مصر يتعين عليها مواءمة استراتيجياتها المتعلقة بنهر النيل مع واقع القرن الحادي والعشرين - ENA عربي
مصر يتعين عليها مواءمة استراتيجياتها المتعلقة بنهر النيل مع واقع القرن الحادي والعشرين
مياه النيل (أباي) عند تقاطع العلاقات الإثيوبية - المصرية
15 سبتمبر 2026 (إينا)
بقلم السفير تيشومي توغا تشاناكا
خلفية عامة
يُعد نهر النيل واحداً من أكبر الأنظمة النهرية العابرة للحدود في العالم، وتتشارك فيه إحدى عشرة دولة مشاطئة. وتُعد كل من مصر والسودان الدولتين الرئيسيتين في المصب، حيث لا تساهمان فعلياً في تدفق مياه النيل؛ إذ تنبع مياه النيل من دول المنبع، وتُعد إثيوبيا مصدر النيل الأزرق. ويساهم النيل الأزرق -الذي ينبع من المرتفعات الإثيوبية- بنسبة 86% من التدفق السنوي للنهر.
على مدى قرون، كان استغلال مياه النيل مصدراً للتوتر بين دول المنبع ودول المصب. وقد ساهمت الظروف التاريخية، والموروثات الاستعمارية، والتفسيرات المتضاربة للحقوق المتعلقة بالنهر في خلق حالة من انعدام الثقة، مما حال غالباً دون ظهور إطار تعاوني حقيقي وشامل لحوض النهر.
لقد طورت مصر -على وجه الخصوص- موقفاً راسخاً وحافظت عليه فيما يتعلق بتوزيع مياه النيل واستغلالها. وقد أدى تركيزها المستمر على ما تصفه بـ "الحقوق التاريخية" وعلى اتفاقيات أُبرمت في فترات لم تكن فيها معظم دول المنبع طرفاً في المفاوضات، إلى صعوبة إرساء إطار عمل يستند إلى المبادئ المعاصرة للقانون الدولي للمياه، ولا سيما مبادئ الاستخدام المنصف والمعقول والالتزام بالتعاون.
وتُعد اتفاقية عام 1959 المبرمة بين مصر والسودان مثالاً مهماً للغاية في هذا الصدد؛ فقد خصصت الاتفاقية كامل التدفق المقدر لمياه النيل للدولتين الواقعتين عند المصب دون مشاركة الدول المشاطئة الأخرى، بما في ذلك إثيوبيا، مصدر النيل الأزرق. ومن الصعب تصور كيف يمكن لترتيب كهذا أن يوفر أساساً مستداماً لإدارة مورد مشترك عابر للحدود في القرن الحادي والعشرين.
وعليه، فإن القضية الجوهرية لا تكمن في ما إذا كانت لمصر مصالح مشروعة في نهر النيل؛ فهي بلا شك تمتلك ذلك. وإنما يكمن السؤال في ما إذا كان من الممكن السعي لتحقيق تلك المصالح بشكل مشروع على حساب المصالح المشروعة -وبنفس القدر- للدول المشاطئة الأخرى.
لماذا تحتاج مصر إلى استراتيجية جديدة لنهر النيل تتناسب مع القرن الحادي والعشرين؟
إن اعتماد مصر الكبير على نهر النيل حقيقة تدركها إثيوبيا تماماً. غير أن هذا الاعتماد لا يمنحها حق الاحتكار لمجرى مائي دولي مشترك. تكمن التحدي في التوفيق بين مخاوف مصر المشروعة بشأن أمنها المائي وبين تطلعات دول أعالي النيل التنموية وحقوقها.
لقد أحدث القرن الحادي والعشرون تحولات في الظروف السياسية والاقتصادية والتكنولوجية لحوض النيل؛ إذ أدت عوامل مثل النمو السكاني، والتغير المناخي، وانعدام الأمن الغذائي، والطلب على الطاقة، والتنمية الاقتصادية، وتغير أنماط التعاون الإقليمي، إلى تغيير جذري في السياق الذي يجب أن تُدار فيه مياه النيل.
ومن ثم، لم يعد من الواقعي أو المستدام التعامل مع قضية النيل حصراً من منظور الحصص التاريخية؛ بل بات من الضروري النظر إلى النهر بشكل متزايد باعتباره مورداً مشتركاً تتطلب إدارته المستدامة التعاون والحوار والاستناد إلى الأدلة العلمية والانتفاع العادل.
ولعل سد النهضة الإثيوبي الكبير يمثل أوضح تجلٍ لهذا الواقع المتغير؛ فقد أثبت السد قدرة إثيوبيا المتنامية على حشد الموارد المحلية وتنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى سعياً لتحقيق أهدافها التنموية الوطنية. ومهما كان الموقف من السد، فإنه قد غيّر بشكل جوهري السياق السياسي والاستراتيجي لقضية النيل.
وبناءً على ذلك، فإن التصريحات التي تدعو إلى عدم السماح لإثيوبيا ببناء سد آخر على النيل الأزرق لا يمكن أن تشكل أساساً جدياً للسياسات المستقبلية؛ إذ لا يمكن إخضاع الاحتياجات التنموية لإثيوبيا -إلى ما لا نهاية- لتصورات دولة أخرى بشأن أمنها المائي.
كما أنه ليس من الواقعي افتراض إمكانية عرقلة مشاريع إثيوبيا التنموية على نهر النيل إلى أجل غير مسمى من خلال محاولات تقييد التمويل الدولي؛ فقد أثبتت تجربة "سد النهضة الإثيوبي الكبير" قدرة إثيوبيا على حشد الموارد المحلية في ظل غياب التمويل الخارجي.
ويُعد هذا درساً مهماً لجميع الأطراف المعنية: فمستقبل النيل لا يمكن تحديده عبر فرض "الفيتو" أو ممارسة الضغوط أو محاولات عرقلة التنمية، بل يجب صياغته من خلال التعاون.
وينطبق الأمر ذاته على العلاقات السياسية الأوسع بين إثيوبيا ومصر؛ إذ إن محاولات معالجة الخلافات حول النيل عبر الضغوط السياسية، أو التنافس الجيوسياسي، أو دعم قوى تزعزع الاستقرار، لا يمكن أن تفضي إلى حل مستدام. بل إن مثل هذه المقاربات تنطوي على مخاطر تعميق انعدام الثقة وجعل التوصل إلى تسوية نهائية أمراً أكثر صعوبة.
وبالمثل، فإن المواجهة العسكرية خيار غير قابل للاستمرار؛ فلا توجد استراتيجية عسكرية قادرة على تحقيق أمن مائي مستدام. وسيستمر نهر النيل في الجريان عبر الحدود حتى بعد انقضاء الأزمات السياسية؛ ولذا فإن الحل الدائم الوحيد يكمن في إطار سياسي ودبلوماسي يقر بالمصالح المشروعة لجميع دول حوض النيل.
وتُظهر تجارب أنظمة الأنهار العابرة للحدود الكبرى الأخرى أن الأنهار المشتركة لا تتحول بالضرورة إلى مصادر للمواجهة العسكرية. فعلى سبيل المثال، تشترك الصين في العديد من الأنهار العابرة للحدود مع دول مجاورة، وقد طورت
آليات متنوعة لإدارة المصالح المائية المشتركة. كما تبرهن تجارب أحواض الأنهار الأخرى على إمكانية إدارة الخلافات من خلال الحوار والتعاون والترتيبات القائمة على التفاوض.
اتفاقية الإطار الشامل والسياق الإقليمي المتغير
لقد استمرت جهود دول حوض النيل الرامية إلى إرساء إطار قانوني شامل للحوض لسنوات عديدة. وكان الهدف من التفاوض بشأن "اتفاقية الإطار التعاوني" (CFA) هو توفير أساس أكثر شمولاً وإنصافاً للتعاون بين دول حوض النيل. ويعكس تطور هذه الاتفاقية حقيقة مهمة، وهي تزايد توقعات دول المنبع بأن تحظى مصالحها واحتياجاتها التنموية بالاعتراف والتقدير ضمن منظومة حوكمة حوض النيل.
ومن ثم، فإن القضية تتجاوز مجرد ملف سد النهضة أو العلاقات الثنائية بين مصر وإثيوبيا؛ فهي تتعلق بالسؤال الجوهري حول كيفية إدارة حوض نهر دولي في عصر يتسم بالنمو السكاني، والتغير المناخي، والتحول في قطاع الطاقة، والتحولات الاقتصادية المتسارعة.
لا يمكن بناء إطار مستدام لنهر النيل استناداً إلى ترتيبات جرى التفاوض بشأنها دون مشاركة جميع الدول المعنية، كما لا يمكن ببساطة تجاهل مصالح دول المصب. ويكمن الحل في تطوير إطار شامل يراعي الشواغل المشروعة لدول المصب، مع الاعتراف في الوقت ذاته بحقوق دول المنبع في التنمية.
لا ينبغي اعتبار نهج إثيوبيا القائم على التعاون علامةً على الضعف
منذ التحول السياسي عام 1991، دأبت إثيوبيا على إبداء تفضيلها للحوار والتعاون في معالجة قضية النيل. وقد مثلت مذكرة التفاهم المبرمة عام 1993 -خلال زيارة قيادة الحكومة الانتقالية الإثيوبية إلى القاهرة- و"إعلان المبادئ" بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير لعام 2015 -الذي شمل إثيوبيا ومصر والسودان- دلالاتٍ مهمة على استعداد إثيوبيا للانخراط في المسار الدبلوماسي والسعي نحو حلول تحقق المنفعة المتبادلة.
واكتسب "إعلان المبادئ" أهمية خاصة لأنه أرسى مجموعة من المبادئ الرامية إلى توجيه الدول الثلاث في معالجة القضايا المتعلقة بسد النهضة، بما في ذلك التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول للمياه، والالتزام بعدم إلحاق ضرر جسيم، والتسوية السلمية للنزاعات.
وتُظهر هذه المبادرات أن إثيوبيا لا تسعى إلى المواجهة مع مصر
وفي الواقع، أوضحت إثيوبيا مراراً وتكراراً أنها لا تنوي الإضرار بالشعب المصري؛ وهو ما أكده بوضوح رئيس الوزراء آبي أحمد خلال زيارته الرسمية للقاهرة. فالإثيوبيون والمصريون يتشاركون روابط تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة. وإذا ما أقامت الدولتان تعاوناً وعملتا معاً، فإن الفوائد ستتجاوز حدودهما الوطنية،
وسيكون للنتائج أثر إقليمي أوسع نطاقاً. إذ ينبغي أن يكون النيل جسراً يربط بين شعبي البلدين، لا مصدراً دائماً للعداء بينهما.
غير أن التعاون يستلزم بالضرورة أن يكون متبادلاً
ولا ينبغي تفسير استعداد إثيوبيا للتفاوض على أنه قبول بترتيبات تنتقص من مصالحها التنموية المشروعة، كما لا ينبغي الخلط بين ضبط النفس والضعف. فلإثيوبيا مصالح مشروعة في استغلال مواردها الطبيعية للحد من الفقر، وتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء، وتطوير الزراعة، وتحويل اقتصادها.
وفي الوقت نفسه، تحرص إثيوبيا على ضمان أن يتم استخدامها لمياه النيل بمسؤولية ودون إلحاق ضرر جسيم بسكان دول المصب؛ وهذا هو بالضبط ما يجعل قيام إطار تعاوني أمراً ممكناً.
المضي قدماً: من المواجهة إلى التعاون
لقد وصلت قضية النيل إلى مرحلة تستدعي إعادة النظر في الافتراضات القديمة؛ إذ إن شواغل مصر المتعلقة بالأمن المائي هي شواغل مشروعة. تُعد تطلعات إثيوبيا التنموية مشروعة بالقدر ذاته، وللسودان أيضاً مصالح مشروعة يجب أخذها في الاعتبار. وتكمن التحدي في إيجاد إطار لا يُنظر فيه إلى هذه المصالح على أنها متناقضة أو متعارضة بحيث يستحيل الجمع بينها.
لذا، لا ينبغي تصوير الخيار الماثل أمام مصر وإثيوبيا على أنه مفاضلة بين الأمن المائي المصري والتنمية الإثيوبية؛ فالخيار الحقيقي يكمن في الاختيار بين المنافسة والتعاون، وبين المواجهة والحوار، وبين التحرك الأحادي والإدارة المشتركة.
وهناك مجال واسع للتعاون؛ إذ يمكن للبلدين تعزيز التعاون العلمي والفني في مجالات الهيدرولوجيا، وتغير المناخ، وإدارة الجفاف والفيضانات، والترسبات، والإنتاجية الزراعية، وتجارة الكهرباء، وكفاءة استخدام المياه. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تتكامل إمكانات إثيوبيا في تطوير الطاقة الكهرومائية مع خبرة مصر في إدارة المياه، لتصبحا أصولاً متكاملة بدلاً من أن تكونا عناصر متنافسة.
كما أن إقامة علاقة اقتصادية أوسع نطاقاً من شأنها تغيير ديناميكيات السياسة المتعلقة بنهر النيل؛ إذ يمكن لتجارة الطاقة، والاستثمار، والربط في مجال البنية التحتية، والزراعة، والتكامل الاقتصادي الإقليمي أن تخلق حوافز تدفع البلدين للنظر إلى النهر باعتباره فرصة لتحقيق المنفعة المتبادلة، بدلاً من اعتباره ساحة لصراع صفري (يكسب فيه طرف على حساب الآخر)
وعليه، فإن السبيل للمضي قدماً لا يكمن في التهديدات أو الضغوط أو محاولات منع إثيوبيا من تنمية مواردها المائية، ولا في اتخاذ إجراءات أحادية تتجاهل المخاوف المشروعة لدول المصب.
يكمن الحل في العودة إلى طاولة المفاوضات بعقلية مختلفة؛ إذ يتعين على مصر أن تدرك أن حوض النيل في القرن الحادي والعشرين يختلف اختلافاً جوهرياً عنه في القرنين التاسع عشر أو العشرين. ومن جانبها، ينبغي لإثيوبيا أن تواصل البرهنة على أن خططها لتنمية موارد النيل يمكن أن تتوافق مع المصالح المشروعة لدول المصب فيما يتعلق بأمنها المائي.
يجب أن يرتكز الأمر على مبدأ جوهري بسيط: ألا تسعى أي دولة لاحتكار نهر مشترك، وألا تُحرم أي دولة من حقها المشروع في التنمية.
يمكن لنهر النيل أن يتحول إما إلى مصدر دائم للخلاف والقطيعة بين مصر وإثيوبيا، أو إلى فرصة غير مسبوقة للتعاون بين حضارتين عريقتين.
وفي نهاية المطاف، يظل الخيار قراراً سياسياً
إن ما نحتاج إليه الآن ليس جولة أخرى من المواجهة، بل تفاهم سياسي جديد؛ تفاهم يرتكز على مبادئ المساواة في السيادة، والاستخدام العادل والمعقول، والاحترام المتبادل، والتعاون العلمي، والازدهار المشترك.
إن نهر النيل ليس ملكاً لدولة واحدة، بل هو مورد مشترك، ويجب أن يُبنى مستقبله على أساس المسؤولية المشتركة.
……………………
الكاتب هو سفير إثيوبيا السابق لدى مصر. والآراء الواردة هنا تعبر عن وجهة نظر الكاتب وحده.
يُعد السفير "تيشومي توغا تشاناكا" سياسياً إثيوبياً بارزاً ودبلوماسياً مخضرماً؛ حيث شغل مناصب رئيس مجلس نواب الشعب، ووزير الشباب والرياضة والثقافة، ومفوض اللجنة الوطنية لإعادة التأهيل. كما شملت مسيرته الدبلوماسية العمل سفيراً لبلاده لدى كل من الاتحاد الأوروبي والصين وكينيا وغانا.