إثيوبيا وأسبوع الحسم الاستراتيجي: التكامل والحوار الوطني وخطوة جريئة نحو المطالبة بتعويضات عن أضرار التنمية في حوض النيل

بقلم: هيئة التحرير

27 سبتمبر – 3 أكتوبر 2026

اختتمت إثيوبيا الأسبوع بسلسلة من التطورات التي أكدت دورها المتنامي والحازم في رسم ملامح المستقبل السياسي والاقتصادي والاستراتيجي لمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل.

فمن الدفع بالتكامل الاقتصادي الإقليمي، ونقل الحوار الوطني الذي طال انتظاره نحو مرحلة التنفيذ، إلى إطلاق تقييم رسمي للخسائر الاقتصادية المرتبطة بمشروعات المياه التي مصر عرقلتها، أظهرت البلاد إصراراً متزايداً على مواصلة التنمية وتحقيق التوافق الوطني والدفاع عما تعتبره مصالحها المشروعة في المنطقة وحقوقها في الموارد المائية.

وشهد الأسبوع أيضاً اتخاذ إثيوبيا إجراءات دبلوماسية حازمة تجاه إريتريا ومصر، مع استمرارها في التأكيد على التعايش السلمي والاستقرار الإقليمي والتعاون.

التكامل الإقليمي: إثيوبيا تتطلع إلى ما وراء حدودها

سلّطت مشاركة رئيس الوزراء آبي أحمد في مراسم وضع حجر الأساس لمصفاة النفط الكينية الضخمة في لامو الضوء على استمرار مساعي إثيوبيا لتعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي.


 

ومن المتوقع أن تصبح المصفاة، التي تدعمها مجموعة دانغوتي، إضافة رئيسية إلى البنية التحتية للطاقة في شرق إفريقيا. وتقع المنشأة على طول ممر لامو – جنوب السودان – إثيوبيا للنقل الاستراتيجي، وقد صُممت لمعالجة النفط الخام وتوفير المنتجات النفطية المكررة، بما فيها البنزين والديزل ووقود الطائرات، للأسواق الإقليمية.

وقال رئيس الوزراء آبي، خلال المراسم التي حضرها رؤساء دول وحكومات إفريقية، ورجل الأعمال والصناعي أليكو دانغوتي، ووزراء وسفراء وشخصيات بارزة أخرى، إن المشروع سيوفر لإثيوبيا مصدراً إقليمياً إضافياً للمنتجات النفطية المكررة، إلى جانب إتاحة فرص جديدة للتجارة والاستثمار.

وظلت الاقتصادات الإفريقية لسنوات تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود المكرر خارج القارة، الأمر الذي جعلها عرضة لاضطرابات الأسواق العالمية وتقلبات الأسعار. ومع توسع المدن الإفريقية وارتفاع الطلب الصناعي، شدد آبي على أهمية تطوير قدرات التكرير بالقرب من المستهلكين الأفارقة وبناء أنظمة إمداد إقليمية أكثر قدرة على الصمود.

وقال: «توفر مصفاة لامو وسيلة لتغيير هذا التوازن»، مشيراً إلى أن المشروع يمكن أن يقرّب قدرات تكرير النفط من الأسواق الإقليمية.

ولا تقتصر الأهمية الاستراتيجية للمشروع على إنتاج الوقود، إذ إن موقعه على طول ممر لامو – جنوب السودان – إثيوبيا للنقل يمكن أن يعزز الروابط بين مراكز الإنتاج وشبكات النقل والأسواق الإقليمية، بما يسهم في زيادة الترابط بين اقتصادات شرق إفريقيا.

ووفقاً لمجموعة دانغوتي، فإن مصفاة النفط في لامو بكينيا، التي تبلغ تكلفتها 16 مليار دولار أمريكي وتصل طاقتها الإنتاجية المخططة إلى 700 ألف برميل يومياً، تمثل خطوة رئيسية في مسيرة التصنيع الإفريقي.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، يحمل المشروع دلالة أوسع، تتمثل في تنامي النظر إلى البنية التحتية الإقليمية ليس باعتبارها أصولاً وطنية فحسب، بل أيضاً أساساً للنمو الاقتصادي المشترك وتعزيز قدرة المنطقة على مواجهة التحديات.

الحوار الوطني يدخل مرحلة جديدة

على الصعيد الداخلي، انتقل الحوار الوطني الإثيوبي من مرحلة المداولات إلى مرحلة التنفيذ.


 

وسلّمت لجنة الحوار الوطني الإثيوبي رسمياً بنود جدول الأعمال والتوصيات التي جرى توحيدها إلى مجلس نواب الشعب والحكومة الاتحادية والحكومات الإقليمية، بحضور رئيس الوزراء آبي أحمد.

ويمثل هذا التسليم تحولاً مهماً من المشاورات على مستوى البلاد وبناء التوافق إلى النظر المؤسسي في التوصيات والعمل على تنفيذها.

وقال رئيس الوزراء آبي إنه حضر عملية التسليم الرسمية وأشرف عليها، واصفاً إياها بأنها محطة مهمة في مسار الحوار الوطني بالبلاد.

من جانبه، قال رئيس لجنة الحوار الوطني الإثيوبي، البروفيسور مسفن أرايا، إن العملية أثبتت قدرة الإثيوبيين على الانخراط في حوار حضاري، وتجاوز الخلافات، وبناء التوافق حول القضايا الوطنية المشتركة.

وقد أُنشئت اللجنة بموجب الإعلان رقم 1265 لسنة 2021، وكُلّفت بالمساعدة على معالجة المظالم والخلافات التاريخية المتجذرة من خلال عملية وطنية شاملة وسلمية ومنظمة.

وأجرت اللجنة مشاورات في الولايات الإقليمية الإثيوبية الاثنتي عشرة، وفي إدارتي مدينتي أديس أبابا ودير داوا، وجمعت أكثر من ألفي مقترح بشأن جدول الأعمال من المواطنين. وحقق الحوار الوطني لاحقاً توافقاً بشأن المحاور الموضوعية الثمانية، قبل تنسيق بنود جدول الأعمال والتوصيات وتوحيدها في صيغة متكاملة.

ولم يعد التحدي الآن مقتصراً على التوصل إلى التوافق، بل أصبح يتمثل في تحويل هذا التوافق إلى إجراءات مؤسسية ملموسة.

ويأتي هذا التطور مع دخول إثيوبيا مرحلة سياسية جديدة عقب اختتام الانتخابات العامة السابعة وتشكيل المجالس الإقليمية ومجالس المدن المنتخبة حديثاً. وقد أكملت المجالس الإقليمية تشكيل حكوماتها وانتخاب كبار المسؤولين الإداريين، ما أرسى الأساس المؤسسي للمرحلة المقبلة من الحكم.

خطوة إثيوبية جريئة بشأن النيل: تقييم تكلفة عرقلة التنمية

لعل أبرز التطورات المتعلقة بالنيل خلال الأسبوع جاء من وزارة المياه والطاقة.

فقد أنشأت إثيوبيا لجنة وطنية لتقييم الخسائر الاقتصادية وفرص التنمية الضائعة المرتبطة بمشروعات المياه التي تقول البلاد إن «المصريين منعوها أو عرقلوها».

وفي مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية، قال وزير المياه والطاقة هبتامو إيتيفا إن اللجنة حددت حتى الآن أكثر من 22 مشروعاً تنموياً، من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير، تقول إثيوبيا إنها واجهت عرقلة من مصر.


 

وقال الوزير: «لقد أنشأنا لجنة وطنية. وبصفتنا لجنة، أحصينا أكثر من 22 مشروعاً منعها المصريون أو عرقلوها، بما في ذلك مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير».

وتعمل اللجنة حالياً على جمع الأدلة ودراسة الأسس التي يمكن أن تستند إليها مطالبات إثيوبيا المحتملة بالتعويض.

وأوضح هبتامو أن عملية التقييم يشارك فيها خبراء ووزراء سابقون ومستشارون ومتخصصون قانونيون، يدرسون حجم الخسائر المزعومة والفرص الضائعة والسبل الممكنة لمعالجتها.

وقال: «نحن نجمع الأدلة بالفعل»، مضيفاً أن إثيوبيا وثّقت مشروعات تقول إن مصر عارضتها، بما فيها سد النهضة الإثيوبي الكبير.

وتضيف هذه الخطوة بُعداً جديداً إلى موقف إثيوبيا المستمر بشأن الاستخدام المنصف لمياه حوض النيل وتنميتها. فبدلاً من حصر النقاش في بناء سدود بعينها وتشغيلها، تسعى إثيوبيا الآن إلى تحديد القيمة الاقتصادية والتنموية الأوسع لما تعتبره تكاليف ناجمة عن عقود من القيود المفروضة على استخدام مياه النيل.

ومن ثم، قد يشكل إنشاء اللجنة بداية لجهد إثيوبي أكثر تنظيماً لوضع البُعد الاقتصادي للسياسة المتعلقة بالنيل في صلب المناقشات المستقبلية.

جبهة دبلوماسية أكثر حزماً

اتخذت إثيوبيا أيضاً خلال الأسبوع إجراءات دبلوماسية اتسمت بقدر غير معتاد من الحزم.

فقد أعلنت وزارة الخارجية إغلاق السفارة الإثيوبية في أسمرة، واعتبار عشرة دبلوماسيين إريتريين أشخاصاً غير مرغوب فيهم، وأمرتهم بمغادرة إثيوبيا خلال 48 ساعة.


 

وقالت الوزارة إن القرار جاء رداً على ما وصفته بأعمال عدائية وتصرفات عدوانية مباشرة وغير مباشرة من جانب إريتريا تجاه إثيوبيا، بما في ذلك أنشطة قالت إنها تشكل تهديداً للأمن القومي وتنتهك المبادئ المنظمة للعلاقات الدبلوماسية.

وعلى الرغم من هذه الإجراءات، أكدت إثيوبيا تقديرها للروابط التاريخية والثقافية والعلاقات الشعبية بين البلدين، وتمسكها بالتعايش السلمي والاستقرار والتكامل الإقليمي.

وفي تطور دبلوماسي آخر، أعلنت إثيوبيا أحد أعضاء الطاقم الدبلوماسي المصري شخصاً غير مرغوب فيه، وأمرته بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة.

وقالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن القرار اتُخذ وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية، وهي الإطار الدولي المنظم للعلاقات بين الدول.

وجاءت الإجراءات الدبلوماسية المتزامنة المتعلقة بإريتريا ومصر في ظل النهج الإقليمي والدبلوماسي الإثيوبي الأكثر حزماً، ولا سيما فيما يتعلق بالنيل.

ومع ذلك، واصلت أديس أبابا تأكيد أن نهجها العام يقوم على تسوية النزاعات سلمياً، والمساواة في السيادة، والتعاون الإقليمي، وتحقيق الاستقرار طويل الأمد في القرن الإفريقي.

البُعد الثقافي

احتفل مئات الآلاف من الأشخاص بمناسبة هورا فنفني، التي تشكل جزءاً من مهرجان إيريتشا السنوي للشكر، في أديس أبابا، في مشهد نابض بالحياة جسّد ثقافة الأورومو وتقاليدها ووحدتها، وجمع أعداداً كبيرة من المشاركين.

وتجمع أشخاص من مناطق مختلفة في إثيوبيا، مرتدين الأزياء التقليدية الملونة، في موقع هورا فنفني صباح السبت للاحتفال بإيريتشا، وهو طقس تقليدي للشكر لدى شعب الأورومو يُقام في نهاية موسم الأمطار وبداية موسم الحصاد.


 

وفي اليوم التالي، احتُفل بمهرجان إيريتشا هورا أرسيدي للشكر لدى شعب الأورومو في مدينة بشفتو، وسط أجواء احتفالية مميزة، حيث توافدت حشود كبيرة إلى ضفاف البحيرة وأماكن التجمع العامة في أنحاء المدينة.

وشارك في احتفالات هذا العام أفراد من مختلف فئات المجتمع، بمن فيهم آباء غادا وأمهات سينقي، إلى جانب ممثلين عن المؤسسات الثقافية والمجتمعية.

أسبوع يكشف عن توجه استراتيجي أوسع

تكشف تطورات الأسبوع مجتمعة عن تحرك إثيوبيا على جبهات استراتيجية متعددة في الوقت نفسه. فعلى الصعيد الاقتصادي، تعمّق البلاد التكامل الإقليمي وتسعى إلى إقامة روابط أقوى مع شبكات البنية التحتية والطاقة الناشئة في شرق إفريقيا. وعلى الصعيد السياسي، دخل الحوار الوطني مرحلته الأكثر أهمية، مع انتقال التوصيات من المشاورات الوطنية إلى المؤسسات المسؤولة عن تنفيذها.

وفي ملف النيل، أدخلت إثيوبيا بُعداً جديداً محتملاً إلى نزاعها الممتد مع مصر، من خلال إنشاء آلية رسمية لتقييم الخسائر الاقتصادية المزعومة وفرص التنمية الضائعة.

أما دبلوماسياً، فقد أظهرت أديس أبابا استعدادها لاتخاذ إجراءات حازمة عندما ترى أن أمنها القومي ومصالحها السيادية يتعرضان للتحدي، مع استمرارها في التأكيد أن التعايش السلمي والتعاون الإقليمي يظلان خيارها المفضل.

ومع اقتراب إثيوبيا من تشكيل حكومة اتحادية جديدة عقب الانتخابات العامة السابعة، تشير هذه التطورات إلى توجه استراتيجي أوسع يقوم على تعزيز التكامل الاقتصادي، وتقوية المؤسسات الوطنية، واعتماد نهج أكثر حزماً في الدفاع عن مصالح إثيوبيا المائية والتنموية، والعمل بإصرار على رسم مستقبل القرن الإفريقي من موقع أكثر ثقة.

وعليه، لم يكن الأسبوع مجرد مجموعة من الأحداث السياسية والاقتصادية المنفصلة، بل أتاح لمحة عن النهج الإثيوبي الآخذ في التشكل، والذي يجمع بين تعزيز التعاون عندما يخدم التنمية، وبناء التوافق في الداخل، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية، والسعي إلى امتلاك صوت أقوى في شؤون المنطقة.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023