وهم الوصاية المصرية على النيل ينهار إلى الأبد

بقلم: هيئة التحرير

23 سبتمبر 2026 – وكالة الأنباء الإثيوبية

مهما تغيرت الحكومات أو القيادات في مصر، يظل هناك أمر واحد ثابت في الخطاب الرسمي المصري بشأن نهر النيل، وهو التعامل مع موارد دول حوض النيل من منظور الوصاية، واعتبار التنمية في دول المنبع قضية تتطلب موافقة القاهرة.

لكن هذه العقلية المائية الإمبريالية البائسة لم تعد قادرة على تفسير واقع النيل اليوم. فقد تغيرت أفريقيا، كما تغير النظام الإقليمي لحوض النيل، بينما يواصل الخطاب المصري استخدام لغة تنتمي إلى حقبة تاريخية تجاوزتها القارة منذ عقود.

وكما أوضحت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية بحق، فإن التصريحات الأخيرة لوزير الموارد المائية والري المصري تعكس «عقلية استعمارية فجة» تميز سياسة مصر تجاه الدول الأفريقية. ولم يأتِ هذا التوصيف بسبب التصريحات الأخيرة وحدها، إذ سبق لوزارة المياه والطاقة الإثيوبية أن حذرت من استمرار ما وصفته بعقلية مرتبطة بالعصر الاستعماري في التعامل مع قضية النيل، مؤكدة أن إثيوبيا لن تتخلى عن حقها في استخدام النهر لتلبية الاحتياجات التنموية لشعبها.

ويتكرر في الخطاب الرسمي المصري، وفي العبارات المستخدمة عند الإشارة إلى النيل، الحديث عن «الحقوق التاريخية»، و«جميع الإجراءات المتاحة»، و«الأمن المائي»، وكأن تكرار هذه المصطلحات يمكن بحد ذاته أن يمنح دولة ما حقوقاً إضافية في نهر عابر للحدود. لكن الكلمات، مهما كانت حادة وغير دبلوماسية، لا يمكنها تغيير حقيقة أن إثيوبيا دولة ذات سيادة، وأن مواردها الطبيعية الموجودة داخل أراضيها تشكل جزءاً من حقها في التنمية.

وكان وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إتفَّا قد صرح في وقت سابق بأن إثيوبيا لا تحتاج إلى إذن من أي دولة لتطوير مواردها المائية، موضحاً أن بلاده شيدت سد النهضة الإثيوبي دون الحصول على إذن من أي جهة، وأنها ستواصل تطوير سدود أخرى في أحواض أنهارها عندما تقتضي الحاجة ذلك. وهذا ليس مجرد تصريح سياسي، بل يعكس واقعاً أصبح قائماً على الأرض بالفعل. فقد اكتمل السد وأصبح ينتج الطاقة، وتحولت إثيوبيا من دولة كانت تواجه عجزاً كبيراً في توليد الكهرباء إلى دولة توسع صادراتها من الطاقة إلى دول الجوار، في الوقت الذي تتجه فيه نحو استغلال إمكاناتها الهائلة في مجال الطاقة الكهرومائية لتوفير الكهرباء لشعبها، ودعم التصنيع والتنمية.

ازدواجية المعايير بلا حدود

من أوضح المفارقات في الخطاب المصري إصرار القاهرة على ضرورة التشاور معها والحصول على موافقتها قبل أن تنشئ دول المنبع مشروعاتها، في حين مضت مصر نفسها في بناء السد العالي في أسوان دون أن يكون لدول المنبع دور مماثل في اتخاذ القرار بشأن المشروع. وقد أشارت وزارة المياه والطاقة الإثيوبية إلى هذه الازدواجية في بيانها الصادر، مؤكدة أن القاهرة تتعامل مع موافقتها باعتبارها شرطاً مسبقاً لدول حوض النيل من أجل تطوير مواردها المائية، رغم أن مصر شيدت السد العالي في أسوان دون التشاور مع دول المنبع.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يستطيع الخطاب السياسي تفاديه: إذا كان لمصر الحق في تطوير مواردها المائية داخل أراضيها دون طلب إذن من دول المنبع، فلماذا لا ينطبق المبدأ نفسه على إثيوبيا والدول الأخرى؟ إن ازدواجية المعايير بلا حدود لا تخلق نظاماً عادلاً لإدارة الأنهار العابرة للحدود.

إرث غير عادل لا يمكنه حكم المستقبل

ظل جزء أساسي من الموقف المصري قائماً على ترتيبات واتفاقيات تاريخية تعود إلى ظروف سياسية تختلف تماماً عن الواقع الأفريقي اليوم. ولم تكن إثيوبيا طرفاً في اتفاقية عام 1959، كما لم تشارك دول المنبع الأخرى في صياغة نظام سعى إلى تحديد مستقبل مياه النيل دون مشاركتها. ولذلك، فإن محاولة تقديم تلك الترتيبات باعتبارها أساساً نهائياً لحقوق جميع دول الحوض تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الدولة التي لم تكن طرفاً في اتفاقية لا يمكن، بمرور الوقت، أن تصبح ملزمة بها لمجرد إصرار دولة أخرى عليها.

لقد تغيرت أفريقيا سياسياً وديموغرافياً واقتصادياً. وتضاعفت الاحتياجات إلى الكهرباء والغذاء والمياه، وظهرت مشروعات جديدة للتكامل الإقليمي، وأصبحت دول المنبع أكثر قدرة على تطوير مواردها الطبيعية. ولذلك، فإن إعادة إنتاج الترتيبات السابقة باعتبارها الحل الوحيد للمستقبل ليست تعاوناً، بل محاولة للحفاظ على إرث غير عادل رغم تغير الظروف التي أفرزته.

وتؤكد إثيوبيا أن الأنهار العابرة للحدود ينبغي أن تكون جسوراً للتعاون والتنمية والتكامل، لا أدوات لاستبعاد دول المنبع أو فرض قيود على حقها في التنمية. وفي يناير 2026، أكد وزير المياه والطاقة هبتامو إتفَّا أن الأنهار العابرة للحدود في إثيوبيا ينبغي النظر إليها باعتبارها موارد مشتركة وفرصاً للتعاون والنمو الأخضر، مشدداً على أن توافر المياه في إثيوبيا يمكن أن يحقق فوائد محتملة للسودان وجنوب السودان وكينيا والصومال ومصر.

وهذا هو الموقف الإثيوبي: المياه ليست ملكاً حصرياً لإثيوبيا، لكنها ليست ملكاً حصرياً لمصر أيضاً. وإثيوبيا لا تطالب باحتكار النيل، بل ترفض تحويل المشاركة في النهر إلى ذريعة لحرمانها من استخدام مواردها. والفرق بين الموقفين جوهري.

سد النهضة: مشروع مضاد للهيمنة

لم يعد سد النهضة الإثيوبي مشروعاً يمكن التأثير فيه من خلال التصريحات السياسية أو التحذيرات الدبلوماسية المصرية المستهلكة إعلامياً. فقد أصبح واقعاً تنموياً واستراتيجياً. وقال وزير المياه والطاقة هبتامو إتفَّا إن سد النهضة الإثيوبي ساهم في مضاعفة قدرة إثيوبيا على توليد الكهرباء إلى نحو 9.6 غيغاواط، كما أصبح محفزاً للربط الكهربائي والتعاون الاقتصادي الإقليمي. وأوضح أيضاً أن إثيوبيا تصدر الكهرباء إلى جيبوتي والسودان وكينيا، وتسعى إلى توسيع شبكة الربط الكهربائي مع دول أخرى.

وهكذا، فإن المشروع الذي حاول الخطاب المصري لسنوات تصويره على أنه مصدر للتهديد، أصبح في الواقع جزءاً من تحول أوسع في منظومة الطاقة في أفريقيا. والأهم من ذلك، أن إثيوبيا لا تنظر إلى مواردها المائية باعتبارها وسيلة لممارسة النفوذ على الآخرين، وإنما باعتبارها أساساً للتغلب على فقر الطاقة وتحقيق التصنيع والنمو الاقتصادي.

لكن مشكلة مصر لا تتعلق بسد النهضة وحده. وبالنسبة لمن يقرأون ما بين السطور، فقد جرى التعبير مراراً عن الرغبة الكامنة لدى البلاد من خلال تصريحاتها الرسمية. فالقاهرة ليست مستعدة أبداً لقبول إثيوبيا كدولة نامية قوية قادرة على استثمار مواردها الطبيعية دون انتظار موافقة خارجية.

لكن إثيوبيا أثبتت بالفعل أنها قادرة ومصممة على تطوير مواردها دون إذن من أحد. وإن قبول هذا الواقع والعمل على تطوير المنطقة بصورة متبادلة هو الإجابة الصحيحة. وفي أغسطس، أكد وزير المياه والطاقة الإثيوبي أن بلاده ستواصل تطوير مواردها المائية، وستبني سدوداً أخرى عندما تقتضي الحاجة ذلك. كما شدد الوزير على أن مستقبل إثيوبيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بنهر أباي والبحر الأحمر، وأن سد النهضة الإثيوبي يمثل مشروعاً تحولياً غيّر مكانة البلاد في مجالات الطاقة والتنمية والتكامل الإقليمي. وبالتالي، فإن الرهان على أن التصريحات السياسية القوية يمكن أن تعيد إثيوبيا إلى مرحلة التردد أو الانتظار هو رهان على واقع لم يعد موجوداً.

وقد أعلنت إثيوبيا مراراً أن الأنهار العابرة للحدود ينبغي أن تكون محركات للتعاون والازدهار المشترك، مع رفضها في الوقت نفسه أي مفهوم للهيمنة المائية يحرم دول المنبع من حقوقها السيادية. وهذا هو الموقف الذي جددت وزارة المياه والطاقة تأكيده. وانسجاماً مع هذا المبدأ، تواصل إثيوبيا بناء قدراتها، وتواصل توليد الكهرباء وتصدير الطاقة، وتواصل الاستثمار في مواردها المائية. كما تواصل العمل على إعادة تأهيل أحواض المياه، والتشجير، والحفاظ على البيئة، وتعزيز استدامة حوض أباي، وهي نقطة أبرزتها وزارة المياه والطاقة في بيانها الأخير.

إثيوبيا لن تعود إلى الوراء

إن التصريحات المصرية المتكررة لن تغير هذا المسار، كما أن الخطاب الحاد لن يمنح القاهرة سلطة لم يمنحها لها القانون ولا الواقع. ولن تعيد الاتفاقيات السابقة عقارب الساعة إلى الوراء، ولن تجعل إثيوبيا تتخلى عن حقها في استخدام مواردها الطبيعية. بل إن استمرار هذا الخطاب قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في كشف عمق عقلية لا تزال تنظر إلى التنمية الإثيوبية باعتبارها تهديداً، بدلاً من رؤيتها فرصة للتعاون الأفريقي.

ومن هنا، فقد حان الوقت لكي تتعامل مصر مع النيل باعتباره حوضاً أفريقياً مشتركاً، وليس مجالاً للنفوذ الأحادي الجانب. كما حان الوقت للاعتراف بأن إثيوبيا ليست دولة تنتظر الإذن لتقرر مستقبلها. ولن يكون النيل أداة للهيمنة، ولن تتوقف التنمية الإثيوبية بسبب الخطاب السياسي، مهما ارتفع صوته.

إن واقع القرن الحادي والعشرين يفرض قاعدة مختلفة: الاحترام المتبادل بدلاً من الوصاية، والتعاون بدلاً من الهيمنة، والتنمية المشتركة بدلاً من الإقصاء. وهذا ليس مجرد رؤية إثيوبية، بل هو المسار الوحيد القادر على نقل حوض النيل من إرث الصراع إلى فضاء التكامل الأفريقي.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023