إثيوبيا في عامها الجديد... من الإنجازات المتعددة إلى قوة اقتصادية وتنموية متكاملة - ENA عربي
إثيوبيا في عامها الجديد... من الإنجازات المتعددة إلى قوة اقتصادية وتنموية متكاملة
بقلم: بنيامين تادسي
مع حلول العام الإثيوبي الجديد، تدخل إثيوبيا عامها الجديد وهي تحمل مسارًا متسارعًا من الإصلاحات والإنجازات في الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية والزراعة والتكنولوجيا وحماية البيئة. ويبرز أمامها في هذه المرحلة هدف أكثر طموحًا: تحويل هذه الإنجازات المتعددة إلى منظومة متكاملة تعزز الإنتاج، وتخلق فرص العمل، وتدعم التنمية المستدامة.
وقد دأب رئيس الوزراء أبي أحمد على وصف المرحلة الحالية بأنها انتقال من إعلان الطموحات إلى تحقيق نتائج ملموسة. وفي رسائل أصدرها خلال الأيام الأخيرة من عام 2018، أشار إلى أن نهضة إثيوبيا أصبحت أكثر وضوحًا من خلال المشاريع الوطنية الكبرى والإصلاحات الاقتصادية والمبادرات الرامية إلى تحسين حياة المواطنين اليومية.
وفي رسالة له في 7 سبتمبر، قال رئيس الوزراء: «أعلنا نهضتنا بالأمس؛ واليوم نعيشها».
وتعكس هذه الرؤية مسارًا تتكامل فيه القطاعات المختلفة؛ فالإصلاح الاقتصادي يفتح المجال أمام الاستثمار، والاستثمار يوسع الإنتاج، والطاقة تدعم الصناعة، والبنية التحتية تربط الأسواق، والتكنولوجيا تستثمر في رأس المال البشري، بينما تسهم البصمة الخضراء في جعل التنمية أكثر استدامة.
الإصلاح الاقتصادي نقطة انطلاق التحول
يشكل الإصلاح الاقتصادي أحد أهم الأسس التي تقوم عليها المرحلة الجديدة في إثيوبيا. فمنذ إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي الشامل، اتجهت الحكومة إلى معالجة الاختلالات الاقتصادية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتوسيع مساحة الاستثمار والإنتاج.
وتظهر المؤشرات الدولية أن الاقتصاد الإثيوبي يواصل تسجيل أداء قوي. فصندوق النقد الدولي يتوقع نمو الناتج المحلي الحقيقي لإثيوبيا بنسبة 9.2 بالمئة في عام 2026، فيما يقول البنك الدولي إن الاقتصاد سجل نموًا قدره 9.2 بالمئة في السنة المالية 2024/2025، وهو ما يضع إثيوبيا بين الاقتصادات الأسرع نموًا في المنطقة.
ولا تكمن أهمية هذه النسب في كونها أرقامًا مرتفعة فحسب، بل في أنها تأتي في وقت تعمل فيه البلاد على إعادة تشكيل اقتصادها وزيادة الإنتاج وتعزيز مشاركة القطاع الخاص. كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن قوة النمو وزيادة الصادرات وتعبئة الإيرادات وتراكم الاحتياطيات وتراجع التضخم تعكس نتائج إيجابية للإصلاحات الجارية.
ثقة متزايدة في الاقتصاد الإثيوبي
يأتي الاستثمار في مقدمة المؤشرات التي يمكن من خلالها قياس ثقة المستثمرين في الاقتصاد.
فقد أعلنت هيئة الاستثمار الإثيوبية أن البلاد استقطبت 4.32 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنة المالية 2025/2026، بزيادة قدرها 8 بالمئة مقارنة بالسنة السابقة، كما أصدرت 528 ترخيصًا استثماريًا جديدًا، فيما انتقل أكثر من 260 مشروعًا استثماريًا إلى مرحلة التنفيذ.
ولا يتوقف الأمر عند تدفقات الاستثمار الأجنبي. ففي منتدى «استثمر في إثيوبيا 2026»، الذي اختتم أعماله في مارس، وقعت اتفاقيات استثمارية تجاوزت قيمتها 13 مليار دولار في قطاعات التصنيع والزراعة والتصنيع الزراعي والطاقة والبناء وغيرها. وتوضح وزارة المالية الإثيوبية أن هذه الاتفاقيات تستهدف دعم خلق الوظائف وتوليد النقد الأجنبي ونقل التكنولوجيا.
وهذه التطورات تعطي الاستثمار دورًا يتجاوز توفير رأس المال؛ فحين يتحول إلى مصانع ومشروعات زراعية وخدمات وطاقة، فإنه يصبح جزءًا من عملية توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد.
الطاقة محركة الطموح الصناعي
لا يمكن بناء اقتصاد صناعي حديث من دون طاقة كافية وموثوقة. ولهذا يمثل قطاع الطاقة أحد أهم المكونات في المسار التنموي الإثيوبي.
ويمتلك سد النهضة الإثيوبي الكبير أهمية خاصة في هذا السياق، ليس فقط بسبب قدرته على تعزيز إمدادات الكهرباء، وإنما أيضًا لما يمثله من أساس للتوسع الصناعي وتحسين الخدمات ودعم الاقتصاد الرقمي.
ومع توسع إنتاج الكهرباء، تزداد قدرة إثيوبيا على ربط الطاقة بالتنمية الصناعية، كما تفتح صادرات الكهرباء إلى دول الجوار مجالًا إضافيًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي.
وهكذا تصبح الطاقة عنصرًا يساعد على جذب المستثمرين، وتشغيل المصانع، وتطوير المدن، وتحسين الخدمات، وربط الاقتصاد الإثيوبي بمحيطه الإقليمي.
ربط مكونات الاقتصاد الوطني
إذا كانت الطاقة هي وقود النمو، فإن البنية التحتية هي الشبكة التي تسمح لهذا النمو بالانتقال من قطاع إلى آخر.
فالطرق والخدمات اللوجستية والاتصالات والمناطق الاقتصادية لا تخدم قطاعًا واحدًا. فهي تساعد المزارع على الوصول إلى السوق، والمصنع على الحصول على المواد الخام، والمصدر على الوصول إلى الأسواق الخارجية، والمستثمر على إدارة أعماله بكفاءة أكبر.
وفي هذا الاتجاه، تتحول المناطق الاقتصادية الخاصة في إثيوبيا بصورة متزايدة إلى منصات للإنتاج والتصنيع والتصدير. ووفق بيان رسمي لمكتب رئيس الوزراء، ارتفع عدد المستثمرين في هذه المناطق من 36 مستثمرًا في عام 2018 إلى أكثر من 200 حاليًا، فيما يمثل المستثمرون المحليون نحو 65 بالمئة من المستثمرين.
وهذا التحول مهم لأنه يعزز ارتباط الاستثمار بالاقتصاد المحلي، بدل أن تبقى المناطق الصناعية مجرد مواقع منفصلة عن بقية النشاط الاقتصادي.
التحول الرقمي.. صناعة رأس المال البشري للمستقبل
ربما يكون التحول الرقمي أحد أكثر المجالات التي تكشف عن طموح إثيوبيا في إعداد نفسها للمستقبل.
ففي يونيو 2026، تجاوزت مبادرة «5 ملايين مبرمج إثيوبي» هدفها قبل الموعد المحدد، بعدما سجلت 5,005,146 مشاركة في مجالات البرمجة وتحليل البيانات وتطوير تطبيقات أندرويد وأساسيات الذكاء الاصطناعي. وأعلنت الحكومة طموحًا جديدًا للوصول إلى سبعة ملايين تسجيل.
والأهم في هذا الإنجاز ليس الرقم وحده، بل دلالته على الاستثمار في الإنسان. فاقتصاد المستقبل لن يعتمد فقط على الأرض والموارد الطبيعية، وإنما على المعرفة والمهارات والقدرة على استخدام التكنولوجيا.
ولهذا فإن تدريب ملايين الشباب على المهارات الرقمية يمكن أن يتحول، مع استمرار تطوير التعليم والقطاع الخاص، إلى قاعدة لقوة عاملة جديدة قادرة على المنافسة في اقتصاد يتزايد اعتماده على التكنولوجيا.
مبادرة البصمة الخضراء.. مسار إثيوبيا نحو تنمية مستدامة
إذا كان هناك مشروع يجسد بصورة واضحة قدرة إثيوبيا على الجمع بين البيئة والتنمية، فهي مبادرة البصمة الخضراء.
فوفق بيان رسمي لمكتب رئيس الوزراء، تجاوز عدد الشتلات المزروعة منذ إطلاق المبادرة 48 مليار شتلة، فيما تمت إعادة تأهيل 12.5 مليون هكتار من الأراضي. كما ارتفعت نسبة الغطاء الحرجي من 17 بالمئة في عام 2019 إلى 23 بالمئة في عام 2025.
وفي عام 2026، أطلقت إثيوبيا موسمًا جديدًا من المبادرة بهدف زراعة 8 مليارات شتلة، في استمرار لواحد من أكبر برامج التشجير في القارة.
وأعلن رئيس الوزراء آبي أحمد في العام الجاري أن إثيوبيا نجحت في غرس 805.3 ملايين شتلة، متجاوزة بذلك الهدف المعلن المتمثل في غرس 800 مليون شتلة خلال يوم واحد.
لكن القيمة الحقيقية للمبادرة تتجاوز عدد الشتلات. فإعادة تأهيل الأراضي تساعد على الحد من تدهور التربة، وتحسين الظروف الزراعية، وتعزيز القدرة على مواجهة آثار تغير المناخ، كما يمكن أن تفتح فرصًا اقتصادية في الزراعة والبستنة ومنتجات الغابات.
وهنا تظهر إحدى أهم ملامح التجربة الإثيوبية: البيئة لا تُعامل باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل كجزء من التنمية نفسها.
الزراعة.. من الإنتاج إلى التصدير والقيمة المضافة
تمتلك إثيوبيا قاعدة زراعية واسعة وموارد بشرية وطبيعية كبيرة، ولذلك تظل الزراعة أحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد الوطني ومحركًا أساسيًا للتنمية الشاملة.
غير أن التحول الأهم الذي يشهده القطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة يتمثل في الانتقال من التركيز على زيادة الإنتاج فقط إلى بناء سلاسل قيمة متكاملة، بحيث لا ينتهي دور المنتج عند حدود المزرعة، بل يمتد إلى التصنيع والتعبئة والتخزين والنقل والتسويق وصولًا إلى الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية.
وتقدم تجربة القمح نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فقد انتقلت إثيوبيا من الاعتماد على استيراد القمح لتلبية احتياجاتها المحلية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي والبدء في تصدير الفائض إلى الأسواق الخارجية، وهو ما اعتبرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» إحدى التجارب البارزة في القارة الإفريقية في مجال تعزيز الأمن الغذائي.
ولم يقتصر الاعتراف بهذا التقدم على المستوى الوطني؛ ففي يناير 2024 منح المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة ميدالية «أغريكولا» لرئيس الوزراء آبي أحمد تقديرًا لإسهاماته في التنمية الريفية والاقتصادية وتعزيز الأمن الغذائي، ولا سيما من خلال برنامج الاكتفاء الذاتي من القمح ومبادرة الإرث الأخضر.
وفي الوقت نفسه، برز قطاع البن الإثيوبي بوصفه أحد أبرز قصص النجاح الزراعي والتصديري في البلاد. فقد سجلت صادرات القهوة خلال السنة المالية 2025/2026 عائدات قياسية بلغت نحو 3 مليارات دولار، وهو أعلى دخل يحققه القطاع في تاريخه.
ويعكس هذا الإنجاز التحسن المستمر في جودة البن الإثيوبي، وارتفاع الإنتاجية، وتوسيع الأسواق الخارجية، إضافة إلى الجهود المبذولة للحد من التجارة غير القانونية وتعزيز القيمة المضافة على امتداد سلسلة الإنتاج والتسويق.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن القهوة ليست مجرد محصول زراعي رئيسي في إثيوبيا، بل تعد أيضًا مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي والدخل لملايين المزارعين والعاملين في سلسلة القيمة الزراعية. كما تستهدف البلاد رفع عائدات صادرات البن إلى نحو 6 مليارات دولار سنويًا خلال السنوات الخمس المقبلة، في إطار جهودها لتعزيز مكانة القهوة الإثيوبية في الأسواق العالمية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه إثيوبيا إلى توسيع قدرتها على التصدير وتنويع مصادر النقد الأجنبي. فقد حققت البلاد خلال السنة المالية المنتهية في يوليو/تموز 2026 عائدات تصديرية قياسية تجاوزت 11 مليار دولار، مدفوعة بأداء قوي في قطاعات الزراعة والتعدين والصناعة.
وهنا تتجاوز الزراعة دورها التقليدي كمصدر للغذاء والمواد الخام، لتصبح ركيزة أساسية للتصنيع والتصدير وتوفير فرص العمل. فزيادة إنتاج المحاصيل وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة؛ إذ إن تصنيع المنتجات الزراعية وتعبئتها وتخزينها ونقلها وتسويقها يمكن أن يرفع قيمتها الاقتصادية ويعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.
كما تتعزز العلاقة بين التنمية الزراعية ومبادرة البصمة الخضراء بصورة متزايدة، حيث تسهم جهود التشجير وإعادة تأهيل الأراضي وحماية الموارد المائية والتربة في تحسين استدامة الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي على المدى الطويل.
وبذلك أصبح القطاع الزراعي حلقة استراتيجية تربط بين البيئة والإنتاج والتصنيع والتصدير وتوفير فرص العمل، بما يعزز قدرة إثيوبيا على تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولًا واستدامة.
من الإنجازات إلى قوة تنموية متكاملة
تملك إثيوبيا اليوم مقومات واسعة يمكن أن تدفع مسارها التنموي إلى الأمام: اقتصاد ينمو، واستثمارات تتوسع، وطاقة تتطور، وبنية تحتية تتقدم، وشباب يدخلون بقوة إلى عالم التكنولوجيا، ومبادرة بيئية ذات نطاق واسع، إلى جانب قاعدة زراعية قادرة على دعم الصناعة والتصدير.
والأهم أن هذه الإنجازات بدأت تجد نقاط اتصال فيما بينها. فكل شتلة يمكن أن تكون جزءًا من اقتصاد أخضر، وكل مهارة رقمية يمكن أن تتحول إلى فرصة، وكل استثمار يمكن أن يصبح مصنعًا أو وظيفة أو منتجًا للتصدير، وكل مشروع للبنية التحتية يمكن أن يربط منتجًا إثيوبيًا بسوق جديدة.
وفي هذا المسار، تنتقل إثيوبيا تدريجيًا من مرحلة تجميع الإنجازات إلى مرحلة تعظيم أثرها، بحيث تعمل الإصلاحات والاستثمارات والطاقة والإنتاج والتكنولوجيا والزراعة والبيئة ضمن مسار تنموي أكثر ترابطًا.
وفي العام الإثيوبي الجديد، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا الزخم، وتعميق الترابط بين هذه القطاعات، وتحويل النمو إلى إنتاج وفرص عمل وقيمة مضافة، بما يفتح آفاقًا أوسع للبلاد وشعبها ولمنطقة القرن الأفريقي بأكملها.