ما بعد سد النهضة: الخطوة الإثيوبية التالية بشأن نهر النيل - ENA عربي
ما بعد سد النهضة: الخطوة الإثيوبية التالية بشأن نهر النيل
30 سبتمبر 2026 (إينا)
أثبت الإنجاز الناجح لسد النهضة وافتتاحه أن إثيوبيا تمتلك القدرات الهندسية والمؤسسية والمالية اللازمة لتنفيذ مشروعات ذات حجم تاريخي. كما فتح هذا الإنجاز المجال أمام تساؤل أوسع: ما الخطوة التالية في مسيرة إثيوبيا لتطوير حوض نهر أباي (النيل الأزرق)؟
إن سد النهضة يتجاوز كونه مجرد مشروع واحد لتوليد الطاقة الكهرومائية. فبقدرة إنتاجية مركبة تبلغ 5150 ميغاواط، وسعة تخزينية تقدر بنحو 74 مليار متر مكعب، يمثل السد أحد أكبر مشروعات البنية التحتية في إثيوبيا، وخطوة مهمة نحو توسيع قدرة البلاد على تطوير مواردها المائية وموارد الطاقة.
وقد وفّرت الخبرات المتراكمة من خلال تنفيذ سد النهضة، بدءاً من الهندسة وإدارة المشروعات، مروراً بالتمويل والتنسيق المؤسسي، وصولاً إلى تنمية الموارد البشرية، قاعدة معرفية واسعة تتيح لإثيوبيا دراسة مشروعات إضافية في مجال الموارد المائية.
حوض أباي يمتلك إمكانات أكبر
لا يمثل سد النهضة الفرصة الوحيدة لتوليد الطاقة الكهرومائية التي جرى تحديدها في منظومة النيل الأزرق الإثيوبية.
فقد توصل تقييم أجراه المعهد الدولي لإدارة المياه إلى تحديد أكثر من 120 موقعاً محتملاً لتوليد الطاقة الكهرومائية على امتداد النيل الأزرق الإثيوبي، فيما خضع 26 موقعاً لدراسات أكثر تفصيلاً في إطار الخطة الرئيسية لحوض نهر أباي. كما حدد التقييم إمكانات كبيرة لتطوير المزيد من مشروعات الطاقة الكهرومائية، إلى جانب مشروعات الري.
وتشير أبحاث أحدث إلى إمكانية دمج توليد الطاقة الكهرومائية مع تطوير مشروعات الري. فقد أظهرت أبحاث متاحة عبر جامعة أديس أبابا أن سلسلة من أربعة مشروعات متتابعة يمكن أن تنتج ما يصل إلى نحو 38 تيراواط ساعة من الكهرباء سنوياً، وفق سيناريو يركز على توليد الطاقة الكهرومائية، في حين يتطلب دمج مشروعات الري تحقيق التوازن بين إنتاج الكهرباء واحتياجات استخدام المياه.
ولا تعني هذه النتائج أن جميع المشروعات المحددة ينبغي تنفيذها تلقائياً، بل توضح أن حوض أباي يضم مجموعة واسعة من الفرص التي جرى تحديدها من الناحية الفنية، ويمكن تقييمها وفقاً للجدوى الاقتصادية والاستدامة البيئية والتأثيرات على دول المصب وأولويات إثيوبيا التنموية طويلة الأجل.
من مشروع عملاق واحد إلى استراتيجية تنموية أوسع
وبالنسبة لإثيوبيا، فإن الأهمية الاستراتيجية لسد النهضة تتجاوز بالتالي مجرد توليد الكهرباء.
فمن الممكن أن تسهم البنية التحتية الإضافية للطاقة الكهرومائية والري، إذا جرى التخطيط لها بعناية، في تعزيز إمدادات الكهرباء والإنتاجية الزراعية والأمن الغذائي والتصنيع والربط الكهربائي الإقليمي. كما يمكن للطاقة الكهرومائية أن تعزز قاعدة إثيوبيا في مجال الطاقة المتجددة، وأن تتيح فرصاً إضافية لتصدير الكهرباء.
ويتمثل الدرس الأساسي المستفاد من سد النهضة في أن مشروعات البنية التحتية الوطنية الكبرى تتطلب أكثر من مجرد البناء والتشييد؛ إذ تحتاج إلى تخطيط طويل الأجل، وقدرات مؤسسية، وآليات تمويل، وخبرات فنية، ومشاركة شعبية، والتزام وطني مستدام.
وقال سولومون زينا، المدير التنفيذي لمركز أبحاث ابتكار السياسات، لوكالة الأنباء الإثيوبية مؤخراً، إن على إثيوبيا البناء على الخبرات التي اكتسبتها من خلال سد النهضة.
وقال سولومون: «إن على الأمة المضي قدماً وبناء المزيد من السدود»، مشدداً على أن الإنجاز الناجح لسد النهضة أثبت ما يمكن للإثيوبيين تحقيقه من خلال الوحدة والعزيمة.
ويعكس هذا الطرح رؤية تنموية أوسع، مفادها أن سد النهضة لا ينبغي بالضرورة النظر إليه باعتباره نهاية طموحات إثيوبيا في مجال البنية التحتية المائية الكبرى، بل أساساً يمكن الانطلاق منه لتقييم المشروعات المستقبلية.
الحقوق التنموية والمياه المشتركة
غير أن النقاش بشأن بناء سدود إضافية لا يمكن فصله عن الخلاف الأوسع في حوض النيل.
فقد عارضت مصر مراراً التقارير المتعلقة ببناء سدود إثيوبية إضافية. وفي أغسطس 2026، قال وزير الري المصري هاني سويلم إن مصر لن تسمح لإثيوبيا ببناء سدود جديدة على النيل. كما دعا مسؤولون مصريون إلى التوصل إلى ترتيبات ملزمة قانونياً بشأن تشغيل سد النهضة وتدفقات مياه النيل.
وفي المقابل، تتمسك إثيوبيا بحقها في تطوير مواردها المائية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، مؤكدة أن مشروعاتها يمكن تنفيذها دون التسبب في أضرار جسيمة لدول المصب.
ويبرز هذا الخلاف، ولا سيما مع تصاعد التوترات بشأن معارضة مصر للمشروعات التنموية الإثيوبية، تحدياً جوهرياً في حوض النيل، يتمثل في كيفية تعزيز مبدأ الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، بما يحترم الحقوق التنموية لجميع دول الحوض.
ولذلك، ينبغي معالجة هذه القضية من خلال الأدلة والتقييمات الفنية والتعاون الحقيقي، وليس عبر محاولات تجميد التنمية، ولا سيما في دول المنبع بالحوض.
ما بعد سد النهضة
لقد غيّر إنجاز سد النهضة حجم المشروعات الوطنية التي يمكن لإثيوبيا التفكير في تنفيذها بصورة واقعية. فالبلاد تمتلك الآن خبرة مستمدة من أحد أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية في أفريقيا، في حين يضم حوض أباي مجموعة أوسع بكثير من فرص توليد الطاقة الكهرومائية وتطوير الري التي جرى تحديدها تاريخياً.
وبناءً على ذلك، ينبغي أن تركز المرحلة المقبلة على تطوير مشروعات السدود والبنية التحتية وفق تخطيط دقيق وأسس فنية سليمة وجدوى اقتصادية واضحة.
وينبغي دراسة السدود الإضافية كل مشروع على حدة، استناداً إلى البيانات الهيدرولوجية والعوائد الاقتصادية والتأثيرات البيئية والاجتماعية واحتياجات الري والقدرة على التكيف مع التغيرات المناخية وتطلعات إثيوبيا التنموية المستقبلية.
لقد أثبت سد النهضة قدرة إثيوبيا على البناء على نطاق غير مسبوق. أما السؤال الأكبر الآن، فيتمثل في كيفية تحويل هذه القدرة إلى استراتيجية طويلة الأجل ومتكاملة لتطوير حوض أباي، من شأنها توسيع إنتاج الطاقة النظيفة ودعم الزراعة والصناعة وتعزيز التكامل الكهربائي الإقليمي، وتحقيق الأهداف التنموية لإثيوبيا، مع مواصلة الانخراط البناء مع دول المصب.
وبالتالي، فإن درس سد النهضة لا يقتصر على أن إثيوبيا قادرة على بناء سد عملاق، بل يتمثل أيضاً في أنها اكتسبت الخبرة والثقة المؤسسية اللازمتين للتفكير فيما يتجاوز مشروعاً واحداً، ودراسة الجيل المقبل من مشروعات البنية التحتية التحويلية.