إثيوبيا بين مياه النيل والبحر الأحمر: تحركات استراتيجية ودبلوماسية متصاعدة - ENA عربي
إثيوبيا بين مياه النيل والبحر الأحمر: تحركات استراتيجية ودبلوماسية متصاعدة
بقلم هيئة التحرير
21 سبتمبر 2026
وضع الأسبوع الثاني من سبتمبر 2026 مصالح إثيوبيا الاستراتيجية في مجال المياه والوصول البحري والدبلوماسية والتحول الاقتصادي بقوة في مركز الاهتمام الوطني والدولي.
عبر وسائل الإعلام الإثيوبية، ظهر أباي/النيل والبحر الأحمر كموضوعين رئيسيين. وركزت المناقشات حول نهر النيل على الاستخدام العادل والمستدام لموارد المياه المشتركة ودور إثيوبيا كمصدر لنهر أباي، في حين اكتسب سعي البلاد الطويل الأمد للوصول الموثوق إلى البحر الأحمر زخمًا جديدًا من المسؤولين الحكوميين والباحثين والمعلقين الجيوسياسيين.
وفي الوقت نفسه، ظلت المشاركة الدبلوماسية لإثيوبيا نشطة، حيث أكد السفراء وكبار الممثلين من العديد من البلدان اهتمامهم بتعميق الشراكات الثنائية في مجالات تتراوح من الزراعة والتكنولوجيا إلى التنمية الخضراء والعلاقات بين الشعوب.
كما سلط الأسبوع الضوء على مشاركة إثيوبيا المتزايدة في المنصات العالمية والإقليمية، من المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا إلى منتدى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية بشأن الاستعداد لظاهرة النينيو في القرن الأفريقي.
وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى سرد استراتيجي أوسع: إذ تعمل إثيوبيا بشكل متزايد على ربط الموارد المائية، والوصول البحري، والأمن الإقليمي، والشراكات الدبلوماسية، والتحول الاقتصادي كعناصر مترابطة لمصالحها الوطنية طويلة المدى.
أباي/النيل: جدل حول الحقوق والتنمية
عاد ملف نهر النيل ليحتل مكانة بارزة في الخطاب العام في إثيوبيا.
فقد انتقد "جيتاشيو ردا" -الوزير ومستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا- بشدة ما وصفه بمحاولات مصر المستمرة لفرض سيطرة حصرية على النيل، معتبراً أن هذا النهج بات منفصلاً بشكل متزايد عن واقع المنطقة.
وفي مقابلة حصرية مع منصة "نبض أفريقيا" ، صرح جيتاشيو بأن مصر خلقت ما وصفه بـ "واقع مصطنع" حول النيل، مؤكداً ضرورة النظر إلى النهر في ضوء حقائق الجغرافيا والعلم واحتياجات التنمية لجميع دول حوض النيل.
وبالمثل، رأى "تيشومي توجا" -الرئيس السابق لمجلس نواب الشعب الإثيوبي- أن على مصر تعديل استراتيجيتها المتعلقة بالنيل لتواكب واقع القرن الحادي والعشرين.
وفي مقال تحليلي له، أشار تيشومي إلى عوامل غيّرت طبيعة حوض النيل بشكل جذري، وهي: النمو السكاني، والتغير المناخي، وتزايد الطلب على الطاقة، وانعدام الأمن الغذائي، والتنمية الاقتصادية.
ودعا إلى اعتماد إطار عمل يرتكز على التعاون والإنصاف والاحترام المتبادل، بدلاً مما وصفه بافتراضات عفا عليها الزمن تعود إلى الحقبة الاستعمارية.
**الوصول إلى البحر الأحمر يتصدر القضايا الاستراتيجية في إثيوبيا**
إذا كان ملف النيل قد هيمن على النقاشات المتعلقة بالمياه، فإن ملف البحر الأحمر بات يهيمن بشكل متزايد على النقاشات المتعلقة بالشؤون البحرية.
فقد ربط مسؤولون إثيوبيون كبار وباحثون وأكاديميون -خلال هذا الأسبوع- بين مسألة الوصول إلى البحر وبين التنمية الاقتصادية، والأمن القومي، والتكامل الإقليمي، ودور إثيوبيا الدبلوماسي الأوسع.
في حلقة نقاش نظمتها "أكاديمية أديس أبابا للقيادة"، شدد المشاركون على ضرورة السعي لتحقيق المصالح البحرية لإثيوبيا من خلال الحوار السلمي، والعمل الدبلوماسي، والتعاون، والترتيبات التي تحقق المنفعة المتبادلة.
صرح غيزاشيو أسرات، رئيس الموظفين وكبير الباحثين المختص بشؤون القرن الأفريقي في معهد الشؤون الخارجية ، بأن هناك توافقاً متزايداً حول دور إثيوبيا وحضورها في منطقة البحر الأحمر.
وأشار إلى أن النمو السكاني والاقتصادي والتجاري في إثيوبيا، إلى جانب اعتبارات الأمن الإقليمي، تجعل من مسألة الوصول إلى البحر قضية استراتيجية تزداد أهميتها.
وبالنسبة للباحث في جامعة أديس أبابا، تيسفاي جيما، فإن القضية تتجاوز مجرد الاعتبارات التجارية.
وقد حظي هذا النقاش أيضاً باهتمام دبلوماسي دولي خلال الأسبوع؛ حيث أكد السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوسي، دعم إسرائيل لسعي إثيوبيا نحو الوصول إلى البحر، واصفاً الاستقرار في البحر الأحمر وقوة إثيوبيا بأنهما مسألتان تهمان المجتمع الدولي بأسره.
وهكذا، بات النقاش المتنامي يربط بشكل متزايد بين قضيتي نهر النيل (أباي) والبحر الأحمر باعتبارهما مسألتين استراتيجيتين لهما تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا بكثير.
إثيوبيا في المحافل الدولية والاستعدادات الإقليمية
لم يقتصر الانخراط الدولي لإثيوبيا على ملفي النيل والبحر الأحمر.
فقد شاركت البلاد في فيينا في المؤتمر العام السبعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تناقش الدول الأعضاء قضايا السلامة والأمن النوويين، وتطبيقات التكنولوجيا النووية، والاستخدامات السلمية للعلوم النووية.
وتعكس مشاركة إثيوبيا استمرار تفاعلها مع المؤسسات العالمية بشأن قضايا متنوعة تشمل الطاقة والتكنولوجيا، والأمن الغذائي، والإدارة البيئية، والتنمية المستدامة.
وعلى الصعيد الإقليمي، استضافت أديس أبابا المنتدى الإقليمي رفيع المستوى للهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) حول الاستعداد لظاهرة "النينيو" في منطقة القرن الأفريقي.
وفي هذا السياق، شدد نائب مفوض إدارة مخاطر الكوارث في إثيوبيا، أيدروس حسن، على أن الآثار المحتملة لظاهرة "النينيو" تتطلب قيادة سياسية، وملكية وطنية للقرار، وتضامناً إقليمياً، وتوفيراً للتمويل في الوقت المناسب، وتحركاً مبكراً، وليس مجرد استعدادات فنية.
صرح المسؤول بأن إثيوبيا تعمل على تعزيز نظامها لإدارة مخاطر الكوارث، ليشمل مجالات الرصد والتنبؤ وتقييم الأثر والإنذار المبكر والتأهب والعمل الاستباقي والاستجابة. كما تسعى البلاد إلى تحقيق قدر أكبر من الاعتماد على الذات وطنياً من خلال "صندوق الاستجابة لمخاطر الكوارث".
وبالمثل، دعا منتدى "إيغاد" (الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية) إلى تعزيز خطط الطوارئ، وتخزين الإمدادات الأساسية مسبقاً، وتكثيف الرصد الصحي، وحماية النظم الغذائية، وتوسيع نطاق العمل الاستباقي في جميع أنحاء المنطقة.
الدبلوماسية: توسيع نطاق الشراكات لتتجاوز السياسة التقليدية
شهد المشهد الدبلوماسي في إثيوبيا نشاطاً ملحوظاً أيضاً، حيث عكست سلسلة من اللقاءات مع دبلوماسيين أجانب اتساع نطاق الشراكات الدولية للبلاد.
فالعلاقات الإثيوبية-الإسرائيلية -وفقاً للسفير أبراهام نيجوسي- تمتد لتشمل مجالات الزراعة والصحة والتكنولوجيا والمياه والطاقة والاستثمار وبناء القدرات؛ وقد وصف السفير هذه العلاقة بأنها تطورت من روابط تاريخية عميقة لتصبح شراكة حديثة وشاملة.
وفي الوقت نفسه، سلطت كل من ألمانيا والدنمارك الضوء على الدبلوماسية الثقافية، والعلاقات الشعبية المباشرة، والتعاون الأكاديمي، والتحول الأخضر، باعتبارها ركائز هامة لشراكاتهم الراسخة مع إثيوبيا.
وتُظهر هذه التحركات مجتمعةً أن الدبلوماسية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية لتمتد إلى مجالات التكنولوجيا والزراعة والعمل المناخي والثقافة والتعليم والاستثمار والتنمية المستدامة.
الصعيد الاقتصادي: الثقة والقدرات والإصلاح
شكل التحول الاقتصادي جانباً مهماً آخر في أحداث الأسبوع.
فقد أشاد تيبور ناجي، مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق للشؤون الأفريقية، بالخطوط الجوية الإثيوبية لما وصفه بـ "الانضباط الاستراتيجي والقدرات الفنية والاحترافية التشغيلية"، مسلطاً الضوء على استثمار الشركة في التدريب وبناء القدرات الفنية باعتبارها عناصر رئيسية وراء سمعتها الدولية المرموقة.
أسبوع اتسم بالتقارب الاستراتيجي
تكشف تطورات هذا الأسبوع عن تقارب لافت بين قضايا غالباً ما تُناقش بشكل منفصل.
فقد باتت قضية نهر "أباي"/النيل تُطرح بشكل متزايد في سياق التنمية والاستخدام العادل للموارد والتعاون الإقليمي. كما يربط النقاش حول البحر الأحمر بين الوصول إلى الممرات البحرية وقضايا التجارة والأمن والسيادة والتكامل الإقليمي.
وتتوسع الدبلوماسية لتشمل مجالات التكنولوجيا والزراعة والعمل المناخي والثقافة والاستثمار، في حين يجري ربط الإصلاح الاقتصادي بطموح إثيوبيا لتعزيز مكانتها في الشؤون الإقليمية والعالمية.
وهكذا، ومن حوض النيل إلى البحر الأحمر، ومن فيينا إلى أديس أبابا، يتجاوز النقاش الاستراتيجي الإثيوبي حدود النزاعات الفردية أو الارتباطات الدبلوماسية المحدودة، ليتجه نحو سؤال أوسع: كيف يمكن للبلاد تحويل موقعها الجغرافي ومواردها الطبيعية وإمكاناتها الاقتصادية وشراكاتها الدولية إلى تنمية وطنية وإقليمية طويلة الأمد؟
ومن المرجح أن يظل هذا السؤال - وما يحيط به من مصالح متنافسة - محوراً رئيسياً في الأجندة الإثيوبية، سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي، خلال الأسابيع المقبلة.