كيف تخفي الرواية المصرية بشأن النيل أزمة داخلية متفاقمة

تحليل من «نبض أفريقيا»

بقلم: ماتياس بولي

أديس أبابا، 26 سبتمبر 2026 (إينا)

لعقود، استخدمت القاهرة وسيلة تشتيت موثوقة، فكلما تصدعت الاستقرار الداخلي، استحضرت مياه النيل. وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحولت هذه الوسيلة إلى استراتيجية أساسية للبقاء. وفي مواجهة اقتصاد ينهار وخيبة أمل شعبية عميقة، يضاعف النظام المصري، من خلال استبداده الممنهج، تمسكه بمطالبة عفا عليها الزمن بالهيمنة على النيل، بينما يؤجج التوتر في أنحاء شرق أفريقيا والقرن الأفريقي.

وخلف هذه السياسة الخارجية عالية المخاطر، تقف حكومة يائسة تسعى إلى إدارة الانقسامات الداخلية، مستخدمة استعراضات خارجية لإظهار القوة في وقت يتعثر فيه الحكم الداخلي.

دولة قائمة على الأمن والديون

لفهم التوجه الخارجي لمصر، لا بد من النظر عن كثب إلى هشاشتها الداخلية. إذ يعمل النظام من خلال دولة أمنية شديدة المركزية، صُممت للقضاء على البدائل السياسية. وقد عززت التعديلات الدستورية لعام 2019 هيمنة السلطة التنفيذية على السلطة القضائية، ومددت فترة بقاء السيسي المحتملة في الحكم حتى عام 2030، وحولت البرلمان إلى هيئة تصادق على القرارات دون نقاش فعلي. كما حُظر المجتمع المدني المستقل، فيما يتعرض الصحفيون الناقدون للقمع بصورة منتظمة تحت ذريعة مكافحة «الأخبار الكاذبة».

ويحدث هذا الانغلاق السياسي الكامل في ظل أشد أزمة اقتصادية تشهدها مصر في تاريخها الحديث. إذ تتمتع القوات المسلحة بإعفاءات ضريبية وامتيازات في الأراضي لا تتاح للقطاع الخاص. ويؤدي ذلك إلى إزاحة الشركات الخاصة وإعاقة نموها، وردع الاستثمار الأجنبي المباشر، وترك شريحة الشباب المتنامية في مواجهة بطالة مزمنة.

التمرد والأمننة والدين

إلى جانب المؤشرات الاقتصادية، لا تزال مواطن الضعف في الأمن الداخلي قائمة. ففي شمال سيناء، يواصل تمرد عنيف مستمر منذ عقد، تقوده «ولاية سيناء»، إلحاق الخسائر بالقوات العسكرية وتشريد المجتمعات المحلية، رغم التعتيم الإعلامي المكثف ونشر المدفعية الثقيلة. وعلى امتداد الحدود الغربية البالغ طولها 1100 كيلومتر، تسهم الفوضى في شرق ليبيا في تسهيل تهريب الأسلحة والغارات العابرة للحدود، ما يستنزف القدرات العسكرية.

ولإدارة التماسك الاجتماعي، يعمل النظام على استمالة المؤسسات الدينية على نطاق واسع. وعلى الرغم من توافقه العلني مع بابوية الأقباط، فإن التمييز البنيوي والعنف الطائفي المحلي لا يزالان يثيران التوتر في المحافظات الريفية.

الحنين إلى النيل والتوتر الإقليمي

في مواجهة الضغوط الداخلية المتراكمة، تؤدي الاستراتيجية الخارجية للنظام دور صمام ضغط حيوي. إذ تهيمن على سياسة القاهرة تجاه شرق أفريقيا رواية مائية متقادمة، تصور النيل الأزرق باعتباره مجالاً وجودياً حصرياً، وتستخدم سد النهضة الإثيوبي لحشد المشاعر الوطنية حول العلم.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية السردية على وسائل الإعلام الحكومية، بل تمتد إلى الدبلوماسية الإقليمية. فبدلاً من التكيف مع الأطر المعاصرة المنصفة لتقاسم المياه، سعت القاهرة إلى إبرام اتفاقيات أمنية وإقامة موطئ قدم استراتيجي في أنحاء شرق أفريقيا، بهدف إظهار قوتها بالقرب من منابع النيل.

ويتيح تصوير التنمية المائية الإقليمية باعتبارها تهديداً مباشراً للدولة إعادة صياغة الإخفاقات الاقتصادية البنيوية على أنها نتيجة عداء خارجي. ويأتي هذا التوجه بالتزامن مع صدمات إقليمية أخرى، من بينها الخسائر الحادة في إيرادات قناة السويس بسبب اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، والموازنة الدقيقة للمواقف إزاء الصراع في غزة، وتدفق اللاجئين من الحرب الأهلية في السودان.

الوهم بوصفه أسلوباً للحكم

للحفاظ على تماسك هذه الشبكة المعقدة، تعتمد إدارة السيسي على مزيج محسوب من الاحتواء والمحسوبية. ويُكافأ كبار الضباط العسكريين بمناصب مربحة في الشركات المملوكة للدولة ومناصب حكام الأقاليم، لضمان الولاء المؤسسي. وفي الوقت نفسه، يُستخدم السجن الجماعي والحبس الاحتياطي والمحاكم المختصة بقضايا الإرهاب لإبقاء المعارضة الداخلية مجزأة، بينما تصور وسائل الإعلام الحكومية كل انتقاد داخلي باعتباره مؤامرة أجنبية أو مخططاً لجماعة الإخوان المسلمين.

ولإدارة توقعات الجهات المانحة الغربية، يلجأ النظام دورياً إلى تفعيل «صمامات ضغط» خاضعة للسيطرة. غير أن هذه المبادرات تُدار بعناية لتقديم وهم الإصلاح السياسي، دون المساس بالبنية العسكرية السلطوية القائمة.

تفكك الرواية

إن اعتماد مصر على هيمنة متقادمة على النيل ومناورات إقليمية في شرق أفريقيا يمثل، في جوهره، تصديراً لهشاشتها الداخلية. فمع تفاقم التضخم المفرط الذي يثقل كاهل الأسر، واستنزاف خدمة الديون للثروة الوطنية، يشكل الخطاب الخارجي العدواني درعاً مؤقتاً يحول دون المساءلة.

لكن مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وتطور الديناميات الإقليمية بعيداً عن احتكارات المياه التي سادت في القرن العشرين، تتسع الفجوة باستمرار بين التوجه الخارجي للقاهرة وواقعها الداخلي.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023