انتخابات إثيوبيا 2026: قفزة نحو شمولية أكبر

أديس أبابا، 27 مايو 2026 — مع بزوغ الفجر فوق مرتفعات إثيوبيا وسهولها، ومدنها المكتظة وقراها الريفية النائية، يستعد ملايين المواطنين لحدث بات كثيرون ينظرون إليه ليس مجرد استحقاق دستوري، بل لحظة وطنية فارقة تحمل ملامح التحول.

فالانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا، المقرر إجراؤها في الأول من يونيو 2026، تتشكل باعتبارها واحدة من أكثر التجارب الديمقراطية أهمية في تاريخ البلاد، في ظل مشاركة غير مسبوقة للناخبين، وإصلاحات مؤسسية متسارعة، وتصميم متنامٍ على جعل العملية الانتخابية أكثر شمولًا ومصداقية وحداثة من الناحية التكنولوجية.

وبالنسبة لبلد طالما تشكل تاريخه السياسي بفعل المركزية والصراعات والإصلاحات والتجدد، فإن انتخابات 2026 تمثل أكثر من مجرد تنافس بين الأحزاب السياسية؛ إذ تعكس محاولة إثيوبيا الأوسع لتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات وتوسيع فضاء المشاركة المدنية في واحدة من أكثر الدول الإفريقية سكانًا وأهمية استراتيجية.

تعبئة ديمقراطية غير مسبوقة

ويبرز الحجم الهائل لتسجيل الناخبين بوصفه أوضح مؤشرات هذا التحول.

فقد سجل أكثر من 50.5 مليون إثيوبي أسماءهم للمشاركة في التصويت، وهو رقم غير مسبوق وصفه مسؤولون انتخابيون ومراقبون سياسيون بأنه محطة تاريخية في مسار التطور الديمقراطي للبلاد.

ومن الأحياء الحضرية المتوسعة في أديس أبابا إلى المجتمعات النائية في أقاليم أوروميا وأمهرة والصومال وسيداما وعفر وغامبيلا وغيرها، شهدت مراكز التسجيل إقبالًا متواصلًا من المواطنين، في مؤشر على تنامي الوعي السياسي والشعور بالمسؤولية المدنية.

وبالنسبة للعديد من الإثيوبيين، ولا سيما الشباب، أصبحت المشاركة في الانتخابات تُنظر إليها بشكل متزايد ليس فقط باعتبارها حقًا قانونيًا، بل بوصفها مساهمة مباشرة في رسم مستقبل البلاد.

ويؤكد المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا أن الارتفاع الكبير في التسجيل يعكس سنوات من الجهود الرامية إلى تحسين سهولة الوصول وتوسيع آليات التوعية.

ويشير المسؤولون إلى تبسيط إجراءات التسجيل، وتعزيز التنسيق مع الإدارات المحلية، وإطلاق حملات واسعة لتثقيف الناخبين استهدفت الفئات التي كانت تاريخيًا أقل تمثيلًا، بما في ذلك المجتمعات الريفية والنساء والناخبون لأول مرة.

وفي العديد من المناطق، اتخذت التعبئة المدنية بعدًا إنسانيًا عميقًا، حيث لعب شيوخ المجتمعات المحلية دورًا في تشجيع المشاركة السلمية، فيما شارك طلاب الجامعات في حملات التوعية، وساعدت منظمات المجتمع المدني المواطنين في إجراءات التسجيل، ما حول العملية الانتخابية إلى نقاش وطني أوسع حول المواطنة والشمول.

تحول في طبيعة التنافس السياسي

كما أشارت الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات إلى وجود تحول في البيئة السياسية العامة.

ورغم أن المشهد السياسي الإثيوبي لا يزال معقدًا ومستقطبًا وهشًا في بعض الأحيان، فإن العديد من الأحزاب ترى أن العملية الحالية وفرت مساحة أكبر للتنافس المنظم والحوار والتفاعل الجماهيري مقارنة بالدورات الانتخابية السابقة.

وفي مختلف أنحاء البلاد، كثفت الأحزاب جهودها التنظيمية على مستوى القواعد الشعبية، ووسعت حضورها الإعلامي، وعززت هياكل التنسيق المحلية استعدادًا للتصويت.

وباتت النقاشات الانتخابية تركز بصورة متزايدة على قضايا الحكم الرشيد، والفرص الاقتصادية، وتشغيل الشباب، والبنية التحتية، والوحدة الوطنية، وهي قضايا تلقى صدى واسعًا لدى المواطنين الذين يواجهون تحولات اجتماعية واقتصادية متسارعة.

ويرى المشاركون في العملية الانتخابية أن العديد من التوترات التقليدية المرتبطة بالتنافس السياسي باتت تُعالج بشكل أكبر عبر القنوات المؤسسية ومنصات الحوار والآليات القانونية بدلًا من المواجهة المباشرة وحدها.

ورغم استمرار التحديات، فإن تنامي ثقافة الانخراط الإجرائي يُنظر إليه باعتباره خطوة مهمة نحو ترسيخ المعايير الديمقراطية.

إعادة بناء المنظومة الانتخابية

وخلف الكواليس، تمثل إعادة الهيكلة المؤسسية واحدة من أبرز قصص انتخابات 2026.

فمنذ عام 2018، شرعت إثيوبيا في تنفيذ إصلاحات واسعة تهدف إلى إعادة بناء الثقة في إدارة الانتخابات، من خلال تعزيز استقلالية المؤسسات الانتخابية ومهنيتها وكفاءتها التشغيلية، والحد من التصورات المتعلقة بالتدخل السياسي.

ويعد الإعلان رقم 1133/2019 أحد أبرز ركائز هذه الإصلاحات، إذ يُنظر إليه باعتباره تشريعًا أساسيًا عزز الاستقلال القانوني وصلاحيات الهيئة الانتخابية.

وقد وسع القانون مسؤوليات الرقابة، وحدد بوضوح الاختصاصات الإدارية، وأدخل إصلاحات تهدف إلى تحسين الشفافية وضمان اتساق الإجراءات.

وبات أثر هذه الإصلاحات ظاهرًا على أرض الواقع.

فقد تم نشر نحو 195 ألف موظف انتخابي في مختلف أنحاء البلاد لدعم عمليات مراكز الاقتراع، والتحقق من بيانات الناخبين، وتنسيق الخدمات اللوجستية، وإدارة الدوائر الانتخابية.

وفي بلد تفرض تضاريسه الجغرافية تحديات إدارية هائلة، من المناطق الجبلية إلى الأقاليم الحدودية قليلة السكان، تبدو العملية اللوجستية ذات حجم استثنائي.

ويؤكد المسؤولون الانتخابيون أن توسيع القوة العاملة لا يهدف فقط إلى تحسين الكفاءة، بل أيضًا إلى تقليل التأخير، وتعزيز المساءلة، وضمان وصول الخدمات الانتخابية إلى المجتمعات النائية التي كانت غالبًا خارج نطاق العمليات الإدارية الوطنية.

إثيوبيا تدخل العصر الرقمي للانتخابات

وربما يكون أبرز ملامح انتخابات 2026 هو اعتماد إثيوبيا المتزايد على التكنولوجيا الرقمية.

وفي قلب هذا التحديث يبرز نظام التسجيل الرقمي للناخبين «مرتشاي»، الذي تم تطويره بالشراكة مع شركة «إثيو تيليكوم».

ويجمع النظام بين أدوات التسجيل عبر الهواتف المحمولة وآليات التحقق الميداني، ما يتيح معالجة مركزية للبيانات وإجراء تدقيق فوري لمعلومات الناخبين.

وبالنسبة للعديد من الإثيوبيين المعتادين على البيروقراطية الورقية، يمثل هذا التحول نقلة مؤسسية كبيرة.

وتؤكد السلطات الانتخابية أن المنصة الرقمية تقلل من الازدواجية والأخطاء الإدارية، وتحسن بدرجة كبيرة دقة قوائم الناخبين ونزاهتها.

والأهم من ذلك، أن النظام يساعد في سد الفجوات اللوجستية التي لطالما أعاقت إدارة الانتخابات في المناطق الجغرافية البعيدة.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول التكنولوجي على الانتخابات فحسب، بل تعكس أيضًا توجه إثيوبيا الأوسع نحو الحوكمة الرقمية وتحديث المؤسسات العامة.

فالمؤسسات الحكومية تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة القائمة على البيانات لتحسين الكفاءة والشفافية والإدارة المبنية على الأدلة.

ويرى محللون أن نجاح عملية التسجيل الرقمي للناخبين قد يصبح واحدًا من أهم محطات الحوكمة الحديثة في تاريخ إثيوبيا.

وفي منطقة غالبًا ما تؤثر فيها التحديات اللوجستية على مصداقية الانتخابات، قد يشكل توجه إثيوبيا نحو رقمنة الجوانب الأساسية لإدارة الانتخابات معيارًا جديدًا للتحديث المؤسسي في إفريقيا.

كما يحمل هذا التحول أهمية خاصة لفئة الشباب، التي تمثل الشريحة السكانية الأكبر في البلاد، إذ جعلت الأنظمة الرقمية المشاركة أكثر سهولة بالنسبة لجيل يرتبط بشكل وثيق بالتكنولوجيا المحمولة ومنصات التواصل الرقمي.

حماية النزاهة والثقة العامة

ولا تُقاس الانتخابات الحديثة بمعدلات المشاركة وحدها، بل تعتمد شرعيتها أيضًا على مدى ثقة المواطنين بعدالة العملية الانتخابية.

ولمعالجة هذا الجانب، اعتمدت إثيوبيا مجموعة من الضمانات الإجرائية الهادفة إلى تعزيز الشفافية وضمان تكافؤ الفرص بين القوى السياسية.

ومن أبرز هذه الإجراءات تنظيم قرعة لترتيب الأحزاب في بطاقات الاقتراع بهدف منع أي أفضلية ترتيبية، إضافة إلى تخصيص أوقات بث مجانية ومنظمة على وسائل الإعلام الرسمية.

كما تم اعتماد لوائح موحدة للحملات الانتخابية وإجراءات أوضح لاعتماد المشاركين، بهدف تقليل التفاوت في التنفيذ وتعزيز الحياد الإداري.

وأكدت المؤسسات الحكومية مرارًا التزامها بتنظيم انتخابات سلمية وذات مصداقية.

كما جرى تعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية لمنع العنف المرتبط بالانتخابات، إلى جانب توسيع الآليات القانونية الخاصة بالنظر في الشكاوى والنزاعات الانتخابية بما يعزز الاستجابة والثقة العامة.

وفي الوقت ذاته، تتواصل حملات التوعية الانتخابية في المدن والأرياف لمكافحة المعلومات المضللة وشرح إجراءات التصويت وتشجيع المشاركة الواعية.

وتصف السلطات ومنظمات المجتمع المدني هذه الجهود بأنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار خلال فترة سياسية حساسة.

وحتى الآن، تشير التقارير الأولية للمراقبين المحليين إلى أن التحضيرات في عدة أقاليم تسير بصورة سلمية إلى حد كبير، ما يعزز حالة من التفاؤل الحذر بشأن المناخ العام السابق للانتخابات.

المجتمع المدني يتقدم إلى الواجهة

ومن بين التطورات الهادئة لكنها متزايدة التأثير في المسار الديمقراطي الإثيوبي، تنامي دور منظمات المجتمع المدني.

فقد أصبحت المجموعات المجتمعية ومنظمات المناصرة والشبكات الشبابية والجمعيات المدنية تؤدي دورًا أكثر فاعلية في توعية الناخبين ومراقبة الانتخابات وحملات التثقيف العام.

ويسهم هذا الحضور في تعزيز الشفافية على المستوى المحلي وتقوية آليات المساءلة في مراكز الاقتراع والدوائر الانتخابية.

وبالنسبة لكثير من الإثيوبيين، يعكس هذا التوسع في الانخراط المدني تحولًا ثقافيًا مهمًا، حيث لم تعد الديمقراطية تُنظر إليها باعتبارها مسؤولية النخب السياسية أو المؤسسات الحكومية وحدها، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا مشتركًا يتطلب مشاركة المواطنين.

كما يراقب المراقبون الإقليميون والدوليون، بمن فيهم ممثلو الاتحاد الإفريقي، سير العملية الانتخابية عن كثب.

ولا تقتصر أهمية هذه المتابعة على إثيوبيا وحدها، فبوصفها واحدة من أكبر وأكثر الدول تأثيرًا في إفريقيا، تحمل التجربة الانتخابية الإثيوبية انعكاسات أوسع على الحوكمة الديمقراطية والاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي.

لحظة فارقة لإثيوبيا وإفريقيا

ولا يمكن لأي انتخابات بمفردها أن تحل جميع التحديات السياسية التي تواجه دولة بحجم وتعقيد وتنوع إثيوبيا.

فاستمرار الثقة العامة سيظل مرتبطًا بحياد المؤسسات، والإدارة السلمية للنزاعات، واستعداد جميع الأطراف لاحترام المسارات الدستورية.

ومع ذلك، فإن اتجاه الدورة الانتخابية الحالية يبدو واضحًا.

فالإقبال القياسي على تسجيل الناخبين، واتساع المشاركة المدنية، وإعادة الهيكلة المؤسسية، واعتماد الأنظمة الانتخابية الرقمية، كلها مؤشرات على أن إثيوبيا تحاول إعادة تعريف آليات المشاركة الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

وبالنسبة لملايين الإثيوبيين، لم تعد انتخابات 2026 مجرد حدث سياسي، بل باتت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإصلاح والتكنولوجيا والشمول على بناء مؤسسات وطنية أكثر قوة في مجتمع يشهد تحولات متسارعة.

وإذا ما أُديرت الانتخابات بنجاح، فإن الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا قد لا تعيد فقط رسم المسار الديمقراطي للبلاد، بل قد تقدم أيضًا نموذجًا مهمًا لحوكمة الانتخابات في إفريقيا، في عصر تتزايد فيه المطالب بالشفافية والمشاركة والمصداقية المؤسسية.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023