منتدى تانا يضع إثيوبيا في قلب المساعي الإفريقية لتحقيق السلام والأمن

بقلم: تيمسغن أسيفا

14 أكتوبر 2026 – (إينا)

في ظل ما تواجهه إفريقيا من صراعات مستمرة وتنافس جيوسياسي وهشاشة اقتصادية، تستعد إثيوبيا لاستضافة تجمع قاري رفيع المستوى يهدف إلى تعزيز الحلول الإفريقية للتحديات التي تواجه السلام والأمن في القارة.

ويُعقد منتدى تانا الرفيع المستوى الثاني عشر بشأن الأمن في إفريقيا خلال الفترة من 23 إلى 25 أكتوبر الجاري في مدينة بحر دار، في مرحلة مفصلية تتزايد فيها أهمية العلاقة بين الاستقرار السياسي والسيادة الاقتصادية والتنافس بين القوى العالمية في تشكيل مستقبل إفريقيا.

ويُعقد المنتدى تحت شعار «مسارات السلام في إفريقيا: السيادة الاقتصادية والتحول الجيوسياسي»، بمشاركة قادة سياسيين وصناع سياسات وباحثين وخبراء أمنيين، لبحث سبل تعزيز التعاون القاري وتحويل الأولويات المشتركة إلى إجراءات عملية.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن استضافة المنتدى تمثل أكثر من مجرد فرصة لجمع شخصيات إفريقية مؤثرة؛ إذ تعزز إسهام البلاد في الدبلوماسية القارية، وتوفر منصة للحوار بشأن التحديات الهيكلية التي تواجه منطقة القرن الإفريقي والقارة على نطاق أوسع.

ومنذ تأسيسه عام 2012، تطور منتدى تانا ليصبح منصة لدراسة التحديات الأمنية في إفريقيا من منظور إفريقي، حيث يجمع أطرافًا متعددة لبحث أسباب الصراعات والمسارات المؤدية إلى تحقيق سلام مستدام.

ولا يزال السؤال المحوري الذي يطرحه المنتدى ملحًّا: كيف يمكن لإفريقيا تجاوز مرحلة إدارة الأزمات المتكررة، والانتقال إلى بناء الأسس السياسية والاقتصادية والمؤسسية اللازمة لتحقيق الاستقرار الدائم؟

حلول إفريقية للتحديات الإفريقية

في مختلف أنحاء إفريقيا، نادرًا ما تنشأ الصراعات بمعزل عن العوامل الأخرى. فقد يؤدي الإقصاء السياسي وضعف المؤسسات والتنافس على الموارد والتفاوت الاقتصادي والمظالم العالقة، مجتمعةً، إلى تهيئة الظروف لاستمرار عدم الاستقرار حتى بعد انتهاء موجات العنف المباشرة.

ولا تقتصر تداعيات الصراعات على ساحات القتال، بل تمتد إلى نزوح المجتمعات وتعطيل التجارة وتثبيط الاستثمار وإضعاف المؤسسات العامة وتحويل الموارد بعيدًا عن الخدمات الأساسية والتنمية. وفي المناطق التي تواجه أصلًا ضغوطًا مرتبطة بالمناخ وحالة من عدم اليقين الاقتصادي، يمكن أن يؤدي انعدام الأمن إلى تقويض سبل العيش وتعميق مواطن الضعف.

وتتطلب معالجة هذه التحديات ما هو أبعد من الاستجابات العسكرية أو التدخلات الطارئة؛ إذ يعتمد السلام المستدام على الدبلوماسية الوقائية والعمليات السياسية الشاملة والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، إلى جانب توفير الفرص الاقتصادية التي تتيح للمجتمعات المشاركة بفاعلية في التنمية الوطنية.

وهنا تبرز أهمية الملكية الإفريقية للحلول بصورة خاصة.

فالدول الإفريقية والمؤسسات الإقليمية تمتلك معرفة قيّمة بالمظالم التاريخية والديناميات السياسية والواقع المحلي الكامن وراء العديد من الصراعات. ومن شأن تعزيز قدراتها على استشراف الأزمات والوساطة في النزاعات ودعم بناء السلام أن يسهم في بلورة استجابات أكثر ملاءمة لظروف القارة.

غير أن الحلول التي تقودها إفريقيا لا تعني أن تتحرك القارة بمفردها. فالشراكات الدولية تظل مهمة في توفير الخبرات والاستثمارات والدعم الدبلوماسي، لكن فعاليتها تعتمد على مدى تعزيزها للأولويات الإفريقية والقدرات المؤسسية، بدلًا من إقصاء القيادة المحلية أو الحلول محلها.

ومن خلال جمع القادة السياسيين والأكاديميين والممارسين في المجال الأمني، يتيح منتدى تانا فرصة للربط بين النقاشات المتعلقة بالسياسات والخبرات العملية، وتشجيع المقاربات التي تعالج الأسباب الجذرية لانعدام الأمن، وليس مظاهره فحسب.

الدور الاستراتيجي لإثيوبيا في الدبلوماسية القارية

تحتل إثيوبيا موقعًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة القرن الإفريقي، حيث ترتبط التطورات السياسية والشواغل الأمنية والمصالح الاقتصادية ارتباطًا وثيقًا. كما أن استضافة أديس أبابا لمقر الاتحاد الإفريقي رسّخت مكانة البلاد بوصفها مركزًا مهمًا للدبلوماسية القارية.

وفي هذا السياق، يكمل منتدى تانا الجهود الدبلوماسية الرسمية من خلال توفير مساحة للتعمق في دراسة الاتجاهات الأمنية الناشئة والتوترات الإقليمية والظروف الهيكلية التي تؤثر في السلام والاستقرار.

كما أن استضافة هذا التجمع في بحر دار توسع نطاق الحوار القاري خارج العاصمة السياسية لإثيوبيا، وتربط النقاشات رفيعة المستوى بمدينة توفر بيئة مميزة لتبادل الآراء بشأن مستقبل إفريقيا.

ويتيح المنتدى لإثيوبيا فرصة الإسهام في صياغة الرؤى القارية المتعلقة بمنع الصراعات والتعاون الإقليمي والعلاقة بين الأمن والتنمية. كما يمكن أن يساعد في تعزيز التواصل بين صناع السياسات والباحثين والممارسين، الذين يُعد تعاونهم ضروريًا لمعالجة التحديات الإقليمية المعقدة.

ومع ذلك، لا تُقاس أهمية استضافة منتدى دولي بمجرد مكانة المشاركين فيه أو اتساع نطاق النقاشات التي يشهدها؛ بل تكمن قيمته الحقيقية في مدى تأثير الأفكار المطروحة على السياسات، وتعزيز الشراكات، والإسهام في تحقيق تقدم ملموس.

وعليه، فإن إسهام إثيوبيا في الدبلوماسية القارية سيعتمد على استمرار مشاركتها، والحوار البنّاء، والقدرة على ربط النقاشات التي تجري في منصات مثل منتدى تانا بالمبادرات الأوسع لبناء السلام.

لماذا يُعد التعاون الإقليمي مهمًا؟

يجسد القرن الإفريقي مدى الترابط الوثيق بين الأمن الوطني والاستقرار الإقليمي. فالتوترات السياسية والصراعات المسلحة والإرهاب والضغوط المرتبطة بالمناخ والهشاشة الاقتصادية يمكن أن تتجاوز الحدود، مخلفةً تداعيات لا تستطيع أي دولة التعامل معها بفاعلية بمفردها.

وقد يؤدي انعدام الأمن في إحدى الدول إلى نزوح السكان نحو الدول المجاورة، وتعطيل الطرق التجارية، وتقويض الاستثمارات الإقليمية. كما يمكن للخلافات بشأن الموارد المشتركة وتضارب المصالح الاستراتيجية أن تؤدي إلى توتر العلاقات، مما يجعل التعاون أكثر صعوبة في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليه.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط الاستقرار الإقليمي ارتباطًا وثيقًا بالتنمية الاقتصادية والعلاقات الدبلوماسية وآفاق تعميق التكامل في منطقة القرن الإفريقي.

ويمكن أن يسهم تعزيز التجارة العابرة للحدود والترابط في مجال النقل وتطوير البنية التحتية والتعاون في إدارة الموارد المشتركة، في خلق فرص اقتصادية وتعزيز المصالح المتبادلة بين الدول المجاورة. وفي المقابل، يمكن أن تؤدي التوترات المطولة إلى زيادة التكاليف وإضعاف الثقة والحد من الإمكانات التنموية للمنطقة.

ويتمثل التحدي في إنشاء آليات تمكّن الدول من إدارة خلافاتها بالوسائل السلمية، ومنع تصاعد النزاعات المحلية، وتحديد مجالات المصالح المشتركة رغم الاختلافات السياسية.

ويوفر منتدى تانا منصة لدراسة هذه الإمكانات. فمن خلال الحوار وتبادل الخبرات في مجال السياسات، يمكن للمشاركين بحث سبل تعزيز الدبلوماسية الوقائية وتحسين التنسيق وتطوير مقاربات تعالج التهديدات الأمنية المباشرة وأسبابها العميقة، بالتعاون بين الدول المجاورة والمؤسسات الإقليمية.

وفي منطقة تتداخل فيها المصالح الوطنية مع التنافس الجيوسياسي الأوسع، لا يُعد التواصل المستمر مجرد خيار دبلوماسي، بل عنصرًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار الدائم.

السيادة الاقتصادية أساسٌ للسلام

يسلط تركيز منتدى تانا الثاني عشر على السيادة الاقتصادية الضوء على بُعد غالبًا ما يُغفل في النقاشات المتعلقة بالأمن الإفريقي، ويتمثل في قدرة الدول على بناء اقتصادات قادرة على الصمود وممارسة خيارات حقيقية بشأن أولوياتها التنموية.

وفي مختلف أنحاء القارة، يمكن لضغوط الديون الخارجية ومحدودية القدرات الصناعية والاعتماد على صادرات السلع الأساسية والتعرض لتقلبات الأسواق الدولية، أن تقيد الخيارات المتاحة أمام الحكومات في مجال السياسات. وقد تحد هذه الهشاشة من الاستثمارات في الخدمات العامة والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، فضلًا عن تقليص الموارد المتاحة لمعالجة التحديات الأمنية.

كما يمكن للاعتماد الاقتصادي أن يضيّق هامش المناورة أمام الدول في ظل تنافس القوى العالمية على الوصول إلى الموارد الطبيعية والأسواق والبنية التحتية والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية.

ويفرض هذا التنافس على إفريقيا فرصًا ومخاطر في آن واحد. فالاستثمارات الأجنبية ونقل التكنولوجيا والشراكات الدولية يمكن أن تدعم التصنيع والتحول الاقتصادي. غير أنه عندما تطغى المصالح الخارجية على الأولويات التنموية الإفريقية، فقد تؤدي هذه العلاقات إلى تصعيد التنافس والحد من المنافع التي تعود على الاقتصادات المحلية.

ولذلك، لا ينبغي فهم السيادة الاقتصادية على أنها مجرد تقليص للاعتماد على الخارج، بل تشمل أيضًا تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، وتعبئة الموارد، وتطوير المؤسسات الفاعلة، وتوسيع الأسواق الإقليمية، والتفاوض بشأن شراكات دولية تدعم الأهداف التنموية طويلة الأجل.

ولهذه الأولويات انعكاسات مباشرة على السلام والأمن.

فعندما تكون الفرص الاقتصادية محدودة وتستمر أوجه عدم المساواة، يمكن أن تتفاقم المظالم الاجتماعية وتصبح التوترات السياسية أكثر صعوبة في المعالجة. وفي المقابل، يمكن للنمو الاقتصادي الشامل وتعزيز المؤسسات وتحسين فرص الوصول إلى سبل العيش أن تهيئ ظروفًا أكثر ملاءمة للاستقرار.

وبالنسبة إلى إثيوبيا وجيرانها، يمكن أن يسهم تعزيز التعاون في مجالات التجارة والبنية التحتية والطاقة وإدارة الموارد في تقوية القدرة الاقتصادية على الصمود وترسيخ المصالح المشتركة في السلام. كما يمكن للتكامل الاقتصادي الإقليمي أن يوفر حوافز للحوار، من خلال إظهار الفوائد العملية للاستقرار.

وبالتالي، يشير شعار المنتدى إلى حقيقة استراتيجية أوسع، مفادها أن قدرة إفريقيا على صون السلام ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على رسم مستقبلها الاقتصادي والتعامل مع بيئة دولية تتسم بتنافس متزايد.

من الحوار إلى إجراءات قابلة للقياس

على الرغم من أهمية الحوار القاري، لا تزال أجندة السلام والأمن في إفريقيا تواجه تحديًا أساسيًا يتمثل في تحويل الالتزامات المتعلقة بالسياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. ويمكن للتجمعات رفيعة المستوى أن تعزز الثقة وتولد الأفكار وتحدد الأولويات المشتركة، لكن تأثيرها النهائي يعتمد على التنفيذ والتنسيق المؤسسي والالتزام السياسي المستمر.

وتضطلع الحكومات والاتحاد الإفريقي والمنظمات الإقليمية والمؤسسات البحثية وغيرها من الجهات المعنية بأدوار مهمة في الربط بين مناقشات السياسات والاستجابات العملية. ويمكن للتعاون الأقوى أن يحسن أنظمة الإنذار المبكر، ويدعم جهود الوساطة، ويعزز منع الصراعات، ويشجع اعتماد مقاربات لبناء السلام تستند إلى الأدلة.

ويمكن للمؤسسات البحثية المساعدة في تحديد العوامل المحركة لعدم الاستقرار وتقييم التدخلات الأكثر فاعلية. كما يمكن لتجارب المجتمعات المتضررة من الصراعات أن تسهم في صياغة سياسات تستجيب للواقع المحلي، بدلًا من الاعتماد حصريًا على التقييمات التي تُجرى على المستوى الرفيع.

ولا تقل الاستمرارية أهمية عن ذلك؛ إذ ينبغي أن تسهم التوصيات الصادرة عن منتديات مثل تانا في توجيه مناقشات السياسات اللاحقة والشراكات المؤسسية والمبادرات الملموسة. كما يجب تقييم التقدم ليس فقط من خلال الإعلانات والالتزامات، بل أيضًا عبر التحسن في التعاون ومنع الصراعات وقدرة المؤسسات على الاستجابة للتهديدات الناشئة.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الإسهام في تعزيز هذه الروابط من شأنه أن يعزز دور المنتدى في الدبلوماسية القارية، ويدعم الجهود الإفريقية الأوسع لبناء سلام مستدام. وستتوقف قيمة اجتماع بحر دار في نهاية المطاف على مدى إسهام نقاشاته في تقريب القارة من حلول قابلة للتنفيذ والاستمرار والتكيف مع الظروف المتغيرة.

تعزيز مسار إفريقيا نحو السلام

لا يمكن فصل تحديات السلام والأمن في إفريقيا عن آفاقها الاقتصادية ومؤسساتها السياسية وموقعها في النظام العالمي المتغير. وتتطلب معالجتها نهجًا شاملًا يجمع بين الدبلوماسية الوقائية والحكم الشامل والتعاون الإقليمي والتنمية المستدامة.

ومن المتوقع أن يوفر منتدى تانا الرفيع المستوى الثاني عشر فرصة لتعزيز هذا النهج، من خلال وضع الرؤى الإفريقية في صدارة النقاشات المتعلقة بمستقبل القارة. وبالنسبة إلى إثيوبيا، تعزز استضافة المنتدى انخراطها في الشؤون القارية، وتتيح مساحة لتشجيع التعاون بين الشركاء الأفارقة. أما على مستوى القارة، فيوفر التجمع فرصة لبحث كيفية إسهام السيادة الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية وتعزيز المؤسسات الإقليمية في بناء مستقبل أكثر استقرارًا وقدرة على الصمود.

وفي نهاية المطاف، لا يمكن لمساعي إفريقيا لتحقيق السلام أن تعتمد على الحوار وحده، بل تتطلب إرادة سياسية وقدرات مؤسسية وفرصًا اقتصادية والتزامًا مستمرًا بحل النزاعات بالوسائل السلمية.

ومع تجمع المشاركين في بحر دار، سيكون التحدي هو تحويل الالتزام المشترك بالملكية الإفريقية للحلول إلى إجراءات عملية، من خلال تعزيز المؤسسات وتعميق التعاون الإقليمي ومعالجة الظروف الهيكلية التي تسمح باستمرار الصراعات.

وستكمن الأهمية المستدامة لمنتدى تانا ليس فقط في النقاشات التي يثيرها، بل في التقدم الذي تساعد تلك النقاشات على تحقيقه، بما يجعل إفريقيا أكثر قدرة على إدارة تحدياتها الأمنية بنفسها، وصياغة مستقبلها الجيوسياسي، وضمان تقدم السلام والتنمية جنبًا إلى جنب.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023