هل تريد مصر سوداناً مستقراً أم جاراً أضعفه الصراع ؟ - ENA عربي
هل تريد مصر سوداناً مستقراً أم جاراً أضعفه الصراع ؟
بقلم: تيسون تيسفاي
22 أكتوبر 2026 (إينا)
لا يعني بالضرورة أن كل حرب تدمر بلداً ما تتعارض مع مصالح جيرانه؛ فبالنسبة لبعض القوى الإقليمية، يمثل عدم الاستقرار طويل الأمد فرصة مثالية لتوسيع النفوذ، وإعادة صياغة الحسابات السياسية، وتأجيل مواجهة حاسمة مع جارٍ ينبغي التعامل معه كطرفٍ ندٍّ ومساوٍ.
وفيما يتعلق بالعلاقات بين مصر والسودان، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت مصر متورطة في الحرب السودانية، بل أصبح يتمحور حول مدى هذا التورط، والأهداف الاستراتيجية الأعمق التي تسعى القاهرة لتحقيقها من خلال تأجيج الصراع عبر دعم فصيل عسكري بعينه.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي محمد العروسي أن التدخل المصري المستمر في السودان يهدد سيادة البلاد، ويقوض الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
وتشير قراءة متأنية للتطورات على الأرض وفي المشهد السياسي إلى أن نهج مصر في السودان لا يهدف إلى إنهاء الحرب بقدر ما يهدف إلى ضمان استمرارها، والعمل على تنصيب نظامٍ موالٍ لها وخاضع لتوجهاتها؛ حتى وإن كان ذلك على حساب إطالة معاناة الشعب السوداني واستنزاف مقدرات الدولة الوطنية.
استراتيجية المياه، ونهب الموارد، والمخاوف بشأن سد النهضة
تكشف الأرقام عن حجم الدمار الممنهج الذي لحق بالبنية التحتية الاقتصادية في السودان منذ اندلاع الصراع في 15 أبريل 2023.
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن إنتاج الحبوب في عام 2025 انخفض بنسبة 22% مقارنة بالعام السابق، وبنحو 19% عن متوسط السنوات الخمس التي سبقت ذلك. كما أفاد البنك الدولي بأن الناتج المحلي الإجمالي للسودان قد انكمش بنسبة 29.4% في عام 2023، تلاه انكماش إضافي بنسبة 14% في عام 2024.
إن حالة الشلل الاقتصادي والسياسي هذه تخدم مصالح استراتيجية مصرية حيوية ومباشرة. إذا ما حقق السودان الاستقرار وتعافى، فسيصبح قادراً على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن إدارة مشاريع نهر النيل، وعلى رأسها "سد النهضة الإثيوبي الكبير"؛ وهو مشروع يكتسب أهمية بالغة للسودان، إذ يساعد في الحد من الفيضانات المدمرة، ويوفر إمدادات حيوية من الكهرباء يمكن الاستفادة منها في تنمية شرق السودان.
علاوة على ذلك، فإن السودان المستقر -الذي يملك زمام أموره- سيعمل على تنظيم حصصه المائية؛ مما يعني وقف هدر كميات ضخمة من المياه التي كانت تتدفق سابقاً من السودان نحو مصر. وهذا الاحتمال يثير مخاوف الحسابات الاستراتيجية المصرية، التي تعتبره تهديداً لما تراه "أمناً مائياً" تقليدياً خاصاً بها.
ولهذا السبب تحديداً، يعمل السياسيون المصريون ليل نهار على إبقاء السودان غارقاً في حالة من عدم الاستقرار، سعياً منهم للحفاظ على نظام إقليمي يظل فيه السودان تابعاً، وعاجزاً عن بسط سيطرته الكاملة على موارده الخاصة.
ولا تقتصر مكاسب مصر من ضعف السودان على قضية مياه النيل فحسب؛ فعدم الاستقرار في السودان يثير أيضاً مخاوف بشأن الاستخراج غير المشروع لثرواته وتهريبها؛ حيث تشير تقارير إلى عمليات تهريب عابرة للحدود تشمل الموارد الطبيعية، والثروة الحيوانية، والمواد الخام، مما يهدد السيادة الاقتصادية للسودان.
ويستغل السياسيون في القاهرة حالة الفوضى وغياب الرقابة على الحدود لدعم اقتصادهم وتلبية احتياجاتهم، على حساب موارد الشعب السوداني المنهك.
وكما يؤكد الباحث البارز عبد الشكور عبد الصمد، فإن النهج المصري ينظر إلى استنزاف السودان باعتباره ضمانة تمنعه من المطالبة بحصته العادلة من المياه، أو استغلال أراضيه وموارده الشاسعة. وهذا يضمن استمرار تدفق المياه والثروات نحو الشمال دون انقطاع، مع إبقاء السودان مكبلاً بقيود التبعية والخضوع.
النزاع الحدودي وفرض الأمر الواقع في حلايب
يتجلى استغلال مصر لضعف السودان بشكل أوضح في قضية منطقة "حلايب وشلاتين وأبو رماد" المحتلة. فبينما تمسك السودان تاريخياً بسيادته على هذه المنطقة الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية، استغلت مصر الأزمات السياسية والعسكرية المتلاحقة في الخرطوم لترسيخ سيطرتها العسكرية والإدارية، وفرض أمر واقع على الأرض.
إن استمرار الحرب وتفكك المؤسسات السودانية يوفران لمصر غطاءً مثالياً لحسم هذه القضية سياسياً ودبلوماسياً. فقد أصبحت القيادة السودانية عاجزة تماماً عن طرح مسألة السيادة على حلايب، أو حتى مجرد المطالبة بها لفظياً. ويعكس هذا معادلةً واضحةً من التبعية السياسية: قبولٌ ضمني بالسيطرة على الأراضي مقابل الحصول على الأسلحة والدعم الدبلوماسي.
الدعم العسكري والانحياز المباشر لطرف دون الآخر
على الرغم من التصريحات الرسمية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن "حماية مؤسسات الدولة السودانية" - والتي كان آخرها خلال لقائه مع عبد الفتاح البرهان في 4 أكتوبر 2026 - إلا أن الممارسات الفعلية للجيش المصري تتجاوز دعم مفهوم "الدولة" لتصل إلى الانخراط المباشر في مساندة طرف عسكري واحد على حساب الشعب السوداني.
لم يعد التدخل المصري مقتصرًا على الدعم الدبلوماسي؛ فقد كشف تقرير موثق لوكالة "رويترز" بتاريخ 2 فبراير 2026، استنادًا إلى صور أقمار صناعية وتقييمات استخباراتية، عن نشر طائرات مسيّرة قتالية في قواعد مصرية بالقرب من الحدود السودانية، لاستخدامها في دعم عمليات الجيش السوداني.
إن هذا التدخل التقني والعسكري المباشر يحوّل مصر -التي يُفترض بها أن تكون طرفًا راعيًا للسلام- إلى شريك مباشر في إدارة المعارك على الأرض، مما يؤدي إلى تأجيج الصراع وإطالة أمد المواجهات.
انتهاك السيادة السودانية
بلغ الانخراط العسكري المصري مستويات غير مسبوقة من خلال انتهاك صريح للسيادة السودانية؛ حيث أفادت تقارير بمقتل ما لا يقل عن 200 منقب سوداني وإصابة آخرين جراء استهداف مواقع للتعدين في منطقة "شمال الوادي" بالسودان. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات التي طالت مدنيين تندرج ضمن التدخل المصري -المباشر وغير المباشر- في الصراع الدائر بالسودان، بهدف تعظيم مصالحها الخاصة.
وفي مقابلة أجرتها معه وكالة الأنباء الإثيوبية ، أكد عبد الشكور عبد الصمد، الباحث الأول في "مركز الدراسات الاستراتيجية ومبادرة التكامل الإقليمي"، أن مصر تسعى لإطالة أمد الحرب في السودان لضمان استمرار استفادتها من الموارد المائية للبلاد.
وفي هذا السياق، لم تكن هذه الغارات الجوية مجرد انتهاك للحدود الدولية وللقانون الدولي -الذي يحظر استخدام القوة ضد أراضي دول أخرى- بل أسفرت أيضًا عن وقوع ضحايا مدنيين، من بينهم منقبون سودانيون.
وقد عكست الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في المدن السودانية تنديدًا شعبيًا بهذا القصف، كما أثارت غضبًا تجاه الصمت المريب للسلطات السودانية، التي وُجهت إليها اتهامات بالتواطؤ والتخلي عن واجبها في حماية المواطنين، مقابل الحصول على دعم عسكري مصري.
إن تنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي السودانية يؤكد أن القاهرة باتت تتعامل مع المجال الجوي والجغرافيا السودانية كعمق أمني مفتوح لأنشطتها، متجاهلةً تماماً مبادئ السيادة والقانون الدولي.
الأجندة الهيمنية الإقليمية ومستقبل السودان
تدرك مصر أن السودان المستقل، الذي يُدار ديمقراطياً وتدعمه مؤسسات مدنية قوية، سيتخذ قراراته بناءً على المصالح الوطنية السودانية حصراً؛ وهي مصالح قد تتعارض بالضرورة مع الحسابات المصرية المتعلقة بالمياه والحدود والتحالفات الإقليمية.
ووفقاً لمراقبين سياسيين، تهدف الاستراتيجية المصرية الراهنة إلى تشكيل سودان يظل ضعيفاً ومفتتاً وتابعاً للقاهرة، بحيث يعجز عن بسط سيطرته الكاملة على موارده أو تبني أجندة إقليمية مستقلة.
إن إصرار مصر على فرض الحلول العسكرية ودعم طرف عسكري بعينه يعرقل أي مسار نحو تسوية سياسية شاملة تضم القوى المدنية وتضمن استعادة الحكم الدستوري. فالهدف ليس بناء السلام، بل إحكام السيطرة على صنع القرار السياسي والعسكري في الخرطوم، مما يتيح لمصر لاحقاً ممارسة الضغوط على الإقليم وعرقلة المشاريع التنموية الإقليمية التي لا تخدم مصالحها المباشرة.
السيادة لا تُمنح، بل تُستعاد
لا يمكن تأمين مستقبل السودان وحماية سيادته من خلال الاعتماد على قوى خارجية تبني مصالحها على حساب معاناة الشعب السوداني. إن الاختبار الحقيقي لمصداقية شعار "احترام سيادة السودان" الذي ترفعه مصر يتطلب وقفاً فورياً للتدخلات العسكرية المباشرة، واحترام الأراضي والمجال الجوي السوداني، والكف عن تسليح طرفٍ دون غيره على حساب التوصل إلى حل سياسي شامل.
وفي نهاية المطاف، يواجه الشعب السوداني ومؤسساته الوطنية حقيقة لا لبس فيها؛ وهي أنه لا يمكن بناء سودان قوي ومستقل طالما ظلت موارده ومصيره رهينةً لرغبات حلفاء إقليميين يرون في ضعف السودان ضمانةً لاستقرارهم، وفي تدمير ركائزه ونهب ثرواته وسيلةً لترسيخ نفوذهم.