إثيوبيا تعزز ثقلها الاستراتيجي في القرن الأفريقي والبحر الأحمر

بقلم: هيئة التحرير

في ظل التحولات الجيوسياسية والسياسية والعسكرية التي تعيد رسم ملامح القرن الأفريقي وممر البحر الأحمر، يواصل الثقل الاقتصادي لإثيوبيا وموقعها الاستراتيجي وانخراطها المتزايد في محيطها الإقليمي ترسيخ مكانتها كطرف محوري في موازين القوى المتغيرة بالمنطقة.

تشهد إثيوبيا تحولًا يتجاوز بكثير حدود النمو الاقتصادي.

ففي مجالات الاقتصاد والمدن والبنية التحتية الرقمية وإعادة تأهيل البيئة والسياحة والاستثمار والطاقة والربط الإقليمي، تمضي البلاد في تنفيذ أجندة تنموية واسعة تهدف إلى إعادة بناء مقوماتها الداخلية، بالتوازي مع توسيع دورها في القرن الأفريقي والقارة الأفريقية بصورة أوسع.

وفي ظل قيادة رئيس الوزراء أبي أحمد، وضعت الحكومة الإصلاح الاقتصادي وتطوير البنية التحتية والتحول الرقمي وإعادة تأهيل البيئة والتكامل الإقليمي في صميم استراتيجيتها التنموية.

ويجري هذا التحول في ظل مشهد جيوسياسي معقد.

فقد أصبح القرن الأفريقي وممر البحر الأحمر ساحتين متزايدتي الأهمية للتجارة العالمية والأمن البحري والتنافس الاستراتيجي وتغير التحالفات السياسية. كما أسهمت الصراعات والتحولات السياسية في الدول المجاورة، والتنافس على الموانئ والممرات البحرية الاستراتيجية، وتزايد انخراط القوى الخارجية، في رفع الأهمية الجيوسياسية للمنطقة.

وفي ظل هذه البيئة المتغيرة، فإن الثقل السكاني والاقتصادي لإثيوبيا، إلى جانب موقعها الجغرافي واتساع بنيتها التحتية، يجعل مسارها التنموي ذا تداعيات تتجاوز حدودها الوطنية.

وعليه، لا يقتصر السؤال على مدى سرعة نمو الاقتصاد الإثيوبي، بل يمتد إلى الكيفية التي يمكن أن يعيد بها التحول الاقتصادي والتحديث التكنولوجي والأجندة البيئية والسعي إلى تعزيز الترابط الإقليمي تشكيل موقع إثيوبيا في هذا الجزء الحيوي استراتيجيًا من أفريقيا.

النمو أساس التحول

أصبح برنامج الإصلاح الاقتصادي الإثيوبي أحد الركائز الأساسية لهذا التحول.

وتنفذ الحكومة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الكلية والهيكلية في إطار أجندة الإصلاح الاقتصادي المحلي، بهدف زيادة مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز الصادرات، وجذب المزيد من الاستثمارات، والانتقال نحو نظام اقتصادي أكثر اعتمادًا على آليات السوق.

وتتوقع الحكومة نمو الاقتصاد بنحو 10.2 بالمائة خلال السنة المالية الإثيوبية الحالية، بما يضع إثيوبيا ضمن الاقتصادات الأسرع نموًا في العالم.

غير أن هذه النسبة تعكس جانبًا واحدًا فقط من جهود أوسع لإحداث تحول هيكلي في الاقتصاد.

وتتداخل الاستثمارات في البنية التحتية والزراعة والصناعات التحويلية والخدمات والتجارة والبناء ضمن استراتيجية تنموية تهدف إلى توسيع القدرات الإنتاجية وخلق فرص اقتصادية جديدة.

كما تستهدف عملية الإصلاح معالجة عدد من التحديات الاقتصادية الكلية القائمة منذ فترة طويلة، من بينها نقص النقد الأجنبي والضغوط التضخمية ومحدودية مشاركة القطاع الخاص.

وتكمن أهمية هذه الإصلاحات ليس فقط في تحقيق نمو قصير الأجل، وإنما في محاولة تغيير الهيكل الأساسي للاقتصاد.

وتسعى إثيوبيا إلى الانتقال من نموذج اقتصادي تقوده الدولة بدرجة كبيرة إلى نموذج يلعب فيه الاستثمار الخاص والمنافسة وآليات السوق دورًا أكبر، وهو تحول مهم في المسار الاقتصادي الحديث للبلاد.

المدن محركات لإثيوبيا الجديدة

وربما يبدو هذا التحول أكثر وضوحًا في المدن الإثيوبية.

فما بدأ باعتباره برنامجًا واسعًا لتطوير المحاور والطرق في أديس أبابا، تطور إلى توجه أوسع للتنمية الحضرية يمتد إلى مدن مختلفة في أنحاء البلاد.

ويجمع هذا التوجه بين تطوير الطرق والبنية التحتية للنقل، وإنشاء ممرات للمشاة، وتحسين المساحات العامة، وزيادة المساحات الخضراء، وتطوير المرافق الترفيهية وغيرها من المشروعات الحضرية.

وتعد أديس أبابا أبرز تجليات هذا التحول.

فالعاصمة هي المركز السياسي لإثيوبيا، كما تمثل مركزًا دبلوماسيًا يستضيف الاتحاد الأفريقي والعديد من المؤسسات الدولية، إلى جانب تنامي دورها كمركز تجاري واستثماري.

ويتمثل الهدف الأوسع في بناء مدن قادرة على استيعاب النمو السكاني المتسارع ودعم الاقتصاد المتوسع.

وبالتالي، لا يجري التعامل مع التنمية الحضرية باعتبارها مجرد تحسين للمظهر العام للمدن، وإنما باعتبارها جزءًا من استراتيجية للبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية.

التحول الرقمي

ويمثل التوسع السريع للاقتصاد الرقمي أحد أبرز ملامح التحول الذي تشهده إثيوبيا.

فعلى مدى عقود، اعتمدت العديد من الخدمات الحكومية والمالية بدرجة كبيرة على الوثائق الورقية والمعاملات المباشرة والتعاملات النقدية.

غير أن هذا الواقع يشهد تغيرًا متسارعًا.

فقد أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية وخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول والمدفوعات الإلكترونية ونظام الهوية الرقمية الوطنية جزءًا متزايدًا من الحياة الاقتصادية والإدارية اليومية.

وتجسد مبادرة «مِسوب» للخدمات الرقمية الحكومية الشاملة هذا التوجه نحو دمج الخدمات العامة، من خلال إتاحة مجموعة من الخدمات عبر منصات رقمية وتوسيع نطاق الوصول إليها خارج العاصمة.

وفي قلب هذا النظام الرقمي الناشئ يأتي «فايدا»، نظام الهوية الرقمية الوطنية في إثيوبيا. ويمكن لهوية رقمية موثوقة أن تسهم في تسهيل الوصول إلى الخدمات المالية وبرامج الحماية الاجتماعية والخدمات الحكومية ومجموعة متنامية من التطبيقات الرقمية.

وفي الوقت نفسه، شهد استخدام خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول توسعًا سريعًا، إذ تشير التقارير إلى أن أكثر من 58 مليون إثيوبي يستخدمون هذه الخدمات، في حين سجلت المدفوعات الرقمية زيادات كبيرة.

ولا تقتصر أهمية هذا التحول على تسهيل المعاملات.

فالتحول الرقمي يمكن أن يخفض تكاليف المعاملات، ويوسع نطاق الشمول المالي، ويحسن الوصول إلى الخدمات الحكومية، ويوفر فرصًا جديدة للشركات والمواطنين.

وبالنسبة إلى بلد بحجم إثيوبيا، فإن ذلك يمثل تحولًا مهمًا محتملًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والاقتصاد والمواطنين.

الاستثمار والسياحة: استثمار الإمكانات غير المستغلة

يرتبط التحول الاقتصادي في إثيوبيا بصورة متزايدة بالاستثمار والسياحة، إذ تجمع البلاد بين سوق محلية واسعة، وتركيبة سكانية شابة، وإمكانات زراعية كبيرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وتراث ثقافي فريد، وتنوع طبيعي واسع.

وتسعى المبادرات الحكومية إلى تحويل هذه المقومات إلى فرص اقتصادية.

كما أسهمت المشروعات المرتبطة بمبادرات «العشاء من أجل شيغير» و«العشاء من أجل الأمة» و«العشاء من أجل الجيل» في دعم جهود أوسع لتطوير السياحة الحضرية وقطاع الضيافة والترفيه والوجهات الثقافية.

وفي الوقت نفسه، تسعى إثيوبيا إلى توسيع عروضها السياحية خارج المسارات التاريخية التقليدية، من خلال تطوير الوجهات الطبيعية والثقافية والحضرية.

وتتضح هنا توجهات البلاد بصورة متزايدة، إذ يجري التعامل مع السياحة ليس فقط كمصدر للنقد الأجنبي، وإنما كجزء من استراتيجية أوسع للتنمية الحضرية وخلق فرص العمل وجذب الاستثمارات.

وينطبق المنطق نفسه على الاستثمار.

فالإصلاحات الاقتصادية تهدف إلى توفير مساحة أكبر لرؤوس الأموال الخاصة والمستثمرين الدوليين، بينما يسعى التوسع في البنية التحتية إلى تحسين بيئة ممارسة الأعمال.

ويتمثل التحدي في تحويل الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها إثيوبيا إلى استثمارات مستدامة وصادرات قادرة على المنافسة وفرص عمل منتجة.

البصمة الخضراء: التنمية في بُعدها البيئي

ولعل مبادرة «البصمة الخضراء» من أبرز المبادرات التي تجسد مساعي إثيوبيا للربط بين التنمية وإعادة تأهيل البيئة.

وأُطلقت المبادرة عام 2019، ونجحت في حشد ملايين الإثيوبيين للمشاركة في حملات واسعة لزراعة الأشجار وإعادة تأهيل البيئة، حيث تمت زراعة أكثر من 56 مليار شتلة منذ إطلاقها.

غير أن أهمية «البصمة الخضراء» تتجاوز عدد الشتلات المزروعة.

فالمبادرة تشمل بصورة متزايدة حماية مستجمعات المياه، وإعادة تأهيل الأراضي، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، وحماية التنوع البيولوجي، والعمل على استعادة المناطق المتدهورة.

كما أصبحت المبادرة مكونًا مهمًا في الدبلوماسية المناخية الإثيوبية على الساحة الدولية.

وبالنسبة إلى دولة نامية تواجه آثار تغير المناخ في الوقت الذي تسعى فيه إلى تحقيق نمو اقتصادي سريع، فإن الفكرة الأساسية للمبادرة تحمل أهمية خاصة، وهي أن إعادة تأهيل البيئة والتنمية الاقتصادية لا يجب بالضرورة أن تكونا هدفين متعارضين.

وتسعى إثيوبيا إلى إظهار إمكانية جعل استعادة النظم البيئية جزءًا من استراتيجية وطنية للتنمية.

الطاقة والتكامل الإقليمي

ويمثل قطاع الطاقة مجالًا آخر يتقاطع فيه التحول الداخلي في إثيوبيا بصورة مباشرة مع طموحاتها الإقليمية.

ومع توليد أكثر من 95 بالمائة من الكهرباء من مصادر متجددة، تسعى إثيوبيا إلى ترسيخ موقعها كمنتج مهم للطاقة النظيفة في شرق أفريقيا.

ويحتل سد النهضة الإثيوبي الكبير موقعًا محوريًا في هذه الاستراتيجية.

وإلى جانب تلبية احتياجاتها المحلية من الكهرباء، أكدت إثيوبيا بصورة متزايدة أهمية التجارة العابرة للحدود في الكهرباء لدعم التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.

ويمكن لشبكات الربط الكهربائي مع الدول المجاورة أن تفتح أسواقًا جديدة للكهرباء، وفي الوقت نفسه توفر للاقتصادات التي تعاني نقصًا في الطاقة إمكانية الوصول إلى مصادر الطاقة المتجددة.

ومن ثم، فإن الرؤية تتجاوز الإطار الوطني إلى نطاق إقليمي أوسع.

وتسعى إثيوبيا إلى بناء بنية تحتية تربط الأسواق بدلًا من اقتصارها على تلبية الاستهلاك المحلي.

ويمكن للطرق وشبكات الكهرباء والطيران والاتصالات وممرات التجارة، مجتمعة، أن تسهم في بناء اقتصاد إقليمي أكثر تكاملًا.

وهنا تتقاطع أجندة التنمية الإثيوبية مع دبلوماسيتها الإقليمية.

السعي إلى منفذ بحري عبر البحر الأحمر

وتجسد قضية سعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ بحري موثوق هذا التقاطع بصورة أوضح من غيرها.

وباعتبارها واحدة من أكثر دول أفريقيا سكانًا واقتصادًا رئيسيًا في القرن الأفريقي، أكدت إثيوبيا مرارًا أن الوصول الموثوق إلى طرق التجارة البحرية يمثل عاملًا مهمًا لتنميتها الاقتصادية طويلة الأجل وتكاملها الإقليمي.

وقد اكتسبت هذه القضية أهمية متزايدة مع تنامي أهمية البحر الأحمر وخليج عدن للتجارة العالمية والأمن البحري.

وبالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط الوصول إلى البحر بصورة أساسية بالخدمات اللوجستية والقدرة التنافسية للتجارة والاندماج في الأسواق الدولية.

أما على المستوى الإقليمي، فتتقاطع الطموحات البحرية لإثيوبيا مع قضايا البنية التحتية للموانئ وطرق الملاحة والأمن والتعاون الاقتصادي الإقليمي.

ومن ثم، فإن المسألة لا تقتصر على البعد الجغرافي.

وقد ركز النهج الإثيوبي بصورة متزايدة على الانخراط الدبلوماسي والترتيبات التي يتم التوصل إليها عبر التفاوض، مع طرح الربط البحري باعتباره جزءًا من أجندة أوسع للتكامل الإقليمي.

طرف استراتيجي في منطقة متغيرة

يشهد القرن الأفريقي مرحلة من التحولات الجيوسياسية العميقة.

فقد ازدادت أهمية ممرات الشحن في البحر الأحمر بالنسبة إلى التجارة العالمية، وتصاعد التنافس على الموانئ والبنية التحتية البحرية، فيما توسع انخراط القوى الخارجية دبلوماسيًا واقتصاديًا وأمنيًا في المنطقة.

وفي الوقت نفسه، لا تزال الصراعات وحالات عدم الاستقرار السياسي تؤثر في المشهد الإقليمي.

وفي ظل هذه التطورات، تظل إثيوبيا واحدة من الأطراف المحورية في المنطقة.

فعدد سكانها الكبير، واقتصادها المتنامي، وموقعها الاستراتيجي، وقدراتها العسكرية والمؤسسية، ودورها الدبلوماسي، وطموحاتها في مجال البنية التحتية، تمنحها وزنًا إقليميًا ملحوظًا.

غير أن ذلك لا يعني أن إثيوبيا بمنأى عن الضغوط الإقليمية.

بل على العكس، لا تزال البلاد تواجه تحديات أمنية واقتصادية ودبلوماسية معقدة، فيما تتقدم طموحاتها التنموية أحيانًا في بيئة تتداخل فيها مصالح إقليمية متنافسة.

وفي مواجهة ذلك، ركز النهج الإثيوبي بصورة متزايدة على تعزيز أسسها الاقتصادية الداخلية، بالتوازي مع توسيع روابطها واتصالاتها مع الدول المجاورة.

النمو مع المنطقة

تقوم استراتيجية التنمية الإثيوبية بصورة متزايدة على رؤية مفادها أن الازدهار الوطني والازدهار الإقليمي مترابطان.

فممرات الطاقة يمكن أن تربط أسواق الكهرباء.

والبنية التحتية للنقل يمكن أن تربط الاقتصادات.

والشبكات الرقمية يمكن أن تربط الأفراد والشركات.

والسياحة يمكن أن تعزز التواصل بين الثقافات.

كما يمكن للربط البحري أن يربط الاقتصادات غير الساحلية بالأسواق العالمية.

ويمكن للتجارة الإقليمية أن تخلق فرصًا قد يصعب على الدول تحقيقها بصورة منفردة.

وهذا يفسر اتساع نطاق أجندة التنمية الإثيوبية ليتجاوز حدودها الوطنية بصورة متزايدة.

فإثيوبيا تسعى إلى تحقيق النمو ليس بمعزل عن محيطها، وإنما من خلال تعميق الروابط الاقتصادية والبنية التحتية مع القرن الأفريقي وشرق أفريقيا والقارة الأفريقية على نطاق أوسع.

وبالنظر إلى هذه التطورات مجتمعة، فإنها تشير إلى مسار يتجاوز مجرد مجموعة من المشروعات المنفردة، إذ تمثل محاولة لإعادة صياغة الأسس الاقتصادية لإثيوبيا ودورها الإقليمي في آن واحد.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023