إثيوبيا تعزز طريقها نحو تحقيق السيادة الطاقية

 

 

أديس أبابا، 23 مارس 2026 (إينا)          يُعدّ الارتفاع الحالي في أسعار النفط العالمية، بكل المقاييس، اختبارًا قاسيًا وحادًا وذا عواقب وخيمة على الاقتصادات التي تعتمد على الاستيراد.

يُبرز حجم هذا الوضع أهمية التحولات السياسية التي شهدتها إثيوبيا في السنوات الأخيرة، لا سيما في تعزيز السيادة الطاقية والتنقل الأخضر، وضرورة مواصلة تعزيز هذه الجهود.

وبينما ترتفع أسعار النفط، تعمل إثيوبيا بثبات وتخطيط على تقليل اعتمادها عليه.

بنية الاستقلال الطاقي

على مدى السنوات الماضية، عملت إثيوبيا على بناء ما هو أبعد من مجرد حلول مؤقتة، ألا وهو أسس السيادة الطاقية.

ويُمثّل سد النهضة الإثيوبي الكبير محور هذا التحول، فهو مشروع لا يرمز فقط إلى توليد الطاقة، بل إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الاقتصادي. وإلى جانبه، تعمل مشاريع أخرى، مثل مشروع كويشا للطاقة الكهرومائية الجاري تنفيذه، على توسيع قدرة البلاد على إنتاج الطاقة المتجددة.

وتُشكّل الطاقة الكهرومائية اليوم ركيزة أساسية في شبكة الكهرباء الإثيوبية. هذا ليس مجرد خيار بيئي، بل هو خيار جيوسياسي.

لا تتأثر الكهرباء في إثيوبيا بأسعار النفط الخام، فهي تتدفق من الأنهار، مدفوعةً بالاستثمارات الوطنية لا بالاضطرابات الخارجية.

إعادة صياغة معادلة النقل

إذا كان لاعتماد إثيوبيا على النفط وجهٌ واضح، فهو قطاع النقل، حيث تمتد شاحنات الديزل على الطرق السريعة، وتسيطر المركبات التي تعمل بالوقود على شوارع المدن. لكن هذه المعادلة تُعاد صياغتها الآن.

تساهم الحوافز السياسية في تسريع التحول نحو التنقل الكهربائي، مما يضع إثيوبيا في مصاف الدول الرائدة في التحول نحو السيارات الكهربائية في أفريقيا. لم تعد المركبات الكهربائية مجرد فكرة مستقبلية، بل أصبحت أدوات مدعومة سياسياً لتعزيز المرونة الاقتصادية.

في الوقت نفسه، تُحرز إثيوبيا تقدماً في جهودها لتحويل أنظمة الشحن من الديزل إلى الغاز الطبيعي. ويجري إعادة تصور الخدمات اللوجستية الثقيلة، التي لطالما شكلت العمود الفقري لاستهلاك الوقود.

كل حافلة كهربائية، وكل شاحنة تعمل بالغاز، تمثل أكثر من مجرد تحول تكنولوجي، إنها خطوة استراتيجية للحد من المخاطر.

إلى جانب الكهرباء، تُعزز إثيوبيا قدرتها على الصمود من خلال إمكاناتها في مجال الغاز الطبيعي، لا سيما في حوض أوغادين.

يُوفر الغاز الطبيعي لإثيوبيا جسراً، ومصدراً للطاقة محلياً راسخاً قادراً على دعم الصناعة والنقل وتوليد الطاقة، مع تقليل الاعتماد على النفط المستورد.

ومع مرور الوقت، يُبشر هذا الغاز بتحويل وضع الطاقة في إثيوبيا من دولة مستوردة إلى دولة ذات قدرة داخلية فعّالة.

نظرة مستقبلية: رؤية نووية

لعلّ أوضح دليل على تفكير إثيوبيا طويل الأمد يكمن في دخولها مجال التخطيط للطاقة النووية. لا يتعلق الأمر بنقص الطاقة الحالي، بل بضمان استقرار الغد.

توفر الطاقة النووية استقرارًا لا يتأثر بتقلبات هطول الأمطار أو أسواق الوقود العالمية. بالنسبة لدولة تسعى إلى التصنيع، فهي تمثل رؤية استراتيجية مستقبلية.

لا تكتفي إثيوبيا بالاستجابة لنقص الطاقة، بل تسعى لبناء مستقبل تكون فيه آثار النقص والصدمات محدودة.

التحول

ثمة مفارقة في الوضع الراهن لإثيوبيا. ففي الوقت الذي تكشف فيه أسعار النفط عن مواطن ضعفها، فإنها تؤكد في الوقت نفسه صحة المسار الذي اختارته.

تساهم الطاقة الكهرومائية في ضمان إمدادات الكهرباء. وتعيد وسائل النقل الكهربائية تشكيل الطلب. ويبرز الغاز الطبيعي كبديل محلي. أما الطموح النووي فيرسّخ الاستقرار طويل الأمد.

ليست هذه مبادرات منعزلة، بل هي عناصر ضمن مسار وطني متكامل.

ما وراء ارتفاع أسعار النفط

يمثل الارتفاع العالمي في أسعار النفط، بلا شك، اختبارًا لقدرة إثيوبيا الاقتصادية على الصمود. ولكنه أيضًا بمثابة تذكير، بل ربما تأكيد، على المسار الذي سلكته البلاد.

إن إثيوبيا لا تقف مكتوفة الأيدي في وجه هذه الأزمة، بل تتقدم بخطى ثابتة، مسترشدة برؤية طويلة الأمد للاكتفاء الذاتي. مستقبلٌ تُنتج فيه الطاقة محليًا، مستقبلٌ تتضاءل فيه آثار الصدمات الخارجية، مستقبلٌ يُحافظ فيه النمو على قوتها الداخلية.

في أدبيات الجغرافيا السياسية يُوصف ذلك بالاستقلال الاستراتيجي، أما في الحالة الإثيوبية فيجسّد مسارًا متدرّجًا لأمة تستعيد زمام السيطرة على مواردها الطاقية، وترسّخ قدرتها على توجيه مصيرها بثقة وثبات.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023