المكاسب الدبلوماسية الاستراتيجية والعوائد الاقتصادية لإثيوبيا في قمة البريكس الثامنة عشرة

بقلم: جيزمو إديشا

20 سبتمبر/ 2026

لم تكن مشاركة رئيس الوزراء آبي أحمد في قمة البريكس الثامنة عشرة في نيودلهي مجرد مشاركة دبلوماسية روتينية، بل كانت لحظة استراتيجية بالغة الأهمية لإثيوبيا.

في عالمٍ يتشكل فيه النفوذ بشكل متزايد من خلال التحالفات، والوصول إلى التجارة، والتعاون المالي، والمكانة السياسية، اضطلعت إثيوبيا بدورٍ فاعل برؤية ثاقبة وطموح كبير، وبأهمية عالمية متنامية.

بالنسبة لإثيوبيا، حملت القمة قيمة رمزية وعملية. فمن الناحية الرمزية، عززت مكانة البلاد بين القوى الصاعدة والدول الإصلاحية الساعية إلى نظام دولي أكثر عدلاً. ومن الناحية العملية، فتحت القمة آفاقاً لتحقيق مكاسب ملموسة في مجالات التجارة والاستثمار والطيران ودبلوماسية المناخ ونقل التكنولوجيا والتعاون المالي. وتنسجم هذه النتائج بشكل وثيق مع الإصلاح الاقتصادي المحلي لإثيوبيا وأولوياتها التنموية طويلة الأجل.

ما جعل هذه القمة مهمة لإثيوبيا هو الطريقة التي ترجم بها رئيس الوزراء آبي أحمد الدبلوماسية رفيعة المستوى إلى فوائد وطنية ملموسة. فبدلاً من اعتبار منصة البريكس مجرد فرصة لالتقاط الصور، استغلها لتعزيز مصالح وطنية محددة بدقة ومثابرة.

انتصار دبلوماسي على جبهة التجارة العالمية

كان من أهم نتائج القمة الدعم القوي الذي حظيت به إثيوبيا في مسيرتها نحو الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية. فبحسب إعلان نيودلهي الصادر عن البريكس، أعربت جميع الدول الأعضاء عن تأييدها لانضمام إثيوبيا إلى المنظمة. وهذا أمر بالغ الأهمية لأن عضوية منظمة التجارة العالمية تُعدّ بوابةً لتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق، وتعزيز ثقة المستثمرين، وتعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

بالنسبة لإثيوبيا، يحمل هذا التأييد وزناً حقيقياً. فهو يُعزز موقف البلاد في المفاوضات الجارية، ويرسل رسالةً إلى المجتمع الدولي مفادها أن الإصلاحات الإثيوبية تحظى باعتراف جهات فاعلة عالمية مؤثرة. عملياً، يُمكن لهذا النوع من الدعم أن يُسرّع اندماج إثيوبيا في سلاسل التوريد العالمية، ويُحسّن قدرتها على المنافسة في ظل ترتيبات تجارية عادلة وقائمة على القواعد.

لا يقل أهمية عن ذلك الاعتراف بترشيح إثيوبيا لعضوية موسعة في مجلس منظمة الطيران المدني الدولي، وهو ترشيح مدعوم من الاتحاد الأفريقي، ومؤيد رسميًا في إعلان نيودلهي. وتُعد إثيوبيا موطنًا للخطوط الجوية الإثيوبية، إحدى أنجح شركات الطيران الأفريقية وأكثرها احترامًا على مستوى العالم. ولا يعكس دعم إثيوبيا لهذا الدور خبرة البلاد في مجال الطيران فحسب، بل يعكس أيضًا مساهمتها الأوسع في الربط الجوي وريادة النقل في أفريقيا.

الريادة المناخية والطريق إلى مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين

الإنجاز الرئيسي الآخر هو تأييد إثيوبيا لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة الثاني والثلاثين لتغير المناخ (COP32) في عام 2027. ويُعد هذا مكسبًا دبلوماسيًا وسمعةً كبيرين. فاستضافة قمة عالمية بهذا الحجم تضع إثيوبيا في قلب مناقشات المناخ الدولية، وتمنحها فرصةً لتشكيل أجندة القضايا التي تهم أفريقيا والعالم النامي بشدة.

وترتكز رؤية رئيس الوزراء آبي أحمد لمؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين على العمل المناخي العملي، والتمويل المناخي العادل، والتنمية الخضراء. لذا، تنسجم هذه الرسالة تمامًا مع أجندة إثيوبيا البيئية الأوسع، ولا سيما مبادرة الإرث الأخضر، التي أصبحت من أبرز البرامج الوطنية في البلاد. كما أنها تُعزز استثمارات إثيوبيا المتنامية في الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة.

إذا ما نُفذت بنجاح، فإن مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين (COP32) في أديس أبابا لن يقتصر دوره على إبراز إثيوبيا للعالم، بل سيُعزز ريادة البلاد في دبلوماسية المناخ، ويجذب شراكات دولية، ويُسلط الضوء على إثيوبيا كدولة قادرة على استضافة وتشكيل أحداث عالمية كبرى.

التعاون المالي من أجل مستقبل اقتصادي أكثر استدامة

في المجال المالي، أتاحت القمة لإثيوبيا فرصًا هامة طويلة الأجل. وكان من بين المحاور الرئيسية للهيكل المالي لمجموعة البريكس تشجيع أنظمة التسوية بالعملات المحلية ومنصات الدفع عبر الحدود. وهذا الأمر بالغ الأهمية لإثيوبيا.

وكما هو الحال في العديد من الاقتصادات النامية، لا تزال إثيوبيا تواجه ضغوطًا من نقص العملات الأجنبية والصدمات الخارجية للعملات. ومن شأن نظام يسمح بتسوية التجارة بالعملات المحلية أن يُقلل الاعتماد على العملات الصعبة، ويُخفض تكاليف المعاملات، ويُوفر مزيدًا من الاستقرار للمستوردين والمصدرين. قد يصبح التبادل التجاري مع دول مثل الصين والهند وروسيا أكثر سلاسة وأقل تكلفة عند تطبيق هذه الأنظمة بفعالية.

كما دعت إثيوبيا إلى آليات أسرع وأكثر قابلية للتنبؤ لتسوية الديون، فضلاً عن دعم سيولة أقوى من خلال توسيع نطاق اتفاقية الاحتياطي الطارئ. هذه ليست مجرد أفكار مالية نظرية، بل هي أدوات عملية تُسهم في حماية الدول النامية من الصدمات المفاجئة وتوفير متنفس لها خلال فترات الضغوط المالية.

ببساطة، استغلت إثيوبيا القمة للدفع نحو نظام مالي عالمي أكثر توازناً، نظام لا يجعل الدول النامية عرضة لقرارات وضغوط الاقتصادات الأكثر ثراءً.

دبلوماسية ثنائية فتحت آفاقاً جديدة

إلى جانب الجلسات العامة الرسمية، أثبتت فعاليات القمة الجانبية أهميتها البالغة. فقد أسفرت الاجتماعات الثنائية المكثفة عن فرص واعدة في العديد من القطاعات الاستراتيجية.

وركزت المحادثات بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، بحسب التقارير، على المعادن الحيوية والطاقة المتجددة وصناعة الأدوية. وتُعد هذه القطاعات ذات قيمة عالية، ولها القدرة على دعم التصنيع في إثيوبيا وتعزيز قدرتها على الصمود.

كما ناقش الجانبان تعزيز التعاون الدفاعي، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، والشراكة في إطار مؤتمر الأطراف الثاني والثلاثين (COP32).

وكانت اللقاءات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مثمرة أيضاً، حيث أجرى الزعيمان مناقشات بناءة حول تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين إثيوبيا وروسيا. كما بحثا فرص توسيع التبادلات التعليمية وتعميق التعاون في العلاقات الثقافية والشعبية.

تكتسب هذه الأمور أهمية بالغة لأن التحدي التنموي الذي يواجه إثيوبيا لا يقتصر على رأس المال فحسب، بل يشمل أيضاً القدرات. فالقدرة على التعلم والتكيف ونقل التكنولوجيا أساسية لتحقيق تحول طويل الأمد. ومن خلال بناء هذه الشراكات، تُهيئ إثيوبيا نفسها للوصول إلى الخبرات والابتكارات التي من شأنها تعزيز اقتصادها المحلي.

إثيوبيا كجسر بين أفريقيا والجنوب العالمي

لعلّ أهم ما يُستخلص من القمة على الصعيد الاستراتيجي هو الاعتراف المتزايد بإثيوبيا كدولة تتجاوز كونها دولة تسعى وراء مصالح ضيقة، بل تبرز كجسر بين أفريقيا والجنوب العالمي، وبين التكامل الإقليمي والشراكات العالمية، وبين الطموح الدبلوماسي والتحول الاقتصادي.

بصفتها الدولة المضيفة لمقر الاتحاد الأفريقي ومركزاً دبلوماسياً في القارة، تحتل إثيوبيا موقعاً فريداً. فهي قادرة على ربط الأولويات الأفريقية بالحوارات الدولية الأوسع نطاقاً بطرق قلّما تستطيعها دول أخرى. وهذا يمنح إثيوبيا منصة قوية للدفاع ليس فقط عن تنميتها الخاصة، بل أيضاً عن مصالح أفريقيا ككل.

بفضل تعداد سكانها الذي يتجاوز 135 مليون نسمة، وإمكاناتها الزراعية الهائلة، وموقعها الاستراتيجي، وطموحاتها الصناعية المتنامية، تمتلك إثيوبيا مقومات حقيقية تُسهم بها في الحوار الدولي. أظهرت قمة البريكس أنها تستخدم تلك الأصول بثقة متزايدة.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023