يجب ألا تُدفع إثيوبيا مجددًا إلى أتون الحرب

مقال رأي بقلم: غيتاتشو ردا ورضوان حسين

أديس أبابا، 12 يونيو 2026 (إينا) – شكّل اتفاق بريتوريا بارقة أمل ومنعطفًا حاسمًا لمنطقة أنهكتها الحرب والدمار. واليوم، ينبغي أن يواجه أولئك الذين يسعون إلى تقويض هذا الاتفاق ضغطًا دوليًا حازمًا لمنع العودة إلى دوامة الصراع.

في أكتوبر 2022، اجتمع وفدا حكومة جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في مدينة بريتوريا بجنوب أفريقيا بهدف التوصل إلى سلام ينهي الحرب الدائرة في البلاد.

جرت المفاوضات في وقت كانت فيه الحرب لا تزال مستعرة وتحصد الأرواح وتخلّف الدمار في مختلف أنحاء الوطن. وفي ظل هذه الظروف، كان من الطبيعي أن تتخذ الدولة المضيفة إجراءات أمنية وتنظيمية لضمان الفصل بين الوفدين المتفاوضين. فقد ساد اعتقاد لدى المنظمين بأن التوتر بين الطرفين قد يؤدي إلى مواجهات مباشرة داخل قاعات التفاوض. غير أن الجميع فوجئ بسرعة بقدرة الطرفين على إدارة الحوار بروح من الاحترام والمسؤولية.

ومع اتضاح الطابع الإيجابي للمناقشات، سمح الوسطاء والمضيفون بإجراء جلسات أكثر مباشرة وفي أجواء أقل رسمية، دون الحاجة إلى استخدام اللغة الإنجليزية كوسيط للتواصل. وعلى مدار عدة أيام، استمرت المفاوضات لساعات طويلة امتدت أحيانًا إلى ما بعد منتصف الليل، وشهدت نقاشات حادة وخلافات معقدة، وكادت تتعثر في أكثر من مناسبة. ومع ذلك، واصل الطرفان الحوار بإصرار، مستفيدين من دعم وخبرة الشخصيات الأفريقية البارزة التي قامت بدور الوساطة، حتى تحققت اختراقات مهمة فاقت لحظات الجمود والتعثر.

ورغم انتمائنا إلى طرفين متقابلين في نزاع داخلي دموي، فقد جمعنا هدف مشترك يتمثل في إنهاء الحرب وإيقاف نزيف الدماء. لقد أدركنا جميعًا حجم المأساة الإنسانية التي كانت تتكشف أمامنا، وشاهدنا كيف تُهدر طاقات جيل كامل من الشباب على جبهات القتال في شمال إثيوبيا. كما توافقنا على المبادئ الأساسية التي ينبغي أن تشكل الإطار الحاكم لأي اتفاق سلام مستدام.

ومنذ البداية، انصبّ التركيز على الاتفاق حول المبادئ الجوهرية التي ستوجه مسار التفاوض ونتائجه. وبعد التوصل إلى توافق بشأن هذه المبادئ، أصبح التحدي الرئيسي يتمثل في ترجمتها إلى آليات عملية قابلة للتنفيذ. ولم تكن هذه المهمة سهلة في ظل استمرار العمليات العسكرية وتصاعد الضغوط النفسية والسياسية على جميع الأطراف. ومع ذلك، ظل الالتزام بالبحث عن أرضية مشتركة وتحقيق السلام هو الدافع الأساسي للمفاوضات.

ورغم التحديات الكبيرة، وخاصة في ضوء التجربة السياسية الحديثة لإثيوبيا التي نادرًا ما شهدت تسويات تفاوضية ناجحة، تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق تاريخي. ففي الثالث من نوفمبر 2022، تم التوقيع على "اتفاق السلام الدائم من خلال الوقف الدائم للأعمال العدائية بين حكومة جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".

وقد لقي الاتفاق ترحيبًا واسعًا داخل إثيوبيا، حيث استقبلته مختلف فئات المجتمع بارتياح كبير باعتباره خطوة حقيقية نحو إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار. غير أن هذا الترحيب لم يكن محل إجماع؛ إذ أبدت بعض الأطراف المتشددة داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وكذلك داخل ميليشيا فانو الأمهرية رفضها للاتفاق.

فقد رأت العناصر المتشددة في الجبهة أن وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار كان سيمنحها فرصة لإعادة تنظيم صفوفها واستئناف القتال لاحقًا، ولم تكن راغبة في إنهاء دائم للأعمال العدائية. وبغض النظر عن التكلفة البشرية الباهظة، بما في ذلك أرواح الشباب الذين زُجّ بهم في الحرب، فقد فضّلت هذه الأطراف مواصلة الصراع أملاً في تحسين موقعها العسكري.

أما بعض العناصر المتشددة داخل فانو، فقد عارضت الاتفاق بدورها، مدعية أن الحكومة الفيدرالية قدمت تنازلات كبيرة للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. إلا أن التطورات اللاحقة أظهرت وجود دوافع وأجندات أخرى وراء هذا الموقف.

ومن بين الجهات الأكثر معارضة لاتفاق بريتوريا كانت حكومة إريتريا. فقد أعلن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي رفضه العلني للاتفاق، واعتبره مشروعًا لا يخدم مصالح المنطقة.

وبحسب رؤية الكاتبين، فقد اعتبر الرئيس أفورقي الصراع الداخلي الإثيوبي فرصة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية، إذ رأى في استمرار الحرب وسيلة لإضعاف إثيوبيا واستنزافها. ومن هذا المنطلق، عمل على دعم جهات مختلفة مناهضة للدولة الإثيوبية، وسعى إلى توطيد علاقاته مع العناصر الرافضة لاتفاق بريتوريا داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وبعض المجموعات المسلحة الأخرى.

وفي هذا السياق، تشير المعطيات إلى أن جهات مرتبطة بإريتريا ساهمت في تنسيق تحالف بين القوى المعارضة للاتفاق، ضمن إطار أُطلق عليه اسم "سيمدو"، بهدف الحفاظ على حالة التوتر والصراع.

واليوم، تشير المؤشرات إلى أن هذا التحالف، الذي تشكل عبر اجتماعات عقدت في أسمرة ومقلي والسودان، يستعد للدفع نحو جولة جديدة من المواجهات المسلحة. وتؤكد الوقائع أن جناحًا متشددًا داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أقدم على تفكيك الإدارة الإقليمية المؤقتة وإنشاء إدارة بديلة بصورة أحادية، كما واصل عمليات التجنيد والتدريب والتسليح بدعم مباشر من الحكومة الإريترية، إلى جانب إقصاء الأصوات الداعية إلى السلام والالتزام باتفاق بريتوريا.

وفي المقابل، عبّر سكان إقليم تيغراي بوضوح عن رفضهم للعودة إلى الحرب وللسياسات التصعيدية التي تتبناها هذه المجموعة المتشددة. إلا أن الأخيرة، وفقًا للكاتبين، اتجهت نحو فرض التجنيد الإجباري ومحاولة تعبئة المجتمع باتجاه المواجهة المسلحة من جديد.

إن منع العودة إلى الصراع يتطلب من جميع الأطراف الدولية والإقليمية التي تمتلك نفوذًا أو تأثيرًا على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وداعميها ممارسة أقصى درجات الضغط للحيلولة دون انهيار عملية السلام. فاستئناف الأعمال العدائية لن يشكل خطرًا على إثيوبيا وحدها، بل ستكون له تداعيات خطيرة على استقرار المنطقة بأكملها.

ويجب أن تكون الرسالة الدولية واضحة وصريحة: أي محاولة لتقويض اتفاق بريتوريا أو إلغائه عبر اللجوء إلى العنف أمر غير مقبول، ولا ينبغي السماح بتكرار المأساة التي دفع ثمنها آلاف الشباب والنساء والرجال.

صحيح أن اتفاق بريتوريا لم يكن اتفاقًا مثاليًا، وأن عملية تنفيذه واجهت تحديات ونواقص عديدة، إلا أنه نجح في إسكات صوت السلاح وفتح الباب أمام عودة الحياة الطبيعية تدريجيًا إلى منطقة مزقتها الحرب. ومن ثم، لا يجوز السماح للحسابات الخاطئة أو الأجندات المتطرفة بأن تعيد إثيوبيا وشعبها إلى كابوس الحرب من جديد.


 

غيتاتشو ردا

مستشار الوزير لشؤون شرق أفريقيا في الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، والرئيس السابق للإدارة الإقليمية المؤقتة لإقليم تيغراي، وأحد الموقعين على اتفاق بريتوريا للسلام لعام 2022 ممثلًا للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.

رضوان حسين

المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني الإثيوبي، وكبير المفاوضين عن الحكومة الفيدرالية خلال محادثات السلام في بريتوريا عام 2022، وأحد الموقعين على الاتفاق ممثلًا للحكومة الإثيوبية.

المصدر: الجزيرة

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023