تعزيز مكانة إثيوبيا: الحوار وبناء السدود والشراكات الاستراتيجية

 

بقلم هيئة التحرير

أديس أبابا  24 أغسطس/ 2026 (إينا)         يبلغ الحوار الوطني مرحلة تاريخية مع تأكيد إثيوبيا مجددًا على حقها السيادي في تطوير نهر أباي، في حين تعزز الدبلوماسية والأمن والشراكات الاستراتيجية مكانة البلاد الإقليمية المتنامية.

شهد الأسبوع الماضي فصلًا حاسمًا في تاريخ إثيوبيا، تشكّل بفعل حوار سياسي تاريخي داخلي وموقف أكثر حزمًا على الساحة الإقليمية والدولية.

بعد أربعين يومًا من المداولات المكثفة التي شارك فيها نحو 4000 إثيوبي من خلفيات متنوعة، اختُتم مؤتمر الحوار الوطني في أديس أبابا بحوالي 400 توصية تتناول بعضًا من أكثر التحديات السياسية والاجتماعية والمؤسسية إلحاحًا التي تواجه البلاد.

في الوقت نفسه، أكدت إثيوبيا مجددًا بقوة على حقها السيادي في استغلال مواردها المائية، رافضةً الانتقادات الموجهة لخطط بناء سدود إضافية على نهر أباي (النيل). كانت رسالة أديس أبابا واضحة لا لبس فيها: ستعمل إثيوبيا على تنمية مواردها لتلبية احتياجاتها الوطنية، مع مواصلة التعاون مع دول حوض النيل الأخرى.

وإلى جانب هذين التطورين المحوريين، حافظت إثيوبيا على حضورها البارز على الساحة الدولية من خلال مشاركتها رفيعة المستوى في مجالات الأمن والدبلوماسية والشؤون الإقليمية والشراكات الاستراتيجية.

الحوار الوطني: من الخلافات إلى البحث عن أرضية مشتركة

مثّل اختتام الحوار الوطني الإثيوبي علامة فارقة في مساعي البلاد لمعالجة التحديات المزمنة عبر عملية وطنية.

على مدى أربعين يومًا، استمع مشاركون من مختلف المناطق والخلفيات السياسية والاجتماعية والمهنية إلى وجهات نظر متباينة، وناقشوا قضايا شائكة، وسعوا إلى إيجاد أرضية مشتركة. تُوِّجت هذه العملية بما يقارب 400 توصية تهدف إلى المساهمة في بناء إثيوبيا أكثر سلامًا وشمولًا واستقرارًا.

جمع حفل الختام كبار المسؤولين الحكوميين، والرؤساء السابقين، والزعماء الدينيين، والشخصيات الوطنية، والضيوف الدوليين، مؤكدًا على الأهمية الأوسع نطاقًا التي تُعطى لهذه العملية.

وصف الرئيس الكيني السابق أوهورو كينياتا الحوار بأنه فرصة مهمة للإثيوبيين لتحويل تنوع بلادهم إلى مصدر قوة، وجعل الحوار الشامل أساسًا للسلام والازدهار الدائمين.

وأشاد بلجنة الحوار الوطني الإثيوبي لجمعها آلاف الأصوات، واصفًا المبادرة بأنها "عمل وطني رفيع المستوى".

كما وضع كينياتا تجربة إثيوبيا في سياق أفريقي أوسع، مستذكرًا دور البلاد التاريخي في الوعي السياسي للقارة - بدءًا من النصر في معركة عدوة، مرورًا بالقيادة الدولية للإمبراطور هيلا سيلاسي، ودور أديس أبابا في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية.

قال: "سلامكم ليس منّةً من الله، بل هو شرطٌ لراحتكم، وسلامنا شرطٌ لنا جميعًا في منطقتنا"، رابطًا استقرار إثيوبيا بالسلام والأمن في منطقة القرن الأفريقي.

وبالمثل، وصف الرئيس النيجيري السابق والممثل السامي للاتحاد الأفريقي، أولوسيغون أوباسانجو، الحوار الوطني الإثيوبي بأنه تاريخي، وربما يكون نموذجًا يُحتذى به لبقية أفريقيا.

وهنأ أوباسانجو رئيس الوزراء آبي أحمد ولجنة الحوار الوطني، قائلاً إن الهدف الأسمى من هذه العملية هو تحقيق سلام وأمن واستقرار دائمين، وهي شروطٌ وصفها بأنها أساسية للتنمية والنمو الوطني.

وأكد قائلاً: "السلام بالغ الأهمية، ويستحق بذل كل ما في وسعنا من أجله"، مشيرًا إلى أن التحضيرات للحوار استغرقت أربع سنوات.

وأضاف أن هذه العملية، بمداولاتها التي استمرت أربعين يومًا، وبمشاركة آلاف الأشخاص، كانت "مشروعًا جادًا وعظيمًا"، و"مثالًا يُحتذى به لبقية أفريقيا".

نهر أباي: إثيوبيا ترسم خطاً واضحاً بشأن تنمية مواردها السيادية

بينما ركز الحوار الوطني على إيجاد أرضية مشتركة داخل إثيوبيا، وجهت البلاد رسالة حازمة مماثلة إلى الخارج بشأن استغلال مواردها المائية.

أكدت إثيوبيا مجدداً خططها لبناء سدود إضافية على نهر أباي، مما أثار ردود فعل قوية من مصر، وأعاد النيل إلى دائرة الضوء الإقليمي.

أوضح وزير المياه والطاقة، هبتامو إيتيفا، موقف إثيوبيا جلياً: لا تحتاج البلاد إلى إذن من أي دولة أخرى لتنمية مواردها المائية.

وقال الوزير: "إثيوبيا دولة ذات سيادة"، مشيراً إلى سد النهضة الإثيوبي الكبير كمثال على تصميم البلاد على تحقيق أولوياتها التنموية.

في مقابلة حصرية مع موقع "نبض أفريقيا"، صرّح هابتامو بأن سد النهضة الإثيوبي الكبير بُني أساسًا لتوليد الكهرباء، وهو يُساهم بالفعل في تزويد إثيوبيا بالطاقة الكهرومائية، ويُتيح في الوقت نفسه فرصًا للتعاون الإقليمي في مجال الطاقة.

ورفض بشكل قاطع مقترحات الإدارة المشتركة للسد، مُؤكدًا أن إثيوبيا لن تقبل بأي ترتيبات تُتيح لدولة أخرى السيطرة على بنية تحتية بناها وموّلها الإثيوبيون.

وأكّد قائلًا: "كيف يُمكن لأي جهة أن تطلب إدارة مشتركة لسد بناه الإثيوبيون؟ هذا أمر مستحيل وغير مقبول".

ويتمثل موقف إثيوبيا الأوسع في ضرورة أن تسعى دول حوض النيل إلى التفاوض والتعاون والتنمية العادلة، بدلًا من الترتيبات التي تُقيّد قدرة إثيوبيا على استغلال مواردها المائية.

أما بالنسبة لأديس أبابا، فإن القضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية: توسيع نطاق وصول الكهرباء إلى السكان، وخلق فرص اقتصادية، وتصدير الطاقة إلى الدول المجاورة.

لذا، فإن نهر أباي ليس مجرد ممر مائي في خطاب التنمية الإثيوبي، بل أصبح رمزًا محوريًا لسعي البلاد نحو تحقيق أمن الطاقة، والتحول الاقتصادي، واتخاذ القرارات السيادية.

شراكة أمنية أقوى مع الولايات المتحدة

توسّع نطاق التعاون الاستراتيجي لإثيوبيا ليشمل المجال الأمني.

زار وفد إثيوبي رفيع المستوى، برئاسة اللواء تيشومي جيميشو، المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري بوزارة الدفاع، الولايات المتحدة في الفترة من 19 إلى 20 أغسطس/ .

خلال المشاورات التي جرت في البنتاغون، التقى مسؤولون إثيوبيون بمسؤولين أمريكيين رفيعي المستوى في مجالي الدفاع والدبلوماسية لمناقشة التعاون الأمني ​​والدفاعي الثنائي.

أسفرت المحادثات، التي شارك في قيادتها نائب مساعد وزير الحرب الأمريكي للشؤون الأفريقية، برايان ج. إليس، عن اتفاق لرفع مستوى التعاون العسكري والدبلوماسي بين البلدين إلى آفاق جديدة.

يشير هذا التطور إلى اهتمام إثيوبيا بتعزيز شراكاتها الاستراتيجية في وقت تشهد فيه ديناميكيات الأمن في منطقة القرن الأفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع تطورات متسارعة.

العلاقات الإثيوبية الصينية: من الشراكة إلى التوافق الاستراتيجي

لا تزال الصين محورًا أساسيًا في مشاركة إثيوبيا الدولية.

وصف السفير الصيني لدى إثيوبيا، تشن هاي، الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين بأنها حجر الزاوية في الجهود المبذولة لبناء مجتمع ذي مصير مشترك بين الصين وأفريقيا.

وفي مقابلة حصرية مع وكالة الأنباء الإثيوبية ، قال السفير تشن إن العلاقة بين البلدين تجاوزت الدبلوماسية التقليدية، وتطورت إلى شراكة واسعة النطاق قائمة على الثقة السياسية والتعاون الاقتصادي والدعم المتبادل.

قال: "تدعم الصين وإثيوبيا بعضهما البعض سياسيًا واقتصاديًا"، مؤكدًا على ضرورة تعزيز التنسيق لتحقيق منافع للشعبين.

وتتجاوز أهمية هذه الشراكة العلاقات الثنائية، إذ يُضفي دور إثيوبيا كمركز دبلوماسي أفريقي رئيسي، وتوسع نفوذ الصين في القارة، بُعدًا أوسع على التعاون الأفريقي الصيني.

أسبوع يُنبئ بإثيوبيا أكثر حزمًا

تشير مجمل أحداث الأسبوع إلى سعي إثيوبيا لتحقيق التوازن بين المصالحة الوطنية الداخلية وتعزيز ثقتها الاستراتيجية في الخارج.

وفر اختتام الحوار الوطني منصةً للإثيوبيين لمناقشة القضايا الشائكة عبر الحوار والتوافق. وأظهر الموقف الحازم بشأن نهر أباي تصميم أديس أبابا على الدفاع عن مصالحها التنموية وحقوقها السيادية. وفي الوقت نفسه، أظهر تجديد التعاون مع الولايات المتحدة والصين استمرار جهود إثيوبيا لتنويع وتعميق شراكاتها الاستراتيجية.

الخيط المشترك واضح: تسعى إثيوبيا إلى تحقيق توافق وطني أكبر، وسيطرة أوسع على خياراتها التنموية، وصوت أقوى في صياغة مستقبل القرن الأفريقي السياسي والاستراتيجي.

ستكشف الأشهر المقبلة عن نهج إثيوبيا المتزايد الحزم في التعامل مع مواردها وأمنها ودبلوماسيتها، والذي يُمكن أن يُسهم في إعادة تشكيل دورها في المنطقة.

بالنسبة لبلد يقع على مفترق طرق حوض النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، لم يكن الأسبوع الماضي مجرد سلسلة من الأحداث الكبرى، بل كان أسبوعًا أكد عزم إثيوبيا على رسم مستقبلها وفقًا لشروطها الخاصة، مع الحفاظ على مكانتها كفاعل مؤثر في أفريقيا وخارجها.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023