهو منصةٌ مصممةٌ لمعالجة القضايا الوطنية العالقة منذ زمنٍ طويل من خلال الحوار بدلًا من المواجهة.
لذا، من المتوقع أن يُمثل المنتدى القادم علامة فارقة أخرى في مسيرة إثيوبيا نحو تحقيق سلام دائم، وتوافق وطني، واستقرار سياسي.
يبقى السلام والاستقرار من الأولويات الوطنية.
استمر السلام والأمن في الظهور بشكل بارز في المناقشات الوطنية طوال الأسبوع.
في مقابلة مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، صرّح رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي السابق، أريغاوي برهي، بأن مبادرات السلام التي أطلقتها الحكومة الفيدرالية في إقليم تيغراي لم تلقَ استجابة مماثلة، بل استُغلت من قِبل عناصر داخل قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي السابقة لإعادة تنظيم صفوفها سياسيًا وعسكريًا.
وبالمثل، حذّر البروفيسور كينديا جبرهيوت، رئيس أمانة مجلس الوزراء في أول إدارة إقليمية مؤقتة في تيغراي، من أن التطورات الأخيرة تُشكّل تهديدًا خطيرًا لعملية التعافي الهشة في الإقليم.
وإلى جانب جهود بناء السلام الداخلية، اعتمدت إثيوبيا خارطة طريق جديدة لإدارة الحدود المتكاملة، تهدف إلى تعزيز حوكمة الحدود، وتحسين التنسيق المؤسسي، وتيسير التجارة والتنقل القانونيين، ومعالجة المخاوف الأمنية.
وفي منطقة تزداد ترابطًا، تُعدّ الإدارة الفعّالة للحدود ضرورة أمنية وحتمية تنموية.
الوصول إلى البحر والتعاون الإقليمي
ظلّ سعي إثيوبيا إلى تحقيق وصول مستدام إلى البحر موضوعًا للنقاش خلال الأسبوع.
وأكد الخبراء والباحثون على ضرورة عدم النظر إلى الوصول إلى البحر كمصدر للتوتر الإقليمي، بل كفرصة لتعزيز التعاون والتجارة والازدهار المشترك في جميع أنحاء القرن الأفريقي.
وصرح كينيا ياديتا، مستشار رئيس الوزراء للشؤون الأمنية برتبة وزير دولة، لوكالة الأنباء الإثيوبية بأن وصول إثيوبيا السيادي إلى البحر من شأنه أن يعزز التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني في المنطقة.
وأضاف أن سعي إثيوبيا إلى الوصول إلى البحر هو، في المقام الأول، مسألة سيادة.
وأشار إلى أن إثيوبيا قد حوّلت مسألة انعدام منفذها البحري إلى مسألة أمنية، مؤكداً امتلاكها أسساً تاريخية وقانونية تُخوّلها السعي إلى الوصول إلى البحر.
أكّدت هذه المناقشات موقف إثيوبيا الثابت بأنّ المصالح الوطنية الاستراتيجية يجب السعي لتحقيقها عبر الحوار، والمنفعة المتبادلة، والتعاون السلمي.
الاستثمار في التنمية البشرية
كان التقدم واضحاً بنفس القدر في القطاع الاجتماعي.
أُعلن خلال الأسبوع عن شراكة هامة في مجال الرعاية الصحية بين إثيوبيا ومجموعة هندية رائدة في هذا المجال، بهدف توسيع نطاق الخدمات الطبية المتخصصة وتعزيز نظام الرعاية الصحية في البلاد.
من المتوقع أن تُحسّن هذه المبادرة فرص الحصول على العلاج المتقدم، وأن تُسهم في تحديث خدمات الرعاية الصحية على مستوى البلاد.
في الوقت نفسه، أشاد باحث من جامعة هارفارد بمبادرات تنمية الطفولة المبكرة ومشاريع الممرات الحضرية في أديس أبابا، مُشيداً بالجهود المبذولة لتحسين المساحات العامة ورفع مستوى معيشة السكان على الصعيد الدولي.
في أنحاء العاصمة، لا تزال مشاريع تطوير الممرات تُشكّل رموزاً بارزة لبرنامج التحول الحضري في إثيوبيا.
أسبوعٌ حافلٌ بالزخم
كل مشروع على حدة يروي قصة مهمة، ومجتمعةً، تكشف عن رؤية أوسع.
حكومة تُعدّ أكبر ميزانية في تاريخها. ملايين المواطنين يكتسبون مهارات رقمية. حملة طموحة لإعادة تأهيل البيئة. مؤسسات ديمقراطية تتطور باستمرار. حوار وطني يقترب من مرحلة حاسمة. شراكات دولية موسعة. استثمارات جديدة في قطاع الرعاية الصحية. وتزايد التركيز على التكامل الإقليمي والتعاون الاقتصادي.
لا شك أن التحديات ما زالت قائمة، كما هو الحال في كل دولة نامية. إلا أن أحداث هذا الأسبوع تُشير إلى أن البلاد تُركز بشكل متزايد على التحول طويل الأمد بدلاً من عدم اليقين قصير الأمد.
وإذا كان هناك موضوع واحد يربط تطورات هذا الأسبوع، فهو الزخم.
وبالنسبة لإثيوبيا، قد يكون الزخم من بين أهم أصولها وهي تواصل مسيرتها نحو الازدهار والاستقرار والتجديد الوطني.