التعامل مع ظاهرة النينيو لعام 2026: تحويل التوقعات إلى إجراءات استباقية في القرن الأفريقي

بقلم: غيزاتشو ميكو

تقترب منطقة القرن الأفريقي من الأشهر الأخيرة من عام 2026، في ظل مؤشرات مناخية تزداد أهمية، تتمثل في اشتداد ظاهرة النينيو، التي قد تؤدي إلى هطول أمطار غزيرة بصورة ملحوظة في أجزاء من المنطقة، مع زيادة مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية وتضرر المحاصيل وانتشار الأمراض وتعطل البنية التحتية.

النينيو ظاهرة مناخية متكررة، تتمثل في ارتفاع درجات حرارة سطح البحر بصورة غير معتادة في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ الاستوائي، مما يؤدي إلى تغيرات في الدورة الجوية تؤثر في معدلات هطول الأمطار ودرجات الحرارة في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ. وتختلف آثار هذه الظاهرة باختلاف المناطق والفصول، مما يجعلها عاملاً مهماً في التنبؤات الموسمية والاستعداد للمخاطر المناخية.

وبالنسبة إلى القرن الأفريقي، تشير أحدث التوقعات إلى أن المنطقة لا تواجه موسماً ممطراً بصورة موحدة، ولا موسماً تنطوي مخاطره على درجة واحدة في جميع المناطق. بل يُرجح أن تتباين التأثيرات بدرجة كبيرة وفقاً للموقع الجغرافي وتوقيت هطول الأمطار وشدتها. وهذا ما يجعل القدرة على تحويل التوقعات إلى قرارات محلية مناسبة وفي الوقت الملائم أكثر أهمية من مجرد التنبؤ بما إذا كان الموسم المقبل ممطراً أم جافاً.

وأفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، في سبتمبر، بأن ظاهرة النينيو قد ترسخت بالفعل، ومن المتوقع أن تشتد لتصل إلى مستوى قوي جداً مع اقتراب نهاية عام 2026. وتشير توقعات المنظمة إلى احتمال مرتفع للغاية، يقترب من 100 في المائة، لاستمرار الظاهرة حتى فبراير 2027. كما حذرت المنظمة من أن تضافر ظاهرة النينيو مع الظروف المحيطية الأخرى قد يؤدي إلى تغيرات كبيرة في أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، مما يزيد مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة في مناطق مختلفة من العالم.

أما بالنسبة إلى منطقة القرن الأفريقي الكبرى، فتقدم أحدث التوقعات الإقليمية صورة أكثر تحديداً. إذ يتوقع مركز الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية للتنبؤات المناخية وتطبيقاتها احتمالاً بنسبة 90 في المائة لزيادة معدلات هطول الأمطار خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر في جنوب إثيوبيا ووسط وجنوب الصومال وشمال شرق كينيا. كما يشير المركز إلى ارتفاع احتمال تجاوز معدلات الأمطار الموسمية 400 مليمتر في أجزاء من وسط وجنوب الصومال ووسط كينيا وحوض بحيرة فيكتوريا وبوروندي وغرب رواندا وغرب تنزانيا.

ويكتسب موسم الأمطار الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر أهمية خاصة بالنسبة إلى عدد من بلدان المنطقة. ويشير المركز إلى أن هذا الموسم قد يمثل ما يصل إلى 70 في المائة من إجمالي الأمطار السنوية في أجزاء من إثيوبيا وكينيا والصومال، وما يصل إلى 40 في المائة في أجزاء من رواندا وبوروندي وتنزانيا وأوغندا. وبناءً على ذلك، فإن طبيعة هذه الأمطار وتوزيعها يمكن أن تكون لهما تداعيات كبيرة على الزراعة والثروة الحيوانية وتوافر المياه والأمن الغذائي.

الطبيعة المزدوجة للتوقعات

تنطوي التوقعات على فرص ومخاطر في آن واحد. فبالنسبة إلى المجتمعات التي تعاني نقص المياه وتدهور المراعي، يمكن أن تسهم زيادة الأمطار في تجديد الأنهار والخزانات والمياه الجوفية، واستعادة المراعي، وتحسين إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية. وفي المناطق الزراعية، يمكن أن تدعم الأمطار التي تهطل في الوقت المناسب وتتوزع بصورة جيدة عمليات الزراعة ونمو المحاصيل، مع تحسين الإمدادات الغذائية للأسر والأسواق.

غير أن الأمطار التي تهطل بكثافة مفرطة أو خلال فترة زمنية قصيرة قد تؤدي إلى نتائج معاكسة. فالهطولات الغزيرة قد تتجاوز قدرة شبكات تصريف المياه، وتتسبب في السيول المفاجئة والانهيارات الأرضية، وتجرف الأراضي الزراعية، وتتلف المحاصيل، وتعطل الطرق والجسور والمدارس والمرافق الصحية والأسواق. كما يمكن أن تؤدي الفيضانات إلى تلوث مصادر المياه وزيادة مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه.

ولذلك، يؤكد أحدث تقرير للمركز الإقليمي أن التوقعات الموسمية لا ينبغي تفسيرها على أنها ضمان لهطول الأمطار في موقع معين أو في يوم محدد. ويوصي المركز باستخدام التوقعات الموسمية إلى جانب التنبؤات الأسبوعية والشهرية، ومعلومات الرصد المناخي، والتوقعات الصادرة عن هيئات الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا الوطنية.

وتشكل درجات الحرارة بُعداً آخر للمخاطر. إذ يتوقع المركز تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة في معظم أنحاء منطقة القرن الأفريقي الكبرى، فيما تشير التوقعات العالمية للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية أيضاً إلى انتشار درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر.

ويمكن أن يؤدي اجتماع الحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة إلى ضغوط معقدة. فارتفاع درجات الحرارة يزيد الطلب على المياه ويضاعف الإجهاد الذي تتعرض له الثروة الحيوانية، في حين قد تتسبب الأمطار الكثيفة في الفيضانات ومخاطر انتشار الأمراض. وبعبارة أخرى، فإن زيادة الأمطار لا تعني بالضرورة زوال آثار الجفاف أو مواطن الضعف المناخي.

وتجسد إثيوبيا هذا التعقيد. إذ تُعد المناطق الجنوبية من البلاد ضمن المناطق المتوقع أن تشهد زيادة في معدلات هطول الأمطار خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر. ويمكن أن تدعم هذه الأمطار الأنشطة الزراعية والرعوية، ولا سيما في المناطق التي عانت فيها المجتمعات من ضغوط تتعلق بتوافر المياه والمراعي. وفي الوقت نفسه، قد تؤدي الأمطار الغزيرة إلى فيضانات محلية وتشبع التربة بالمياه وانجرافها، فضلاً عن تضرر الطرق والبنية التحتية الأخرى.

ويمتد هذا المزيج من الفرص والمخاطر إلى الصومال وكينيا وأوغندا ورواندا وبوروندي وتنزانيا. وستعتمد النتائج المحددة على المواقع التي ستهطل فيها الأمطار، وتوقيت هطولها، وسرعة تراكم كمياتها.

ولذلك، لا يقتصر السؤال المحوري على ما ستجلبه ظاهرة النينيو، بل يتعلق بمدى قدرة الحكومات والوكالات الإنسانية والمزارعين والرعاة والمجتمعات المحلية على الاستفادة من المعلومات المتاحة واتخاذ الإجراءات قبل تحول المخاطر المتوقعة إلى أزمات إنسانية واقتصادية.

من التوقعات إلى اتخاذ القرارات

يتيح وجود التوقعات المناخية فرصة ثمينة لاتخاذ إجراءات استباقية. إذ يمكن للسلطات الزراعية الاستفادة من المعلومات المناخية لتعديل التوصيات المتعلقة بمواعيد الزراعة، والترويج للأصناف الزراعية المناسبة، وتقديم الإرشادات للمزارعين بشأن إدارة التربة والمياه. وفي المناطق المتوقع تعرضها للفيضانات، يمكن للسلطات تعزيز شبكات تصريف المياه وتحديد المناطق التي ينبغي أن تراعي فيها قرارات الزراعة احتمالات الرطوبة المفرطة.

ويمكن للجهات المعنية بالثروة الحيوانية دعم الرعاة من خلال تزويدهم بالمعلومات المتعلقة بتوافر المراعي والمياه، وتعزيز مراقبة صحة الحيوانات، والاستعداد لحملات التطعيم، وتسهيل الحصول على الأعلاف عند الضرورة.

كما تستطيع سلطات المياه مراقبة الخزانات والأنهار والمناطق المعرضة للفيضانات، والاستعداد مسبقاً لتطبيق تدابير إدارة المياه. ويمكن للإدارات الحضرية تفقد شبكات تصريف المياه، وإزالة العوائق من المجاري المائية، وتحديد المجتمعات المحلية والبنية التحتية المعرضة لخطر الفيضانات.

ومن جانبها، يمكن للجهات المسؤولة عن البنية التحتية تقييم الطرق والجسور والعبارات والمنشآت المائية المعرضة للمخاطر قبل وصول الأمطار الغزيرة. وحيثما أمكن، يمكن تنفيذ أعمال الصيانة الوقائية قبل أن تصبح إمكانية الوصول إلى هذه المواقع صعبة.

وتضطلع السلطات الصحية أيضاً بدور مهم، إذ يمكن أن تؤدي الفيضانات والمياه الراكدة إلى زيادة مخاطر الإصابة بأمراض مثل الكوليرا والملاريا في المناطق المعرضة للخطر. ومن شأن تعزيز الترصد الصحي وتجهيز المرافق الصحية وتخزين الأدوية والإمدادات الأخرى مسبقاً أن يساعد الأنظمة الصحية على الاستجابة بسرعة أكبر عندما تبدأ الحالات في الارتفاع.

ويمكن لأنظمة الحماية الاجتماعية بدورها الاستعداد لتوفير الدعم للأسر التي قد تتأثر سبل عيشها. فالمساعدة المبكرة يمكن أن تساعد الأسر الضعيفة على تجنب بيع مواشيها وأدواتها ومخزون بذورها وغيرها من الأصول الإنتاجية لتلبية احتياجاتها الغذائية والمعيشية العاجلة.

وتشكل هذه التدابير جوهر العمل الاستباقي، الذي يقوم على تحديد المخاطر المتوقعة، ووضع عتبات متفق عليها، واتخاذ إجراءات محددة مسبقاً قبل أن تصبح التأثيرات شديدة.

الاستعداد الإقليمي جارٍ بالفعل

جرى بالفعل الاعتراف على المستوى الإقليمي بضرورة الانتقال من التنبؤات إلى التنفيذ. فقد ركز المنتدى الرفيع المستوى للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية بشأن الاستعداد لظاهرة النينيو، الذي عُقد في أديس أبابا خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر، على الاستعداد والعمل الاستباقي وتعزيز القدرة على الصمود.

ويدعو نداء العمل الصادر عن المنتدى إلى تحديث خطط الطوارئ الوطنية والمحلية وتفعيلها، مع وضع ترتيبات واضحة لعمليات الإجلاء وضمان وصول المساعدات الإنسانية.

كما يؤكد النداء الإقليمي أهمية التخزين المسبق للمواد الغذائية والإمدادات الصحية ومستلزمات المياه والصرف الصحي والنظافة، وحماية البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك الطرق والجسور والمرافق الصحية، وتعزيز الترصد للأمراض المرتبطة بالفيضانات، ومن بينها الكوليرا والملاريا.

ويدعو النداء كذلك إلى إصدار الإرشادات الزراعية في الوقت المناسب، وتطعيم الثروة الحيوانية، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية سبل عيش المجتمعات الرعوية.

وتكمن أهمية هذه التدابير في توقيت تنفيذها. فالمساعدات الغذائية التي تصل بعد أن تؤدي الفيضانات إلى قطع الطرق تكون أقل فاعلية من الإمدادات التي تُخزّن مسبقاً قبل تعطل حركة الوصول. كما أن تقديم الدعم البيطري بعد انتشار الأمراض بين الحيوانات أكثر صعوبة من تنفيذ حملات التطعيم الوقائية وتعزيز الترصد الصحي مسبقاً.

وبالمثل، فإن توفير المأوى الطارئ بعد نزوح المجتمعات المحلية يكون أكثر تكلفة وصعوبة من الناحية اللوجستية مقارنة بالاستعداد المسبق لمواقع الإجلاء وطرق الوصول إليها.

ولهذا السبب، ينبغي أن تركز المرحلة المقبلة من الاستعداد الإقليمي على التنفيذ على مستوى المجتمعات المحلية. إذ يجب أن تصل المعلومات المتعلقة بالتوقعات المناخية إلى المزارعين والرعاة والإداريين المحليين والعاملين الصحيين والمجتمعات، بصيغ واضحة يمكن فهمها والاستفادة منها.

فالتوقعات الموسمية التي تُعرض بلغة تقنية واحتمالات إحصائية تظل محدودة القيمة ما لم تُترجم إلى إرشادات عملية، مثل تحديد مواعيد الزراعة، والأماكن التي ينبغي نقل المواشي إليها، والمناطق التي يجب تجنبها، والتوقيت المناسب للاستعداد لاحتمال الإجلاء.

تمويل الإجراءات الاستباقية

لا يزال التمويل أحد أهم الشروط اللازمة لنجاح العمل الاستباقي. ففي يونيو 2026، أطلقت منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي نداءً مشتركاً للعمل الاستباقي بشأن ظاهرة النينيو، طالبا فيه بتوفير 202 مليون دولار أمريكي لحماية 8.8 مليون شخص في 22 دولة مرتفعة المخاطر.

وتشمل التدابير المقترحة تقديم المساعدات النقدية، وتوفير البذور القادرة على تحمل الظروف المناخية، وحماية الثروة الحيوانية، وحصاد المياه وتخزينها، والوقاية من الفيضانات، وتقديم الإرشادات الزراعية، وتوفير معلومات الإنذار المبكر.

ويعكس هذا النداء تحولاً أوسع في السياسات الإنسانية، من الاستجابة بعد وقوع الكوارث إلى التحرك قبل أن تتسبب الصدمات المتوقعة في خسائر كبيرة.

كما أن المبررات الاقتصادية لهذا النهج مهمة. إذ يشير برنامج الأغذية العالمي إلى أن التجارب المستفادة من ظواهر النينيو السابقة تُظهر أن كل دولار يُستثمر في الإجراءات الاستباقية يمكن أن يوفر ما بين ثلاثة وسبعة دولارات من الخسائر المتجنبة وتكاليف الاستجابة.

وأفادت منظمة الأغذية والزراعة، على نحو مماثل، بأن الإجراءات الاستباقية يمكن أن تحقق فوائد وتجنب خسائر زراعية تصل قيمتها إلى سبعة دولارات مقابل كل دولار يُستثمر فيها.

ولا تعني هذه الأرقام أن كل تدخل سيحقق العائد المالي نفسه، إذ تعتمد النتائج على طبيعة المخاطر والموقع والتدخل وتوقيته والسكان المتأثرين. لكنها توضح مع ذلك لماذا قد يكون الاستثمار قبل وقوع صدمة مناخية متوقعة أكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية مقارنة بالاعتماد الحصري على الاستجابة الطارئة بعد وقوع الخسائر.

وبالنسبة إلى القرن الأفريقي، ينبغي أن تتمتع آليات التمويل بالمرونة الكافية لإتاحة الموارد عندما تتحقق عتبات التوقعات المتفق عليها. فالانتظار حتى ظهور آثار الكارثة بصورة واضحة قبل تعبئة الأموال قد يقوض الغاية الأساسية من العمل الاستباقي.

أهمية التوقعات المحلية

من أهم الدروس المستفادة من التوقعات الحالية أن التنبؤات الإقليمية لا يمكن أن تحل محل المعلومات المحلية.

فالتوقعات الموسمية الصادرة عن المركز الإقليمي توفر صورة عامة للظروف المناخية المتوقعة في منطقة القرن الأفريقي الكبرى، بينما تقدم هيئات الأرصاد الجوية والهيدرولوجيا الوطنية معلومات أكثر تفصيلاً يمكن أن تساعد في توجيه القرارات على المستويين الوطني والمحلي.

ويمكن للتحديثات الأسبوعية والشهرية أن تساعد السلطات بعد ذلك على تحديد ما إذا كانت الظروف المتوقعة تتحقق بالفعل، وما إذا كان ينبغي تفعيل التدخلات المخطط لها أو تعديلها.

ويكتسب هذا النهج المتدرج أهمية خاصة لأن معدلات هطول الأمطار قد تختلف بدرجة كبيرة حتى بين المناطق التي تفصل بينها مسافات قصيرة نسبياً. فقد تشهد جماعتان محليتان في المنطقة الإدارية نفسها كميات مختلفة من الأمطار ومستويات متفاوتة من التعرض للفيضانات.

ولهذا السبب، ينبغي أن تتضمن خطط الاستعداد نقاطاً محددة بوضوح لتفعيل التدخلات. ويمكن أن ترتبط هذه النقاط بكميات الأمطار، أو مستويات الأنهار، أو رطوبة التربة، أو أوضاع الخزانات، أو توقعات الفيضانات، أو مؤشرات الأمراض، أو غيرها من العتبات المناسبة للظروف المحلية.

وعند بلوغ إحدى هذه العتبات، ينبغي أن يكون الإجراء المقابل متفقاً عليه مسبقاً. وقد يشمل ذلك صرف المساعدات النقدية، أو نقل المواشي، أو توزيع البذور، أو تعزيز الحماية من الفيضانات، أو فتح مراكز إيواء مؤقتة، أو نشر الفرق الصحية.

ومن شأن هذه الأنظمة تقليص الفجوة الزمنية بين تلقي المعلومات واتخاذ القرارات.

الزراعة وسبل العيش في صميم الاستعداد

تستحق الزراعة والثروة الحيوانية اهتماماً خاصاً، لأن الصدمات المناخية قد تؤدي إلى تداعيات تتجاوز موسماً واحداً.

فالفيضانات قد تدمر المحاصيل القائمة، وتجرف الطبقة السطحية الخصبة من التربة، وتتلف أنظمة الري، وتعطل الوصول إلى الأسواق. وبالنسبة إلى الرعاة، يمكن أن تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تحسين المراعي في بعض المناطق، بينما تزيد في الوقت نفسه مخاطر الأمراض الحيوانية أو تجعل تنقل القطعان أكثر صعوبة.

ولذلك، لا يتوقف تأثير الأمطار على الأسر على كمياتها فحسب، بل يعتمد أيضاً على قدرتها على استيعاب الصدمات والتعافي منها.

ويمكن للإجراءات المبكرة أن تساعد على حماية هذه القدرة الإنتاجية. إذ تسهم الإرشادات الزراعية المستندة إلى المعلومات المناخية، والبذور المقاومة للفيضانات أو قصيرة دورة النمو، وتطعيم الثروة الحيوانية، وتوفير الأعلاف، وإدارة المياه، في الحد من الخسائر ومساعدة الأسر على الحفاظ على سبل عيشها.

وتكتسب هذه التدابير أهمية خاصة في المناطق التي تعرضت فيها المجتمعات المحلية بالفعل لتكرار الجفاف أو النزاعات أو النزوح أو الضغوط الاقتصادية. إذ يمكن لصدمة مناخية جديدة أن تفاقم مواطن الضعف القائمة، مما يزيد أهمية التدخل المبكر.

المخاطر الصحية تتطلب اهتماماً مبكراً

ينبغي أيضاً التعامل مع الاستعداد للفيضانات باعتباره أولوية للصحة العامة. إذ يمكن أن تؤدي الفيضانات إلى تلوث مياه الشرب وأنظمة الصرف الصحي، وزيادة التعرض للأمراض المنقولة بالمياه، وتهيئة الظروف الملائمة لتكاثر نواقل الأمراض.

وفي الوقت نفسه، قد يؤدي تعطل الطرق والمرافق الصحية إلى زيادة صعوبة حصول المجتمعات المحلية على العلاج.

ويسلط نداء العمل الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية الضوء بصورة خاصة على ضرورة تعزيز الترصد الصحي للأمراض المرتبطة بالفيضانات، مثل الكوليرا والملاريا.

ولذلك، يمكن لأنظمة الإنذار المبكر أن تخدم جهات تتجاوز نطاق إدارة الكوارث، إذ تتيح المعلومات المتعلقة بالأمطار والفيضانات المتوقعة للسلطات الصحية زيادة أنشطة الترصد، والاستعداد بالإمدادات الطبية، وتعزيز التوعية المجتمعية، والتنسيق مع الجهات المسؤولة عن المياه والصرف الصحي قبل تفاقم تفشي الأمراض.

تكلفة الانتظار

قد تمتد عواقب التأخر في اتخاذ الإجراءات لسنوات. فالطرق والجسور التي تتضرر بسبب الفيضانات تتطلب تكاليف باهظة لإعادة بنائها، كما يمكن أن تؤدي خسائر المحاصيل إلى تقليص دخل الأسر وتوافر الغذاء.

أما خسائر الثروة الحيوانية، فقد تحرم الأسر الرعوية من مصدر رئيسي للثروة وسبل العيش. ويمكن أن يتسبب تضرر أنظمة المياه في مشكلات صحية عامة تستمر لفترات طويلة، في حين قد تدفع الصدمات المتكررة الأسر الضعيفة إلى مزيد من الفقر.

وتوضح تجارب ظواهر النينيو السابقة حجم هذه المخاطر. فقد أشار برنامج الأغذية العالمي إلى أن ظاهرة النينيو خلال الفترة 2015-2016 أثرت في الأمن الغذائي لما يقدر بنحو 60 إلى 100 مليون شخص على مستوى العالم.

وبالنسبة إلى ظاهرة النينيو المتوقعة خلال الفترة 2026-2027، حذر البرنامج من أن التأثيرات المناخية قد تزيد بصورة كبيرة من انعدام الأمن الغذائي القائم بالفعل في البلدان التي تواجه النزاعات والنزوح والضغوط الاقتصادية.

وتؤكد هذه الأرقام حقيقة مهمة، وهي أن التنبؤات المناخية ليست غاية في حد ذاتها، بل تُقاس قيمتها بمدى قدرتها على تغيير القرارات في وقت مبكر بما يكفي للحد من الأضرار.

نافذة زمنية ضيقة للتحرك

تدخل منطقة القرن الأفريقي موسم الأمطار الممتد من أكتوبر إلى ديسمبر في ظل مزيج غير معتاد من المعلومات المتاحة وحالة عدم اليقين.

فالمؤشرات المناخية الإقليمية قوية بما يكفي لتبرير الاستعداد، لكن التوقعات لا تستطيع تحديد جميع النتائج المحلية قبل أشهر من وقوعها. إذ قد يتغير توقيت هطول الأمطار وشدتها، كما يمكن أن تختلف الظروف بصورة كبيرة بين المناطق المتجاورة.

وينبغي أن يشجع عدم اليقين هذا على تبني المرونة بدلاً من التأخير. إذ تستطيع الحكومات وشركاؤها وضع خطط طوارئ تستند إلى عدة سيناريوهات محتملة، وتجهيز الموارد مسبقاً، وتحديث القرارات مع صدور توقعات جديدة.

كما يمكن تزويد المجتمعات المحلية بمعلومات واضحة بشأن الإجراءات التي ينبغي اتخاذها في ظل سيناريوهات مختلفة للأمطار والفيضانات.

ولا ينبغي أن يكون الهدف هو التنبؤ بكل حدث بصورة مثالية، بل الحد من عواقب المخاطر التي يمكن توقعها.

الخاتمة

تمتلك منطقة القرن الأفريقي ثلاثة مقومات مهمة مع اقتراب الأشهر الأخيرة من عام 2026، تتمثل في تزايد وضوح المعلومات المناخية الإقليمية، ووجود أنظمة راسخة للإنذار المبكر، وتنامي الخبرة في مجال الإجراءات الاستباقية.

وتشير أحدث توقعات المركز الإقليمي إلى ارتفاع احتمال زيادة هطول الأمطار في أجزاء من جنوب منطقة القرن الأفريقي الكبرى ومناطقها الاستوائية، في حين تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية اشتداد ظاهرة النينيو واستمرارها حتى مطلع عام 2027.

وفي الوقت نفسه، تحذر التوقعات الإقليمية من درجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة واحتمال وقوع الفيضانات وغيرها من المخاطر المرتبطة بالمناخ.

ويتمثل التحدي الآن في سد الفجوة بين التوقعات والتحرك الفعلي. فالمزارعون بحاجة إلى معلومات مناسبة تصل إليهم في الوقت المناسب، والرعاة بحاجة إلى الاستعداد فيما يتعلق بالثروة الحيوانية والمياه، والسلطات الصحية بحاجة إلى تعزيز الترصد وتجهيز الإمدادات، والجهات المعنية بالبنية التحتية مطالبة بحماية المنشآت المعرضة للمخاطر، والمنظمات الإنسانية بحاجة إلى الموارد قبل بلوغ حالات الطوارئ ذروتها.

والأهم من ذلك كله، ضرورة وضع المجتمعات المحلية في صميم القرارات المتعلقة بالاستعداد.

وتنطوي ظاهرة النينيو على قدر من عدم اليقين، لكن ذلك لا يعني استحالة اتخاذ الإجراءات. إذ يمكن للتوقعات تحديد المخاطر المتزايدة، ويمكن لأنظمة الإنذار المبكر وضع عتبات لتفعيل التدخلات، كما يمكن للتمويل دعم الإجراءات في الوقت المناسب، وللمؤسسات المحلية تحويل المعلومات الإقليمية إلى خطوات عملية.

وبالنسبة إلى القرن الأفريقي، فإن المعيار الحقيقي لقياس مدى الاستعداد سيكون في نهاية المطاف قدرة المنطقة على الاستفادة من التحذيرات المتاحة اليوم للحد من الخسائر التي قد تواجهها غداً.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023