إثيوبيا تعزز زخمها الدبلوماسي من النفوذ الإقليمي إلى الحضور العالمي

 

بقلم: هيئة التحرير

27 سبتمبر 2026 (إينا)

تدخل الدبلوماسية الإثيوبية حقبة جديدة؛ إذ لم تعد مقتصرة على العلاقات السياسية التقليدية، بل أصبحت مدفوعة بشكل متزايد بالمصالح الاقتصادية والشراكات الاستراتيجية وحضور عالمي أوسع نطاقاً.

على مدى السنوات الثماني الماضية، وسّعت إثيوبيا بشكل كبير المجالات التي تتفاعل فيها مع العالم. فمن دور أديس أبابا كعاصمة دبلوماسية لأفريقيا إلى انضمامها لمجموعة "بريكس" (BRICS)، ومن عملية السلام في بريتوريا إلى "إعلان أنقرة"، ومن استئناف مفاوضات منظمة التجارة العالمية إلى الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة؛ عملت إثيوبيا على توسيع المنصات التي تسعى من خلالها إلى صياغة الشؤون الإقليمية والدولية.

لا تقتصر القصة على إنجاز دبلوماسي واحد، بل تتعلق بتوسيع الحيز الدبلوماسي لإثيوبيا.

من أديس أبابا إلى مجموعة "بريكس"

يُعد انضمام إثيوبيا إلى مجموعة "بريكس" أحد أوضح مظاهر هذا التوسع. ففي قمة جوهانسبرغ التي عُقدت في أغسطس 2023، وجه قادة المجموعة دعوة لإثيوبيا لتصبح عضواً كامل العضوية، ودخلت العضوية حيز التنفيذ في الأول من يناير 2024.

بالنسبة لأديس أبابا، فتحت مجموعة "بريكس" قناة أخرى للتفاعل مع الاقتصادات الناشئة الكبرى والمشاركة في مناقشات تشمل السياسة والأمن، والتعاون الاقتصادي والمالي، والعلاقات بين الشعوب.

والأهم من ذلك، أن هذه الخطوة عكست استراتيجية دبلوماسية أوسع نطاقاً، ألا وهي "التنويع".

لقد سعت إثيوبيا إلى تعميق علاقاتها في آن واحد مع الشركاء الأفارقة، والاقتصادات الناشئة، والدول الغربية، ودول الخليج، والقوى الآسيوية، بدلاً من حصر تفاعلها الدولي في دائرة ضيقة من الشركاء.

دبلوماسية ذات غاية اقتصادية

ربما كان التغيير الأهم هو تزايد ثقل الدبلوماسية الاقتصادية؛ إذ أصبحت السياسة الخارجية مرتبطة بشكل متزايد بالاستثمار والتجارة والسياحة والتكنولوجيا والبنية التحتية والوصول إلى الأسواق.

لم يعد يُنتظر من البعثات الدبلوماسية تمثيل إثيوبيا سياسياً فحسب، بل المساعدة أيضاً في ربط البلاد برؤوس الأموال والأسواق والفرص التجارية. ويعكس هذا التحول مسار التحول الاقتصادي الذي تشهده إثيوبيا؛ فمع سعي البلاد لتعزيز قدراتها التصديرية وجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية الصناعية، أصبحت الدبلوماسية أداة اقتصادية بشكل متزايد.

لم تعد السفارة مجرد جسر سياسي؛ لقد أصبح يشكل جزءاً متزايد الأهمية من الجسر الاقتصادي.

الدبلوماسية الإقليمية تحت الضغوطات الاستراتيجية

يجعل الموقع الجغرافي لإثيوبيا من الدبلوماسية الإقليمية أمراً حتمياً.

تقع البلاد عند نقطة التقاء القرن الأفريقي وحوض النيل والبحر الأحمر، وهي منطقة تتداخل فيها قضايا الأمن والتجارة والهجرة والبنية التحتية والمصالح السياسية.

وقد أظهر "إعلان أنقرة" مع الصومال، الصادر في ديسمبر 2024، دور الحوار في معالجة القضايا الإقليمية الشائكة؛ إذ أكدت إثيوبيا والصومال مجدداً احترامهما المتبادل للسيادة والوحدة والاستقلال والسلامة الإقليمية لكل منهما، واتفقتا على السعي نحو التعاون لتحقيق الرخاء المشترك.

ولا تقتصر أهمية هذا الأمر على مجرد إعلان واحد، بل يعكس محاولة إثيوبيا إبقاء القضايا الإقليمية الخلافية ضمن الأطر الدبلوماسية، مع المضي قدماً في تحقيق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.

من إدارة الصراع إلى الدبلوماسية الأفريقية

وضعت اتفاقية بريتوريا إثيوبيا في قلب واحدة من أهم مبادرات السلام في أفريقيا. ومع ذلك، ورغم الرقابة الدقيقة من جانب الوسطاء الأفارقة والدوليين، واجهت "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" (TPLF) انتقادات متكررة بسبب ممارسات هددت بتقويض التزامات الاتفاقية، مما كشف عن صعوبة المسار الممتد من توقيع اتفاق السلام إلى تحقيق استقرار دائم.

وتتمثل العبرة الأوسع في أن الثقل الدبلوماسي لإثيوبيا لا ينبع فقط من مساحتها أو موقعها الجغرافي، بل أيضاً من دورها الفاعل في المؤسسات القارية.

تستضيف أديس أبابا مقر الاتحاد الأفريقي، مما يجعلها نقطة التقاء دائمة للقادة الأفارقة والدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية. وتمنح هذه المكانة المؤسسية إثيوبيا منصة متميزة للمشاركة في النقاشات المتعلقة بالسلام والأمن والتنمية والتكامل القاري.

مقعد على الطاولة العالمية

عزز انتخاب إثيوبيا لعضوية مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للفترة 2025-2027 من حضورها في المحافل متعددة الأطراف. فقد انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة إثيوبيا ضمن 18 عضواً جديداً في 9 أكتوبر 2024 (علماً بأن المجلس يضم 47 دولة)، وتوفر مثل هذه المناصب لإثيوبيا فرصاً إضافية للمشاركة المباشرة في صنع السياسات الدولية وممارسة الدبلوماسية متعددة الأطراف.

ومن ثم، فإن هذه الخطوة لا تكتسي طابعاً رمزياً فحسب.

إذ يفتح التمثيل الدبلوماسي قناة أخرى يمكن لإثيوبيا من خلالها عرض مواقفها، والتفاوض بشأن مصالحها، والمشاركة في صياغة النقاشات الدولية.

باب الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية ينفتح على مصراعيه

كما استعادت عملية انضمام إثيوبيا إلى منظمة التجارة العالمية -وهي عملية استمرت لفترة طويلة- زخمها من جديد. أعلنت منظمة التجارة العالمية في سبتمبر 2025 أن العملية قد دخلت "مرحلة حاسمة". وبحلول أبريل 2026، وصفت المنظمة المفاوضات بأنها وصلت إلى "منعطف حاسم"، في ظل إعلان إثيوبيا عن مزيد من الإصلاحات المحلية واستمرار انخراطها مع أعضاء المنظمة. وتكتسب عملية الانضمام أهميتها من كونها تربط الدبلوماسية بشكل مباشر بهيكل الاقتصاد الإثيوبي.

فالانضمام إلى النظام التجاري متعدد الأطراف من شأنه أن يعزز اندماج إثيوبيا في الأسواق العالمية، مع استلزام مواصلة إصلاح المؤسسات واللوائح المتعلقة بالتجارة.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر دبلوماسية منظمة التجارة العالمية على جنيف فحسب، بل تتعلق بإحداث تحول في كيفية ممارسة إثيوبيا للتجارة مع العالم.

**البحر الأحمر يدخل المعادلة الدبلوماسية**

قلة من القضايا تُظهر بوضوح طبيعة الدبلوماسية الإثيوبية المتغيرة مثل قضية البحر الأحمر.

فبالنسبة لدولة حبيسة يعتمد اقتصادها بشكل كبير على التجارة البحرية، فإن التطورات المحيطة بالبحر الأحمر ومضيق باب المندب تحمل تداعيات اقتصادية واستراتيجية مباشرة؛ ونتيجة لذلك، صعدت مسألة الربط البحري لتصبح أولوية أعلى في الأجندة الدبلوماسية الإثيوبية.

تتقاطع هذه القضية مع مجالات التجارة والخدمات اللوجستية والأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي، مما يضع إثيوبيا في قلب مناقشات تتجاوز حدودها الوطنية بكثير. وهكذا، تجسد مسألة البحر الأحمر السمة الجوهرية للدبلوماسية الإثيوبية المتطورة: ألا وهي تزايد التشابك بين المصالح الاقتصادية الوطنية والاستراتيجية الإقليمية.

دائرة أوسع من الشركاء

لقد تطورت علاقات إثيوبيا مع كل من الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية ودول الخليج، بالتوازي مع علاقاتها بجيرانها الأفارقة ومشاركتها في مجموعة "بريكس" (BRICS).

ولا يتمثل الهدف بالضرورة في الانحياز إلى معسكر جيوسياسي واحد.

بل يكمن الهدف في توسيع نطاق المشاركة الدبلوماسية والاقتصادية لإثيوبيا؛ إذ تتيح هذه الشبكة الأوسع لأديس أبابا قنوات إضافية للتعاون في مجالات الاستثمار والبنية التحتية والتجارة والتكنولوجيا والأمن والتنمية. والنتيجة هي سياسة خارجية ترتكز بشكل متزايد على شراكات متعددة بدلاً من محور دبلوماسي واحد.

الاختبار الحقيقي يبدأ الآن

ومع ذلك، فإن التوسع الدبلوماسي ليس غاية في حد ذاته.

وستحدد السنوات المقبلة ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على تحويل هذا الانفتاح الدبلوماسي إلى فرص اقتصادية ملموسة، وتعزيز للروابط الإقليمية، وتوسيع للاستثمارات، وتعميق للعلاقات التجارية، وبناء شراكات مستدامة. فالعضويات والإعلانات والانتخابات والقمم توفر مجرد منصات للعمل.

والأهم هو ما ستبنيه إثيوبيا انطلاقاً من تلك المنصات.

ورغم ذلك، شهدت السنوات الثماني الماضية توسعاً ملحوظاً في النطاق الدبلوماسي لإثيوبيا؛ فقد فتحت مجموعة "بريكس" منصة عالمية أخرى، وعزز مجلس حقوق الإنسان حضورها متعدد الأطراف، وأثبت اتفاق بريتوريا إمكانات الدبلوماسية التي تقودها أفريقيا، كما أوجدت أنقرة إطاراً لتجديد المشاركة مع الصومال، واكتسبت مفاوضات منظمة التجارة العالمية زخماً جديداً. لقد أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية ركيزة أساسية في السياسة الخارجية، في حين برز البحر الأحمر كأولوية استراتيجية.

وبناءً على ذلك، تشير هذه التطورات إلى تحول أوسع نطاقاً.

لم تعد إثيوبيا تتعامل مع الدبلوماسية كوسيلة للحفاظ على العلاقات فحسب، بل أصبحت توظفها بشكل متزايد للسعي نحو أسواق وشراكات وروابط جديدة، ولتحقيق الأمن والتنمية الوطنية. ومن مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا إلى طاولة "بريكس"، ومن مبادرات السلام الإقليمية إلى مفاوضات التجارة العالمية، اتسعت الخريطة الدبلوماسية لإثيوبيا بشكل كبير.

ولن يتحدد الفصل القادم بعدد الأبواب التي فتحتها إثيوبيا، بل بمدى فاعليتها في تحويل فرص الانفتاح تلك إلى مكاسب وطنية وإقليمية مستدامة.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023