إثيوبيا والبحر الأحمر: العودة الحتمية إلى رابط تاريخي

 

بقلم: نيواي أباي  

لم تكن إثيوبيا يوماً غريبةً حقاً عن البحر الأحمر.

فقد ارتبطت الحضارة الإثيوبية بالبحر الأحمر -قبل وقت طويل من إعادة رسم الحدود الحديثة لخريطة القرن الأفريقي- عبر التجارة والدبلوماسية والبوابات الساحلية التي ربطت المرتفعات الإثيوبية بشبه الجزيرة العربية والبحر الأبيض المتوسط ​​وعالم المحيط الهندي الأوسع.

صحيح أن ذلك الرابط التاريخي قد انقطع في نهاية المطاف...

إلا أن الجغرافيا ظلت ثابتة لا تتغير.

واليوم، تُعد إثيوبيا دولة يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، وتُصنّف كواحدة من أكبر الاقتصادات في أفريقيا ومركزاً اقتصادياً رئيسياً في منطقة القرن الأفريقي، ومع ذلك فهي تفتقر إلى منفذ بحري.

ولعقود من الزمن، اعتمدت تجارتها الدولية بشكل كبير على موانئ الدول المجاورة، ولا سيما جيبوتي. ويواصل البنك الدولي وصف جيبوتي بأنها البوابة البحرية الرئيسية لإثيوبيا، في حين تؤكد التقييمات الحديثة أن أي اضطرابات على طول هذا الممر يمكن أن تؤدي مباشرة إلى ارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية وزيادة الضغوط الاقتصادية داخل إثيوبيا.

لقد حوّل هذا الواقع مسألة الوصول إلى البحر من قضية تاريخية إلى قضية اقتصادية وأمنية واستراتيجية معاصرة.

الجغرافيا حقيقة ثابتة لا تقبل التفاوض

لم يؤدِ فقدان إثيوبيا لمنفذ مباشر على البحر إلى محو موقعها الجغرافي.

فالبلاد لا تزال تقع في قلب منطقة القرن الأفريقي، وتجاور مباشرةً واحدةً من أهم المناطق البحرية في العالم؛ إذ تربط مياه البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب أفريقيا بالشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، وأي اضطرابات في هذه المنطقة يمكن أن تمتد آثارها لتؤثر على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة وسلاسل التوريد.

وبالنسبة لإثيوبيا، فإن العواقب تكون مباشرة للغاية.

إذ لا يمكن لاقتصاد حبيس (غير ساحلي) بهذا الحجم أن يتعامل مع مسألة الربط البحري باعتبارها أمراً ثانوياً؛ فكل حاوية تدخل البلاد أو تخرج منها تعتمد في نهاية المطاف على ممر يربط المناطق الداخلية بالساحل.

لقد أفرز النظام الحالي علاقة اقتصادية مهمة مع جيبوتي، لكنه كشف أيضاً عن هشاشة هيكلية ناجمة عن الاعتماد المفرط على بوابة بحرية واحدة. ورغم أن ممر "أديس أبابا-جيبوتي" يظل شرياناً حيوياً للتجارة الإثيوبية، يشير البنك الدولي إلى أن الاضطرابات وأوجه القصور في سلسلة الخدمات اللوجستية الأوسع نطاقاً يمكن أن تؤثر سلباً على الشركات والمستهلكين.

وعليه، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت إثيوبيا مهتمة بالبحر أم لا. بهذه الطريقة يمكن لدولة بحجم إثيوبيا -من حيث الثقل الديموغرافي والاقتصادي- بناء روابط بحرية موثوقة ومتنوعة ومستدامة.

والأهم من ذلك، أن الديناميكيات السياسية والعسكرية المتغيرة بسرعة في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي جعلت من الحصول على منفذ بحري سيادي أمراً لا يقتصر على كونه مطلباً مرغوباً لإثيوبيا فحسب، بل ضرورةً حتميةً لا مفر منها بشكل متزايد.

لم يعد البحر الأحمر مجرد طريق تجاري

لقد أصبحت الأهمية الاستراتيجية للبحر الأحمر أمراً يستحيل تجاهله.

يُعد مضيق باب المندب نقطة اختناق بحرية بالغة الأهمية؛ فقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة مدى سرعة تحول انعدام الأمن البحري إلى مشكلة اقتصادية على اليابسة، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وزيادة أوقات النقل، وتعطيل سلاسل التوريد. وقد حذرت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) مؤخراً من أن تجدد الاضطرابات حول باب المندب يؤدي إلى سلوك مسارات أطول، وزيادة استهلاك الوقود، وارتفاع التكاليف، وفرض ضغوط إضافية على التجارة العالمية.

وبالنسبة لإثيوبيا، يخلق هذا الوضع مفارقة لافتة؛ فعلى الرغم من أن البلاد لا تملك ساحلاً بحرياً، إلا أن عدم الاستقرار على امتداد البحر الأحمر يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على اقتصادها.

ومن ثم، فإن لإثيوبيا مصلحة جوهرية في أمن حيز بحري لا تتمتع فيه حالياً إلا بحضور مباشر محدود.

ولهذا السبب، لا يمكن اختزال قضية البحر الأحمر في مجرد البحث عن ميناء.

إن الأمر يتعلق بالربط، والأمن الاقتصادي، والاستقرار الإقليمي.

من ميناء إلى ممر

تكتسب الطموحات البحرية الإثيوبية منطقاً أقوى عندما لا يُنظر إليها باعتبارها سعياً للحصول على منشأة ساحلية واحدة، بل كجزء من ممر اقتصادي أوسع نطاقاً بكثير.

فالرابط البحري الفعال من شأنه أن يربط الساحل بشبكة الطرق والسكك الحديدية والموانئ الجافة والمجمعات الصناعية ومراكز الإنتاج الزراعي والأسواق الاستهلاكية في إثيوبيا.

ولن يكون الهدف مجرد نقل الحاويات، بل تحريك عجلة الاقتصاد بأكمله.

وهذا التمييز يحمل أهمية بالغة.

فالميناء الذي يفتقر إلى شبكة برية فعالة ليس أكثر من مجرد نقطة على الخريطة؛ أما الميناء المرتبط بالإنتاج والتصنيع والزراعة والأسواق الإقليمية، فيتحول إلى محرك للتكامل الاقتصادي.

وتُظهر تجربة إثيوبيا مع ممر جيبوتي أهمية هذا النظام الأوسع؛ إذ تسلط جهود البنك الدولي الأخيرة بشأن ميناء "مودجو" الجاف، على سبيل المثال، الضوء على كيف يمكن للتحسينات في الخدمات اللوجستية البرية أن تقلل من تأخيرات المعالجة وتعزز روابط إثيوبيا بالأسواق الدولية.

وبالتالي، يمكن فهم المرحلة التالية من الرؤية البحرية الإثيوبية على أنها سعي لإيجاد ممرات متعددة وبوابات متعددة وتحقيق قدر أكبر من المرونة.

الأمن الاقتصادي هو أمن بحري

لقد كشف البحر الأحمر أيضاً عن حقيقة أخرى: وهي أن الأمن البحري والأمن الاقتصادي أصبحا مترابطين بشكل لا ينفصل .

فعندما تتعرض طرق الشحن للتهديد، ترتفع تكاليف التأمين. عندما تغير السفن مسارها لتجنب المياه الخطرة، تزداد أوقات التسليم. وحين ترتفع تكاليف الشحن، تمتد التبعات في نهاية المطاف لتطال المصانع والمزارعين والتجار والأسر البعيدة عن السواحل.

ولا يشترط أن تكون إثيوبيا دولة ساحلية حتى تتأثر بهذه التبعات.

بل إن وضعها كدولة حبيسة (غير ساحلية) يجعل من الوصول الموثوق إلى الممرات البحرية أمراً بالغ الأهمية.

ومن شأن تبني استراتيجية بحرية متنوعة أن يمنح إثيوبيا قدرة أكبر على الصمود في وجه الاضطرابات، مع خلق فرص إضافية للتجارة والاستثمار والتنمية الصناعية.

كما يمكن لهذه الاستراتيجية أن تعزز المصالح الاقتصادية المشتركة بين إثيوبيا وجيرانها من الدول الساحلية.

العودة إلى البحر لا تعني بالضرورة العودة إلى التنافس

هناك بُعد آخر للمسألة البحرية الإثيوبية يستحق اهتماماً أكبر؛ فالوصول إلى البحر لا يجب بالضرورة أن يتحول إلى مصدر جديد للمنافسة الإقليمية.

بل يمكن أن يصبح أداةً للتكامل الإقليمي.

فالميناء الذي يخدم التجارة الإثيوبية يمكن أن يولد فرصاً تجارية للدولة الساحلية، كما أن الطريق البري أو السكك الحديدية التي تربط المناطق الداخلية بالساحل يمكن أن تصل بين اقتصادات متعددة. وعلاوة على ذلك، يمكن للمناطق الصناعية واللوجستية خلق فرص عمل وجذب استثمارات على جانبي الحدود. وبهذا المفهوم، يمكن النظر إلى تطلعات إثيوبيا البحرية ليس فقط كمطلب وطني، بل كجزء من معادلة اقتصادية أوسع لمنطقة القرن الأفريقي.

لقد أمضت المنطقة عقوداً وهي تتعامل مع الجغرافيا كمصدر للتنافس الاستراتيجي، في حين يمكنها أيضاً التعامل معها كفرصة للتكامل.

المسألة البحرية الإثيوبية تتنامى ولا تتلاشى

لقد أكد رئيس الوزراء "آبي أحمد" مراراً وتكراراً أن رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر تنبع من اعتبارات جغرافية واقتصادية، ومن الرغبة في الحوار والتعاون المتبادل المنفعة، وليس من أطماع التوسع العسكري. كما أوضحت الحكومة الإثيوبية أن الحجم الديموغرافي والاقتصادي للبلاد يجعل من توفر روابط بحرية موثوقة مصلحة وطنية هامة.

وتندرج هذه الحجة ضمن واقع أوسع؛ فإثيوبيا اليوم ليست هي الدولة التي كانت عليها قبل ثلاثة عقود.

لقد توسع عدد سكانها ونما اقتصادها، وزادت طموحاتها التجارية، وبدأ إنتاجها الصناعي والزراعي يندمج بشكل أكبر في الأسواق الدولية، كما تزايدت درجة تأثرها بالاضطرابات التي قد تطرأ على مسارات الشحن العالمية.

وبالتالي، ستزداد أهمية المسألة البحرية -ولن تتراجع- مع توسع الاقتصاد الإثيوبي.

ويعكس تجدد الاهتمام بالشؤون البحرية -بما في ذلك إعادة تأسيس البحرية الإثيوبية عام 2018- هذا التحول الاستراتيجي الأوسع.

لكن الهدف النهائي لا ينبغي أن يكون استعراض القوة.

بل يمكن أن يتمثل في حماية المصالح الاقتصادية، والمشاركة في الأمن البحري الإقليمي، وبناء روابط تجارية مستدامة بين المناطق الداخلية في إثيوبيا والاقتصاد العالمي.

جغرافيا المستقبل

تظل الحقيقة الجوهرية بسيطة للغاية:

إن وضع إثيوبيا كدولة حبيسة (غير ساحلية) يمثل مأساة تاريخية صاغتها قوى خارجية وقرارات سياسية اتُخذت خلال فترة مضطربة؛ وهي قرارات غيّرت بشكل جذري علاقة البلاد بالبحر. ومع ذلك، لم تنقطع هذه الدولة العملاقة يوماً حقاً عن البحر الأحمر.

يعتمد اقتصادها على التجارة البحرية، وتتشكل بيئتها الأمنية بفعل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، كما يضعها موقعها الجغرافي في قلب منطقة القرن الأفريقي؛ فضلاً عن أن تزايد عدد سكانها ونمو اقتصادها يجعلان من الوصول الموثوق إلى طرق التجارة الدولية أمراً بالغ الأهمية.

لذا، لا تكمن الغاية في إعادة صياغة التاريخ كما كان عليه تماماً، بل في بناء علاقة جديدة مع البحر تتلاءم مع واقع القرن الحادي والعشرين.

وهذا يعني الموانئ، ولكن أيضاً الممرات؛ ويعني التجارة، ولكن أيضاً الأمن.

يعني المصلحة الوطنية، ولكن أيضاً التعاون الإقليمي.

والأهم من ذلك كله، يعني إدراك أن البحر الأحمر ليس مجرد مسطح مائي بعيد تفصله عن إثيوبيا حدود سياسية.

بل هو جزء من الجغرافيا الاستراتيجية التي يتشكل فيها مستقبل إثيوبيا.

وبالنسبة لبلد ارتبطت حضارته بالبحر الأحمر لقرون، فإن السعي المتجدد نحو الربط البحري لا يمثل مجرد رحلة للعودة إلى الماضي.

بل هو تطلع إثيوبيا نحو المستقبل، والتفاتة منها مجدداً نحو البحر.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023