لماذا يحتاج أمن البحر الأحمر إلى إثيوبيا؟

 تحليل من «نبض أفريقيا»

بقلم: مَهْدَر نِسيبو

16 سبتمبر 2026

البحر الأحمر، وهو ممر مائي ضيق يربط خليج عدن والمحيط الهندي بالبحر الأبيض المتوسط، شهد خلال السنوات الأخيرة تدهورًا أمنيًا كبيرًا. وقد أدى انتشار الجماعات المسلحة حول هذا الممر المائي، إلى جانب تهديدات مثل القرصنة، إلى تقويض موثوقيته، رغم أنه يتولى نقل نحو 13 بالمئة من حركة الشحن العالمية. وقد أصبح هذا التهديد الآن محط أنظار متزايد. فعندما اندلعت الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تعرض ممر مائي مماثل، هو الخليج العربي، وكذلك نقطة الاختناق التي تربطه بالمحيط الهندي، للتسليح والاستخدام كأداة في الصراع، حيث تمكنت طهران فعليًا من خنق ممر يتعامل مع 25 بالمئة من إنتاج النفط والغاز في العالم. وظهر الاستخدام نفسه كسلاح في باب المندب، نقطة الاختناق الاستراتيجية للبحر الأحمر، عندما أعلن الحوثيون في اليمن، الذين يسيطرون على شمال البلاد المحاذي لنقطة الاختناق، حصارًا على إسرائيل في مارس 2025، مدفوعين جزئيًا بتوافقهم مع إيران. ومنذ ذلك الحين، وسّع المتمردون هذا الحصار ليشمل المملكة العربية السعودية، التي خاضوا معها حربًا لأكثر من عقد، قبل أن يتوقف الصراع بموجب هدنة عام 2022.

وفي الأسبوع الماضي فقط، أدت عملية هجومية خاطفة شنتها القوات الحوثية إلى تحطيم الوضع الإقليمي القائم، ووضع مضيق باب المندب الاستراتيجي بشكل كامل تحت سيطرتها. وباندفاع متواصل على طول الساحل الغربي لليمن، اجتاحت القوات مواقع الحكومة المدعومة من السعودية بالكامل، ولم تواجه تقريبًا أي مقاومة في طريقها. ويُقال إن السعودية شنت هجمات مضادة عبر طلعات جوية استهدفت مواقع الحوثيين. ولا يزال الوضع متغيرًا.

وأصبحت السفن السعودية، شأنها شأن السفن الإسرائيلية، أهدافًا للحوثيين، ما أدى إلى تفاقم حالة انعدام الأمن التي يشهدها الممر المائي. وإلى جانب ذلك، لا تزال القرصنة، التي تنطلق أساسًا من الساحل الصومالي، تشكل تهديدًا. وعلى الرغم من الاعتقاد بأنها انخفضت من حيث التكرار، فإن القرصنة في باب المندب والبحر الأحمر تبدو في طريقها إلى العودة. وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» في أواخر أغسطس بأن المؤشرات تشير إلى احتمال تجدد هذه الظاهرة، إذ شهد عام 2026 وحده توثيق 17 حادثة مرتبطة بالقرصنة.

وعلى الرغم من تعرض الملاحة الإسرائيلية والسعودية، إلى جانب سفن الشحن الدولية، لهجمات مباشرة، فإن آثار انعدام الأمن هذا تتجاوز ذلك لتصبح أكثر ارتباطًا بالبنية الأوسع للتجارة. ووفقًا لوكالة رويترز، انخفضت حركة الشحن عبر البحر الأحمر بنسبة تصل إلى 60 بالمئة منذ عام 2023، عندما بدأ الحوثيون استخدام نقطة الاختناق كسلاح، ولم تتعافَ الحركة بصورة فعلية منذ ذلك الحين. وتترجم هذه الأرقام إلى ارتفاع تكاليف الشحن وتباطؤ حركة الملاحة، نتيجة تحويل السفن مسارها عبر طريق رأس الرجاء الصالح بمحاذاة جنوب أفريقيا، ما يضيف أيامًا إضافية إلى الرحلات البحرية وتكاليف إضافية للوقود. وبالنسبة إلى الدول التي تعتمد على البحر الأحمر في تجارتها، أدى ذلك إلى زيادة التقلبات في حركة التجارة. وإلى جانب ارتفاع تكاليف نقل السفن عبر البحر، أصبح عليها التعايش مع خطر حدوث اضطرابات، ولا سيما فيما يتعلق بالسلع الأساسية مثل النفط والغاز.

وقد كان هذا هو الحال بالنسبة إلى دول القرن الأفريقي والخليج العربي، التي تعرضت خطوط إمداداتها للاضطراب. وكانت التحركات الرامية إلى تأمين البحر الأحمر وباب المندب غير مجدية إلى حد كبير، إذ لم ترقَ إلى وضع خطة شاملة ومتماسكة لمواجهة التحدي، في وقت أدت فيه المنافسة الجيوسياسية داخل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي إلى تقويض هذه الجهود.

ومن بين الدول التي تبذل جهودًا لتأمين البحر الأحمر إثيوبيا. وتسعى هذه الدولة الواقعة في القرن الأفريقي، وهي الأكبر في المنطقة من حيث عدد السكان وحجم الاقتصاد، إلى إقامة حضور أمني على الممر المائي للمساعدة في مواجهة حالة انعدام الأمن السائدة. وتعتمد إثيوبيا على جيبوتي، الدولة الواقعة على الجانب الأفريقي من باب المندب، في أكثر من 85 بالمئة من شؤونها البحرية، كما أن وضعها المفروض عليها كدولة حبيسة حدّ من قدرتها على الإسهام في معالجة المعضلة الأمنية التي تحمل تداعيات على اقتصادها واستقرارها، وكذلك على اقتصاد واستقرار الدول المجاورة.

وقد شكّل ذلك، إلى جانب الحقائق التاريخية والهواجس الديموغرافية، أساس مطالبة البلاد بالعودة إلى البحر الأحمر. وظل الوصول إلى البحر يُعامل منذ فترة طويلة باعتباره قضية أساسية من قضايا المصلحة الوطنية لدى غالبية الإثيوبيين، وهي قضية اكتسبت أهمية أكبر، ولا سيما منذ عام 2018، عندما تولت إدارة رئيس الوزراء أبي أحمد السلطة. وإلى جانب إطلاق تحرك دبلوماسي، أعادت إثيوبيا أيضًا إحياء قواتها البحرية في العام نفسه، معلنة فعليًا عن اهتمامها القوي بإعادة تأسيس حضور أمني لها في البحر الأحمر.

وكانت البحرية الإثيوبية لاعبًا رئيسيًا في شؤون البحر الأحمر لعقود من الزمن. وقد تأسست عام 1955، وهي أقدم من معظم مؤسسات الأمن البحري في المنطقة، بما في ذلك البحرية السعودية التي أُطلقت عام 1960. وظلت ركيزة من ركائز أمن البحر الأحمر لعقود، ولم تُحل إلا في عام 1996، عقب انفصال إريتريا عن إثيوبيا عام 1991. وبعد إحيائها من جديد، تعرض البحرية الإثيوبية الإسهام في الأمن البحري والمساعدة في معالجة المعضلة المتنامية التي تواجه الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

وخلال حديثه في الدورة الرابعة من «الحوار السنوي حول البحر الأحمر وخليج عدن» في أبريل الماضي، قال القائد العام للبحرية الإثيوبية، كيندو غيزو، إن مسعى إثيوبيا يتعلق أيضًا بـ«المنفعة المشتركة للمنطقة»، مضيفًا أن «الشمولية تعزز الشرعية وتدعم المصالح المشتركة في مجالَي الأمن والربط». وبالنسبة إلى المنطقة، وإلى المتضررين من انعدام الأمن في البحر الأحمر، فإن من المفيد النظر في ما يمكن أن يسهم به الدور الإثيوبي المتزايد. وبالنسبة إلى جيبوتي واليمن والسعودية، وكذلك القوى العظمى التي تمتلك موطئ قدم في المنطقة، فإن دعم عودة إثيوبيا إلى البحر يمثل طرحًا معقولًا من منظور الأمن البحري.

وفي مقال كتبه لمنصة الشرق الأوسط «معهد بحوث إعلام الشرق الأوسط»، طرحت الخبيرة المغربية في شؤون المغرب، آنا مهجار-باردوتشي، قضية وصول إثيوبيا إلى البحر من المنظور الأمني نفسه، بحجة أن الولايات المتحدة، وهي قوة عالمية تعتبر أمن البحر الأحمر أولوية استراتيجية، ينبغي أن تدعم إثيوبيا، نظرًا إلى أن البلاد يمكن أن تؤدي دورًا حاسمًا في تأمين الممر المائي.

ويواجه الشرق الأوسط والقرن الأفريقي الاعتبارات الاستراتيجية نفسها. وبعيدًا عن المنافسة الاستراتيجية، يتعين على دول المنطقة الآن التعامل مع الأمن البحري باعتباره مسألة ذات أهمية دائمة. وفي نهاية المطاف، يكمن الحل في آليات شاملة تجمع الموارد المتاحة، بما في ذلك الموارد التي تستطيع إثيوبيا تقديمها.

ومن شأن عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر أن تعزز الأمن الإقليمي.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023