الحضور الدبلوماسي، والردع الاستراتيجي، وسط تصاعد التنافس الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر - ENA عربي
الحضور الدبلوماسي، والردع الاستراتيجي، وسط تصاعد التنافس الجيوسياسي في منطقة البحر الأحمر
بقلم: هيئة التحرير
2 نوفمبر 2026 (إينا)
شهد الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر 2026 تسليط الضوء بشكل أكبر على إثيوبيا دولياً، في الوقت الذي مضت فيه البلاد قدماً في تحديث قدراتها الدفاعية، وتعزيز شراكاتها الاستراتيجية، وتجديد الاهتمام بمصالحها في حوض نهر "أباي" (النيل) ومنطقة البحر الأحمر.
فبدءاً من الإعلان عن تسلم طائرات مقاتلة متطورة وخطط الحصول على أنظمة دفاع جوي متقدمة، وصولاً إلى المشاركة في لقاءات دبلوماسية رفيعة المستوى خلال القمة الروسية-الأفريقية، عكست تحركات إثيوبيا تقاطعاً متزايداً بين الأمن القومي، والطموحات الاقتصادية، والجغرافيا السياسية الإقليمية.
وقد وفرت مشاركة رئيس الوزراء أبي أحمد في القمة الروسية-الأفريقية الثالثة في موسكو منصةً هامةً لتعزيز التعاون الثنائي والقاري. كما أن إعلانه عن تسلم إثيوبيا الدفعة الأولى المكونة من 12 طائرة مقاتلة من طراز "سو-35" (Su-35)، واستعدادها للحصول على أربع بطاريات من أنظمة الدفاع الجوي "إس-400" (S-400)، قد سلط الضوء دولياً على جهود التحديث العسكري التي تشهدها البلاد.
وفي الوقت ذاته، سلط "أسبوع المياه والطاقة الإثيوبي الثالث" الضوء على جهود البلاد الرامية إلى تعزيز إدارة الموارد المائية، في ظل تزايد الطلب عليها من قطاعات الزراعة والصناعة، وتنامي عدد السكان. وفي أديس أبابا، جاء إدخال أول 26 حافلة نقل عام تعمل بالغاز الطبيعي كخطوة إضافية نحو تقليل واردات الوقود، وخفض تكاليف النقل، وتوسيع نطاق استخدام الطاقة المنتجة محلياً.
وإلى جانب هذه التطورات، ظلت النقاشات حول مصالح إثيوبيا في نهر "أباي" وضمان الوصول المستدام إلى البحر الأحمر حاضرة بقوة في الخطابين الوطني والدولي.
وتؤكد هذه التطورات مجتمعةً سعي إثيوبيا لتعزيز قدراتها الوطنية، وتنويع شراكاتها الدولية، والدفع قدماً بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في بيئة إقليمية تزداد ترابطاً.
تحديث الدفاع: إثيوبيا تعزز قدراتها في الردع الاستراتيجي
جاء أحد أهم إعلانات الأسبوع على لسان رئيس الوزراء أبي أحمد، الذي كشف عن تسلم إثيوبيا الدفعة الأولى المكونة من 12 طائرة مقاتلة روسية الصنع من طراز "سو-35" (Su-35) -التي تنتمي للجيل 4++ - واستعدادها لاستلام أربع بطاريات من أنظمة الدفاع الجوي "إس-400" (S-400).
ووصف رئيس الوزراء هذا التطور بأنه علامة بارزة في جهود البلاد لتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية الوطنية، مشددًا على أهمية بناء الاستعداد العسكري خلال وقت السلم لردع التهديدات المحتملة.
وأعلن: "اليوم، وفقًا لاتفاقنا المسبق مع الحكومة الروسية، استلمنا أول اثني عشر طائرة مقاتلة من طراز Su-35 4++ Generation".
وكشف كذلك أن إثيوبيا ستحصل على أربع بطاريات من أنظمة الدفاع الجوي إس-400، مما يمثل عنصرًا رئيسيًا آخر في برنامج التحديث العسكري للبلاد. وأوضح رئيس الوزراء أنه تم تسريع عملية التسليم قبل الموعد المحدد بعد اتصالات رفيعة المستوى مع الحكومة الروسية، بما في ذلك المناقشات مع الرئيس فلاديمير بوتين.
وسلط أبي الضوء على قدرات الطائرة المكتسبة حديثًا، وقال إن الطائرة Su-35 تجمع بين تكنولوجيا الرادار المتقدمة والقدرة العالية على المناورة والقدرات القتالية جو-جو وجو-أرض. وأشار أيضًا إلى قدرتها على اكتشاف التهديدات الجوية والتعامل معها، بما في ذلك صواريخ كروز وأهداف باليستية معينة.
ويشير الاستحواذ إلى نية إثيوبيا تعزيز قدراتها الجوية كجزء من جهد أوسع لتحديث قوات الدفاع الوطني الإثيوبية .
فإلى جانب الحصول على منصات عسكرية متطورة، تركز الأولويات الدفاعية المتطورة للبلاد أيضًا على الاستعداد العملياتي، والقدرات التكنولوجية، والقدرة المؤسسية اللازمة لصيانة الأنظمة العسكرية الحديثة واستدامتها.
وبالتالي، لفت هذا الإعلان الانتباه الدولي إلى الوضع الدفاعي المتغير لإثيوبيا وتأثيراته على البيئة الأمنية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر.
القمة الروسية الإفريقية: تعزيز شراكات إثيوبيا الإستراتيجية
وتزامن إعلان إثيوبيا الدفاعي مع مشاركة رئيس الوزراء أبي أحمد في القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو، حيث شارك في مناقشات ثنائية ومتعددة الأطراف تهدف إلى توسيع التعاون عبر القطاعات الاستراتيجية.
ومن بين اللقاءات الرئيسية كان اجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث ناقش الزعيمان سبل تعميق العلاقة الطويلة الأمد بين بلديهما.
أشار رئيس الوزراء أبي أحمد إلى أن المناقشات بحثت فرص توسيع التعاون في مجالات الطاقة النووية، والرعاية الصحية، والتجارة، وغيرها من المجالات ذات الاهتمام المشترك.
وقد عكس اللقاء حرص البلدين المستمر على توسيع نطاق شراكتهما، لتتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية وتصل إلى قطاعات جوهرية تخدم طموحات إثيوبيا الاقتصادية والتكنولوجية طويلة المدى.
وفي لفتة تؤكد أهمية التبادل الفكري والتفاهم المتبادل، أهدى رئيس الوزراء الإثيوبي الرئيس بوتين النسخة الروسية من كتابه "ميديمير". وأوضح أبي أحمد أن هذا الإهداء يعكس التزام البلدين المشترك بالحوار والتفاهم المتبادل، والسعي المستمر نحو تعزيز العلاقات الثنائية.
وفي كلمته أمام القمة، شدد رئيس الوزراء على أهمية تحويل العلاقات الدبلوماسية الراسخة والالتزامات الاستراتيجية إلى نتائج تنموية ملموسة.
وحدد ثلاثة ركائز أساسية تدعم طموحات إثيوبيا التنموية، وهي: الأمن الغذائي والإنتاجية الزراعية، وتوفير إمدادات طاقة موثوقة، ونقل المهارات والمعرفة. كما أشار إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وروسيا تمتد لأكثر من قرن، وتقوم على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
وفي إطار الجهود الرامية لتوسيع هذه الشراكة التاريخية، يعمل البلدان على التعاون في إنشاء محطة للطاقة النووية في إثيوبيا؛ وهي مبادرة يُتوقع أن تسهم في تحقيق طموحات البلاد المتعلقة بالطاقة على المدى الطويل.
وأكد رئيس الوزراء أبي أحمد أن الشراكة الاستراتيجية مع روسيا من شأنها المساعدة في تنويع خيارات الطاقة في إثيوبيا، وتسريع وتيرة تطلعاتها التنموية، وتعزيز التعاون في مجالات حيوية لتحقيق الازدهار الوطني.
المياه والطاقة: تعزيز ركائز التنمية المستدامة
في حين حظيت قضايا الدفاع والدبلوماسية باهتمام دولي واسع، ظل ملف المياه والطاقة في إثيوبيا محوراً مهماً آخر خلال الأسبوع.
وقد جمع "أسبوع المياه والطاقة الإثيوبي" في نسخته الثالثة صُنّاع السياسات، والخبراء الفنيين، وغيرهم من الأطراف المعنية؛ لاستعراض ما حققته البلاد من تقدم، ومناقشة التحديات التي تواجهها في إدارة مواردها المائية وتوسيع نطاق الوصول إلى الخدمات الأساسية.
وخُصص اليوم الثالث من الفعالية لـ "يوم المياه" تحت شعار: "من الأدلة إلى العمل: حلول قائمة على العلم للإدارة المتكاملة للمياه والصرف الصحي والنظافة العامة وموارد المياه". وركزت النقاشات على تعزيز عمليات رصد وتوثيق وإدارة موارد المياه السطحية والجوفية في إثيوبيا بشكل مستدام، في ظل تزايد الطلب الوطني الناجم عن النمو السكاني، والتوسع الصناعي، والتوسع في القطاع الزراعي.
كما أتاح هذا اللقاء فرصة لتقييم التقدم المُحرز على مدى العقد الماضي في مجالي توفير مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي، مع تسليط الضوء على الإنجازات وتحديد الفجوات التي لا تزال قائمة.
وبالنسبة لإثيوبيا، ترتبط الإدارة الفعالة للموارد المائية ارتباطاً وثيقاً بالأمن الغذائي، وتوليد الطاقة، والتنمية الصناعية، والصحة العامة.
ونظراً لأن الزراعة لا تزال تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، فإن تحسين إدارة المياه وتوسيع البنية التحتية للري يكتسبان أهمية متزايدة لتعزيز الإنتاجية الزراعية، والحد من التعرض للصدمات المرتبطة بالمناخ.
ومن ثم، شددت النقاشات على ضرورة تحويل الأدلة العلمية، والأبحاث، والالتزامات السياساتية إلى حلول عملية تدعم مسيرة التنمية طويلة الأمد في البلاد.
أديس أبابا تطلق أولى حافلات النقل العام التي تعمل بالغاز الطبيعي
ومن التطورات البارزة الأخرى خلال الأسبوع، إدخال أول 26 حافلة نقل عام تعمل بالغاز الطبيعي إلى منظومة النقل في أديس أبابا.
وأعلن رئيس الوزراء أبي أحمد أن هذه الحافلات -التي حُوِّلت من العمل بالوقود التقليدي إلى الغاز الطبيعي- قد دخلت الخدمة رسميًا، مما يمثل مرحلة جديدة في جهود العاصمة لتحديث قطاع النقل العام وتنويع مصادر الطاقة.
ومن المتوقع أن تسهم هذه المبادرة في خفض فاتورة استيراد الوقود، وتقليل نفقات تشغيل وسائل النقل العام، وجعل تكلفة التنقل في متناول الركاب بشكل أكبر؛ حيث كشف رئيس الوزراء أن هذا التحول سيؤدي -وفقًا للتقديرات- إلى خفض تعرفة الركوب إلى النصف، إلى جانب تقليل الإنفاق بالعملة الصعبة على الوقود التقليدي.
وأوضح أن هذه المبادرة جاءت ثمرةً لأشهر من العمل، شملت نقل الغاز الطبيعي المُنتج محليًا إلى أديس أبابا، وإنشاء مرافق للتزود بالوقود، وتعديل الحافلات القائمة لتلائم هذا النوع من الوقود.
وإلى جانب فوائدها المباشرة في قطاع النقل، تعكس هذه الخطوة جهودًا أوسع لتوسيع نطاق استخدام موارد الطاقة المحلية، وتعزيز القدرات التكنولوجية والصناعية. كما كشف رئيس الوزراء عن قرب وصول 400 حافلة إضافية تعمل بالغاز الطبيعي، في إطار سعي الحكومة لتسريع التحول نحو نظام نقل عام أكثر تنوعًا وأقل تكلفة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن مساعٍ أشمل لتحسين التنقل الحضري، وتقليل الاعتماد على المنتجات النفطية المستوردة، وتحقيق منافع اقتصادية ملموسة للمواطنين.
وفي سياق آخر، حظيت مصالح إثيوبيا الاستراتيجية -المتعلقة بنهر "أباي" (النيل الأزرق) وتأمين وصول مستدام إلى البحر الأحمر- باهتمام متزايد من القادة السياسيين والمحللين والمراقبين الدوليين، وذلك بالتوازي مع تطورات أخرى في مجالات الدفاع والدبلوماسية والتحول الاقتصادي. فقد أدى الموقع الجغرافي لإثيوبيا، وحجم سكانها، وطموحاتها الاقتصادية، ومسؤولياتها الإقليمية المتنامية، إلى حضور هذه القضايا بشكل متزايد في النقاشات حول مستقبل منطقة القرن الأفريقي.
وقد وصف رئيس الوزراء السابق، هيلي ماريام ديسالين، سعي إثيوبيا للحصول على منفذ مستدام إلى البحر بأنه تطلُّع وطني مشروع، ينبغي معالجته من خلال الحوار والمفاوضات والتوصل إلى ترتيبات تحقق المنفعة المتبادلة لجميع الأطراف.
وأكد ديسالين أن السؤال الجوهري لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كانت إثيوبيا بحاجة إلى منفذ بحري، بل حول كيفية تأمين هذا الوصول بطرق سلمية، مع مراعاة مصالح كافة الأطراف المعنية. بفضل تعداد سكاني يبلغ نحو 130 مليون نسمة، واقتصادٍ نامٍ، ومساحة جغرافية شاسعة، تُعد إثيوبيا أكثر الدول الحبيسة (غير المطلة على بحار أو محيطات) اكتظاظاً بالسكان في العالم.
وقد وصف هيلي ماريام فقدان الوصول المباشر إلى البحر بأنه تطور تاريخي لا يزال يؤثر على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبلاد.
كما أرجع الترتيبات الجغرافية الحالية في المنطقة إلى حقبة "التدافع الأوروبي" نحو أفريقيا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، مؤكداً أن هذه القضية تستحق اهتماماً جاداً بدلاً من ترحيلها إلى الأجيال القادمة.
وقد جاءت تصريحاته لتثري النقاش المتنامي حول المصالح البحرية لإثيوبيا، وأهمية السعي نحو إيجاد حلول إقليمية من خلال الانخراط البنّاء.
وفي سياق متصل، سلطت نكوسازانا دلاميني زوما، الرئيسة السابقة لمفوضية الاتحاد الأفريقي، الضوء على الأهمية القارية الأوسع لإثيوبيا، لا سيما فيما يتعلق بنهجها التنموي النابع من الداخل واستثماراتها في قطاع الطاقة.
وفي حديثها لوكالة الأنباء الإثيوبية في موسكو قبيل انعقاد القمة الروسية-الأفريقية، وصفت دلاميني زوما إثيوبيا بأنها نموذج مهم للتنمية الأفريقية وتقرير المصير.
وبحكم توليها رئاسة مفوضية الاتحاد الأفريقي -التي تتخذ من أديس أبابا مقراً لها- خلال الفترة ما بين 2012 و2017، أكدت دلاميني زوما على المسؤولية الفريدة التي تضطلع بها إثيوبيا باعتبارها العاصمة الدبلوماسية لأفريقيا.
وأشارت إلى ضرورة أن تواصل إثيوبيا الإسهام في تحقيق رؤية قارة متكاملة ومسالمة ومزدهرة، تقودها كفاءات أفريقية وتدفعها تطلعات شعوبها. كما أبرزت تصريحاتها أهمية التجربة التنموية الإثيوبية ودورها في تعزيز التعاون على مستوى القارة.
أسبوع يعكس توسع الأولويات الاستراتيجية لإثيوبيا
تعكس التطورات التي شهدها الأسبوع الأخير من شهر أكتوبر أبعاداً مترابطة للأولويات الوطنية الإثيوبية.
فقد سلطت صفقات الدفاع الضوء على الجهود الرامية لتعزيز الجاهزية العسكرية والردع الاستراتيجي، بينما أتاحت القمة الروسية-الأفريقية فرصة لتوسيع الشراكات الدولية في مجالات الطاقة والتجارة والرعاية الصحية والتكنولوجيا.
كما أكد "أسبوع المياه والطاقة" على أهمية الإدارة المستدامة للموارد، في حين جاء إدخال حافلات تعمل بالغاز الطبيعي ليقدم نموذجاً عملياً لاستغلال موارد الطاقة المحلية.
وفي الوقت ذاته، أكدت النقاشات الدائرة حول نهر "أباي" (النيل) والوصول إلى البحر الأحمر على الأهمية المستمرة للجغرافيا والمصالح الاقتصادية والتعاون الإقليمي في تشكيل الرؤية الاستراتيجية لإثيوبيا.
وتشير هذه التطورات إلى أجندة وطنية شاملة تتداخل فيها قضايا الأمن، والتحول الاقتصادي، والتقدم التكنولوجي، والعمل الدبلوماسي بشكل متزايد. ومع استمرار إثيوبيا في السعي نحو تحقيق طموحاتها التنموية والتعامل مع بيئة إقليمية ودولية متغيرة، يكمن التحدي في تحويل هذه الأولويات الاستراتيجية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، وبناء مؤسسات وطنية قوية، وإرساء شراكات إقليمية سلمية تعود بالنفع المتبادل على جميع الأطراف.