عيد مِسْقَل ذاكرة إثيوبيا التي تتجدد كل عام - ENA عربي
عيد مِسْقَل ذاكرة إثيوبيا التي تتجدد كل عام
بقلم: بنيامين تادسي
أديس أبابا، 26 سبتمبر 2026 (إينا)
ثمة لحظات لا تحتاج فيها الذاكرة إلى كتاب كي تتحدث؛ يكفي أن تُشعل نارًا في قلب المدينة.
وحين تشتعل الدَّمِيرا في إثيوبيا، لا تكون النار مجرد لهب يرتفع في سماء المساء، بل تصبح جزءًا من احتفال ديني وثقافي تتداخل فيه التقاليد والصلوات والتجمعات الاجتماعية. ومن أديس أبابا، حيث تتحول ساحة مِسْقَل إلى أحد أشهر مشاهد الاحتفال، إلى المدن والبلدات والقرى في مختلف أنحاء البلاد، تتعدد صور المناسبة، بينما تبقى عناصرها الأساسية حاضرة: التراتيل، والملابس التقليدية، واجتماع الأسر والمجتمعات، وإشعال الدَّمِيرا.
إنه عيد مِسْقَل، أو عيد الصليب؛ مناسبة دينية عريقة تجاوز حضورها حدود الطقس لتصبح جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية لإثيوبيا، وتراثًا لا يُحفظ في الكتب والمتاحف فقط، بل يُمارس ويُورَّث ويُعاش.
لكن ماذا يبقى من مِسْقَل بعد أن تنطفئ النار؟
ربما تكمن الإجابة في كل ما يحدث قبل اشتعالها وبعد انطفائها.
الدَّمِيرا رمز ديني وثقافي متوارث
قبل أن تصبح الدَّمِيرا شعلة، تكون جزءًا من طقس يبدأ بإعداد الحطب وترتيبه وتزيينه بالأعشاب الخضراء والأزهار الصفراء، قبل أن تشتعل النار وسط التراتيل والصلوات.
وترتبط المناسبة، وفق التقليد المسيحي، بقصة القديسة هيلانة، والدة الإمبراطور الروماني قسطنطين، التي يُعتقد أنها قادت عملية البحث عن الصليب الذي صُلب عليه السيد المسيح. ومن هذه الرواية الدينية نشأ احتفال حافظ على حضوره في إثيوبيا عبر أجيال متعاقبة، وأصبح الدَّمِيرا أحد أبرز رموزه وممارساته.
ويدرج عيد مسقل على قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو).
وتصف اليونسكو الدَّمِيرا باعتبارها محورًا أساسيًا في احتفالات مِسْقَل التي تُقام في أنحاء إثيوبيا، حيث تشارك المجتمعات المحلية في إعدادها وإشعالها ضمن طقوس تجمع بين الممارسة الدينية والتقاليد الاجتماعية.
وفي رسالة بمناسبة مِسْقَل لهذا العام، أشار رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد إلى أن المهرجان، بدءًا من إعداد الحطب وصولًا إلى إحراق البخور، يجسد قوة الوحدة والتكاتف.
وأضاف أن إحياء عيد مِسْقَل يحشد طاقات الإثيوبيين ويعزز الروح الوطنية الجماعية اللازمة لبناء إثيوبيا أقوى.
وقال رئيس الوزراء أبي: «ستشرق إثيوبيا وستظل فخورة إلى الأبد بفضل جهود أبنائها»، مقدمًا تهانيه للشعب الإثيوبي بمناسبة عيد مِسْقَل.
وهكذا تحمل الدَّمِيرا أكثر من معنى في الاحتفال؛ فهي جزء من الطقس الديني، وعنصر أساسي في المشهد الثقافي، ومساحة يجتمع حولها الناس عامًا بعد عام.
عيد يجمع ما تفرقه الأيام
إذا كانت الدَّمِيرا هي مركز المشهد، فإن المجتمع هو الذي يمنح المناسبة امتدادها خارج الساحة.
فمِسْقَل لا يُحتفل به في العاصمة وحدها، بل في أنحاء إثيوبيا، وتؤكد اليونسكو أن المناسبة تمثل وقتًا لاجتماع الأسر وعودة بعض العاملين إلى مناطقهم الأصلية، كما ترتبط في بعض المجتمعات بتسوية الخلافات الاجتماعية قبل الاحتفال.
وهذا يجعل العيد مناسبة تتجاوز المشاركة في الطقوس إلى تجديد العلاقات الاجتماعية.
فالأسر تجتمع، والأقارب يعودون إلى مناطقهم الأصلية، والأطفال يشاهدون الاحتفال إلى جانب آبائهم وأجدادهم، فيما يشارك الشباب في تقاليد عرفوها من الأجيال السابقة.
وفي هذا السياق، أكد رجال دين هذا العام أهمية التآزر والمحبة والسلام والضيافة باعتبارها من القيم الجوهرية التي يجسدها احتفال مِسْقَل «الدَّمِيرا» في إثيوبيا، مشيرين إلى أن المناسبة تتيح مساحة لتعزيز التقارب والتعايش والروابط بين أفراد المجتمع.
وتنسجم هذه القيم مع الدور الاجتماعي الذي اكتسبه مِسْقَل عبر الزمن؛ فالمناسبة تجمع الناس حول طقس مشترك، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام استعادة علاقات اجتماعية وتعزيز قيم التعاون والمصالحة.
وبذلك تصبح الدَّمِيرا في وسط الساحة، بينما تدور حولها حكاية مجتمع يحافظ على تقاليده وروابطه من خلال مناسبة تتجدد كل عام.
تراث لا يعيش خلف الزجاج
ولا تقتصر أهمية مِسْقَل على كونه مناسبة دينية واجتماعية متكررة؛ فطريقة انتقال الاحتفال من جيل إلى آخر جعلته نموذجًا للتراث الثقافي الحي.
فالطفل لا يتعرف إلى مِسْقَل من الكتب فقط، بل يشاهده ويشارك في أجوائه.
والشاب لا يقرأ عن الدَّمِيرا فحسب، بل يمكن أن يشارك في إعدادها.
والأسرة لا تتعامل مع المناسبة باعتبارها حدثًا من الماضي، بل تعود إليها عامًا بعد عام.
وتشمل عناصر هذا التراث التراتيل والصلوات والملابس التقليدية وإعداد الدَّمِيرا وإشعالها، إلى جانب المشاركة المجتمعية الواسعة التي تمنح المناسبة استمرارها.
والاعتراف الدولي لم يحوّل مِسْقَل إلى تراث معروض للعالم فقط؛ فقد بقيت قيمته الأساسية في المجتمعات التي تمارسه وتحافظ عليه.
إنه تراث حي، لأن استمراره يعتمد على الممارسة والمشاركة، لا على الحفظ وحده.
حين يصبح التراث نافذة إلى إثيوبيا
وحين يبقى التراث حيًا داخل المجتمع، فإنه يصبح قادرًا على جذب الاهتمام من خارجه أيضًا.
وفي ساحة مِسْقَل بأديس أبابا، يتجمع مئات الآلاف من الأشخاص من مجتمعات متنوعة لمتابعة الدَّمِيرا، والاستماع إلى التراتيل والصلوات، ومشاهدة الطقوس التي يؤديها رجال الدين بملابسهم التقليدية، قبل أن يبلغ الاحتفال ذروته بإشعال النار.
لكن ما يجذب الزائر لا يقتصر على المشهد البصري؛ فمِسْقَل يتيح له التعرف مباشرة إلى تقليد لا يزال المجتمع نفسه يمارسه ويحافظ عليه.
وخلال احتفالات مِسْقَل عام 2025، حضر سياح من دول مختلفة الاحتفال في أديس أبابا، ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية انطباعاتهم عن التجربة. وقال السائح الأمريكي رينارلدو هيد لوكالة الأنباء الإثيوبية:
«إنه جميل للغاية هنا. هذه زيارتي الأولى، وأشعر بأنني محظوظ حقًا لخوض تجربة هذا الاحتفال القوي.»
وقد وثقت اليونسكو أيضًا شهادات لزوار أجانب قدموا إلى إثيوبيا لمشاهدة مِسْقَل وتجربة الاحتفال، ومن بينهم زوار من لبنان واليونان، فيما عاد بعضهم إلى المناسبة أكثر من مرة، مشيدين بما شاهدوه من تراتيل وطقوس وملابس وتقاليد، وبما يجسده الاحتفال من قيم اجتماعية وثقافية.
كما وصفت الكاتبة اليونانية ديونيسيا كوميوتي مِسْقَل بأنه من المناسبات التي تجذب المسافرين، معتبرة أن خصوصية الاحتفال وتنوع المشاركين فيه يمنحانه قيمة سياحية، وداعية إلى الحفاظ عليه في صورته الأصيلة باعتباره تراثًا ثقافيًا عالميًا.
وتوضح هذه الشهادات أن القيمة السياحية لمِسْقَل ترتبط بطبيعته الأصلية؛ فالزائر لا يأتي إلى عرض أُعد خصيصًا له، وإنما يشاهد مناسبة ما زالت تحمل معناها الديني والاجتماعي والثقافي بالنسبة إلى المجتمع الذي يحتفل بها.
وفي الوقت نفسه، يرتبط الاهتمام السياحي بالحاجة إلى الحفاظ على سياق الاحتفال ومعناه، حتى لا يتحول التراث إلى منتج منفصل عن المجتمع الذي يحافظ عليه.
وهنا تلتقي السياحة بالثقافة بصورة طبيعية: فالزائر يأتي إلى إثيوبيا ليرى الدَّمِيرا، لكنه يجد أمامه مجتمعًا وتقاليد وطقوسًا لا تزال حاضرة في الحياة اليومية.
إثيوبيا واحدة ومِسْقَل متعدد المشاهد
ومع ذلك، لا يمكن اختزال مِسْقَل في الصورة الشهيرة لساحة مِسْقَل في أديس أبابا.
فالعاصمة تقدم واحدًا من أشهر مشاهد الاحتفال، لكن المناسبة تُقام في أنحاء إثيوبيا، حيث تؤدي الكنائس والمجتمعات المحلية دورًا في تنظيمها والحفاظ على ممارساتها.
ومن منطقة إلى أخرى قد تتغير بعض التفاصيل، بما في ذلك الملابس وبعض الممارسات المصاحبة للاحتفال، لكن عناصر أساسية تبقى حاضرة: النار، والتراتيل، والصلوات، والتجمع، والذاكرة المرتبطة بالمناسبة.
وهذا التنوع يكشف جانبًا من ثراء الثقافة الإثيوبية؛ فالتقاليد المحلية تمنح مِسْقَل صورًا متعددة، بينما تحافظ المناسبة على إطار مشترك يجمع المجتمعات المختلفة.
وبذلك يصبح مِسْقَل مثالًا على كيفية اجتماع التنوع الثقافي مع التقاليد المشتركة؛ فلكل مجتمع طريقته في الاحتفال، لكن المناسبة تظل جزءًا من ذاكرة وطنية وثقافية أوسع.
حين تنطفئ نار مسقل
تخفت ألسنة اللهب، ويصعد الدخان، ويبدأ الناس في العودة إلى منازلهم.
لكن مِسْقَل لا ينتهي بانطفاء الدَّمِيرا.
تبقى الذكرى في الطفل الذي شاهدها للمرة الأولى، وفي الأسرة التي اجتمعت، وفي الشاب الذي شارك في تقليد ورثه عن آبائه، وفي الزائر الذي غادر الاحتفال حاملاً معه صورة عن جانب من الثقافة الإثيوبية.
وهنا تكمن استمرارية مِسْقَل: في قدرته على الجمع بين الدين والمجتمع والتراث والثقافة، وعلى نقل هذه العناصر من جيل إلى آخر من خلال ممارسة حية تتجدد كل عام.
وفي رسالة هذا العام، ربط رئيس الوزراء أبي أحمد بين الاحتفال والوحدة والعمل الجماعي، مؤكدًا أن «ستشرق إثيوبيا وستظل فخورة إلى الأبد بفضل جهود أبنائها».
وبينما تنطفئ آخر جمرة، تبقى الحكاية.
فالنار التي تشتعل في قلب المدينة لا تضيء ليلة واحدة فقط؛ إنها تصل الماضي بالحاضر، والذاكرة بالأجيال، والتراث بالمجتمع، وإثيوبيا بالعالم.
وحين تشتعل الدَّمِيرا من جديد، لا يبدو الأمر وكأن إثيوبيا تستعيد عيدًا قديمًا فحسب؛
بل كأن ذاكرتها نفسها تضيء.