إثيوبيا تعزز الريادة الأفريقية والتنمية الوطنية والمصالح الاستراتيجية - ENA عربي
إثيوبيا تعزز الريادة الأفريقية والتنمية الوطنية والمصالح الاستراتيجية
بقلم: هيئة التحرير
26 أكتوبر 2026 (إينا)
سلطت التطورات الرئيسية في إثيوبيا هذا الأسبوع الضوء على أجندة وطنية مترابطة، تشمل تعزيز الريادة الأفريقية، وتسريع التحول الاقتصادي، وبناء القدرات المؤسسية، وحماية المصالح الاستراتيجية في ظل نظام إقليمي وعالمي يشهد تغيرات متسارعة.
فمن "منتدى تانا" رفيع المستوى الثاني عشر حول الأمن في أفريقيا، وصولاً إلى تدشين سد "ميجيش"، عكست تحركات البلاد جهداً أوسع لربط التعاون القاري بنتائج تنموية ملموسة على الصعيد المحلي. كما أكدت الإصلاحات الاقتصادية، وتحديث القطاع الزراعي، وبناء القدرات التكنولوجية، والحوار الوطني، على أهمية بناء دولة مرنة قادرة على تحويل الطموحات الوطنية إلى نتائج مستدامة.
وفي الوقت ذاته، سلطت النقاشات حول الوصول إلى البحر الأحمر، وقضية نهر "أباي" (النيل) -بما في ذلك سد النهضة الإثيوبي الكبير- والأمن الإقليمي، الضوء على البيئة الجيوسياسية المعقدة التي تسعى إثيوبيا من خلالها إلى تحقيق أولوياتها التنموية.
منتدى "تانا" يضع الريادة الأفريقية والسيادة الاقتصادية في صدارة الاهتمام
جمع "منتدى تانا" رفيع المستوى الثاني عشر حول الأمن في أفريقيا قادةً أفارقة وصنّاع سياسات وخبراء في مدينة "بحر دار"؛ لبحث مسارات السلام في ظل حالة من عدم اليقين الاقتصادي، والمنافسة الجيوسياسية، وتغير موازين القوى العالمية.
وفي كلمته أمام المنتدى، شدد رئيس الوزراء أبي أحمد على ضرورة إيجاد حلول بقيادة أفريقية، وتعزيز العمل الجماعي، وترسيخ السيادة الاقتصادية، مؤكداً أهمية تمكين القارة من صياغة مستقبلها بنفسها، بدلاً من البقاء على هامش عملية صنع القرار العالمي.
من جانبه، أكد الاتحاد الأفريقي على الدعوة ذاتها نحو تعزيز التعاون والاستقلال الاستراتيجي، مشدداً على أهمية القدرات الجماعية في التعامل مع بيئة دولية تزداد تعقيداً.
ووصف الرئيس الغاني السابق، جون دراماني ماهاما، منتدى "تانا" بأنه منصة أفريقية أصيلة تتيح التفكير الصريح والرؤية الاستراتيجية المستقبلية. وقد أتاح هذا التجمع فرصة لتقييم التحديات الأمنية التي تواجه القارة، واستكشاف حلول تستند إلى الواقع والأولويات والتجارب الأفريقية.
كما عززت اللقاءات التي أجراها رئيس الوزراء أبي أحمد مع نائب الرئيس الكيني، كيثوري كينديكي، ورئيس موزمبيق، دانييل تشابو، البعد الدبلوماسي لهذا الحدث. كما أتاحت الزيارة التي أجراها -بالاشتراك مع الرئيس ماهاما- إلى قلعة فاسيليدس في غوندار، إدراج التراث التاريخي لإثيوبيا ضمن نطاق أوسع من اللقاءات رفيعة المستوى.
وبعيداً عن المناقشات ذاتها، طرح المنتدى تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لأفريقيا تحويل مواردها الوفيرة، وإمكاناتها الديموغرافية، وتأثيرها الجماعي إلى استقلال اقتصادي أكبر ودور جيوسياسي أكثر فاعلية؟
وبالنسبة لإثيوبيا، مثّل هذا اللقاء فرصة للمساهمة في النقاش القاري، مع تعزيز التعاون في الوقت ذاته مع الشركاء الأفارقة.
سد "ميجيش": ربط البنية التحتية بالأمن الغذائي والمائي
في الوقت الذي ركز فيه "منتدى تانا" على المستقبل الاستراتيجي لأفريقيا، جاء افتتاح سد "ميجيش" في مدينة غوندار ليُبرهن على نهج إثيوبيا في تحقيق التنمية من خلال الاستثمار في البنية التحتية الحيوية.
وقد افتتح رئيس الوزراء أبي أحمد المشروع رسميًا؛ وهو سد تبلغ سعته التخزينية 185 مليون متر مكعب، ومن المتوقع أن يدعم عمليات الري لأكثر من 17 ألف هكتار من الأراضي الزراعية، فضلاً عن توفير مياه الشرب لمدينة غوندار والبلدات المحيطة بها.
ولا تقتصر فوائد السد على تخزين المياه فحسب؛ فمن خلال دعم الري، سيُسهم المشروع في تعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين الأمن الغذائي، وتقليل اعتماد المزارعين على الأمطار الموسمية. كما يفتح المشروع آفاقًا جديدة في مجالات التوظيف، وصيد الأسماك، والسياحة، والزراعة الحضرية.
ويُجسد هذا المشروع العلاقة الوثيقة بين الاستثمار في البنية التحتية والتحول الاقتصادي الشامل؛ إذ يمكن لإمدادات المياه الموثوقة أن تدعم الإنتاج الزراعي، وتوسع نطاق النشاط الاقتصادي، وتحسّن سبل العيش، لا سيما إذا اقترنت بإدارة فعالة وتسهيل الوصول إلى الأسواق.
وقد أشار رئيس الوزراء أبي أحمد إلى تجاوز التحديات التي أعاقت تنفيذ المشروع لفترة طويلة، وذلك بفضل فلسفة "ميديمير" ، مؤكدًا في الوقت ذاته على أهمية مواصلة التنمية في منطقة غوندار.
من جانبه، صرّح الرئيس الغاني السابق جون ماهاما -الذي حضر مراسم الافتتاح- بأن هذا المشروع قد ألهم جهودًا جديدة لدفع عجلة مشروع "بوالوغو" للري في غانا، والذي طال تأجيله. وتعكس تصريحاته الإمكانات المتاحة للدول الأفريقية للاستفادة من تجارب بعضها البعض في مسارات التنمية، وتكييف النماذج الناجحة بما يتناسب مع ظروفها الخاصة.
وبذلك، لا يمثل سد "ميجيش" مجرد إنجاز هندسي، بل يعكس تحديًا أوسع يتمثل في تحويل الموارد الطبيعية إلى أصول إنتاجية تدعم الأمن الغذائي، وتوفر فرص العمل، وتدفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام.
القدرات الوطنية: ركيزة التحول الاقتصادي
تولي أجندة التنمية في إثيوبيا اهتمامًا متزايدًا بـ "القدرات الوطنية"؛ أي امتلاك الكفاءة اللازمة لتصميم المشاريع وتنفيذها وتشغيلها والحفاظ على استدامتها، وذلك بالاعتماد على الخبرات والمؤسسات المحلية.
إن البنية التحتية وحدها لا تكفي لضمان تحول اقتصادي دائم؛ إذ تعتمد قيمتها على المدى الطويل على توفر كوادر مهنية مؤهلة، ومؤسسات فعالة، وتقنيات ملائمة، وقطاعات إنتاجية قادرة على دعم الاستثمارات القائمة وتوسيع نطاقها.
وقد عكست التطورات الاقتصادية التي شهدها ذلك الأسبوع هذا الطموح الأوسع. أكدت إثيوبيا ووزارة الخزانة الأمريكية مجدداً على شراكتهما في دفع عجلة الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز التعاون الثنائي، في حين سلطت جهود جذب الاستثمارات من دولة الإمارات العربية المتحدة الضوء على فرص إقامة شراكات تجارية طويلة الأمد.
وفي سياق متصل، توقعت شركة "إيرباص" أن تشهد حركة المسافرين في إثيوبيا نمواً قد يصل إلى ستة أضعاف خلال العشرين عاماً القادمة، مما يشير إلى إمكانات هائلة في قطاع الطيران والخدمات المرتبطة به. ولتحقيق هذا النمو، ستكون هناك حاجة إلى استثمارات مستمرة في البنية التحتية، وتطوير القوى العاملة، والقدرات التشغيلية.
كما ظل قطاع الزراعة ركيزة أساسية ضمن أولويات التنمية في البلاد، مع استمرار الجهود الرامية إلى تعزيز الإنتاجية وبناء قطاع زراعي أكثر استدامة.
وتعد هذه الأولويات مترابطة وتعزز بعضها البعض؛ فالإصلاحات الاقتصادية تساهم في تهيئة المناخ الملائم للاستثمار، وتعمل البنية التحتية على توسيع القدرة الإنتاجية، بينما تساهم التكنولوجيا والمهارات في رفع الكفاءة والقدرة التنافسية. وفي نهاية المطاف، سيُقاس أثر هذه المبادرات بمدى مساهمتها في توفير فرص العمل، وتنمية الصناعات المحلية، وزيادة دخل الأسر، وتحسين مستويات المعيشة.
ومن ثم، فإن تعزيز القدرات الذاتية يُعد أمراً جوهرياً لضمان تحقيق طموحات إثيوبيا التنموية والحفاظ عليها على المدى الطويل.
الوصول إلى البحر الأحمر والجغرافيا السياسية الإقليمية تظل أولويات استراتيجية
ترتبط طموحات إثيوبيا التنموية ارتباطاً وثيقاً ببيئتها الجيوسياسية، لا سيما منطقة القرن الأفريقي وممر البحر الأحمر.
وقد سلطت المناقشات التي جرت خلال الأسبوع الضوء على الأهمية الاستراتيجية للوصول إلى الممرات البحرية، والحفاظ على الاستقرار الإقليمي، في ظل التنافس بين القوى الخارجية حول أحد أهم الممرات التجارية والأمنية في العالم.
وأكد السفير زيريهون أبيبي على الموقع الجغرافي لإثيوبيا وعلاقاتها التاريخية بالبحر الأحمر، مشيراً إلى أن الوصول إلى البحر الأحمر يمثل قضية بالغة الأهمية للمصالح الاستراتيجية والاقتصادية طويلة الأمد للبلاد.
وباعتبارها دولة حبيسة تعتمد على المسارات البحرية في تجارتها الدولية، فإن إثيوبيا لديها مصلحة مباشرة في تأمين وصول آمن وموثوق ومجدٍ اقتصادياً إلى الأسواق العالمية. لذا، فإن التطورات في منطقة البحر الأحمر لا تؤثر على الأمن القومي فحسب، بل تمتد آثارها أيضاً إلى التجارة والخدمات اللوجستية والقدرة التنافسية الاقتصادية.
كما أكد غيتاشيو ردا، مستشار رئيس الوزراء لشؤون شرق أفريقيا، على الموقع الجيوسياسي المحوري لإثيوبيا. ومن جانب آخر، أعرب البروفيسور "أل ماريام" عن قلقه إزاء سياسات إريتريا وتداعياتها على المنطقة.
كما ظل سد النهضة الإثيوبي وعلاقات إثيوبيا بمصر جزءاً من نقاش أوسع؛ إذ رأى المحلل المصري مجدي خليل أن محاولات عرقلة بناء السد كانت خطأً، داعياً في المقابل إلى إقامة علاقات استراتيجية بين البلدين.
ويُبرز موقفه هذا الفوائد المحتملة للانتقال من نهج المواجهة إلى الانخراط البنّاء؛ فبينما يُعد سد النهضة ركيزة أساسية لطموحات إثيوبيا في توليد الكهرباء، تظل قضية الأمن المائي لنهر النيل مصدر قلق رئيسي لمصر. لذا، فإن الحوار المستمر والتعاون والتوصل إلى ترتيبات تحقق المنفعة المتبادلة تُعد أموراً بالغة الأهمية لمعالجة هذه المخاوف وتخفيف حدة التوترات.
وتتمثل التحدي الأوسع الذي يواجه المنطقة في الموازنة بين المصالح الوطنية المشروعة والحاجة الجماعية إلى السلام، وتأمين طرق التجارة، وتعزيز التعاون الاقتصادي. إن السعي لتحقيق الأولويات الاستراتيجية عبر الدبلوماسية والعمل الميداني الملموس يوفر أساساً أكثر استدامة للاستقرار الإقليمي مقارنةً بحالة المواجهة الممتدة.
الحوار الوطني يسعى لإرساء أساس لتوافق دائم
إلى جانب جهود التنمية والدبلوماسية، واصل الحوار الوطني في إثيوبيا التركيز على معالجة قضايا سياسية واجتماعية ومؤسسية طال أمدها، وذلك من خلال عملية شاملة.
تتمحور هذه المبادرة حول ثماني ركائز، وتهدف إلى توفير مساحة للحوار حول القضايا التي تؤثر على الترتيبات السياسية في البلاد، ومؤسساتها، وعلاقاتها الاجتماعية، ومسارها المستقبلي.
وتكمن أهمية هذا الحوار في إمكانية بناء قاعدة أوسع للتوافق في بلد يعتمد استقراره وتنميته، جزئياً، على القدرة على إدارة الخلافات بشكل بناء.
إن الانتقال من مرحلة المداولات إلى تحقيق التوافق يمثل خطوة مهمة، لكن القيمة طويلة الأمد لهذه العملية ستعتمد على مدى شمولية المشاركة، ومصداقية النتائج، وقدرة الأطراف على تحويل نقاط الاتفاق إلى إجراءات ملموسة وفعالة.
كما سلطت المناقشات التي جرت هذا الأسبوع بين الأجهزة العليا للرقابة المالية والمحاسبة في أفريقيا الضوء على أهمية المساءلة المؤسسية والتعاون؛ إذ تُعد الرقابة الفعالة على الموارد العامة أمراً بالغ الأهمية لضمان تحقيق التزامات التنمية لفوائد ملموسة، وللحفاظ على ثقة الجمهور في المؤسسات العامة.
وتشير هذه الجهود مجتمعة إلى متطلب جوهري لتحقيق تقدم وطني مستدام؛ وهو ألا تكتفي المؤسسات بتقديم الخدمات وتحقيق التنمية فحسب، بل يجب عليها أيضاً تعزيز المساءلة والثقة والمشاركة البناءة.
رأس المال البشري والتكنولوجيا يحددان القدرة التنافسية المستقبلية
تعتمد طموحات إثيوبيا التنموية طويلة الأمد بشكل متزايد على قدرتها على تأهيل سكانها للمشاركة في اقتصاد عالمي تقوده التكنولوجيا.
وقد ركزت مناقشات هذا الأسبوع على الذكاء الاصطناعي، والمهارات الرقمية، واستثمارات القطاع الخاص في تطوير رأس المال البشري، مما يعكس الأهمية المتزايدة للكفاءة التكنولوجية في مختلف القطاعات.
وفي ظل إعادة تشكيل التقنيات الرقمية لعمليات الإنتاج والخدمات والتوظيف، أصبح الاستثمار في المهارات ركيزة أساسية للقدرة التنافسية الوطنية. ومع ذلك، فإن جني ثمار التقدم التكنولوجي لا يتوقف فقط على توفر الأدوات الرقمية؛ بل يتطلب أيضاً جودة التعليم، والتدريب العملي، والبحث العلمي، ووجود مؤسسات فعالة، ومشاركة فاعلة من القطاع الخاص.
وتأتي هذه الأولويات لتكمل أجندة إثيوبيا في مجالي البنية التحتية والإصلاح الاقتصادي. فبينما تساهم الطرق والسدود وشبكات النقل والأنظمة الرقمية في خلق الفرص، تظل هناك حاجة ماسة إلى كوادر بشرية مؤهلة ومؤسسات قادرة على إدارة هذه الموارد بكفاءة وتحويل الاستثمارات إلى إنتاجية فعلية.
وبناءً عليه، لا يُعد بناء رأس المال البشري هدفاً تنموياً منفصلاً؛ تُعد هذه ركيزةً لدعم النمو الاقتصادي، وتوسيع نطاق التوظيف، وتعزيز قدرة إثيوبيا على المنافسة في عالم يزداد اعتماداً على التكنولوجيا.
ربط التحول الوطني بالطموحات الأفريقية
تكشف التطورات التي شهدناها هذا الأسبوع عن خيطٍ ناظمٍ يربط بين أولويات إثيوبيا الداخلية وانخراطها على المستويين الإقليمي والقاري.
فقد وضع "منتدى تانا" الحلول التي تقودها أفريقيا والسيادة الاقتصادية في صميم النقاشات حول السلم والأمن. كما أظهر سد "ميجيش" كيف يمكن للاستثمار في البنية التحتية للمياه أن يدفع عجلة الزراعة ويعزز الأمن الغذائي. وسلطت الإصلاحات الاقتصادية، ونمو قطاع الطيران، وتطوير المهارات التكنولوجية الضوء على أهمية توسيع القدرة الإنتاجية؛ في حين أكدت مبادرات الحوار الوطني والمساءلة على دور المؤسسات في ترسيخ استقرارٍ دائم.
وفي الوقت ذاته، أوضحت النقاشات المتعلقة بالوصول إلى البحر الأحمر، وسد النهضة الإثيوبي الكبير، والأمن الإقليمي، أن مسار التنمية في إثيوبيا لا ينفصل عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بها.
وتكمن التحدي الرئيسي في تحويل الطموحات إلى نتائج ملموسة، تتمثل في: مؤسسات أقوى، واستثمارات منتجة، ورأس مال بشري مؤهل، وتحسّن في سبل العيش، وشراكات إقليمية بنّاءة.
وستعتمد قدرة إثيوبيا على المضي قدماً في تحقيق هذه الأولويات على مدى فاعليتها في حشد القدرات المحلية، وجذب استثمارات مستدامة، وإدارة التباينات الوطنية، والتفاعل مع دول الجوار.
وفي نهاية المطاف، يمثل التنمية الوطنية والريادة الأفريقية مسعيين مترابطين؛ فإثيوبيا الأكثر إنتاجية والأكثر مرونة من حيث مؤسساتها يمكنها الإسهام بفعالية أكبر في التعاون القاري، بينما يمكن لأفريقيا -التي تنعم بمزيد من السلام والتكامل والثقة الاقتصادية- أن تخلق فرصاً أوسع للتحول الذي تشهده إثيوبيا ذاتها.