من عدوا إلى النيل: كسر قيود السياسة الاستعمارية للمياه

بقلم: بنيامين تادسي
أديس أبابا، 3 سبتمبر 2026 (إينا)

في التاريخ الأفريقي الحديث، لم يقتصر الاستعمار على احتلال الأراضي والسيطرة على الموارد، بل شمل أيضًا إعادة تشكيل العلاقات السياسية والاقتصادية بين شعوب القارة ودولها. ومع حصول الدول الأفريقية على استقلالها، انتهى الاحتلال المباشر، إلا أن بعض الترتيبات التي أُرسيت خلال تلك الحقبة لا تزال حاضرة في السياسة الأفريقية حتى يومنا هذا.

ولعل قضية مياه النيل تقدم أحد أوضح الأمثلة على هذه المفارقة التاريخية.

ففي الوقت الذي كانت فيه القوى الاستعمارية الأوروبية ترسم مناطق نفوذها في أنحاء أفريقيا، خضعت مصر للاحتلال البريطاني عام 1882، بينما دخل السودان في نظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري عام 1899، حيث حافظت القوتان على نفوذ وسيطرة فعليين على إدارة السودان.

أما إثيوبيا، فسلكت مسارًا تاريخيًا مختلفًا، إذ واجهت المشروع الاستعماري الإيطالي وحققت انتصارًا تاريخيًا في معركة عدوا عام 1896، التي أصبحت لاحقًا رمزًا أفريقيًا لمقاومة الاستعمار والدفاع عن السيادة.

ولا يزال العالم يعترف بإثيوبيا لتاريخها في النضال والانتصارات ضد الاستعمار، ولتجسيدها روح شعب عزيز مصمم على الحفاظ على سيادته وحقه في اتخاذ قراراته بصورة مستقلة.

واليوم، برزت إثيوبيا أيضًا رمزًا للصمود ومثالًا للعديد من الدول الأفريقية ودول الجنوب العالمي في رفض الإملاءات الخارجية والتمسك بحقها في تقرير مصيرها، بعيدًا عن أي شكل من أشكال الخضوع أو الوصاية.

ويصف الاتحاد الأفريقي معركة عدوا بأنها انتصار أفريقي محوري على القوات الاستعمارية، ورسالة تؤكد قدرة أفريقيا على تقرير مصيرها بنفسها.

وليست هذه مجرد مقارنة تاريخية عابرة، بل تمثل مدخلًا مهمًا لفهم جانب من الجدل المعاصر المحيط بنهر أباي، المعروف أيضًا باسم النيل الأزرق.

دخلت الدول الثلاث القرن العشرين من مواقع تاريخية مختلفة. فقد كانت مصر والسودان ضمن بيئة سياسية خاضعة للنفوذ الاستعماري البريطاني المباشر، في حين حافظت إثيوبيا على استقلالها.

عندما أصبحت مياه النيل مسألة نفوذ
في ظل هذه الخلفية التاريخية، ظهرت ترتيبات بشأن مياه النيل لا تزال تلقي بظلالها على العلاقات بين دول الحوض.

ففي عام 1929، أُبرمت اتفاقية بشأن مياه النيل بين بريطانيا ومصر، في وقت كانت فيه بريطانيا تمارس نفوذًا استعماريًا واسعًا في المنطقة. ولم تكن إثيوبيا طرفًا في ذلك الترتيب.

وعلى الرغم من أن إثيوبيا دولة منبع للنيل الأزرق، فإنها لم تكن طرفًا في اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان بشأن اقتسام مياه النيل، بما يعكس استمرار عقلية استعمارية تعاملت مع موارد دول المنبع كما لو كانت ملكًا لدول المصب.

فكيف يمكن تقسيم مياه تنبع من الأراضي الإثيوبية بين دولتين من دون مشاركة إثيوبيا أو موافقتها؟ وماذا عن حق الدول الثماني الأخرى المشاطئة للنهر في الاستفادة من المورد المشترك لأغراض التنمية؟

خصصت الاتفاقية الحصة الأكبر لمصر، بواقع 55.5 مليار متر مكعب، فيما حصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب، متجاهلة حقوق إثيوبيا ومصالحها.

كما كرست نمطًا من الهيمنة المصرية على عملية صنع القرار السوداني بشأن قضية مياه النيل، على نحو يذكر بالعلاقات التي فرضت خلال الحقبة الاستعمارية في المنطقة.

وفي واحدة من أوضح الإشارات إلى هذا الواقع، تنص وثيقة قانونية محفوظة في أرشيف الاتحاد الأفريقي، بحسب الباحث الدكتور درج زليكي الذي درس الإطار القانوني لحوض النيل، على أن المستعمرين "شوّهوا إدارة النيل ومنافعه لصالح مصر"، رغم أن ثلاثة من الروافد الأربعة الرئيسية لنهر النيل تنبع من إثيوبيا.

ويسهم نهر أباي، المعروف أيضًا بالنيل الأزرق، بأكثر من 85% من إجمالي مياه أطول أنهار العالم، فيما يوفر حوضه مقومات الحياة الاقتصادية لنحو 300 مليون شخص.

وهذه ليست قضية إثيوبية فحسب، بل هي مسألة تتعلق بمفهوم العدالة في إدارة الموارد العابرة للحدود.

هل انتهى الاستعمار حقًا؟
انتهى الاستعمار كنظام يقوم على الاحتلال المباشر، وحصلت الدول الأفريقية على استقلالها وسيادتها. لكن السؤال الأعمق يبقى: هل انتهت جميع آثاره السياسية والفكرية بانتهائه، أم أن بعض الدول لا تزال، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تنتهج سياسات وتتبنى مفاهيم نشأت في تلك الحقبة وما زالت تخدم مصالحها القديمة؟

إذا كانت أفريقيا قد تحررت من السيطرة على أراضيها، فإن التحرر الحقيقي لن يكتمل إلا عندما تتحرر أيضًا من ترتيبات ومفاهيم الماضي، بما يمكّن شعوبها ودولها من أن تصبح صاحبة القرار في مواردها ومستقبلها.

إثيوبيا: دولة لم ترث الترتيب الاستعماري
لم تدخل إثيوبيا قضية النيل كدولة تسعى إلى الحفاظ على نظام أنشأته قوة استعمارية لمصلحتها، بل دخلتها كدولة منبع تسعى إلى استخدام مواردها الطبيعية لتحقيق التنمية. وهي تتمسك بقوة بالمبدأ الأساسي الذي يحكم المياه الدولية، وهو الانتفاع المنصف والمعقول.

وهذا التمييز مهم. فإثيوبيا لا تقول إن مياه النيل ينبغي أن تستخدم ضد مصر أو السودان.

بل إن جوهر موقف إثيوبيا المعلن يقوم على الانتفاع المنصف والمعقول، والتعاون بين دول الحوض، ورفض تحويل الترتيبات الاستعمارية التاريخية إلى حقوق دائمة تمنع دول المنبع من السعي إلى تحقيق التنمية.

وفي هذا الصدد، قال عضو فريق التفاوض الإثيوبي زريهون أبيبي بوضوح: "المعاهدات الاستعمارية أو الامتيازات القائمة على الحقبة الاستعمارية لا تنطبق على إثيوبيا".

وأوضح أيضًا أن إثيوبيا ترى ضرورة انتقال دول حوض النيل من نهج أحادي الجانب إلى التعاون والاستخدام العادل والمنصف لمياه النهر، وفقًا لمبادئ القانون الدولي.

عندما تصبح التنمية جزءًا من السيادة
من هذا المنظور، لا يمكن النظر إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير باعتباره مجرد مشروع لتوليد الطاقة.

فبالنسبة إلى إثيوبيا، يرتبط المشروع بسؤال أوسع يتعلق بالتنمية والقدرة على اتخاذ القرارات الوطنية.

وفي بيان رسمي صادر عن مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، وُصف سد النهضة بأنه تأكيد لالتزام إثيوبيا بالاستخدام المنصف والمعقول لنهر أباي، مع تجديد التزامها بالتعاون بشأن النيل على أساس الثقة المتبادلة.

كما قال رئيس الوزراء أبي أحمد في خطاب رسمي إن إثيوبيا تؤمن بإمكانية تطوير مياه النيل "بشكل معقول ومنصف لصالح جميع دول النهر، دون التسبب في أي ضرر"، معتبرًا سد النهضة مثالًا على مبدأ التعاون. وهنا تتضح أهمية مفهوم السيادة.

فإذا كانت معركة عدوا قد أصبحت رمزًا لحق إثيوبيا في الدفاع عن استقلالها السياسي، فإن سد النهضة يمثل بُعدًا آخر للسيادة، يتمثل في حقها في تحويل مواردها الطبيعية إلى طاقة وتنمية، مع احترام مصالح الدول الأخرى.

فالسيادة لا تعني الهيمنة، كما أن التعاون لا يعني التخلي عن السيادة. وهذا هو الفارق بين الاستقلال السياسي الذي يحمي الدولة، والاستقلال التنموي الذي يمنحها القدرة على بناء مستقبلها.

إثيوبيا تكتب قواعدها بنفسها
انتهى عصر الاستعمار السياسي، لكن أصعب مهام أفريقيا لا تزال تتمثل في تفكيك إرثه في العقلية والسياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

وقد تكون مياه النيل إحدى أبرز الساحات التي يجري فيها اختبار هذا التحدي. وتظهر المشكلة عندما يتحول تاريخ استعماري مهين إلى حق حصري في المستقبل.

لقد تغيرت إثيوبيا، وتغيرت قدراتها، وتغيرت احتياجات شعبها.

وبفضل تاريخها وتجربتها المتميزة في مقاومة الاستعمار، لا تحتاج إثيوبيا إلى تبني إرث الماضي من أجل الدفاع عن حقها في التنمية.

ويبرهن سد النهضة على أن الاستقلال الذي دافعت عنه إثيوبيا في عدوا يمكن، في القرن الحادي والعشرين، أن يتحول إلى تنمية وتعاون وتكامل إقليمي.

وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء أبي أحمد أن "إثيوبيا حققت في القرن الحادي والعشرين عدوا الثانية. وقد سُجل انتصار عظيم سيمهد الطريق أمام الاستخدام المنصف لمياه النيل".

ومن معركة عدوا إلى سد النهضة، لم تتغير الرسالة الأساسية لإثيوبيا قط: فالأمة نفسها التي ناضلت ذات يوم وانتزعت انتصارًا من أجل استقلالها السياسي، يجب عليها الآن أن تدافع عن حقها في الاستقلال التنموي.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023