مساعي إثيوبيا لتطوير موارد النيل من أجل التكامل الإقليمي

بقلم: يوردانوس د.

10 أكتوبر 2026 (وكالة الأنباء الإثيوبية)

على مدى أجيال، جرى التعامل مع نهر أباي (النيل الأزرق) باعتباره قضية تتعلق أساسًا بالنزاع على المياه. غير أن النهر يمثل بالنسبة إلى إثيوبيا أمرًا أكبر بكثير؛ فهو يرتبط بالتنمية والسيادة وحق الدولة في تحويل مواردها الطبيعية إلى مستقبل أفضل لشعبها. والأهم من ذلك أن البلاد ترى أن التنمية القائمة على نهر أباي من شأنها تسريع التكامل الإقليمي في المنطقة وخارجها. ففي بلد يواجه انعدامًا مستمرًا للأمن الغذائي، وتزايدًا في الطلب على الطاقة، ونموًا سكانيًا سريعًا، وضغوطًا ناجمة عن التصنيع، وآثارًا للتقلبات المناخية، يصبح تخزين المياه واستخدامها أمرًا لا ينفصل عن القدرة على توليد الكهرباء وري الأراضي الزراعية وإنتاج الغذاء وخلق فرص العمل وبناء اقتصاد منتج.

ويُعد هذا المنظور الأوسع ضروريًا لفهم مسار إثيوبيا الطويل، الذي اتسم في كثير من الأحيان بالصعوبة، في التعامل مع نهر النيل. فالنزاع لم يبدأ مع سد النهضة، بل تعود جذوره إلى نظام إقليمي أقدم بكثير، تشكل بفعل ترتيبات تعود إلى الحقبة الاستعمارية، وتفاوت النفوذ السياسي، وتباين التفسيرات المتعلقة بالحقوق في النهر.

لم تكن إثيوبيا طرفًا في الترتيبات البريطانية المصرية بشأن مياه النيل لعام 1929، ولا في الاتفاقية المصرية السودانية لعام 1959، ومع ذلك، لا يزال إرث هاتين الاتفاقيتين يؤثر في المواقف السياسية المتعلقة باستخدام مياه النيل. ومن ثم، لم يكن السؤال الجوهري يومًا مقتصرًا على مقدار المياه التي ينبغي لإثيوبيا استخدامها، بل تمحور حول ما إذا كان من الممكن استمرار ترتيبات تاريخية في تقييد الخيارات التنموية لدولة تقع في أعالي النهر، في وقت تغيرت فيه احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية تغيرًا جوهريًا.

كما اتخذ هذا الصراع بُعدًا ماليًا. فالتنمية قد تتعثر ليس فقط بسبب العوائق المادية، بل أيضًا بفعل البيئة السياسية المحيطة بالتمويل والاستثمار والمؤسسات الدولية.

وقد أظهرت تجربة إثيوبيا في مجال البنية التحتية المائية الكبرى، مرارًا، صعوبة تحويل الإمكانات الفنية إلى مشروعات تنموية مكتملة عندما يتشابك التمويل مع الاعتبارات الجيوسياسية. ولذلك، اكتسب سد النهضة أهمية تتجاوز بكثير أبعاده الهندسية؛ إذ أصبح اختبارًا لقدرة إثيوبيا على حشد شعبها ومؤسساتها ومواردها المالية لتنفيذ مشروع وطني استراتيجي، في ظل التعقيدات السياسية المرتبطة بالحصول على التمويل الخارجي التقليدي.

وقد غيّر اكتمال سد النهضة هذه المعادلة، لكنه لم ينهِ التحدي التنموي الأكبر. فلا تزال إثيوبيا بحاجة إلى مزيد من البنية التحتية المائية لمعالجة نقص الكهرباء، وتوسيع نطاق الري، وتعزيز الأمن الغذائي، وإدارة الفيضانات والجفاف، ودعم التصنيع، وتهيئة الظروف اللازمة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام. ويتمثل السؤال المطروح الآن في كيفية انتقال البلاد من مشروع بارز واحد إلى استراتيجية أوسع لتطوير الموارد المائية، تتسم بالاستدامة المالية والمسؤولية البيئية، مع الحفاظ على التعاون مع دول المصب.

وفي الوقت نفسه، أصبحت قضية النيل أكثر تشابكًا مع الجغرافيا السياسية للقرن الأفريقي. فقد أدت تنامي القدرات الاقتصادية الإثيوبية، وتوسع صادراتها من الكهرباء، وسعيها إلى تعزيز التكامل الإقليمي، وجهودها لتأمين منفذ موثوق ومفيد للطرفين إلى البحر الأحمر، إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية للدول المجاورة والقوى الخارجية. ولذلك، ينبغي فهم هذه القضية ضمن سياق أوسع من التنافس على التنمية والنفوذ الاقتصادي والنظام الإقليمي.

لكن ذلك لا يجعل المواجهة أمرًا حتميًا. بل على العكس، تكمن أقوى مقومات الموقف الإثيوبي على المدى الطويل في الجمع بين التنمية والدبلوماسية. ويمكن أن يشكل الاستخدام المنصف والمعقول للموارد المائية المشتركة أساسًا للتعاون، إذا أقرت جميع دول الحوض بأن مياه النيل يجب أن تلبي الاحتياجات القائمة ومتطلبات التنمية المشروعة في المستقبل. وليس من الضروري أن يظل النهر مصدرًا للتنافس الدائم؛ إذ يمكن، من خلال الاستثمار والتعاون العلمي وتبادل المعلومات بشفافية، وتطوير أنظمة للطاقة والزراعة تحقق منافع متبادلة، تحويله إلى محرك للتكامل الاقتصادي الإقليمي.

وبالتالي، فإن قصة السياسة الإثيوبية بشأن النيل ليست مجرد قصة سد، بل هي قصة دولة تسعى إلى تجاوز القيود التاريخية التي أعاقت تنميتها، وتعزيز استقلالها المالي، وتحويل مواردها الطبيعية إلى قدرات إنتاجية. ويمثل سد النهضة فصلًا واحدًا من هذه القصة، بينما يكمن التحدي الأكبر في قدرة إثيوبيا على بناء جيل جديد من مشروعات البنية التحتية للمياه والطاقة والزراعة، بما يحول أنهارها إلى أسس للأمن الغذائي والتصنيع والتوظيف والازدهار الإقليمي.

البُعد المالي

يكتسب البُعد المالي لهذا التاريخ أهمية خاصة. فمن الممكن أن تتعثر التنمية دون أن يتعرض أي سد لهجوم مادي أو يُغلق أي موقع إنشائي. إذ يمكن للمعارضة الدبلوماسية للتمويل الخارجي أن تزيد المخاطر السياسية، وتثني المقرضين والمستثمرين، وتجعل تطوير مشروعات البنية التحتية الكبرى أكثر صعوبة وتكلفة.

وقد وثقت دراسات أكاديمية وأبحاث متعلقة بالسياسات ادعاءات تفيد بأن مصر استخدمت نفوذها الدبلوماسي لثني المؤسسات المالية الدولية عن دعم مشروعات النيل في دول المنبع. كما تناولت أبحاث خلال مرحلة تطوير سد النهضة أنشطة ضغط شملت مؤسسات مثل بنك التنمية الأفريقي والبنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي. إن النمط التاريخي الأوسع يظل ذا دلالة؛ فقد واجهت مساعي إثيوبيا لتحويل مواردها المائية إلى كهرباء ومشروعات للري مقاومة جيوسياسية متكررة.

ويساعد هذا التاريخ على تفسير أهمية سد النهضة. فعندما تعذر الحصول على التمويل الخارجي التقليدي، اتجهت إثيوبيا بصورة متزايدة إلى الحشد الداخلي. فقد اشترى المواطنون السندات وساهموا من خلال المدخرات والتبرعات، في حين حشدت الحكومة ومؤسسات الدولة موارد محلية كبيرة. ونتيجة لذلك، أصبح سد النهضة أكثر من مجرد مشروع للبنية التحتية؛ إذ تحول إلى دليل على قدرة إثيوبيا على تمويل مشروع وطني استراتيجي، رغم الصعوبات المرتبطة بالحصول على التمويل الدولي التقليدي للمشروعات.

وفي معرض حديثه عن هذا الإنجاز المحلي، أكد رئيس الوزراء آبي أحمد قائلًا: «على مدى 14 عامًا، ساهم ملايين المواطنين العاديين في تمويل بناء سد النهضة، بدءًا من المزارعين والعمال باليومية، وصولًا إلى الطلاب وموظفي الخدمة المدنية».

المساءلة الاقتصادية

دخلت القضية الآن مرحلة جديدة. ففي أكتوبر 2026، أعلن وزير المياه والطاقة هبتامو إيتيفا أن إثيوبيا أنشأت لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية والفرص التنموية الضائعة المرتبطة بمشروعات مائية تقول إثيوبيا إنها «عُرقلت أو جرى الحيلولة دون تنفيذها من جانب المصريين». ووفقًا للوزير، حددت اللجنة أكثر من 22 مشروعًا، من بينها سد النهضة.

وقال: «الهدف الأول هو تحديد إجمالي الخسائر التي تكبدتها إثيوبيا والمطالبة بها نتيجة عرقلة تنميتنا. وقد أعددنا قائمة بأكبر عدد ممكن من المشروعات التي عارضوها، بما في ذلك سد النهضة».

وتتجاوز أهمية هذه المبادرة مسألة التعويضات؛ فهي تمثل محاولة لتحديد حجم أحد أبعاد النزاع حول النيل، الذي ظل في كثير من الأحيان محصورًا في المواقف السياسية والخطابات، ويتمثل في الفرص التنموية التي تقول إثيوبيا إنها فقدتها بسبب المعارضة الخارجية.

وإذا جرى توثيق هذا التقييم على نحو سليم، مشروعًا تلو الآخر، فقد يوفر أساسًا أكثر واقعية لفهم الكيفية التي أثرت بها الضغوط الدبلوماسية والقيود التمويلية والتنافس الجيوسياسي في تطوير البنية التحتية الإثيوبية على مدى عدة عقود.

البنية التحتية المائية والأمن الغذائي

أكدت إثيوبيا مرارًا أن استكمال بناء سد واحد لا يلبي جميع احتياجاتها التنموية. فلا يمكن بصورة معقولة توقع أن تجمد دولة يزيد عدد سكانها على 120 مليون نسمة، وتواجه تحضرًا سريعًا وتصنيعًا وانعدامًا للأمن الغذائي وارتفاعًا في الطلب على الكهرباء، تطوير بنيتها التحتية المائية عند المستوى الذي كانت عليه قبل إنشاء سد النهضة.

فالبلاد بحاجة إلى مزيد من الكهرباء للمنازل والمدارس والمستشفيات وأنظمة الري والمناطق الصناعية ومرافق التصنيع والبنية التحتية للنقل والخدمات الرقمية. كما تحتاج إلى مرافق موثوقة لتخزين المياه من أجل تقليل اعتمادها على هطول الأمطار الذي تزداد صعوبة التنبؤ به.

وتوصف إثيوبيا على نطاق واسع بأنها «برج المياه في شرق أفريقيا»، نظرًا إلى غزارة الأمطار في مرتفعاتها واتساع شبكات أنهارها. غير أن امتلاك الموارد المائية لا يعني بالضرورة توافر البنية التحتية اللازمة للاستفادة منها. وتضم أحواض الأنهار الرئيسية في البلاد إمكانات كبيرة لتوليد الطاقة الكهرومائية والري وإمدادات المياه، لا يزال جزء كبير منها غير مستغل.

وتتجلى الفجوة التنموية بوضوح في محدودية الحصول على الكهرباء وضعف الإنتاجية الزراعية. فقد اعتمد ملايين الإثيوبيين تاريخيًا على الكتلة الحيوية التقليدية في الطهي وتوفير الطاقة المنزلية، بينما لا يزال استهلاك الفرد من الكهرباء منخفضًا مقارنة بالمعايير الدولية. وفي الوقت نفسه، لا يزال جزء كبير من الاقتصاد الزراعي يعتمد على الأمطار الموسمية، ما يجعل ملايين المزارعين عرضة للجفاف وعدم انتظام هطول الأمطار والصدمات المناخية المتزايدة الحدة.

ويمكن للخزانات متعددة الأغراض، إذا صُممت على نحو سليم، أن توفر الكهرباء ومياه الري والإمدادات المنزلية وتنظيم الفيضانات وإدارة الجفاف في آن واحد. كما يمكنها إنشاء بنية تحتية تدعم تسويق المنتجات الزراعية والتصنيع، مع الحد من التقلبات الناجمة عن الأمطار الموسمية.

وتظل الزراعة عنصرًا محوريًا في الاقتصاد الإثيوبي وهيكل العمالة فيه. غير أن الاعتماد على الزراعة المطرية يجعل ملايين المزارعين عرضة للتقلبات المناخية. ويمكن لتوسيع نطاق الري أن يغير هذه المعادلة بصورة جوهرية. فالسدود متعددة الأغراض، المرتبطة بشبكات ري حديثة، يمكن أن تتيح للمزارعين الانتقال من الاعتماد على موسم مطري واحد إلى دورات زراعية أكثر انتظامًا، بل وإلى مواسم زراعية متعددة حيثما تسمح الظروف بذلك.

ولذلك، ينبغي ألا يقتصر الهدف على بناء مزيد من الخزانات، بل يجب أن يتمثل في إنشاء أنظمة متكاملة للمياه والزراعة، تتطور فيها مرافق التخزين والري والطرق والكهرباء والأسواق ومرافق حفظ المنتجات والتصنيع الزراعي بصورة مترابطة.

إنشاء احتياطيات مائية

تتسم الأمطار في إثيوبيا بالموسمية الشديدة والتفاوت الجغرافي. إذ تتدفق كميات كبيرة من المياه سنويًا خلال موسم مطير قصير نسبيًا، في حين تشهد مناطق عديدة فترات جفاف ممتدة. وينشأ عن ذلك تحدٍ أساسي في إدارة المياه؛ فقد تصل كميات كبيرة منها خلال أسابيع أو أشهر قليلة، بينما تحتاج المجتمعات والمزارع إلى إمدادات موثوقة على مدار العام.

وتوفر البنية التحتية للتخزين إحدى الوسائل لمعالجة هذا الاختلال. إذ يمكن للخزانات المصممة جيدًا احتجاز جزء من المياه الفائضة خلال فترات الأمطار الغزيرة، ثم إطلاقها تدريجيًا خلال فترات الجفاف. كما يمكنها الحد من ذروة الفيضانات، وتحسين موثوقية الري، ودعم توليد الكهرباء عندما تنخفض التدفقات الطبيعية للأنهار.

ومن المرجح أن تزداد أهمية تخزين المياه مع اشتداد التقلبات المناخية. ولا تستطيع إثيوبيا التحكم في تغير المناخ العالمي، لكنها تستطيع تعزيز قدرتها على إدارة آثاره من خلال إنشاء الخزانات، واستعادة مستجمعات المياه، وتوسيع الري، وصون التربة، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين التنبؤات الهيدرولوجية.

ولذلك، يجب أن يصاحب بناء السدود اهتمام جاد بإدارة مستجمعات المياه. فالتشجير وصون التربة ومكافحة التعرية وإدارة الرواسب أمور أساسية، لأن الأداء طويل الأمد للخزانات لا يعتمد على التصميم الهندسي وحده، بل أيضًا على حالة الأحواض المائية التي تغذيها.

الاستخدام المنصف للمياه

لا يتعارض سعي إثيوبيا إلى تطوير مزيد من البنية التحتية المائية بطبيعته مع التعاون مع دول المصب. بل على العكس، يوفر مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول إطارًا يمكن من خلاله الاعتراف بالمصالح التنموية لجميع دول حوض النيل.

وفي تأكيد لهذا الأساس القانوني، قال رئيس الوزراء آبي أحمد: «تؤكد إثيوبيا مجددًا حقها القانوني في الاستخدام المنصف والمعقول لمياه النيل. إن تنميتنا تسعى إلى تحقيق السلام والنمو المشترك والمنفعة المتبادلة، وليس إلحاق الضرر بدول المصب».

ويكتسب ذلك أهمية خاصة لأن دول حوض النيل لا تتمتع بمستويات متطابقة من التنمية أو الضغوط السكانية أو توافر المياه أو الاحتياجات الاقتصادية. ولذلك، يجب أن يأخذ أي إطار مستدام لإدارة الحوض في الحسبان التحولات الديموغرافية والاحتياجات التنموية المشروعة، بدلًا من تجميد الحوض عند أنماط الاستخدام التاريخية.

وبناءً على ذلك، يمكن صياغة الموقف الإثيوبي باعتباره ليس مطالبة باستخدام غير محدود للمياه، بل مطالبة بتحقيق التنمية ضمن إطار تعاوني قائم على القواعد. ويمكن لإثيوبيا الاعتراف بمصالح دول المصب، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن لشعبها مصالح مشروعة أيضًا في الحصول على الكهرباء وتوسيع الري وتعزيز الأمن الغذائي وتحقيق التنمية الاقتصادية.

الجغرافيا السياسية للضغوط التنموية

أدى سعي إثيوبيا إلى تطوير الطاقة الكهرومائية والزراعة وتأمين منفذ إلى البحر الأحمر إلى تغيير الحسابات الاستراتيجية الإقليمية وإثارة مخاوف جديدة لدى الدول المجاورة. وتؤكد إثيوبيا أن مشروع سد النهضة ضروري لتنميتها، وأنه يمكن تشغيله دون إلحاق ضرر كبير بدول المصب. ونتيجة لذلك، تطور الخلاف ليصبح نزاعًا على المياه ومنافسة جيوسياسية أوسع في آن واحد.

ومن وجهة النظر الإثيوبية، لا يمكن بحث النزاع على الموارد المائية بمعزل عن البيئة الجيوسياسية الأوسع المحيطة بالبلاد. وعلى وجه الخصوص، أثار مسؤولون إثيوبيون وفاعلون سياسيون بصورة متزايدة مخاوف مما يعتبرونه تقاربًا بين مصر وإريتريا يهدف إلى تقييد النفوذ الإقليمي لإثيوبيا ومسارها التنموي.

وتستند الرواية المتعلقة بالتقارب المصري الإريتري إلى حجة مفادها أن القاهرة وأسمرة وجدتا أرضية استراتيجية مشتركة في معارضة توسع القدرات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية لإثيوبيا.

وتنبع أهمية هذه العلاقة جزئيًا من الموقع الاستراتيجي لإريتريا على البحر الأحمر، ومن القلق المصري طويل الأمد إزاء تنامي نفوذ إثيوبيا في القرن الأفريقي.

كما تدعم مصر وإريتريا قوى معادية للحكومة الإثيوبية، وتسهمان في تهيئة بيئة أمنية إقليمية تفرض ضغوطًا إضافية على أديس أبابا. وتشمل هذه الادعاءات ما يتعلق بالضغوط الدبلوماسية والشبكات السياسية ودعم أطراف معارضة للحكومة الإثيوبية.

إن إثيوبيا الأقوى تعني زيادة إنتاج الكهرباء، وتوسيع نطاق الري، وتعزيز القدرات الصناعية، وزيادة عائدات النقد الأجنبي، وامتلاك قدرة أكبر على اتباع دبلوماسية إقليمية مستقلة. كما تعني وجود دولة تتمتع بنفوذ أكبر في علاقاتها مع الدول المجاورة، وقدرة أوسع على السعي لتحقيق طموحها طويل الأمد في الحصول على منفذ موثوق ومفيد للطرفين إلى البحر الأحمر.

ولا تتمثل الاستجابة المناسبة في المواجهة وحدها. فالرد الأقوى على الضغوط الخارجية يكمن في تسريع التنمية، وتعزيز المرونة المؤسسية، وتحقيق الاعتماد المالي على الذات، ومواصلة الانخراط الدبلوماسي. وكل ميغاواط إضافي من الكهرباء المنتجة، وكل هكتار جديد يدخل نطاق الري، وكل استثمار صناعي يجري استقطابه، وكل ربط كهربائي إقليمي يتم إنجازه، يمكن أن يقلل من مواطن الضعف التي قد تستغلها الأطراف الخارجية.

الجيل القادم من السدود

لعل أهم درس يمكن استخلاصه من تجربة سد النهضة يتعلق بالتمويل أكثر من السياسة. فقد أثبتت إثيوبيا أن بالإمكان تمويل مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية الكبرى من خلال حشد موارد محلية كبيرة، عندما يكون التمويل الخارجي التقليدي غير متاح أو معقدًا سياسيًا. غير أن المرحلة المقبلة تتطلب نهجًا أكثر تطورًا.

وينبغي أن تظل الموارد المحلية عنصرًا أساسيًا، مع إمكانية دمجها بتمويل ميسر مصمم بعناية، واستثمارات القطاع الخاص، ورؤوس أموال المغتربين، واستثمارات المؤسسات، والتمويل الأخضر، والعائدات المتحققة من صادرات الكهرباء. ويتمثل الهدف في بناء نظام متنوع لتمويل البنية التحتية يقلل من التعرض للضغوط السياسية التي قد يمارسها أي طرف خارجي بمفرده.

وتكتسب صادرات الكهرباء أهمية خاصة في هذا الصدد. إذ تتيح زيادة القدرة الإنتاجية لإثيوبيا إمكانية تحويل الطاقة الكهرومائية إلى عائدات من النقد الأجنبي، بالتزامن مع دعم التصنيع داخل البلاد. ولذلك، يمكن لصادرات الكهرباء إلى الدول المجاورة أن تحقق هدفين: تعزيز الترابط الاقتصادي الإقليمي وتحسين قدرة إثيوبيا على تمويل مشروعات البنية التحتية المستقبلية.

كما أن تعزيز النظام المالي المحلي من شأنه أن يمكّن إثيوبيا من تعبئة مدخراتها بصورة أكثر فاعلية. ويمكن لصناديق التقاعد ومؤسسات التأمين والبنوك وبرامج الادخار طويلة الأجل وأسواق رأس المال أن تصبح مصادر لتمويل البنية التحتية، إذا وُضعت الضمانات المناسبة وأُنشئت أطر استثمارية ملائمة.

ويمثل سد النهضة محطة تاريخية، لكن لا ينبغي النظر إليه باعتباره نهاية مسار إثيوبيا في تطوير مواردها المائية. ويتمثل التحدي المقبل في بناء استراتيجية وطنية متكاملة للمياه تشمل الأحواض النهرية الرئيسية في البلاد.

التكامل الإقليمي

توفر إمكانات إثيوبيا في مجال الطاقة الكهرومائية أيضًا فرصة قوية لتعزيز التكامل الإقليمي. إذ يمكن نقل الكهرباء عبر الحدود دون كثير من التعقيدات اللوجستية المرتبطة بنقل السلع المادية. وفي تأكيد لهذه الرؤية، شدد رئيس الوزراء آبي أحمد قائلًا: «سيكون التكامل الإقليمي والتجارة عاملين حاسمين في مستقبل قارتنا، إذ سيسمحان لنا بتجاوز الاعتماد على السلع الأولية وتسريع تنميتنا المشتركة».

ويمكن لإثيوبيا إنتاج الكهرباء المتجددة وتصديرها إلى الدول المجاورة، واستخدام العائدات الناتجة عن ذلك لتمويل مزيد من التنمية الاقتصادية. ويمكن للسودان وجيبوتي وكينيا وغيرها من الدول المجاورة الاستفادة من كهرباء موثوقة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية نسبيًا، في حين تستفيد إثيوبيا من عائدات التصدير وتعزيز علاقاتها الاقتصادية الإقليمية.

ويوفر ذلك بديلًا مهمًا للتصور التقليدي للسياسة المتعلقة بالنيل، القائم على معادلة صفرية يفوز فيها طرف ويخسر آخر. فبدلًا من التساؤل عن الدولة التي تكسب أو تخسر من كل متر مكعب من المياه، يمكن للمنطقة أن تركز بصورة متزايدة على كيفية تسخير الموارد المائية المشتركة لتوليد مزيد من الكهرباء وإنتاج المزيد من الغذاء وزيادة التجارة وتعزيز الأمن الاقتصادي للجميع.

الخاتمة

تستند حجة إثيوبيا بشأن مواصلة تطوير مواردها المائية إلى حقيقة واضحة: لا يمكن لدولة القضاء على الفقر، وزيادة إنتاج الغذاء، وتحقيق التصنيع، وتوفير الطاقة الحديثة لسكانها، بينما تظل إمكانات كبيرة من مواردها المائية والبنية التحتية المرتبطة بها غير مستغلة.

وقد أثبت سد النهضة أن إثيوبيا قادرة على تجاوز عقبات مالية وجيوسياسية كبيرة من خلال الحشد المحلي والعزم الاستراتيجي. كما توفر مبادرة الحكومة الرامية إلى توثيق أكثر من 22 مشروعًا تقول إن مصر عرقلتها فرصة لدراسة البُعد التاريخي للنزاع بالاستناد إلى الأدلة بدلًا من الخطاب السياسي.

ولذلك، لم تعد القضية الأساسية تتمثل في ما إذا كانت إثيوبيا ستطور مواردها المائية، بل في الكيفية التي ستفعل بها ذلك. فبالنسبة إلى إثيوبيا، يتجاوز تطوير المياه مسألة بناء السدود بكثير؛ إذ يتعلق بتحويل الأمطار وتدفقات الأنهار إلى كهرباء وري وغذاء وفرص عمل وإنتاج صناعي وفرص اقتصادية. أما بالنسبة إلى حوض النيل الأوسع، فيتمثل الخيار في مواصلة التعامل مع تطوير الموارد المائية بوصفه صراعًا جيوسياسيًا صفريًا، أو الاعتراف بالبنية التحتية المائية باعتبارها أساسًا محتملًا للتكامل الإقليمي.

ولا يمكن إخضاع التطلعات التنموية المشروعة لإثيوبيا إلى أجل غير مسمى لأنماط الاستخدام التاريخية للمياه. ومن ثم، فإن الاستراتيجية الإثيوبية الأقوى لا تقوم على المواجهة أو التراجع، بل على الأدلة والهندسة والمرونة المالية والإدارة المسؤولة للموارد والدبلوماسية. وإذا تمكنت إثيوبيا من الجمع بين هذه العناصر، فإن أنهارها يمكن أن تتحول من أدوات للتنافس الإقليمي إلى ركائز للتحول الوطني والأمن الغذائي وأمن الطاقة والازدهار المشترك في أنحاء القرن الأفريقي.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023