الوجه الجديد لإثيوبيا يكتسح المنصات الرقمية

بقلم: عبدو أ.

أديس أبابا، 22 مايو 2026 — لم تعد إثيوبيا مجرد وجهة يزورها العالم، بل أصبحت بلداً يُعاد اكتشافه لحظة بلحظة.

فكل بث مباشر من أديس أبابا، وكل مقطع ينتشر على “تيك توك”، وكل تفاعل في شوارع المدينة، يسهم تدريجياً في تفكيك عقود من الصور النمطية وسوء الفهم عن بلد ظن العالم أنه يعرفه مسبقاً. فعلى مدى أجيال، ظلت إثيوبيا حاضرة في المخيلة العالمية باعتبارها بلداً عالقاً في دائرة المعاناة، وتناولت السرديات الدولية هذا البلد لعقود من خلال حملات إنسانية أكثر مما تناولته عبر شعبه أو إبداعه أو هويته الحديثة.

إلا أن ملايين الأشخاص باتوا اليوم يشاهدون صورة مختلفة تماماً تتشكل على شاشاتهم.

فعندما وصل صانع المحتوى الشهير “آي شو سبيد” إلى أديس أبابا مطلع عام 2026، لم تبدُ المدينة وكأنها مجرد خلفية لجولة رقمية لصناعة المحتوى، بل بدت مدينة نابضة بالحياة. الشباب الإثيوبيون كانوا يركضون إلى جانب كاميرته بحماس لافت، فيما تفاعل الباعة الجائلون بعفوية وضحك مع البث المباشر.

أما في نصب انتصار عدوة التذكاري، أحد أبرز رموز المقاومة والاستقلال في إفريقيا، فقد تابع المشاهدون حول العالم إثيوبيا وهي تروي قصتها ليس عبر الكتب المدرسية، بل من خلال الحركة والضجيج والفكاهة والتفاعل الإنساني المباشر.

وقد تابع أكثر من 270 ألف شخص البث المباشر في ذروة المشاهدة، فيما حققت المقاطع المرتبطة بإثيوبيا ملايين المشاهدات خلال يوم واحد فقط عبر مختلف المنصات، متجاوزة مستويات التفاعل التي تحققها بعض الوجهات السياحية الأكبر في المنطقة.

لكن الأرقام وحدها لا تفسر ما حدث؛ فالتأثير الحقيقي كان عاطفياً.

بالنسبة لكثير من المشاهدين، كانت تلك المرة الأولى التي تبدو فيها إثيوبيا بلداً مألوفاً ومفعماً بالحياة والحداثة والجاذبية الثقافية، بدلاً من الصورة البعيدة أو المأساوية التي ارتبطت بها سابقاً.

كيف يقدّم ديلان بيج إثيوبيا بما يتجاوز السياحة؟

ويزداد هذا التحول عمقاً مع وصول صانع المحتوى البريطاني العالمي ديلان بيج، الذي يتابعه جمهور واسع ليس فقط من أجل الترفيه، بل أيضاً من أجل الرؤية والتحليل.

فعلى خلاف سياحة المؤثرين السريعة، يقدم بيج إثيوبيا من خلال سردية تتسم بالفضول والبعد التاريخي. إذ يستعرض في محتواه تاريخ البلاد غير المستعمر، وحضارتها العريقة، وتقويمها الفريد، وإرثها في القهوة، وهويتها الروحية، مقدماً إثيوبيا ليس كوجهة سياحية فحسب، بل كأحد أقدم المراكز الحضارية الإنسانية التي لا تزال تؤثر في تشكيل الهوية الإفريقية الحديثة حتى اليوم.

ويمثل وجود بيج حالياً في أديس أبابا شكلاً مختلفاً من الاهتمام الرقمي، اهتماماً يقوم ليس فقط على الانتشار الواسع، بل على الفهم العميق أيضاً.


 

وبالنسبة لكثير من الشباب الأفارقة الذين يتابعون هذه المشاهد عبر الإنترنت، يبدو هذا التحول شخصياً للغاية. فأديس أبابا بدأت ترمز إلى ما هو أكبر من السياحة.

إنها باتت تمثل ثقة إفريقية جديدة في التحكم بالصورة الذاتية للقارة. ففي أنحاء إفريقيا، يرفض صانعو المحتوى بشكل متزايد الروايات التي تُقدَّم عبر عدسات خارجية، ويتجهون بدلاً من ذلك إلى توثيق إفريقيا بأصوات إفريقية، وفكاهة إفريقية، وواقع إفريقي خالص. وبفضل تاريخها المركب وحضورها الثقافي العاطفي، أصبحت إثيوبيا بطبيعة الحال إحدى أقوى ساحات هذا التحول.

وقد تجلى هذا التحول بوضوح خلال قمة المؤثرين الأفارقة على وسائل التواصل الاجتماعي، التي احتضنتها أديس أبابا بمشاركة صناع محتوى من مختلف أنحاء القارة.

ومعاً، يمثل هؤلاء المؤثرون مئات الملايين من المتابعين، أي جمهوراً رقمياً يفوق عدد سكان العديد من الدول. لكن بعيداً عن الأرقام، كشفت القمة عن حقيقة أعمق: إن رواة القصص الجدد في إفريقيا لم يعودوا ينتظرون إذناً لتعريف العالم بالقارة، بل باتوا يقومون بذلك بأنفسهم، مقطع فيديو بعد آخر.

وربما لهذا السبب تتجاوز أهمية الصعود الرقمي لإثيوبيا حدود الخوارزميات والاتجاهات الرائجة. ففي عصر أصبحت فيه الصورة الذهنية تؤثر في الاقتصاد والدبلوماسية والسياحة وحتى النفوذ السياسي، تحول السرد الإنساني إلى شكل من أشكال القوة العالمية. وإثيوبيا تدرك ذلك جيداً.

حيث يلتقي التحول الحضري بالاهتمام العالمي

وجزء كبير مما يجذب أبرز صناع المحتوى الرقمي العالميين إلى إثيوبيا لا يتمثل فقط في تاريخها، بل أيضاً في التحولات الملموسة التي تشهدها البلاد.

فإثيوبيا تستثمر بكثافة في جيل جديد من الوجهات السياحية، والمساحات العامة، والممرات الثقافية، ومشروعات التحديث الحضري، بهدف إعادة ربط البلاد بالجمهور العالمي.

وبالنسبة للمؤثرين الباحثين باستمرار عن مواقع جذابة بصرياً وصادقة إنسانياً، أصبحت أديس أبابا وغيرها من الوجهات الناشئة فضاءات مثالية لصناعة المحتوى.


 

ويُعد التحول الكبير الذي تشهده العاصمة أديس أبابا أحد أبرز الأمثلة على ذلك.

فمشروعات تطوير الممرات الحديثة، وتوسعة الطرق، وإعادة تصميم الفضاءات العامة، وتحسين المشهد الحضري، وتطوير ضفاف الأنهار، وإضاءة المعالم، كلها عوامل تعيد تشكيل صورة العاصمة، ليس فقط على أرض الواقع، بل أيضاً في الفضاء الرقمي.

أماكن كانت مهمشة سابقاً أصبحت اليوم خلفيات سينمائية للبثوث المباشرة، ومقاطع السفر، وجلسات التصوير، والقصص الوثائقية. وقد بدأ المؤثرون يكتشفون مدينة تتعايش فيها الهوية التاريخية العريقة مع الطموح العصري في إطار واحد.

وخارج العاصمة، تستثمر إثيوبيا أيضاً في مشروعات سياحية قائمة على الوجهات، بهدف إبراز التنوع الطبيعي والثقافي للبلاد.

فنُزل السياحة البيئية، ومشروعات ترميم التراث، وتطوير الواجهات المائية، والمتنزهات الوطنية، ومسارات السياحة الثقافية، كلها تفتح نوافذ جديدة على مناطق لم يسبق لكثير من الجماهير العالمية أن تعرفتها من قبل.

ومن جبال الشمال إلى المناظر الخضراء في الجنوب، تعمل إثيوبيا على ترسيخ مكانتها ليس فقط كوجهة تاريخية، بل أيضاً كوجهة قائمة على التجربة الإنسانية؛ مكان يستطيع فيه الزائر أو صانع المحتوى أن يعيش الأصالة والمغامرة والروحانية والثقافة في آن واحد.

ولا تقل الرمزية الكامنة وراء هذه الاستثمارات أهمية عن المشاريع نفسها. فإثيوبيا تحاول إعادة تعريف صورتها بصرياً في العصر الرقمي.

وفي عالم تتنافس فيه الوجهات على جذب الانتباه العالمي عبر الصور الفيروسية والسرد الرقمي، أصبحت البنية التحتية جزءاً من الهوية الوطنية.

فالمطار الحديث، والساحات العامة الجذابة، والمواقع التراثية التي جرى ترميمها، والفنادق الفاخرة، والمراكز الإبداعية، ومناطق الحياة الليلية، والمساحات الحضرية الصديقة للمشاة، كلها عناصر تسهم في تشكيل صورة البلد على الإنترنت.

وكل لقطة جوية لأفق أديس أبابا المتغير، وكل تفاعل شارع ينتشر على المنصات، يتحول إلى جزء من رواية أكبر تقول إن إثيوبيا ليست بلداً أسيراً لماضيه، بل دولة تعمل بنشاط على بناء مستقبلها.

وبالنسبة لصناع المحتوى العالميين، فإن هذا المزيج بالغ الجاذبية.

فهم يأتون إلى إثيوبيا ليس فقط لأنها غنية ثقافياً، بل لأنها تبدو بلداً يتحرك ويتغير باستمرار.

وكل صانع محتوى يصل إلى أديس أبابا لا يصبح مجرد زائر، بل شاهداً ينقل معه صور طقوس القهوة الليلية، والأحياء المزدحمة بالضحكات، والكنائس التاريخية القائمة إلى جانب الأبراج الحديثة، والشباب الإثيوبي المتحمس لتعريف العالم بحقيقته.

والنتيجة هي شيء لا تستطيع أي حملة إعلانية صناعته: الثقة.

فالعالم لم يعد يتعرف على إثيوبيا من خلال الأرقام والإحصاءات وحدها، بل من خلال الناس أنفسهم.

وفي العصر الرقمي، هذا يغير كل شيء.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023