أصدقاء قدامى وشراكة متجددة بين إثيوبيا وتركيا

 

 

قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة أديس أبابا في وقت قريب . وتأتي هذه الزيارة في وقتٍ تُعيد فيه الدولتان تعريف أدوارهما الإقليمية والعالمية. تُمثل هذه الزيارة تجديدًا لصداقة تاريخية، وتُشير إلى الأهمية المتزايدة للتعاون بين البلدين اللذين تتقاطع طموحاتهما المشتركة بشكل متزايد في مجالات التجارة والأمن والنفوذ القاري.

ويحمل وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى أديس أبابا رمزية تتجاوز بكثير البروتوكول الدبلوماسي.

قبل بضع سنوات، وفي إحدى أكثر اللحظات حساسية في تاريخ إثيوبيا، سافر رئيس الوزراء آبي أحمد إلى تركيا، حيث استُقبل بحفاوة بالغة وكرم ضيافة استثنائي. عكست مراسم الاستقبال الرسمية، التي اتسمت بالتقاليد والتكريم، علاقة مبنية على الثقة لا على المصالح. وبينما يستعد الرئيس أردوغان لدخول الأراضي الإثيوبية، يسود شعور قوي بالتوازن التاريخي، وكأن شريكين عريقين يُواصلان حوارًا استمر لأجيال.

لطالما مثّلت إثيوبيا أحد أكثر حلفاء تركيا موثوقيةً وثباتًا في أفريقيا. تحمل هذه الزيارة في طياتها شعورًا بإعادة التواصل مع حليفٍ موثوقٍ به، تتزايد استقراره وطموحه ونفوذه في جميع أنحاء القارة.

صداقةٌ راسخةٌ في التاريخ

تمتدّ العلاقات بين تركيا وإثيوبيا إلى ما قبل الدبلوماسية الحديثة بزمنٍ طويل. فقد ازدهرت التجارة والتبادل الثقافي بين القرن الأفريقي والأناضول عبر طرقٍ بحريةٍ قديمةٍ تربط البحر الأحمر بأسواق البحر الأبيض المتوسط. وعلى مرّ القرون، استمرّ التفاعل خلال العصور الإمبراطورية، وتحوّل تدريجيًا إلى علاقاتٍ دبلوماسيةٍ رسميةٍ حافظت على استقرارها بشكلٍ ملحوظ.

بدأ الانتقال من التفاعل التاريخي إلى الدبلوماسية الحديثة الرسمية عام ١٨٩٦، عندما جرى تبادل الوفود بين السلطان العثماني عبد الحميد الثاني والإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني، مُؤذنًا بأول اتصالٍ دبلوماسيٍ مُنظّمٍ بين الدولتين.

وتعمّقت العلاقات أكثر بافتتاح القنصلية العثمانية في هرر عام ١٩١٢. وترسّخت الأسس الدبلوماسية الحديثة بافتتاح الجمهورية التركية أول سفارة لها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في أديس أبابا عام ١٩٢٦، تلتها إثيوبيا بافتتاح سفارتها في أنقرة عام ١٩٣٣. أرست هذه المحطات البارزة الأساس المؤسسي لعلاقة صمدت أمام التحولات السياسية، وما زالت تتوسع في نطاقها وأهميتها الاستراتيجية.

وتعزّزت العلاقات الحديثة خلال القرن العشرين من خلال السفارات والتعاون التجاري وشراكات التنمية. وبمرور الوقت، نضجت هذه العلاقات لتصبح واحدة من أكثر الشراكات استقرارًا وموثوقية التي تربط أفريقيا  .

النهضة الاقتصادية لإثيوبيا ومستقبلها المشرق

تشهد إثيوبيا أسرع التحولات الاقتصادية في القارة الأفريقية. فالتوسع الهائل في البنية التحتية، والتنمية الصناعية، والتحديث الحضري، كلها عوامل تُعيد تشكيل المشهد الاقتصادي للبلاد بوتيرة ملحوظة. وتُعدّ إثيوبيا بالفعل من بين أكبر الاقتصادات في أفريقيا، ويشير زخم النمو الحالي إلى مسار واضح نحو أن تصبح القوة الاقتصادية الرائدة في القارة خلال العقد القادم.

ويجذب هذا التحول السريع بطبيعة الحال شركاء استراتيجيين يُدركون الفرص طويلة الأجل. وتتمتع تركيا، بقاعدتها الصناعية المتنوعة وقدراتها التصنيعية المتقدمة، بموقع قوي للنمو جنبًا إلى جنب مع مسيرة التنمية الإثيوبية.

دولتان تُنشئان سوقًا ذات إمكانات هائلة

يُضيف البُعد الديموغرافي بُعدًا آخر لهذه الشراكة. فعدد سكان تركيا الذي يتجاوز 85 مليون نسمة، وعدد سكان إثيوبيا الذي يتجاوز 130 مليون نسمة، يُشكلان سوقًا مشتركة تتمتع بقدرة إنتاجية واستهلاكية استثنائية. ويُمكن للتعاون بين البلدين أن يُحفز التجارة والتصنيع وتطوير التكنولوجيا، ما يُمكن أن يخدم أسواقًا في جميع أنحاء أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.

يُتيح العمل عبر إثيوبيا لتركيا بوابةً طبيعيةً إلى الشبكات الاقتصادية الأفريقية سريعة النمو، لا سيما مع استمرار تسارع التكامل التجاري القاري.

الطيران والربط القاري

لا يزال الربط التجاري في أفريقيا يعتمد بشكل كبير على الطيران نظرًا لمحدودية خطوط النقل البري. وقد أنشأت الخطوط الجوية الإثيوبية واحدة من أوسع شبكات النقل الجوي في أفريقيا، رابطةً بين العواصم التجارية والسياسية الرئيسية بكفاءة ملحوظة.

تُتيح ريادة إثيوبيا في مجال الطيران لتركيا فرصًا قيّمةً للوصول إلى الأسواق الأفريقية وقنوات الخدمات اللوجستية. ويُسهم التعاون بين أديس أبابا وإسطنبول، باعتبارهما مركزين رئيسيين للطيران العالمي، في خلق إمكانات هائلة لتبادل المعرفة، وتطوير الخدمات اللوجستية المشتركة، وتوسيع طرق التجارة التي تربط القارات.

طموحات البنية التحتية وفرص الإنشاء

تتضمن استراتيجية التنمية الإثيوبية للعقد القادم مشاريع ضخمة في قطاعات النقل والطاقة والإسكان الحضري. ومن المتوقع أن تُحدث ممرات السكك الحديدية الجديدة، والسدود الكهرومائية، والمطارات، ومشاريع الإسكان واسعة النطاق، نقلةً نوعيةً في الإنتاجية الاقتصادية ومستويات المعيشة.

وقد حظيت شركات الإنشاء التركية باعتراف عالمي بفضل خبرتها الفنية وسرعتها وكفاءتها في تنفيذ مشاريع البنية التحتية المعقدة. إن توسيع التعاون في هذا القطاع من شأنه أن يفتح فرصاً بقيمة مليارات الدولارات مع تسريع أهداف التحديث في إثيوبيا.

تحويل رؤية إثيوبيا في مجال الحديد والصلب إلى واقع

تُعدّ تركيا لاعباً عالمياً رئيسياً في إنتاج الحديد والصلب، إذ تمتلك خبرة صناعية متقدمة وقدرات تصنيعية قوية. في المقابل، تمتلك إثيوبيا احتياطيات هائلة من خام الحديد، وتملك الإمكانات الخام اللازمة لإنشاء صناعة صلب محلية تنافسية.

يمكن للتعاون بين الخبرة الصناعية التركية والموارد الطبيعية لإثيوبيا أن يُحوّل طموح إثيوبيا طويل الأمد في بناء قطاع حديد وصلب قوي إلى حقيقة ملموسة. لن يدعم هذا التطور طفرة البنية التحتية في إثيوبيا فحسب، بل سيضعها أيضاً في مصاف المراكز الصناعية الإقليمية، مما يخلق فرص عمل ويعزز الاستقلال الصناعي.

التعدين والطاقة والتوسع الصناعي

إلى جانب الحديد والصلب، تمتلك إثيوبيا احتياطيات كبيرة من الذهب والغاز الطبيعي والمعادن الأرضية النادرة التي تزداد قيمتها في التكنولوجيا الحديثة وإنتاج الطاقة المتجددة. تُتيح خبرة تركيا في استخراج ومعالجة المعادن فرصاً واعدة للشراكة، مما يُمكن من إطلاق العنان لإمكانات إثيوبيا من الموارد، مع تعزيز سلاسل التوريد الصناعية لكلا البلدين.

تنامي الثقة الاقتصادية

رسّخت تركيا مكانتها كإحدى أهم المستثمرين الأجانب في إثيوبيا. تعمل الشركات التركية في قطاعات التصنيع والنسيج والبناء والخدمات، موفرةً فرص عمل لعشرات الآلاف من العمال الإثيوبيين، ومساهمةً في النمو الصناعي.

ويشير التوسع الاقتصادي القوي لإثيوبيا وتزايد تنويع قطاعاتها الصناعية إلى استمرار نمو فرص الاستثمار. ويمكن للتعاون طويل الأمد في قطاعي التصنيع والصناعة أن يعزز العلاقات الاقتصادية ويحقق الازدهار المتبادل.

الأمن والاستقرار البحري والتوازن الإقليمي

إن سعي إثيوبيا إلى ضمان وصول بحري موثوق له تداعيات تتجاوز التجارة. فمن شأن تعزيز المشاركة في أمن البحر الأحمر أن يسهم في استقرار أحد أهم ممرات التجارة البحرية في العالم. تاريخيًا، ساعد الوجود البحري الإثيوبي في الحفاظ على الاستقرار في أجزاء من جنوب البحر الأحمر، ويمكن لتجديد هذه المشاركة أن يعزز الأمن البحري الإقليمي.

ويعود هذا الاستقرار بالنفع على الشحن الدولي، وسلامة التجارة، والموثوقية الاقتصادية، وهي نتائج تتوافق تمامًا مع المصالح الاستراتيجية لتركيا كدولة تجارية رئيسية.

النفوذ الدبلوماسي والامتداد القاري

تتمتع إثيوبيا بأهمية سياسية فريدة بصفتها الدولة المضيفة للاتحاد الأفريقي، حيث تُصاغ السياسات القارية الرئيسية والمبادرات الدبلوماسية. وتُسهم الشراكات مع إثيوبيا بطبيعة الحال في تعزيز النفوذ في المشهد السياسي والاقتصادي الأفريقي، مما يفتح آفاقًا أوسع للتعاون أمام تركيا في جميع أنحاء القارة.

ويُعزز موقع تركيا في مجموعة العشرين الثقل الاستراتيجي لهذه العلاقة، رابطًا النمو الأفريقي بالريادة الاقتصادية العالمية.

زيارةٌ تُبشّر بمستقبلٍ استراتيجي

تأتي زيارة الرئيس أردوغان في وقتٍ يشهد فيه البلدان توسعاً في نفوذهما الإقليمي والعالمي. ومن المتوقع أن تُعمّق هذه الزيارة الشراكات الاقتصادية، وتُعزّز التنسيق الدبلوماسي، وتفتح آفاقاً جديدة للتعاون الصناعي والتكنولوجي.

والأهم من ذلك، أنها تُرسّخ فكرة أن العلاقات بين تركيا وإثيوبيا مبنية على الثقة التاريخية والموثوقية والطموح المشترك. فمع تسارع صعود إثيوبيا وتوسيع تركيا لحضورها الاقتصادي العالمي، يحمل التعاون بين البلدين وعداً بإعادة تشكيل التجارة والصناعة والاستقرار الإقليمي.

لا تبدو هذه الزيارة حدثًا عابرًا يُؤرّخ لبدايةٍ جديدة، بل حلقةً متصلة في مسارٍ ممتد من التقارب والثقة. إنها قصة بلدين تباعدت بينهما الجغرافيا، لكن تقاطعت مصالحهما وتلاقت رؤاهما، حتى غدا المستقبل مساحةً مشتركة تُكتب سطورها بإرادةٍ واحدة وطموحٍ متجدد.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023