لماذا تُعد عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر مكسباً لا غنى عنه للسلام والاستقرار الإقليميين؟

 

بقلم: أمباي  وريتاو

18 أكتوبر 2026 (إينا)

تمتلك إثيوبيا تاريخاً طويلاً من المساهمة في بعثات حفظ السلام على المستويات الإقليمية والقارية والدولية، انطلاقاً من التزامها بالأمن الجماعي، ومبادئ الوحدة الأفريقية، والاستقرار الإقليمي. ويمثل سعيها للحصول على منفذ بحري موثوق فرصةً لتوسيع هذا الدور، من خلال المساهمة في الأمن البحري، وحماية التجارة الدولية، وتعزيز سلام دائم في منطقة البحر الأحمر.

وبحكم موقعها في قلب القرن الأفريقي، تمتلك إثيوبيا موارد بشرية هائلة، وإمكانات اقتصادية، وقدرات أمنية يمكن أن تسهم في حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم. ومن خلال الانخراط الإقليمي البنّاء، والشراكات المؤسسية، والتعاون الفعّال في مجال الأمن البحري، تستطيع إثيوبيا المساعدة في معالجة التحديات الأمنية المشتركة، مع تعزيز الأمن الجماعي، والتكامل الاقتصادي، والازدهار الإقليمي.

ولا تقتصر المساهمة المحتملة لإثيوبيا على حماية مصالحها الاقتصادية فحسب؛ إذ يمكن لمشاركتها في المبادرات البحرية الإقليمية أن تدعم جهود مكافحة الاتجار غير المشروع، وردع التهديدات البحرية، وحماية الملاحة التجارية، وتحسين التنسيق بين الأطراف الفاعلة في المنطقة. علاوة على ذلك، يمكن لهذا الانخراط البحري أن يعزز القدرات الإقليمية على الاستجابة للتهديدات الناشئة، ويسهم في بناء هيكل أمني أكثر تنسيقاً.


 

التكامل الإقليمي

أكد جيزاشيو أسرات، رئيس هيئة الأركان والباحث الأول في شؤون القرن الأفريقي بمعهد الشؤون الخارجية (IFA)، في مقابلة حصرية أجرتها معه وكالة الأنباء الإثيوبية مؤخراً، على الأهمية الاستراتيجية لسعي إثيوبيا نحو الحصول على منفذ بحري موثوق وسيادي، رابطاً هذه المسألة بالسلام الإقليمي، والتكامل، والأمن الجماعي.

وأكد قائلاً: "إن عودة إثيوبيا إلى منفذ بحري موثوق تُعد أمراً حيوياً للسلام، والتكامل الإقليمي، والأمن الجماعي في منطقة القرن الأفريقي وما وراءها".

وباعتبارها واحدة من أكثر الدول الأفريقية اكتظاظاً بالسكان وفاعلاً اقتصادياً رئيسياً في القرن الأفريقي، فإن لإثيوبيا مصلحة جوهرية في أمن وكفاءة طرق التجارة البحرية الإقليمية. ومن شأن الوصول الموثوق إلى هذه الطرق أن يعزز القدرة التنافسية التجارية، ويقوي الروابط الإقليمية، ويدعم مرونة الاقتصادات المترابطة.

كما شدد جيزاشيو على ضرورة النظر إلى مشاركة إثيوبيا في المبادرات البحرية الإقليمية باعتبارها فرصة للمنطقة ككل. قال: «إن إشراك إثيوبيا في منصة البحر الأحمر يُعد مكسباً للمنطقة»، مؤكداً على أهمية التعاون والشراكة في مواجهة التحديات المشتركة.

ويشير تقييمه إلى الفوائد المحتملة لنهج إقليمي تتكامل فيه الثقل الاقتصادي والقدرات المؤسسية لإثيوبيا مع جهود الدول المجاورة لتأمين الممرات البحرية وتعزيز التكامل الإقليمي.

التعاون الأمني

لا تقتصر المساهمة المحتملة لإثيوبيا في الأمن البحري على موقعها الاستراتيجي فحسب، بل تمتد لتشمل مواردها البشرية، وقدراتها الأمنية، وإمكاناتها الاقتصادية. ويمكن لهذه المقومات أن تدعم المبادرات الإقليمية الرامية إلى حماية الملاحة التجارية، وتحسين تبادل المعلومات، وتعزيز الاستجابة للتهديدات العابرة للحدود.

وكما أوضح "غيذاتشو"، فإن ما تمتلكه إثيوبيا من "موارد بشرية، وقدرات عملياتية أمنية قوية، وإمكانات اقتصادية واعدة ونمو متزايد، سيشكل إضافة نوعية لأطر التعاون الإقليمي المعنية بالربط البحري والقضايا الأمنية التي تُدار على أساس الشراكة".

وتسعى إثيوبيا إلى تحويل هذه القدرات إلى مساهمات عملية من خلال الحوار المستمر، والتعاون المؤسسي، والترتيبات المشتركة. ومن خلال مواءمة أولوياتها الوطنية مع الأهداف الإقليمية المشتركة، يمكن لإثيوبيا أن تسهم في تعزيز التعاون في مجال الأمن البحري وبناء الثقة بين الدول المجاورة.

كما يمكن لهذا الانخراط أن يشجع على تنسيق أوثق بين المؤسسات المعنية بالأمن البحري والمبادرات الاقتصادية الإقليمية. فالتنسيق في تبادل المعلومات، ومنع الأنشطة غير المشروعة، وحماية الملاحة التجارية، من شأنه أن يساعد في مواجهة التهديدات المشتركة بفعالية أكبر مقارنة بالجهود الوطنية المنفردة.

الربط البحري

تتجاوز الأهمية الاستراتيجية للانخراط البحري المتجدد لإثيوبيا مجرد مسارات الشحن والبنية التحتية للموانئ؛ فهي تتعلق أيضاً بالتحدي الأوسع المتمثل في تجاوز حالة انعدام الأمن المزمنة، وتحسين الربط الإقليمي، وإرساء نظام أكثر تعاوناً في منطقة القرن الأفريقي.

فعلى مدى عقود، أدت الفجوات في البنية التحتية، والنزاعات المتكررة، وشبكات النقل المشتتة، إلى تقييد الإمكانات الاقتصادية للمنطقة. ومن شأن تحسين الربط البحري -مدعوماً بترتيبات وصول موثوقة وتخطيط إقليمي منسق- أن يساعد في تقليل هذه العوائق، وتسهيل التجارة، وتعزيز الترابط الاقتصادي.

وبالنسبة لإثيوبيا، يرتبط الوصول الموثوق إلى طرق التجارة البحرية ارتباطاً وثيقاً بالمرونة الاقتصادية، والقدرة التنافسية للصادرات، والاندماج في الأسواق العالمية. أما بالنسبة للدول المجاورة، فقد تفتح روابط النقل والتجارة الأقوى آفاقاً للاستثمار، وتطوير الخدمات اللوجستية، وتوسيع نطاق التبادل التجاري.

وعليه، فإن سعي إثيوبيا للوصول إلى ممرات البحر الأحمر وخليج عدن يحمل أبعاداً وطنية وإقليمية على حد سواء. وإذا ما تم تحقيق ذلك من خلال المفاوضات السلمية، والاتفاقيات التي تحقق المنفعة المتبادلة، واحترام القانون الدولي، فإنه قد يشكل رافداً للجهود الأوسع الرامية إلى بناء منطقة قرن أفريقي أكثر أمناً وترابطاً وازدهاراً.

التجارة العالمية

تكتسي مسألة أمن البحر الأحمر أهمية دولية بالغة؛ نظراً لكون هذا الممر يربط بين مسارات تجارية رئيسية تصل بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. يمكن للاضطرابات أن تؤدي إلى تأخير الشحنات، وزيادة تكاليف النقل، والتأثير على أسواق الطاقة، وفرض ضغوط إضافية على الاقتصادات التي تعتمد على تدفقات تجارية يمكن التنبؤ بها.

كما أن عدم الاستقرار على طول هذه المسارات قد يعرض السفن التجارية والبحارة لتهديدات أمنية، مما يؤكد الحاجة إلى تنسيق فعال بين الأطراف المعنية على المستويين الإقليمي والدولي.

ويمكن لمشاركة إثيوبيا البنّاءة أن توسع القاعدة الاقتصادية والمؤسسية للتعاون الأمني ​​الإقليمي؛ إذ من شأن مواردها البشرية وإمكاناتها الاقتصادية وموقعها الاستراتيجي أن تشكل إضافة للمبادرات القائمة، شريطة أن تتم هذه المشاركة من خلال آليات إقليمية ملائمة وترتيبات متفق عليها بين الأطراف.

ويبرز تقييم "غيذاتشيو أسرات" فرصة جوهرية؛ فمشاركة إثيوبيا في الإطار الأمني ​​للبحر الأحمر قد تعود بالنفع على المنطقة الأوسع، إذا ما تأسست على الشراكة والمصلحة المتبادلة والالتزام المشترك بتحقيق الاستقرار.

إن تبني نهج أكثر شمولاً للأمن البحري من شأنه أن يساعد دول المنطقة على تنسيق استجاباتها للتهديدات المشتركة، مع تعزيز الروابط بين الأمن والتجارة والتنمية الاقتصادية. ونظراً للأهمية الدولية لهذا الممر، فإن فوائد هذا التعاون قد تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من منطقة القرن الأفريقي.

فرصة استراتيجية

ينبع سعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري موثوق من رغبتها في تحقيق التنمية الاقتصادية، وتعزيز المرونة الوطنية، وتوطيد اندماجها في شبكات التجارة الإقليمية والعالمية. وفي الوقت ذاته، يمثل هذا المسعى فرصة لتعميق مساهمة إثيوبيا في ترسيخ السلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر على نطاق أوسع.

وبفضل مواردها البشرية الضخمة، وإمكاناتها الاقتصادية، وموقعها الاستراتيجي، تستطيع إثيوبيا أداء دور بنّاء في حماية التجارة البحرية، وتعزيز التعاون الإقليمي، ومواجهة التهديدات الأمنية المشتركة. ولتحقيق هذه الإمكانات، تواصل إثيوبيا انتهاج دبلوماسية مستمرة، وبناء شراكات مؤسسية عملية، والتوصل إلى ترتيبات تخدم المصالح المشروعة لجميع الأطراف.

وفي نهاية المطاف، لا ينبغي أن تكون تطلعات إثيوبيا البحرية وأمن البحر الأحمر أولويتين متنافستين؛ إذ يمكن -من خلال الانخراط السلمي وتحقيق المنفعة المتبادلة- أن يصبح السعي نحو منفذ بحري موثوق جزءاً من جهد إقليمي أوسع يهدف إلى تعزيز الاستقرار، وتوسيع الفرص الاقتصادية، وبناء منطقة قرن أفريقي أكثر تكاملاً وازدهاراً.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023