رأس السنة الإثيوبية، ودبلوماسية "بريكس"، والسعي الاستراتيجي للوصول إلى البحر

 

بقلم هيئة التحرير

14 سبتمبر 2026 (إينا)          استهلت إثيوبيا العام الجديد (وفقاً للتقويم الإثيوبي لعام 2019) بأجندة وطنية واسعة النطاق وغير مسبوقة، شملت تكثيف الجهود الدبلوماسية، وتشجيع الاستثمار، والتحول الاقتصادي، والابتكار الرقمي، وتحقيق المصالحة، وتجديد التركيز على المصالح البحرية الاستراتيجية.

وفي الفترة من 6 إلى 12 سبتمبر، تصدّرت مشاركة رئيس الوزراء "آبي أحمد" في القمة الثامنة عشرة لمجموعة "بريكس" في نيودلهي المشهد الدبلوماسي الإثيوبي؛ إذ سلطت لقاءاته مع قادة الاقتصادات الناشئة الكبرى الضوء على عزم أديس أبابا تحويل الدبلوماسية إلى فرص ملموسة في مجالات الاستثمار والتكنولوجيا والتجارة والتعاون التنموي.

وعلى الصعيد الداخلي، بدأت الحكومة العام الجديد بالتركيز على محاور رئيسية تشمل التحول الاقتصادي، وتطوير الخدمات اللوجستية، والتحول الرقمي، وتعزيز القدرة على الصمود أمام التغيرات المناخية، وتحقيق المصالحة.

وقد أضفى الإفراج عن أكثر من 600 سجين فيدرالي بُعداً سياسياً وتصالحياً قوياً على احتفالات العام الجديد، في حين وضعت النقاشات المتجددة حول سعي إثيوبيا لتأمين منفذ موثوق إلى البحر الأحمر المصالح الاقتصادية والأمنية للبلاد في صلب نقاش إقليمي أوسع.

وتشير مجمل تطورات هذا الأسبوع إلى ملامح استراتيجية وطنية ناشئة تهدف إلى: تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية، وتوسيع نطاق الشراكات الدولية، وجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا، وترسيخ النفوذ الإقليمي، والسعي لتحقيق المصالح الاستراتيجية مع الحفاظ في الوقت ذاته على الالتزام بالتعاون والنهج السلمي في التعاملات.


 

عام جديد للتجديد والتأمل

احتفلت إثيوبيا بعيد "إنكوتاتاش" (رأس السنة الإثيوبية) لعام 2019 في 11 سبتمبر، وذلك عقب فترة "باغومي" التي تمتد لخمسة أيام وتشكل جسراً يربط بين العامين القديم والجديد.

اكتست هذه المناسبة دلالات ثقافية وسياسية على حد سواء؛ إذ استغل القادة الحكوميون حلول العام الجديد للتأكيد على قيم السلام والوحدة الوطنية والتنمية ومواصلة مسيرة الإصلاح. وقد شارك رئيس الوزراء أبي أحمد والسيدة الأولى زيناش تاياتشو وجبة العام الجديد مع أفراد من المجتمع المحلي، في لفتة تعكس القيم التقليدية للتضامن والترابط الاجتماعي.

وتحتفل المجتمعات الإثيوبية المتنوعة بالعام الجديد عبر تقاليد وموسيقى ورقصات وأزياء ومأكولات مختلفة، مع الحفاظ على روح مشتركة قوامها التجدد. كما تقيم الكنائس والجماعات الدينية طقوساً وصلوات واحتفالات خاصة بهذه المناسبة.

وفي أديس أبابا ومدن أخرى، بات الاحتفال يقترن بشكل متزايد ببرامج ثقافية عامة، وحفلات موسيقية، ومعارض، وفعاليات مجتمعية.

كما قدم ممثلون دبلوماسيون - بمن فيهم السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا أبراهام نيجوسي وسفير الكاميرون تشرشل إوومبو مونونو - التهاني للشعب الإثيوبي بمناسبة العام الجديد.

مجموعة "بريكس" تسلط الضوء على استراتيجية إثيوبيا تجاه دول الجنوب العالمي

تمثّل أبرز تطور دبلوماسي هذا الأسبوع في مشاركة رئيس الوزراء "آبي أحمد" في القمة الثامنة عشرة لقادة مجموعة "بريكس" في نيودلهي.

بالنسبة لإثيوبيا، لم تكن القمة مجرد تجمع دبلوماسي رفيع المستوى، بل شكلت منصة لتعميق التعاون مع الاقتصادات الناشئة الكبرى، ودعم جهود أديس أبابا الأوسع لتعزيز دور أفريقيا في ظل نظام عالمي يشهد تحولات مستمرة.

ودعا رئيس الوزراء "آبي" إلى تعزيز التعاون بين مجموعة "بريكس" وأفريقيا، لا سيما في مجالات المعادن والطاقة المتجددة والتنمية الصناعية، مشدداً على أهمية تمكين الدول الأفريقية من تجاوز مرحلة تصدير المواد الخام وتحقيق قيمة مضافة أكبر من مواردها.

كما كان الذكاء الاصطناعي حاضراً بقوة في رسالة إثيوبيا؛ إذ حثّ رئيس الوزراء "آبي" دول "بريكس" على ضمان أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداةً لتنمية أفريقيا، لا مصدراً آخر للتفاوت التكنولوجي.

وشهدت القمة أيضاً تسليط الضوء على قضايا استدامة الديون وتمويل العمل المناخي، مما ربط بين أولويات الاقتصادات الناشئة وتحديات التنمية التي تواجهها أفريقيا.

الدبلوماسية الثنائية تتجه نحو التجارة والتكنولوجيا والاستثمار

كما أتاحت قمة نيودلهي المجال لسلسلة من اللقاءات الثنائية.

وقد ركز اجتماع رئيس الوزراء "آبي" مع الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين إثيوبيا وروسيا في مجالات تشمل الدفاع والأمن، والتجارة، والاستثمار، والتعليم، والتكنولوجيا، والثقافة، والمناخ، والتنمية.

تناولت محادثاته مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي فرص تعزيز العلاقات الإثيوبية الهندية، لا سيما في مجالات الاستثمار والدفاع والقطاعات الناشئة.

وفيما يتعلق بالمحادثات مع رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، فقد ركزت النقاشات على الاستثمار والسياحة والطاقة المتجددة والتنمية الصناعية.

كما أجرى آبي مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان حول أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي، والتقى أيضاً بولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ورئيس الوزراء الفيتنامي لي مينه هونغ.

وتعكس هذه اللقاءات المتعددة تحولاً أوسع في السياسة الاقتصادية الخارجية لإثيوبيا؛ إذ بات يُنظر إلى العلاقات الدبلوماسية بشكل متزايد على أنها منصات للاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا والتعاون الصناعي وشراكات التنمية.

دبلوماسية الاستثمار تتصدر المشهد

شكل الترويج للاستثمار سمة بارزة أخرى خلال هذا الأسبوع.

فقد ترأس الرئيس تايي أتسكي سيلاسي وفداً إثيوبياً رفيع المستوى إلى دبي للمشاركة في "ملتقى الاستثمار السنوي" في دورته الخامسة عشرة، حيث استعرض فرص الاستثمار في إثيوبيا وسلط الضوء على الإصلاحات الاقتصادية الجارية.

وتم طرح الطاقة النظيفة وغيرها من القطاعات الاستراتيجية كمجالات ذات إمكانات كبيرة للاستثمار الأجنبي؛ وتأتي هذه المشاركة في إطار جهود الحكومة لزيادة مشاركة القطاع الخاص في عملية التحول الاقتصادي التي تشهدها إثيوبيا.

كما تسعى إثيوبيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج؛ حيث دعا الرئيس تايي إلى زيادة الاستثمارات القطرية، وهو ما يعكس مساعي أديس أبابا الأوسع لجذب رؤوس الأموال إلى قطاعات البنية التحتية والطاقة والتصنيع وغيرها من القطاعات الإنتاجية.

لقد أصبحت الرسالة واضحة بشكل متزايد: لا تسعى إثيوبيا لجذب الاستثمار الأجنبي كمجرد مصدر لرأس المال، بل كأداة لتوسيع الإنتاج، وخلق فرص العمل، ونقل التكنولوجيا، ودمج البلاد بشكل أعمق في الأسواق الإقليمية والعالمية.

مركز "موجو" اللوجستي يعزز البنية التحتية التجارية

شكل افتتاح مركز "موجو" اللوجستي الموسّع تطوراً هاماً آخر في مسيرة التحول الاقتصادي في إثيوبيا.

يقع المرفق على بعد حوالي 70 كيلومتراً جنوب شرق أديس أبابا، ويمتد على مساحة تقارب 60 هكتاراً، وقد صُمم لزيادة القدرة على مناولة البضائع، وتحسين حركة الشحن، وتعزيز الربط الإقليمي.

وقد وصف رئيس الوزراء "آبي" المشروع بأنه خطوة مهمة نحو التكامل الاقتصادي الإقليمي والترجمة العملية لطموحات إثيوبيا في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

ولا تقتصر أهمية الخدمات اللوجستية على مرفق واحد فحسب.

فبالنسبة لاقتصاد حبيس (غير ساحلي) يعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية، يمكن للخدمات اللوجستية الفعالة أن تخفض تكاليف النقل، وتعزز القدرة التنافسية للصادرات، وتربط المنتجين الإثيوبيين بفعالية أكبر بالأسواق الإقليمية والدولية.

كما أن هذا المشروع يكمل الاستراتيجية البحرية الأوسع لإثيوبيا؛ إذ تظل الاستفادة من الموانئ مرهونة بوجود أنظمة داخلية قادرة على نقل البضائع بكفاءة بين مراكز الإنتاج والممرات البحرية.

استمرار النمو، ولكن يجب أن يصل التحول إلى الأسر

استهلت إثيوبيا عام 2019 مع بقاء التحول الاقتصادي في صلب أجندة الحكومة.

وتظل إصلاحات الاقتصاد الكلي، وتنمية القطاع الخاص، والتصنيع، وتحويل الزراعة إلى نشاط تجاري، ونمو الصادرات، وتوسيع البنية التحتية، أولويات رئيسية.

وقد أفاد البنك الدولي بتسجيل إثيوبيا نمواً اقتصادياً بنسبة 9.2 في المائة في السنة المالية 2024/2025، مما يضع البلاد ضمن قائمة الاقتصادات الأسرع نمواً في أفريقيا.

ومع ذلك، فإن معدلات النمو القوية لا تترجم تلقائياً إلى رخاء واسع النطاق؛ إذ لا تزال قضايا انخفاض نصيب الفرد من الدخل، ومحدودية فرص العمل، والضغوط على القوة الشرائية للأسر، تشكل تحديات كبيرة.

وبالتالي، فإن السؤال الجوهري للعام الجديد لا يقتصر على قدرة إثيوبيا على الحفاظ على النمو، بل يتعداه إلى مدى قدرة هذا النمو على خلق فرص عمل منتجة، وتعزيز دخل الأسر، وتحسين مستويات المعيشة.

المصالحة في مطلع عام جديد

كما برزت قضايا السلام والمصالحة بشكل لافت مع دخول إثيوبيا عام 2019.

فقد أُطلق سراح أكثر من 600 سجين فيدرالي، بمن فيهم شخصيات بارزة، تزامناً مع حلول العام الجديد. وجاءت هذه الخطوة كجزء من جهود أوسع لتعزيز المصالحة وتهيئة الظروف الملائمة للحوار السياسي.

وحث رئيس الوزراء "آبي" المفرج عنهم على استغلال هذه الفرصة لبدء العام الجديد بروح السلام والمساهمة في مخرجات عملية التشاور الوطني.

لقد أضفت عمليات الإفراج هذه رسالة قوية تدعو إلى المصالحة في مطلع العام الجديد. في الوقت نفسه، تُظهر التحديات الأمنية المستمرة في إثيوبيا أن المصالحة ليست مجرد حدث عابر، بل هي عملية وطنية ممتدة؛ إذ يظل تحويل الانفتاح السياسي إلى سلام مستدام أحد أهم المهام -وأكثرها صعوبة- التي تواجه البلاد.

من الورق إلى العالم الرقمي

يحتل التحول الرقمي مكانة متزايدة الأهمية ضمن طموحات إثيوبيا التنموية.

وفي رسالة بمناسبة يوم "باغومي 5" -الذي يُوصف بـ "يوم المستقبل"- صرح رئيس الوزراء آبي بأن إثيوبيا تنتقل "من الورق إلى العالم الرقمي، ومن الاستهلاك السلبي إلى الابتكار الفاعل".

ولا تقتصر هذه الطموحات على توسيع نطاق الوصول إلى الإنترنت فحسب، بل تسعى إثيوبيا إلى تطوير قدراتها التكنولوجية المحلية، وتحديث الخدمات العامة، وبناء اقتصاد قادر على إنتاج التكنولوجيا والابتكار.

وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كجزء مهم من تلك الاستراتيجية.

فقد زار مسؤولون من "الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية" (إيغاد - IGAD) المعهد الإثيوبي للذكاء الاصطناعي، وذلك في إطار مشاورات إقليمية حول وضع إطار عمل واستراتيجية للهيئة بشأن الذكاء الاصطناعي.

وخلال قمة مجموعة "بريكس" ، ربط آبي بين الذكاء الاصطناعي والتنمية في أفريقيا بشكل مباشر، مؤكداً أن التقدم التكنولوجي يجب أن يسهم في تحقيق التحول الاقتصادي والسيادة الرقمية.

وبالنسبة لإثيوبيا، ينطوي الذكاء الاصطناعي على إمكانات تطبيقية واسعة تشمل قطاعات الزراعة، والرعاية الصحية، والتعليم، والمالية، والتصنيع، والإدارة العامة.

وتتمثل التحدي الآن في مرحلة التنفيذ؛ أي بناء البنية التحتية والمهارات والمؤسسات والحلول الملائمة للسياق المحلي، وهي عناصر ضرورية لتحويل السياسات الرقمية الطموحة إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية ملموسة.

النمو الأخضر والقدرة على الصمود أمام التغير المناخي

كانت المرونة المناخية محوراً مهماً آخر من محاور الأسبوع.

صنّف تقييم أجرته شركة "ألفا جيو" (AlphaGeo) مدينة أديس أبابا في المرتبة الثانية عالمياً والأولى أفريقياً بين المدن الكبرى من حيث المرونة المناخية، وذلك بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي الجغرافي المكاني لتقييم مدى التعرض للمخاطر المناخية والقدرة على التكيف معها.

ويأتي هذا التقييم في وقت تواصل فيه إثيوبيا جعل الطاقة المتجددة، والترميم البيئي، والبنية التحتية الخضراء، والتكيف مع المناخ ركائز أساسية في استراتيجيتها التنموية.

كما دعا "منتدى الاستثمار من أجل النمو الأخضر"، الذي عُقد خلال الأسبوع، إلى تعزيز مشاركة القطاع الخاص في الاستثمارات الخضراء، مما يعكس جهداً لربط الأولويات البيئية بالفرص الاقتصادية.

وتوفر استعدادات إثيوبيا لاستضافة مؤتمر المناخ (COP32) في عام 2027 منصة دولية إضافية.

وتسعى أديس أبابا لاستغلال هذا المؤتمر لإيصال صوت أفريقيا بقوة أكبر فيما يتعلق بتمويل العمل المناخي، مع تعزيز الطاقة المتجددة والاستثمار الأخضر والتنمية القادرة على الصمود أمام التغيرات المناخية.

وسيتمثل التحدي الأوسع في ضمان أن يدعم العمل المناخي التحول الاقتصادي بدلاً من أن ينافسه.

الوصول إلى البحر الأحمر: مسألة استراتيجية لا يمكن لإثيوبيا تجاهلها

ربما لا توجد قضية تحمل بُعداً استراتيجياً إقليمياً أكبر من سعي إثيوبيا للحصول على منفذ موثوق وسيادي إلى البحر الأحمر.

وبالنسبة لإثيوبيا، ترتبط هذه المسألة بشكل متزايد بالتنمية الاقتصادية، والأمن القومي، والتجارة، والمسار الديموغرافي للبلاد.

وقد أكد وزير التعليم والخبير الاقتصادي، البروفيسور برهانو نيغا، أن تزايد عدد السكان والمتطلبات الاقتصادية في إثيوبيا يجعل مسألة الوصول إلى البحر أمراً يصعب تأجيله أكثر من ذلك.

وقال برهانو: "لا يمكن أن يكون لدينا 130 مليون نسمة دون منفذ إلى البحر، في وقت يُعد فيه الوصول إلى البحر أمراً بالغ الأهمية للأمن والتجارة على حد سواء".

وفي الوقت نفسه، شدد على ضرورة أن تسعى إثيوبيا لتحقيق هدفها سلمياً وبطريقة تعود بالنفع على الدول المجاورة.

وأضاف: "من الأفضل أن نقوم بذلك سلمياً، وليس فقط بشكل سلمي بل بما يحقق المنفعة المتبادلة، حتى نتمكن جميعاً من الاستفادة من هذا الأمر".

كما أعرب السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نغوسي، عن دعمه لسعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، واصفاً الأمر بأنه قضية ذات تداعيات أوسع على استقرار منطقة البحر الأحمر.

وقال: "إن تمكين إثيوبيا وتعزيز قوتها وتحقيق الاستقرار في البحر الأحمر يصب في مصلحة الجميع، وليس إثيوبيا فحسب"، مضيفاً أن عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر ستكون أمراً إيجابياً.

كما حذّر من أن عدم الاستقرار على طول الممر البحري قد تكون له عواقب تتجاوز بكثير منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، مما يؤثر على التجارة الدولية والاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، ركّز محللون آخرون بشكل أكبر على المفاوضات والترتيبات الإقليمية.

وقد أشار ديفيد شين، السفير الأمريكي السابق لدى إثيوبيا والأستاذ المشارك في جامعة جورج واشنطن، إلى أن تطلعات إثيوبيا البحرية قد تشكل جزءاً من تفاهم دبلوماسي أوسع يضم إثيوبيا ومصر وإريتريا.

وتشير وجهات النظر هذه إلى التحدي الرئيسي الذي يواجه الطموحات البحرية الإثيوبية.

فبالنسبة لأديس أبابا، يُنظر إلى الوصول الموثوق إلى البحر بشكل متزايد على أنه ضرورة اقتصادية واستراتيجية. أما بالنسبة لجيرانها، فيجب إدارة أي ترتيب بحري جديد بعناية لتجنب تفاقم التنافسات الإقليمية القائمة.

يربط مضيق باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد بوابة بحرية حيوية بين المحيط الهندي ومسار قناة السويس. ويمكن أن يؤدي استمرار انعدام الأمن إلى تعطيل حركة الشحن، وزيادة تكاليف النقل والتأمين، وفرض ضغوط إضافية على سلاسل التوريد العالمية التي تعاني أصلاً من الهشاشة.

وبالنسبة لإثيوبيا، التي تعتمد بشكل كبير على التجارة البحرية، فإن أي اضطراب طويل الأمد قد يؤثر بشكل مباشر على تكلفة وموثوقية الواردات والصادرات.

وهذا يجعل من المسألة البحرية جزءاً من معادلة اقتصادية أكبر بكثير.

إن كفاءة الخدمات اللوجستية الداخلية، وتنوع الممرات التجارية، والترتيبات البحرية الإقليمية المستقرة، كلها عناصر أساسية لحماية المصالح الاقتصادية لإثيوبيا.

**الصورة الأوسع**

شهد الأسبوع الرئيسي الأول من العام الإثيوبي (وفقاً للتقويم المحلي) لعام 2019 تلاقي قضايا قد تبدو منفصلة للوهلة الأولى، لكنها تزداد ترابطاً فيما بينها.

فالدبلوماسية المرتبطة بمجموعة "بريكس"  تتجاوز مجرد السياسة الخارجية؛ إذ تتعلق أيضاً بالأسواق والاستثمار والتكنولوجيا وتمويل التنمية.

ودبلوماسية الاستثمار تتجاوز مجرد جذب رؤوس الأموال؛ فهي تعنى بتوسيع القدرات الإنتاجية، وخلق فرص العمل، وتعزيز مكانة إثيوبيا في سلاسل القيمة العالمية.

ومركز "موجو" (Mojo) اللوجستي يتجاوز مجرد كونه مرفقاً للشحن؛ فهو جزء من البنية التحتية اللازمة لجعل إثيوبيا أكثر قدرة على المنافسة في التجارة الإقليمية والدولية.

والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يتجاوزان مجرد كونهما تقنيات؛ إذ يرتبطان بشكل متزايد بالإنتاجية والخدمات العامة والابتكار والسيادة الاقتصادية.

والتنمية الخضراء تتجاوز مجرد حماية البيئة؛ فهي تتحول إلى مصدر مهم للاستثمار وأمن الطاقة والنفوذ الدولي. لا تقتصر قضية البحر الأحمر على الجغرافيا فحسب، بل تقع عند نقطة التقاء التجارة والأمن والديموغرافيا والدبلوماسية الإقليمية والطموحات الاقتصادية طويلة الأمد لإثيوبيا.

وفي الوقت نفسه، بعث الإفراج عن أكثر من 600 سجين برسالة قوية تدعو إلى المصالحة في مطلع العام الجديد، حتى في ظل استمرار التحديات الأمنية التي تسلط الضوء على صعوبة الطريق المقبل.

عام جديد واختبار استراتيجي أكبر

مع استهلال إثيوبيا لعام 2019، تواجه البلاد تحدي الربط بين هذه الأولويات المتنوعة وصياغتها في استراتيجية وطنية متماسكة.

يجب أن يترجم النمو الاقتصادي إلى فرص عمل ومستويات معيشية أفضل. كما ينبغي للاستثمار أن يعزز القطاعات الإنتاجية بدلاً من الاكتفاء بزيادة تدفقات رأس المال، ويجب أن تحقق الرقمنة مكاسب عملية، وأن يدعم العمل المناخي مسيرة التنمية، وأن تسهم المصالحة في إرساء سلام دائم، فضلاً عن ضرورة أن تحمي الدبلوماسية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لإثيوبيا مع تجنب أي مواجهات إقليمية غير ضرورية.

وعليه، فإن تقييم العام المقبل لن يعتمد فقط على حجم طموحات إثيوبيا، بل على قدرتها على تحويل تلك الطموحات إلى نتائج ملموسة.

تسعى إثيوبيا إلى لعب دور أكبر في الاقتصاد العالمي، وبناء شراكات أعمق مع القوى الصاعدة، وتعزيز قدراتها التكنولوجية، وتوطيد الروابط الإقليمية، وترسيخ مكانة أكثر أماناً لها ضمن الجغرافيا البحرية لمنطقة القرن الأفريقي.

وسيتمثل الاختبار الاستراتيجي في السعي لتحقيق هذه الأهداف مع الموازنة بين المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون والاستقرار الإقليمي.

وقد تكون هذه الموازنة هي العامل الحاسم الذي يحدد مسار إثيوبيا خلال عام 2019، ويشكل موقعها في عالم يزداد تنافسية وترابطاً.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023