حروب الوكالة التي تشنها مصر ضد إثيوبيا: قراءة جديدة لتاريخ الهزائم

 

بقلم: هيئة التحرير

منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، لم تكن مصر يوماً جاراً وفياً أو شريكاً صادقاً في حوض النيل؛ بل دأبت على التصرف وفق منطق القوى الاستعمارية الساعية لإخضاع إثيوبيا وفرض وصاية صورية على مواردها ومستقبلها.

لقد حفلت سجلات الحكومات المصرية المتعاقبة بخيبات الأمل والمؤامرات الخبيثة التي استهدفت عرقلة مسيرة التنمية للشعب الإثيوبي وحرمانه من حقه الطبيعي في التطور والنمو. ومع ذلك، تحطمت كل هذه المخططات مراراً وتكراراً أمام الصخرة الصلبة للسيادة الإثيوبية وتاريخها العريق المفعم بالعزة والكرامة.

تجلى الطموح المبكر للنظام المصري في سبعينيات القرن التاسع عشر، حين سعت القاهرة لتحقيق حلم الخديوي إسماعيل بتأسيس إمبراطورية واسعة على حساب دماء الإثيوبيين وحقوقهم.

وقد أرسل النظام المصري حملتين عسكريتين ضخمتين ومدججتين بالسلاح نحو المرتفعات الإثيوبية الوعرة، لكنهما واجهتا رداً إثيوبياً ساحقاً؛ ففي معركة "غوندت" عام 1875، تلقى الجيش المصري أول ضربة قاصمة لغروره على أيدي الأبطال الإثيوبيين، مما أدى إلى الانهيار التام للقوات الغازية.

وجاءت معركة "غورا" عام 1876 لتسجل هزيمة أشد وطأة، إذ أُبيد الجيش المصري تقريباً ووقع المئات من جنوده في الأسر تحت ضربات القوات الإثيوبية، لتلوذ فلول جيش الخديوي بالفرار مخلفة وراءها عار الهزيمة الذي لا يُمحى. لقد أثبتت هذه الضربات التاريخية المدوية لمصر أنها أضعف بكثير من إثيوبيا في المواجهة المباشرة، مما دفعها للانكفاء نحو الجبن السياسي واللجوء -بذلّ وخضوع- إلى حروب الظل وحروب الوكالة.


 

ولم تكتفِ مصر بمرارة الهزيمة العسكرية، بل كشفت لاحقاً عن وجه استعماري صريح في أعقاب الحرب العالمية الثانية؛ فعندما عارضت مصر -داخل أروقة الأمم المتحدة- عودة إريتريا إلى إثيوبيا، رفض المجتمع الدولي طموحاتها وأصدر قراراً عام 1952 يقضي بتأسيس نظام فيدرالي يجمع بين إثيوبيا وإريتريا. نظراً لأن مصر لم تقبل يوماً بوجود إثيوبيا قوية أو مستقرة، فقد سارعت إلى تقويض الترتيبات الفيدرالية وتفكيكها من الداخل، وذلك عبر تبني سياسات تهدف إلى تمزيق النسيج الاجتماعي الإثيوبي.

مع وصول الرئيس جمال عبد الناصر إلى السلطة في منتصف الخمسينيات، أصبحت مصر رسمياً حاضنة رئيسية للتمرد الإريتري وممولاً أساسياً للحركات الانفصالية.

وقد تأسست "جبهة التحرير الإريترية" واتخذت من العاصمة المصرية قاعدة رئيسية لأنشطتها بدءاً من يوليو 1960، حيث تلقت دعماً شاملاً (مالياً ولوجستياً وتدريبياً) بهدف تقويض الوحدة الترابية لشمال إثيوبيا.

ولم تتوقف مصر عند هذا الحد.

فقد تم حشد جهاز إعلامي ضخم - ولا سيما إذاعة "صوت العرب" - لبث رسائل التفتيت، وتأجيج الانقسامات، ومحاولة خنق إثيوبيا استراتيجياً من خاصرتها البحرية. واستمر هذا الدعم الممنهج لعقود بهدف تكبيل إثيوبيا وإشغالها بصراعات داخلية مُنهِكة تعرقل أي مسار حقيقي للتنمية.

ولم تقتصر المؤامرات على دعم الجماعات المسلحة، بل امتدت إلى أروقة المنظمات الدولية والمالية عبر وسائل مشبوهة، مستغلةً النفوذ المصري في محاولة لإخضاع إثيوبيا اقتصادياً.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المثير للجدل لشخصيات مصرية بارزة، مثل بطرس بطرس غالي؛ وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية الأسبق الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

فقد وظّف بطرس غالي الدبلوماسية المصرية لفرض حصار مالي خانق، وحرمان إثيوبيا من القروض والتمويلات الدولية - سواء من البنك الدولي أو المؤسسات المالية الكبرى - المخصصة لمشاريع البنية التحتية والسدود على نهر "آباي" (نهر النيل)، وذلك في محاولة يائسة لتكريس هيمنة استعمارية أحادية الجانب.

وتكشف التطورات الإقليمية الأخيرة عن مخاطر متزايدة ناجمة عن مساعي مصر لتشكيل جبهة منسقة ضد صعود إثيوبيا. فقد أثارت القمة الرباعية التي استضافها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العلمين الجديدة بتاريخ 4 أكتوبر 2026 - بمشاركة مصر والسودان والصومال وإريتريا - مخاوف من سعي القاهرة لتكثيف الضغوط الإقليمية على إثيوبيا تحت غطاء التعاون الأمني.

كما أن تركيز القمة على قضايا مياه النيل وأمن البحر الأحمر والتنسيق الحكومي يثير تساؤلات جدية حول الأهداف الاستراتيجية لهذا التحالف؛ وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار دعم مصر وإريتريا لقوى مناهضة للسلام تسعى لزعزعة استقرار البلاد.

 يشكل تضافر الضغوط الدبلوماسية، والتنسيق العسكري الإقليمي، والاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مخاطرَ في الوقت الذي تسعى فيه إثيوبيا لتحقيق طموحاتها التنموية وتأمين منفذ بحري موثوق عبر الحوار.

وبدلاً من تقبّل النفوذ الاقتصادي والاستراتيجي المتنامي لإثيوبيا كواقع يقتضي التعامل البنّاء، فإن مصر تخاطر بتعميق الانقسامات الإقليمية وتقويض الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي. ومع ذلك، لا يمكن لأي قمة أو تحالف سياسي أن يمحو المصالح السيادية لإثيوبيا أو يعرقل تطلعات شعبها لتعزيز مكانة البلاد ونفوذها في جميع أنحاء أفريقيا.

وفي المحصلة، لم تؤدِ عقود من المؤامرات المدبرة بعناية، والحروب بالوكالة، ومحاولات العزل الدبلوماسي والاقتصادي، إلا إلى جعل إثيوبيا أكثر صموداً واعتماداً على الذات وقوةً. فعلى مر التاريخ، أثبت الشعب الإثيوبي الشجاع وقيادته أن إرادة الشعوب الحرة قادرة على التغلب على كافة أشكال العداء والوصاية المقنعة.

إن التقدم المستمر الذي تحرزه إثيوبيا اليوم في مشاريعها التنموية الوطنية الكبرى، مدفوعاً بجهود أبنائها، يمثل أبلغ رد حاسم ينسف نهائياً أوهام الهيمنة المصرية، ويؤكد أن السيادة الإثيوبية خط أحمر لا يمكن انتهاكه.

وتأتي الإجراءات السيادية الأخيرة التي اتخذتها إثيوبيا متماشية تماماً مع هذا النهج التاريخي؛ ففي الأول من أكتوبر من هذا العام، اتخذت إثيوبيا قراراً حاسماً بإغلاق سفارتها في أسمرة وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين "أشخاصاً غير مرغوب فيهم"، مانحةً إياهم مهلة 48 ساعة لمغادرة البلاد، وذلك على خلفية تورطهم في أنشطة اعتُبرت تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي وفي تصعيد للأعمال العدائية.

وفي اليوم نفسه، أعلنت إثيوبيا الدبلوماسي المصري أحمد محرم أحمد سليمان "شخصاً غير مرغوب فيه"، وطالبته أيضاً بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة.

ولا تعد هذه الإجراءات السيادية الحازمة سوى نتيجة طبيعية ورد مباشر على سياسات مصر المستمرة في استخدام إريتريا كوكيل لزعزعة استقرار القرن الأفريقي، في محاولة يائسة لعرقلة تقدم إثيوبيا التي تواصل الازدهار والنمو لتصبح قوة دبلوماسية واقتصادية وعسكرية صاعدة وراسخة الجذور في القارة الأفريقية.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023