إثيوبيا والاقتصاد الرقمي: التكنولوجيا تتحول إلى قوة دافعة للتنمية - ENA عربي
إثيوبيا والاقتصاد الرقمي: التكنولوجيا تتحول إلى قوة دافعة للتنمية
بقلم: بنيامين تادسي
أديس أبابا، 28 أغسطس 2026 (إينا)
لم يعد الاقتصاد الرقمي في إثيوبيا مشروعًا للمستقبل، بل أصبح جزءًا من التحول الذي تشهده البلاد في الحاضر. فمن الخدمات الحكومية إلى القطاع المالي، ومن الهوية الرقمية إلى الصحة، ومن تأهيل الشباب إلى الشركات الناشئة والذكاء الاصطناعي، تتسع دائرة استخدام التكنولوجيا لتصبح إحدى الأدوات التي تعتمد عليها إثيوبيا في تحديث مؤسساتها وتعزيز قدرتها الإنتاجية وفتح مساحات جديدة أمام المواطنين والقطاع الخاص.
وتأتي هذه المسيرة في إطار استراتيجية «إثيوبيا الرقمية 2030»، التي تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء اقتصاد أكثر تنافسية وشمولًا، وتربط بين البنية التحتية الرقمية والمهارات والابتكار والخدمات الحكومية والتنمية الاقتصادية.
وبهذا الانتقال، لا تكتفي إثيوبيا بتوسيع نطاق الاتصال الرقمي، وإنما تعمل على بناء منظومة تجعل التكنولوجيا جزءًا من الحياة الاقتصادية والمؤسسية اليومية.
من الإنترنت إلى بنية اقتصادية جديدة
كان توسيع البنية التحتية الرقمية نقطة الانطلاق في هذا التحول. ومع الإصلاحات التي شهدها قطاع الاتصالات ودخول المنافسة والاستثمار الخاص، اتسع الوصول إلى الخدمات الرقمية وانخفضت تكلفتها بصورة ملحوظة.
ويشير البنك الدولي إلى أن أسعار الاتصالات في إثيوبيا انخفضت بنحو 70 بالمئة منذ إدخال المنافسة إلى القطاع، فيما تجاوز عدد مستخدمي خدمات الأموال عبر الهاتف المحمول 60 مليونًا في أوائل عام 2025. ويرى البنك أن هذه التطورات أسهمت في وضع الأسس الرقمية للنمو الاقتصادي في البلاد.
وهذه ليست مجرد أرقام مرتبطة بقطاع الاتصالات؛ إذ إن انخفاض تكلفة الاتصال واتساع استخدام الخدمات الرقمية يفتحان المجال أمام الشركات الصغيرة للوصول إلى الأسواق، ويمنحان الشباب أدوات جديدة للعمل، ويوسعان إمكانية وصول المواطنين إلى الخدمات المالية والحكومية.
وبذلك، بدأ الهاتف المحمول يتحول من وسيلة للاتصال إلى أداة اقتصادية تدخل في المعاملات والخدمات والأعمال اليومية.
حكومة أقرب إلى المواطن
ويظهر هذا التحول بصورة أكثر وضوحًا في منصة ميسوب (MESOB)، التي تسعى إلى إعادة صياغة تجربة الحصول على الخدمات الحكومية من خلال ربط المؤسسات وتقديم خدمات متعددة عبر منظومة رقمية موحدة.
ومع توسع المنصة، لم تعد المسألة تتعلق برقمنة وثيقة أو خدمة منفردة، بل ببناء نموذج جديد للعلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة؛ نموذج يقلل الوقت والإجراءات، ويساعد على تكامل البيانات والخدمات، ويدفع نحو إدارة عامة أكثر كفاءة.
ولم يقتصر الاهتمام بالتجربة على إثيوبيا. فقد أبدت دول أفريقية اهتمامًا متزايدًا بميسوب، وزار مسؤولون من دول أفريقية مختلفة التجربة الإثيوبية للاطلاع على آلياتها والاستفادة منها.
وفي أغسطس 2026، وصف وزير التحول الرقمي والابتكار في بنين ماهونا أكبلوغان التجربة الإثيوبية بأنها حالة نموذجية لأفريقيا، مؤكدًا اهتمام بلاده بالتعلم من التجربة الإثيوبية في مجال تقديم الخدمات الرقمية.
كما أشار مسؤولون ودبلوماسيون أفارقة، خلال زياراتهم إلى المنصة، إلى ما توفره من سهولة وسرعة في تقديم الخدمات، وهو ما يعكس جانبًا مهمًا من التحول الإثيوبي: انتقال بعض التجارب الرقمية المحلية إلى مستوى يجذب اهتمام الشركاء الأفارقة.
هوية رقمية لاقتصاد أكثر شمولًا
وفي موازاة ذلك، تشكل بطاقة الهوية الرقمية الوطنية (Fayda) أحد أهم أعمدة المنظومة الرقمية الجديدة.
فالهوية الرقمية لا تعني مجرد امتلاك بطاقة أو رقم إلكتروني، وإنما توفر أساسًا موثوقًا يمكن أن ترتبط به الخدمات الحكومية والمالية وغيرها من الخدمات الرقمية.
ومع توسع التسجيل في الهوية الرقمية الوطنية، تصبح بطاقة الهوية الرقمية حلقة وصل بين المواطن ومؤسسات الدولة والبنوك والمنصات الإلكترونية، بما يساعد على توسيع الشمول المالي وتسهيل الوصول إلى الخدمات.
وهنا تبرز أهمية التكامل بين المبادرات المختلفة؛ بطاقة الهوية الرقمية الوطنية توفر الهوية، وميسوب يربط المواطن بالخدمات، والمدفوعات الرقمية تتيح له تنفيذ المعاملات، بينما توفر البنية الرقمية الاتصال الذي يجمع هذه العناصر.
وهكذا، لا تعمل المبادرات منفصلة، وإنما تبدأ في تشكيل منظومة رقمية متكاملة.
المال يتحرك عبر الشاشة
وفي القطاع المالي، تشهد إثيوبيا تحولًا واسعًا في استخدام المدفوعات والخدمات المالية الرقمية.
وقد دفع انتشار الأموال عبر الهاتف المحمول والبنية الجديدة للمدفوعات البنك الوطني الإثيوبي إلى إطلاق استراتيجية بريدج 2030، التي تستهدف تطوير منظومة مدفوعات أكثر تكاملًا وشمولًا وابتكارًا.
ويعني هذا التحول أكثر من الاستغناء التدريجي عن النقد؛ فهو يمنح الشركات الصغيرة والمواطنين أدوات مالية أسرع، ويسهل المعاملات التجارية، ويخلق مساحة أكبر للابتكار في التكنولوجيا المالية.
كما أن اتساع الخدمات المالية الرقمية يساعد على إدخال شرائح جديدة من السكان إلى الاقتصاد الرسمي، وهو ما يجعل التكنولوجيا المالية واحدة من أكثر القنوات وضوحًا التي تنتقل عبرها الرقمنة من المجال التقني إلى النشاط الاقتصادي المباشر.
التكنولوجيا تصل إلى الصحة
ولعل أحد أكثر جوانب التجربة الإثيوبية أهمية هو انتقال الرقمنة إلى قطاع الصحة، حيث لم تعد التكنولوجيا مقتصرة على الإدارة المركزية، بل بدأت تصل إلى المستشفيات والمراكز الصحية والمجتمعات المحلية.
وتوضح وزارة الصحة الإثيوبية أن منظومة الصحة الرقمية في البلاد تشمل عددًا كبيرًا من الأنظمة، من بينها نظام المعلومات الصحية الوطني، والنظام الإلكتروني لمعلومات الصحة المجتمعية، والسجلات الطبية الإلكترونية، وخدمات الصحة عبر الهاتف المحمول، ونظام إدارة معلومات الموارد البشرية الصحية، والنظام الإلكتروني لمتابعة الصيدلة والأدوية، إلى جانب أنظمة رقمية أخرى تدعم إدارة الخدمات الصحية وتحسين كفاءتها.
ويكتسب النظام الإلكتروني لمعلومات الصحة المجتمعية أهمية خاصة لأنه ينقل الخدمات الرقمية إلى المستوى المجتمعي؛ إذ جرى تطويره من النظام الورقي السابق إلى منصة محمولة يستخدمها العاملون في الإرشاد الصحي، وهو مطبق في أكثر من 4,000 مركز ومنشأة صحية، ويساعد في تسجيل بيانات الأسر، ومتابعة الخدمات، وتحسين الإحالة والتواصل بين العاملين والمراكز الصحية.
وفي خطوة أخرى، تقود إثيو تيليكوم بالتعاون مع وزارة الصحة عملية رقمنة البيانات الصحية، حيث أعلنت الشركة ربط 67 مستشفى رئيسيًا بمنصة رقمية مركزية، في إطار جهود توسيع البنية الرقمية للرعاية الصحية في البلاد.
وهذا يعكس اتساع مفهوم الاقتصاد الرقمي نفسه؛ فالتكنولوجيا هنا لا تخلق خدمة إلكترونية جديدة فحسب، وإنما تساعد على إدارة المعلومات الصحية، وتحسين كفاءة المؤسسات، وتقريب الخدمة من المواطن.
وفي هذا السياق، أكدت وزيرة الصحة الإثيوبية د. مقدس دابا أهمية توسيع دور الصحة الرقمية والطب عن بُعد، وقالت إن هناك حاجة إلى دمج الصحة الرقمية والطب عن بُعد في التعليم الطبي، وتعزيز تمويل الرعاية الصحية وتدريب القوى العاملة الصحية.
وتمنح هذه الرؤية التحول الرقمي بعدًا اجتماعيًا واضحًا، إذ يصبح الاستثمار في التكنولوجيا جزءًا من الاستثمار في صحة الإنسان وجودة الخدمات الأساسية.
المواطن في قلب الاقتصاد الرقمي
لكن البنية التحتية والمنصات لا تستطيع وحدها إنتاج اقتصاد رقمي. ولذلك تضع إثيوبيا تنمية المهارات في قلب تحولها.
وتأتي مبادرة «5 ملايين مبرمج إثيوبي» ضمن الجهود الرامية إلى بناء قاعدة بشرية قادرة على التعامل مع الاقتصاد الجديد، بحيث لا يكون الشباب مجرد مستخدمين للتكنولوجيا، بل مطورين للبرمجيات وصانعين للحلول الرقمية.
وقد أشادت منظمة العمل الدولية بأهمية التحول الرقمي الشامل في إثيوبيا، وربطت مبادرات تنمية المهارات الرقمية بتوسيع المشاركة الاقتصادية وخلق فرص جديدة للشباب.
ويمنح هذا التوجه إثيوبيا فرصة للاستفادة من أكبر مواردها، أي طاقتها البشرية الشابة، وتحويل المعرفة والمهارات الرقمية إلى إنتاج وخدمات يمكن أن تتجاوز السوق المحلية.
من مستخدم للتكنولوجيا إلى منتج لها
وبالتوازي مع ذلك، تتشكل بيئة جديدة للشركات الرقمية والابتكار.
ويشير البنك الدولي إلى أن مشروعات التحول الرقمي في إثيوبيا ساعدت في ترخيص أكثر من 3,000 شركة رقمية، وخلق آلاف الوظائف المرتبطة بالاقتصاد الرقمي. كما يرى البنك أن هذه التطورات تساعد على وضع الأساس لنمو اقتصادي أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا.
وتكتسب هذه الشركات أهمية تتجاوز أعدادها؛ لأنها تمثل بداية انتقال إثيوبيا من استهلاك الحلول الرقمية إلى إنتاجها، سواء في التكنولوجيا المالية أو التجارة الإلكترونية أو الخدمات الحكومية أو الزراعة والصحة وغيرها.
وهنا تتقاطع جهود الحكومة مع طموحات القطاع الخاص والشباب، لتظهر منظومة اقتصادية جديدة يمكن أن تصبح فيها البرمجيات والبيانات والخدمات الرقمية منتجات قابلة للتوسع والتصدير.
التحول الرقمي الإثيوبي يجذب اهتمامًا دوليًا
لم يعد التحول الرقمي في إثيوبيا شأنًا محليًا، بل بدأ يجذب اهتمامًا متزايدًا من الشركاء الأفارقة والدوليين. فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، في يناير 2026، استعداد بلاده لتعميق التعاون مع إثيوبيا في الاقتصاد الرقمي والبنية التحتية والصناعة الخضراء، في مؤشر على تنامي أهمية التكنولوجيا في الشراكة بين البلدين.
وعلى المستوى الأفريقي، وصف وزير التحول والابتكار الرقمي في بنين، ماهونا أكلاوغان، التجربة الإثيوبية بأنها «نموذج لأفريقيا»، معربًا عن اهتمام بلاده بالاستفادة من الخبرة الإثيوبية في الهوية الرقمية والخدمات الحكومية الموحدة.
كما أشاد سفيرا رواندا وناميبيا بمنصة ميسوب، معتبرين إياها نموذجًا عمليًا لتوظيف التكنولوجيا في تحسين الخدمات العامة وتعزيز كفاءتها.
ويتوافق هذا الاهتمام مع تقييم البنك الدولي الذي يرى أن الإصلاحات والاستثمارات الرقمية في إثيوبيا أسهمت في إرساء أسس رقمية للنمو الاقتصادي، ما يعزز مكانة البلاد كإحدى التجارب الرقمية الواعدة في أفريقيا.
إثيوبيا نحو اقتصاد يصنع المستقبل
مع توسع هذه المنظومة، تدخل إثيوبيا مرحلة جديدة من التحول الرقمي، لا تقتصر على تطوير منصات وخدمات منفردة، بل تتجه نحو ربط الهوية الرقمية والخدمات الحكومية والمدفوعات والصحة الرقمية وتطوير المهارات والشركات الناشئة ضمن رؤية وطنية متكاملة.
وتشير هذه التطورات إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءًا متزايد الأهمية من المسار التنموي للبلاد، من خلال توسيع فرص الشباب والقطاع الخاص، وتحسين الخدمات، وتعزيز الإنتاج والابتكار.
وبذلك، تسعى إثيوبيا إلى الانتقال من مجرد مواكبة التحول الرقمي العالمي إلى بناء منظومة رقمية تخدم احتياجاتها التنموية، وتوفر أدوات جديدة للمشاركة في اقتصاد المستقبل، وتحول التكنولوجيا إلى أحد محركات التنمية والازدهار.