التحول الحضري غير المسبوق في إثيوبيا: من اقتصاد ريفي إلى مدن تقود التنمية والنمو

بقلم: يوردانوس د.

على مدى أجيال طويلة، ارتبطت قصة إثيوبيا بمرتفعاتها الخصبة ومراعيها الشاسعة ومجتمعاتها الريفية التي اعتمدت على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش. فقد كان المزارع الصغير يمثل أكثر من مجرد عنصر اقتصادي؛ إذ شكّل أساس التنظيم الاجتماعي والهوية الثقافية وأنماط الإدارة المحلية. وخلال معظم القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، ظل الريف المحرك الرئيسي للاقتصاد الوطني، بينما اقتصرت أدوار المدن إلى حد كبير على الوظائف الإدارية والأسواق التجارية الإقليمية.

غير أن إثيوبيا تشهد اليوم تحولًا حضريًا عميقًا يعيد تشكيل المشهدين العمراني والاقتصادي للبلاد. فشبكات الطرق المتوسعة، والمجمعات الصناعية، والمشروعات السكنية الحديثة، والمراكز التجارية، وبرامج تطوير الممرات الحضرية واسعة النطاق، أصبحت جميعها عوامل رئيسية في إعادة رسم ملامح الدولة وتعزيز أسسها الاقتصادية الجديدة. وقد تحولت المدن التي كانت تؤدي أدوارًا محدودة في التنمية الوطنية إلى مراكز فاعلة للتصنيع والابتكار والاستثمار والنمو الاقتصادي.

ولا يقتصر هذا التحول على العاصمة أديس أبابا، بل يمتد إلى مدن سريعة النمو مثل هواسا وأداما وبحر دار ودير داوا وجيما ومقلي وغيرها من المراكز الحضرية التي تشهد توسعًا متسارعًا. وهكذا تتحول إثيوبيا، التي كانت تُعرف تاريخيًا بطابعها الريفي الغالب، إلى دولة تتزايد فيها معدلات التحضر مدفوعة بالتغيرات الديموغرافية والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والتنمية الصناعية ومبادرات التجديد الحضري الطموحة.


 

وبحسب البنك الدولي، كانت إثيوبيا من أقل الدول الأفريقية تحضرًا مع بداية الألفية الجديدة، إذ لم تتجاوز نسبة سكان المدن نحو 14 في المائة من إجمالي السكان عام 2000، فيما بقيت أقل من 18 في المائة بحلول عام 2010، وهي نسبة أدنى بكثير من متوسط دول أفريقيا جنوب الصحراء.

ويعود ذلك إلى اعتماد الاقتصاد الإثيوبي آنذاك بشكل كبير على القطاع الزراعي، الذي كان يسهم بما يقارب نصف الناتج الاقتصادي ويوفر فرص العمل لغالبية القوى العاملة. ولم تكن الزراعة مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت تمثل نمط حياة متكاملًا يرتبط بالبنية الاجتماعية والهوية المجتمعية لملايين الإثيوبيين.

لقد كانت إثيوبيا مطلع الألفية مختلفة بصورة كبيرة عن واقعها الحالي. فقد كانت المدن صغيرة نسبيًا، والبنية التحتية محدودة، فيما كانت الإدارات البلدية تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالموارد والقدرات التخطيطية.

وأظهر التعداد السكاني والإسكاني لعام 2007 أن عدد سكان أديس أبابا بلغ نحو 2.7 مليون نسمة. ورغم كونها أكبر مدن البلاد آنذاك، فإن ملامحها العمرانية كانت تختلف جذريًا عن صورتها الحالية. فقد كانت المباني المرتفعة تتركز في عدد محدود من المناطق التجارية، بينما كانت معظم أحياء العاصمة تتكون من مجمعات سكنية تقليدية ومساكن عامة قديمة ومناطق عمرانية غير منظمة.

أما المدن الثانوية فكانت أصغر حجمًا بكثير؛ إذ بلغ عدد سكان هواسا نحو 188 ألف نسمة، فيما احتضنت بحر دار نحو 180 ألف نسمة. وكانت مدن مثل أداما وجيما ودير داوا ومقلي وجيجيغا تؤدي أدوارًا إدارية وتجارية مرتبطة بالاقتصاد الزراعي، بينما ظلت الأنشطة الصناعية محدودة والتوسع العمراني يسير بوتيرة متدرجة.

ورغم هذا المشهد الذي بدا مستقرًا، كانت هناك تحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة بدأت تتشكل في الخلفية. فبعد عام 2010 تسارعت عملية التحضر بصورة ملحوظة مع تبني الدولة للتنمية باعتبارها محورًا رئيسيًا لاستراتيجيتها الاقتصادية. وأصبحت المدن تُنظر إليها باعتبارها محركات للتصنيع وخلق فرص العمل وجذب الاستثمارات وإحداث التحول الهيكلي في الاقتصاد الوطني.

وفي هذا السياق، جرى توجيه استثمارات ضخمة إلى قطاعات النقل والبنية التحتية والمجمعات الصناعية والإسكان والطاقة والاتصالات والخدمات اللوجستية، ما أوجد البيئة اللازمة لنمو حضري مستدام وتنويع اقتصادي متسارع.

وقد انعكس ذلك بوضوح على الواقع، حيث تضاعف عدد سكان المدن أكثر من مرتين بين عام 2010 ومنتصف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، مرتفعًا من نحو 13 مليون نسمة إلى أكثر من 26 مليون نسمة. وخلال معظم هذه الفترة، تجاوزت معدلات النمو الحضري أربعة في المائة سنويًا، لتصبح إثيوبيا من بين أسرع الدول الأفريقية تحضرًا.

وأصبحت المدن اليوم تلعب دورًا متزايد الأهمية في الاقتصاد الوطني، مع تركز قطاعات التصنيع والإنشاءات والتجارة والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والسياحة والتكنولوجيا داخل المراكز الحضرية، وهو ما أسهم في خلق فرص عمل جديدة وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.


 

وتُعد أديس أبابا المثال الأوضح على هذا التحول. فقد أظهرت الدراسات المتعلقة باستخدامات الأراضي في العاصمة توسعًا عمرانيًا هائلًا خلال العقود الثلاثة الماضية، حيث تحولت مناطق كانت تضم أراضي زراعية ومساحات مفتوحة ومستوطنات منخفضة الكثافة إلى أحياء سكنية ومناطق تجارية وصناعية وشبكات نقل حديثة.

وشهدت المناطق الشرقية والشمالية الشرقية من العاصمة، بما في ذلك بولي ويكا وآيات وساميت وليمي كورا، معدلات نمو مرتفعة مدفوعة بالمشروعات السكنية والتجارية ومشروعات البنية التحتية وشبكات النقل الحديثة، ما أدى إلى توسع المدينة إلى ما وراء حدودها التاريخية.

وفي الوقت نفسه، شهدت المدن الإقليمية تحولات لافتة. فقد برزت هواسا كوجهة رئيسية للاستثمار الصناعي بفضل إحدى أنجح المدن الصناعية في البلاد، بينما عززت أداما موقعها كمركز لوجستي وتجاري، وتوسعت دير داوا في أداء دورها كبوابة للتجارة والنقل. أما بحر دار فقد استفادت من قطاعات السياحة والتعليم والتجارة لدفع عجلة النمو الحضري وجذب المزيد من الاستثمارات.

ويُعد برنامج تطوير الممرات الحضرية على مستوى البلاد أحد أبرز المؤشرات على هذا التحول العمراني الشامل. فبينما كانت عوامل مثل النمو السكاني والتصنيع والاستثمار في البنية التحتية تقود عملية التحضر، أصبح تطوير الممرات الإطار الذي يعيد تشكيل المدن ويمنحها وظائف اقتصادية وعمرانية جديدة.

وخلال السنوات الأخيرة، اعتمدت إثيوبيا هذا النموذج كأداة استراتيجية لتحديث المدن وتحسين شبكات النقل وتنشيط النشاط الاقتصادي والارتقاء بجودة الحياة الحضرية. وما بدأ كمبادرة للتجديد العمراني في أديس أبابا تحول إلى أحد أكبر برامج تطوير المدن في أفريقيا، ليشمل أكثر من 120 مدينة وبلدة في مختلف أنحاء البلاد.

ويعمل البرنامج على مستويين متكاملين؛ الأول يتعلق بممرات النقل والتجارة التي تربط إثيوبيا بالأسواق الإقليمية والعالمية، والثاني يتمثل في ممرات التحول الحضري المصممة لتحديث المدن وتحسين التنقل وتوسيع المساحات الخضراء وتنشيط الاقتصاد المحلي.


 

وباعتبارها واحدة من أكبر الدول غير الساحلية في العالم، أولت إثيوبيا أهمية خاصة لتطوير ممرات النقل الاستراتيجية. ويظل ممر إثيوبيا–جيبوتي الركيزة الأساسية للتجارة الخارجية، مدعومًا بخط السكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي وشبكة طرق حديثة تربط المراكز الاقتصادية بميناء جيبوتي.

وفي الوقت ذاته، تعمل البلاد على تطوير مسارات بديلة عبر ممر بربرة وممر لامو للنقل، بهدف تنويع المنافذ التجارية وتعزيز التكامل الإقليمي وتقليل الاعتماد على منفذ بحري واحد.

أما داخل المدن، فقد أصبح تطوير الممرات أحد أكثر رموز التحديث وضوحًا. ففي أديس أبابا شهدت مناطق عديدة أعمال تطوير واسعة شملت توسيع الطرق وإعادة تصميم التقاطعات وتحديث شبكات المرافق وتحسين البنية التحتية للمشاة.

وامتد هذا التحول ليشمل إنشاء الساحات العامة والمساحات الخضراء وممرات الدراجات والمرافق الترفيهية ومشروعات تطوير ضفاف الأنهار وأنظمة الإضاءة الحديثة، ما أسهم في تحسين البيئة الحضرية وتعزيز استدامتها وجودة الحياة فيها.

كما توسعت هذه المبادرات لتشمل مدنًا كبرى مثل أداما وبيشوفتو وهواسا ودير داوا وبحر دار وغوندار وجيما وديسي وكمبولتشا وجيجيغا وهرر ومقلي وسيميرا وأصوصا ونقمتي وشاشماني وأربا مينتش ووليتا سودو ودبري برهان ودبري ماركوس وديلا وهوسانا.

وقد أسهمت هذه المشروعات في تحسين التنقل الحضري وتحديث البنية التحتية وتعزيز النشاط السياحي وتطوير المناطق الصناعية وخلق فرص جديدة للاستثمار والتوظيف.

ولم تعد هذه الممرات مجرد مشاريع تجميلية، بل تحولت إلى محركات فعلية للنمو الاقتصادي. ويُعد ممر أديس أبابا–بيشوفتو مثالًا واضحًا على ذلك، حيث استقطبت المناطق الصناعية في دوكم وجيلان استثمارات محلية وأجنبية كبيرة، وشهدت ظهور مصانع ومراكز لوجستية ومجمعات سكنية حديثة حولت مناطق كانت ريفية في السابق إلى مراكز اقتصادية نشطة.

كما تتكرر هذه التجربة حول المدن الصناعية في هواسا ودير داوا وكمبولتشا وغيرها، حيث أسهمت البنية التحتية المحسنة في رفع الإنتاجية وجذب المستثمرين وتوفير آلاف فرص العمل.

وفي المجمل، يمثل تطوير الممرات الحضرية التجسيد العملي للتحول الحضري الأوسع الذي تشهده إثيوبيا، حيث يجمع بين النقل والإسكان والتجارة والصناعة والاستدامة البيئية والخدمات العامة ضمن إطار تنموي متكامل.

وفي الختام، يُعد التحول الحضري الجاري في إثيوبيا أحد أبرز التحولات الاجتماعية والاقتصادية في تاريخ البلاد الحديث. فالدولة التي ارتبطت لعقود طويلة بطابعها الريفي تتجه اليوم نحو اقتصاد أكثر تحضرًا وترابطًا، مدفوعًا بالاستثمار في البنية التحتية والتصنيع والتخطيط الحضري الاستراتيجي.


 

وقد أصبح برنامج تطوير الممرات الحضرية أحد أبرز معالم هذه المرحلة، بما يوفره من تحديث للمدن وتحسين للربط المكاني وخلق فرص جديدة للنمو والتنمية. ومع استمرار توسع المدن وظهور مراكز حضرية جديدة، يبقى التحدي الأساسي هو ضمان أن يكون هذا النمو شاملًا ومستدامًا وقادرًا على الاستجابة لاحتياجات السكان المتغيرة.

وإذا ما أُدير هذا التحول بكفاءة واستدامة، فإن إثيوبيا تمتلك فرصة حقيقية لتصبح واحدة من أبرز النماذج الأفريقية في التنمية الحضرية خلال القرن الحادي والعشرين، وأن تبني مدنًا أكثر تنافسية واقتصادًا أكثر قوة ومستقبلًا أكثر ازدهارًا للأجيال القادمة.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023