رحلة إفريقية تكتمل في أديس أبابا ضمن سياق الوحدة القارية - ENA عربي
رحلة إفريقية تكتمل في أديس أبابا ضمن سياق الوحدة القارية
مقال رأي بقلم أديس غ.
أديس أبابا، 30 مايو 2026 — قبل أكثر من نصف قرن، شهد الشاب أوهورو كينياتا لحظة تاريخية فارقة عندما هبط في مطار بولي الدولي في أديس أبابا برفقة والده، الزعيم الإفريقي البارز جومو كينياتا، أول رئيس لجمهورية كينيا بعد الاستقلال.
وفي تلك الفترة، كان أوهورو كينياتا في سن المراهقة، وقد حضر لحظة استقبال إمبراطور إثيوبيا الراحل هيلا سيلاسي الأول لوالده، وهي لحظة خالدة وثقتها صورة تاريخية يظهر فيها الشاب واقفاً خلف الإمبراطور خلال ذلك الحدث الرمزي.
وفي 29 مايو 2026، عاد الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا إلى مطار بولي الدولي في أديس أبابا، على رأس بعثة مراقبي الاتحاد الإفريقي للانتخابات البرلمانية والإقليمية السابعة في إثيوبيا، المقرر إجراؤها يوم الاثنين 1 يونيو.
ويحمل المسار السياسي لأوهورو كينياتا ارتباطاً عميقاً بالقارة الإفريقية يتجاوز الأبعاد الدبلوماسية التقليدية، ليعكس رؤية راسخة لوحدة إفريقيا وتضامنها. فارتباطه بالقارة ليس مجرد ارتباط رسمي، بل هو ارتباط شخصي وثقافي ورمزي يجسد تطلعات إفريقيا نحو السلام والتكامل والتقدم. وباعتباره الرئيس الرابع لكينيا وشخصية بارزة في السياسة الإفريقية، يجسد كينياتا رؤية مشتركة لمستقبل القارة.
وقد أسهمت نشأته المبكرة في تعميق هذا الارتباط، حيث تأثر بتاريخ إثيوبيا العريق ودورها المحوري في حركات التحرر الإفريقية، ما عزز لديه شعوراً بالانتماء المشترك. كما نشأ في أسرة لعبت دوراً أساسياً في استقلال كينيا، وكان يتلقى باستمرار روايات عن قادة ناضلوا من أجل السيادة الإفريقية، وكان العديد منهم يستلهمون من صمود إثيوبيا ورمزيتها التاريخية. وقد تركت شخصية الإمبراطور هيلا سيلاسي أثراً بالغاً في الوعي الجمعي المرتبط بالتحرر الإفريقي، ما عزز لدى كينياتا الإحساس بالمسؤولية تجاه وحدة القارة.
وخلال وصوله إلى أديس أبابا للمشاركة في متابعة الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا، شدد أوهورو كينياتا على أهمية الاستقرار الإثيوبي ليس فقط لمواطنيها، بل للقارة الإفريقية بأكملها. وجاءت تصريحاته في مطار بولي الدولي لتعكس إدراكاً عميقاً للدور المحوري الذي تلعبه إثيوبيا في المشهد السياسي الإفريقي، باعتبارها مقر الاتحاد الإفريقي وإحدى أهم العواصم الدبلوماسية في القارة.
وأكد أن الانتخابات في إثيوبيا تحمل أهمية تتجاوز الحدود الوطنية، نظراً لاستضافة البلاد مقر الاتحاد الإفريقي، ما يجعل استقرارها السياسي عنصراً أساسياً في تعزيز السلام والديمقراطية على مستوى القارة.
وقال كينياتا: إن “إثيوبيا تحتضن المنظمة القارية، الاتحاد الإفريقي، وبالتالي فإن الانتخابات فيها لا تهم إثيوبيا وحدها، بل القارة بأكملها”.
وأشار إلى أن بعثة الاتحاد الإفريقي تشعر بالفخر لمراقبة ممارسة الإثيوبيين لحقوقهم الديمقراطية، معرباً عن ثقته في أن المواطنين سيتخذون قرارات حكيمة تسهم في تعزيز مسار التنمية والاستقرار في البلاد.
كما أوضح أن التجربة الديمقراطية الإثيوبية تمثل جزءاً من مسار أوسع لتعزيز الاستقرار الإفريقي، وأن تطور إثيوبيا السياسي ينعكس إيجاباً على القارة ككل.
وتعكس مواقف كينياتا رؤية أوسع للتكامل الإقليمي في شرق إفريقيا، حيث يُنظر إلى إثيوبيا بوصفها شريكاً محورياً في قضايا التنمية والتجارة والأمن. ويؤكد هذا التوجه قناعته بأن مستقبل شرق إفريقيا يعتمد على التعاون المشترك بين دولها لمواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
كما يستند هذا الموقف إلى قناعة إفريقية شاملة تؤكد أن القارة تمتلك القدرة على صياغة حلولها الخاصة، بعيداً عن النماذج المستوردة، عبر تعزيز المؤسسات الإفريقية وروح التضامن بين دولها.
وفي السنوات الأخيرة، شارك أوهورو كينياتا بنشاط في الشؤون الإثيوبية على المستوى القاري، داعماً مبادرات السلام والتكامل الإقليمي. كما لعب دوراً في دعم جهود المصالحة والحوار في مناطق النزاع، ما يعكس التزامه العميق باستقرار القارة. وتستند هذه الجهود إلى قناعته بأن مستقبل إفريقيا يعتمد على الوحدة، وهو مبدأ متجذر في التاريخ المشترك والنضالات والآمال القارية.
ويجسد ارتباط أوهورو كينياتا بإفريقيا إدراكه العميق لتاريخ القارة المترابط ومصيرها المشترك. ومع استمرار إفريقيا في مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية المعقدة، يظهر كينياتا أن قوة القارة تكمن في وحدتها، وفي القيم المشتركة، وفي الالتزام الجماعي لبناء مستقبل سلمي ومزدهر. وتشكل رحلته، المبنية على ذكريات الطفولة وتعزيزها بالمشاركة المستمرة، تذكيراً بأن مستقبل القارة يعتمد على الروابط التي نصنعها اليوم، روابط قائمة على التاريخ والاحترام والرؤية المشتركة لغد أفضل.
وجاءت كلمات كينياتا في أديس أبابا لتجسد المبادئ التي شكلت حياته العامة وعلاقته بالقارة. فرسالته لم تكن مجرد مراقبة انتخابات، بل تأكيداً على ثقته في قدرة إفريقيا على رسم مستقبلها الديمقراطي بنفسها. وعبر التأكيد على أن الدول الإفريقية قادرة على ابتكار أفضل الممارسات محلياً بدلاً من اعتماد حلول مستوردة، يعيد كينياتا التأكيد على أحد المبادئ الأساسية للبان-أفريقي: أن تحديات القارة تُعالج أفضل بقيادة أفريقية، وبمؤسسات إفريقية، وتضامن إفريقي.
وفي هذا السياق، تحمل عودة كينياتا إلى أديس أبابا بعد أكثر من نصف قرن من مرافقته لوالده في زيارة تاريخية رمزية دلالات قوية، إذ تربط بين أجيال من القيادة الإفريقية الملتزمة بالوحدة وتقرير المصير، والإيمان بأن مستقبل القارة يتشكل من خلال التعاون بين شعوبها ودولها. ومع إجراء إثيوبيا لإحدى أكبر الانتخابات في إفريقيا، تشكل زيارة كينياتا تذكيراً بأن المسار الديمقراطي الإثيوبي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتطلعات القارة نحو مستقبل أكثر وحدة واستقراراً وازدهاراً.