لماذا يجب على المجتمع الدولي مواجهة المتشددين داخل جبهة تحرير تيغراي والمُعرقلين الخارجيين؟ - ENA عربي
لماذا يجب على المجتمع الدولي مواجهة المتشددين داخل جبهة تحرير تيغراي والمُعرقلين الخارجيين؟
حظي توقيع اتفاق بريتوريا الدائم لوقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2022 بإشادة واسعة، باعتباره لحظة مفصلية في تاريخ إثيوبيا. فبعد عامين من الصراع المدمر في شمال البلاد، أرسى الاتفاق إطارًا قانونيًا واضحًا لإعادة النظام الدستوري، ونزع سلاح المقاتلين وتسريحهم وإعادة إدماجهم، وتقديم المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء المجتمعات التي دمرتها الحرب.
ومنذ توقيع اتفاق بريتوريا، أظهرت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية باستمرار التزامها بروح الاتفاق ونصه. فقد تحركت المؤسسات الفيدرالية بسرعة لإعادة ربط إقليم تيغراي بشبكة الكهرباء الوطنية، واستعادة الخدمات المصرفية والاتصالات، وإعادة فتح الرحلات الجوية التجارية إلى مدينة ميكيلي. كما عملت الحكومة على تسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى مختلف أنحاء الإقليم، وخصصت موارد حكومية كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية والمدارس والمرافق الصحية المتضررة.
ووفاءً بمتطلب دبلوماسي أساسي، أزال البرلمان الفيدرالي رسميًا جبهة تحرير شعب تيغراي من القائمة الوطنية للمنظمات الإرهابية، بما يسمح بانخراط سياسي شامل. وإضافة إلى ذلك، ووفقًا للمادة العاشرة من الاتفاق، سهّلت الحكومة الفيدرالية إنشاء الإدارة الإقليمية الانتقالية لتيغراي، بهدف ضمان الإدارة المحلية وتقديم الخدمات وتحقيق الاستقرار خلال المرحلة الانتقالية.
وبعيدًا عن التنازلات الدبلوماسية الأولية، دعمت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية التزامها باتفاق بريتوريا بضخ موارد مالية ضخمة، إذ خصصت مليارات البِر من الخزانة الوطنية لتمويل إعادة الإعمار الفورية والتعافي الاجتماعي والاقتصادي في إقليم تيغراي.
وإدراكًا منها أن السلام لا يمكن أن يترسخ في ظل الانهيار الاقتصادي، أعطت أديس أبابا الأولوية لتمويل إعادة بناء الأنظمة الصحية التي دمرتها الحرب، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وإصلاح ممرات النقل والكهرباء والاتصالات الحيوية، معتبرةً إنعاش تيغراي أولوية وطنية رئيسية.
وقد شكلت هذه التحويلات المالية الفيدرالية، التي وُجهت مباشرة لتمويل الخدمات العامة ودفع رواتب الموظفين ودعم السلع الأساسية، دليلًا ملموسًا على تصميم الدولة على إعادة دمج تيغراي في النسيج الوطني. إلا أن هذه النية المالية والاستثمارات الرأسمالية الضخمة قوبلت، بغياب عميق لحسن النية من جانب المتشددين داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، الذين قاموا بتحويل الموارد المحلية عن أهدافها، وعرقلوا مشاريع التنمية الفيدرالية، ووجّهوا أموال الإدارة الإقليمية نحو إعادة التسلح بصورة سرية، بدلًا من توجيهها إلى رفاه السكان المدنيين، وهو الغرض الذي خُصصت تلك الأموال من أجله.
وبدلًا من توجيه جهودها نحو المنافسة السياسية السلمية والتعافي الإقليمي، عملت قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي بنشاط على تقويض إطار الحكم الذي تصوره اتفاق بريتوريا.
ووراء هذه المقاومة هدفًا محسوبًا، يتمثل في سعي الفصيل المتشدد بقيادة ديبرتسيون غبريمايكل إلى استعادة الهيمنة الحزبية المنفردة التي كان يتمتع بها سابقًا على إثيوبيا. وبعد فقدان نفوذه على المستوى الفيدرالي ومقاومته للنظام الدستوري، اصبح الطموح الأساسي لجبهة تحرير شعب تيغراي يتمثل في خلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، وشل مؤسسات الدولة، وفرض إعادة تفاوض شاملة حول اتفاق بريتوريا، بشروط توفر الحماية لقيادتها السياسية من المساءلة.
وكان إنشاء إدارة إقليمية انتقالية شاملة أحد الركائز الأساسية لاتفاق السلام، إلا أن قادة الفصيل المتشدد داخل جبهة تحرير شعب تيغراي تحركوا بصورة منهجية لتفكيكها.
ومن خلال محاولات الإطاحة بشكل أحادي بقيادة الإدارة الإقليمية الانتقالية، والسيطرة بالقوة على المؤسسات الإدارية في الإقليم، ورفض التفويضات الفيدرالية الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، أظهر هذا الفصيل، تجاهلًا مقلقًا لمبادئ الحكم الانتقالي القانوني.
إن هذا الاستيلاء المنهجي على السلطة يستبدل إدارة عامة انتقالية وشاملة بحكم الحزب الواحد، بما يمثل انتهاكًا مباشرًا للمبادئ الأساسية لاتفاق بريتوريا، ويحرم مواطني تيغراي من إدارة مدنية خاضعة للمساءلة.
ولتحقيق هذه الأهداف المزعزعة للاستقرار، دخل المتشددون داخل جبهة تحرير شعب تيغراي، في تحالفات انتهازية مع جهات خارجية معرقلة وخصوم إقليميين.
واستغلالًا للتوترات الجيوسياسية الأوسع نطاقًا في منطقة القرن الأفريقي، عمل هذا الفصيل على استقطاب دعم ضمني من جهات خارجية تسعى إلى استغلال نقاط الضعف الداخلية في إثيوبيا. وفي مقدمة هذه الجهات النظامين في القاهرة وأسمرا، اللذين تقول إن مصالحهما التاريخية والاستراتيجية تتقاطع مع الإبقاء على الدولة الإثيوبية منقسمة وضعيفة.
أما بالنسبة إلى النظام المصري، فتربط دوافعه بالهواجس الوجودية المتعلقة بمياه النيل والواقع التشغيلي لـسد النهضة الإثيوبي الكبير.
إن القاهرة لطالما نظرت إلى إثيوبيا القوية والموحدة والمتمتعة بالسيادة الاقتصادية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لهيمنتها التاريخية على مياه نهر أباي. ومع عجز مصر عن وقف استكمال سد النهضة من خلال الدبلوماسية الدولية أو الضغوط القانونية، تحولت أجهزة الاستخبارات والدبلوماسية المصرية نحو سياسة تقوم على تطويق إثيوبيا من جميع الجهات.
تسعى القاهرة، من خلال تقديم دعم غير مباشر، وغطاء دبلوماسي، وقنوات لوجستية تشغيلية لفصائل إثيوبية معارضة، إلى إبقاء أديس أبابا منشغلة بصراعات داخلية. و من وجهة النظر المصرية, إثيوبيا الغارقة في الصراع الداخلي ستكون، ، أقل قدرة على بسط نفوذها، ودفع عجلة التنمية في دول المصب، وتأكيد حقوقها السيادية في مجالات التجارة الإقليمية والبنية التحتية البحرية.