لا يمكن أن يكون البحر الأحمر مستقراً بينما تُستبعد إثيوبيا - ENA عربي
لا يمكن أن يكون البحر الأحمر مستقراً بينما تُستبعد إثيوبيا
حان الوقت للتوقف عن التظاهر بأن إثيوبيا لا مصلحة لها في البحر الأحمر
بقلم: يوردانوس د.
22 أغسطس 2026
أصبح من الصعب بصورة متزايدة فصل الأهمية الاستراتيجية لقضية إثيوبيا البحرية عن أزمة الأمن الأوسع نطاقاً التي تتكشف عبر الشرق الأوسط والبحر الأحمر والقرن الإفريقي. فقد أظهرت الاضطرابات الأخيرة حول مضيق هرمز مدى سرعة تأثير عدم الاستقرار في نقطة اختناق بحرية واحدة على أسعار الطاقة، وشبكات الشحن، وأسواق التأمين، وسلاسل الإمداد، والمستهلكين على بعد آلاف الكيلومترات.
وتقدم هذه التطورات درساً أوسع نطاقاً: فممرات الاختناق البحرية ليست مجرد ممرات جغرافية، بل هي شرايين للاقتصاد العالمي. وعندما يتدهور أمنها، يمكن أن تمتد تداعيات ذلك بسرعة عبر القارات.
وهذا يثير سؤالاً بالغ الأهمية بالنسبة إلى القرن الإفريقي: ماذا سيحدث إذا تزامن اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز مع اضطراب كبير في باب المندب؟
قد تكون العواقب وخيمة. فمضيق هرمز حيوي لحركة الطاقة من الخليج العربي، بينما يربط باب المندب المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس، ليشكلا معاً طريقاً تجارياً بالغ الأهمية بين آسيا وأوروبا.
وقد يؤدي حدوث اضطراب متزامن في نقطتي الاختناق إلى إجبار السفن على الاختيار بين الإبحار في مياه خطرة أو اتخاذ طرق أطول بكثير حول إفريقيا. ومن شأن الزيادة الناتجة في استهلاك الوقود وتكاليف التأمين وأسعار الشحن وأوقات العبور أن تُحدث صدمة كبيرة أخرى للتجارة العالمية.
وفي ظل هذه الخلفية، تكتسب مساعي إثيوبيا للحصول على وصول موثوق إلى البحر الأحمر أهمية تتجاوز بكثير مصالحها التجارية الخاصة. فبالنسبة إلى دولة يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة، يمثل الوصول الآمن إلى البحر ضرورة اقتصادية. لكن عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر يمكن أن تترك أيضاً آثاراً أوسع نطاقاً على الترابط الإقليمي، والأمن البحري، والاستثمار، وقدرة التجارة الدولية على الصمود. فلنحلل هذه الحسابات.
ومن ثم، فإن السؤال المركزي لا يتمثل ببساطة في ما إذا كان ينبغي لإثيوبيا استعادة الوصول إلى البحر، بل فيما إذا كان وجود بحري إثيوبي مستقر ومتفاوض عليه قانونياً يمكن أن يصبح جزءاً من نظام إقليمي أوسع قادر على حماية أحد أهم الممرات التجارية في العالم.
فلنستعرض الحسابات الاستراتيجية.
هرمز والتكلفة المتزايدة للنقل البحري العالمي
تكتسب أهمية مضيق هرمز الاستراتيجية أبعاداً هائلة. ففي النصف الأول من عام 2025، مر عبر المضيق نحو 20.9 مليون برميل من النفط وسوائل المنتجات النفطية يومياً، أي ما يعادل نحو خمس استهلاك سوائل النفط العالمية، ونحو ربع تجارة النفط البحرية العالمية. كما ينقل المضيق كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وتوضح الاضطرابات التي طالت هذه التدفقات حجم الهشاشة التي يخلقها هذا الاعتماد. وبحلول الربع الثاني من عام 2026، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن تدفقات النفط عبر هرمز انخفضت بشكل حاد مقارنة بمستويات عام 2025، في انعكاس لتأثير الصراع الإقليمي والقيود المفروضة على الملاحة البحرية.
وقد استجابت أسعار النفط لحالة عدم اليقين. إذ بلغ سعر خام برنت نحو 91.62 دولاراً للبرميل في 19 أغسطس 2026، وظل فوق 93 دولاراً للبرميل في 21 أغسطس وسط استمرار المخاوف بشأن اضطرابات الإمدادات. والدرس واضح: إن عدم الاستقرار في نقطة اختناق بحرية ذات موقع استراتيجي يمكن أن يؤدي بصورة شبه فورية إلى زيادة تكاليف الطاقة والنقل والتأمين.
غير أن أهمية هرمز لا يمكن فهمها من خلال أسعار النفط وحدها. فالمضيق جزء من منظومة تجارية أوسع تربط منتجي الطاقة في الخليج بالمستهلكين في آسيا وأوروبا ومناطق أخرى. ولذلك، فإن أي اضطراب طويل الأمد يمكن أن يولد آثاراً ثانوية على قطاعات التصنيع والنقل وتوليد الكهرباء وإنتاج الغذاء.
باب المندب: البوابة الحيوية الأخرى
يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي الأوسع. ويشكل، إلى جانب البحر الأحمر وقناة السويس، جزءاً من أحد أهم الممرات البحرية في العالم التي تربط آسيا بأوروبا.
وعندما لا تتمكن السفن من الإبحار بأمان في البحر الأحمر، تضطر العديد منها إلى الإبحار حول رأس الرجاء الصالح. ويتطلب الطريق الأطول مزيداً من الوقود ووقتاً إضافياً لأفراد الطواقم وسعة أكبر للسفن، كما يزيد بصورة كبيرة من مدة الرحلات. ووفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية، يمكن للاضطرابات حول باب المندب أو قناة السويس أن تجبر السفن على سلوك الطريق الأطول عبر جنوب إفريقيا، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن وتكاليف النقل البحري.
ويمكن أن تتأثر جميع أنواع السفن، بما في ذلك سفن الحاويات التي تنقل السلع المصنعة، وسفن الشحن السائب التي تنقل السلع الأساسية، وناقلات المنتجات النفطية، والسفن التي تحمل المدخلات الزراعية. كما أن السفينة التي تقضي عدة أسابيع إضافية في البحر تصبح غير متاحة لشحنة أخرى خلال تلك الفترة. وبالتالي، يمكن أن تنخفض القدرة الفعلية للشحن العالمي حتى عندما تظل المصانع والمستودعات والموانئ تعمل بصورة طبيعية.
وقد شهد العالم بالفعل هذه المشكلة عقب الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، والتي دفعت شركات الشحن الكبرى إلى تحويل مسارات سفنها حول إفريقيا. وأظهرت الزيادة الناتجة في مسافات الرحلات وأوقات العبور مدى سرعة انتشار انعدام الأمن البحري عبر أسواق الشحن وسلاسل الإمداد وأسعار المستهلكين.
وبالنسبة إلى إفريقيا، فإن التداعيات خطيرة بشكل خاص. إذ تعتمد العديد من الدول على استيراد الوقود والأسمدة والآلات والأغذية والمنتجات المصنعة. ولذلك، يمكن أن تتحول زيادة تكاليف الشحن إلى ارتفاع في الأسعار المحلية وزيادة الضغط على احتياطيات النقد الأجنبي.
أزمة نقطتي الاختناق
إن حدوث اضطراب متزامن أو متعاقب في مضيق هرمز وباب المندب سيحوّل مشكلتين إقليميتين في مجال الأمن إلى أزمة بحرية عالمية محتملة أكبر بكثير. فمضيق هرمز يمثل أهمية رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، بينما يُعد باب المندب بوابة أساسية للسفن التجارية التي تتحرك بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. وإذا تعرض كلا الممرين لاضطراب خطير، فقد تواجه شركات الشحن خياراً صعباً بين الإبحار في مياه غير آمنة أو سلوك طرق بديلة أطول بكثير.
وقد ترتفع أسعار الشحن وأقساط التأمين بشكل حاد. وقد يواجه المصنعون الأوروبيون تأخيرات في استلام المكونات والمنتجات النهائية الآسيوية، بينما قد يواجه المصدرون الآسيويون تكاليف أعلى للوصول إلى الأسواق الأوروبية وشمال إفريقيا. كما ستتعرض الاقتصادات الإفريقية للخطر، لأن العديد منها يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود والأسمدة والآلات والأغذية والمنتجات المصنعة.
وقد تحتاج الحكومات إلى مزيد من العملات الأجنبية لشراء الكمية نفسها من الواردات، في حين قد تنقل الشركات ارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة إلى المستهلكين.
وتوضح بيانات الشحن الأخيرة أيضاً مدى حساسية الممرين تجاه انعدام الأمن الإقليمي. فقد أفادت وكالة رويترز بأن تسع سفن للسلع الأساسية فقط عبرت مضيق هرمز في 18 و19 أغسطس 2026، بينما انخفضت حركة المرور عبر باب المندب من 32 إلى 27 سفينة خلال الفترة نفسها. وبحلول 21 أغسطس، أفادت رويترز بأن حركة المرور عبر هرمز انخفضت أكثر إلى سبع سفن للسلع الأساسية، بينما سجل باب المندب عبور 23 سفينة.
ولا تثبت هذه الأرقام أن أياً من الممرين المائيين قد أُغلق بصورة دائمة. لكنها توضح مدى السرعة التي يمكن أن يؤدي بها عدم اليقين الجيوسياسي إلى تغيير سلوك الشحن التجاري. وحتى من دون فرض حصار رسمي، يمكن أن تؤدي المخاطر الأمنية المتزايدة إلى ردع المشغلين، ورفع تكاليف التأمين، وإجبار السفن على اتخاذ طرق أطول.
ومن ثم، فإن حدوث اضطراب طويل الأمد في نقطتي الاختناق معاً سيكون أكثر من مجرد أزمة بحرية إقليمية؛ فقد يتحول إلى صدمة كبيرة لأسواق الطاقة العالمية والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.
الدور المعرقل لمصر في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر
من الواضح أن الأنشطة المصرية المزعزعة للاستقرار في القرن الإفريقي يمكن بحثها تاريخياً من خلال انخراطها الأمني والسياسي مع الدول المحيطة بإثيوبيا. ويحظى تعاونها العسكري المتزايد مع الصومال بأهمية استراتيجية خاصة، نظراً إلى قرب الصومال من باب المندب، أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم. ويمكن أن يؤدي نشر القوات العسكرية المصرية في الصومال، أو احتمال نشرها هناك، إلى زيادة التنافس الاستراتيجي مع إثيوبيا والمساهمة في عسكرة بيئة أمنية هشة بالفعل.
كما يمثل التقارب السياسي والأمني الوثيق بين مصر والمؤسسة العسكرية في السودان مصدراً آخر للقلق الإقليمي. فقد أدى استمرار الحرب في السودان إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق الشبكات المسلحة، وتوليد النزوح وعدم الاستقرار في مختلف أنحاء المنطقة. ويخاطر التدخل العسكري والسياسي الخارجي بإطالة أمد الصراع وخلق ضغوط أمنية إضافية على طول الحدود الغربية لإثيوبيا والبحر الأحمر. كما أن استمرار الأزمة في السودان، حيث تقف مصر وراء هذه الحرب الأهلية الكارثية المستمرة، يمكن أن يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار في أنحاء القرن الإفريقي، ويعطل طرق التجارة ويزيد حركة الجماعات المسلحة والشبكات غير المشروعة.
كما دعمت مصر النظام الإريتري، الذي يمنحه موقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر نفوذاً يخدم طموحاته القائمة على الوكلاء. ويمكن أن يؤدي انخراط مصر المتزايد مع إريتريا، إلى جانب تعاونها العسكري مع الصومال وعلاقتها بالسودان، إلى تشكيل اصطفافات أمنية متنافسة حول إثيوبيا وزيادة التوترات في أنحاء القرن الإفريقي.
ويتمثل مصدر القلق الأكثر خطورة في الأهمية الاستراتيجية لباب المندب. فلدى مصر مصلحة حيوية في هذا الممر المائي، لأنه يوفر الوصول إلى قناة السويس ويشكل محوراً أساسياً لتجارة مصر البحرية. ولدى مصر خطة عملياتية لإغلاق باب المندب فعلياً، ويثير توسع النفوذ العسكري والسياسي المصري حول القرن الإفريقي مخاوف من إمكانية تحول هذا الممر المائي إلى أداة للضغط الاستراتيجي. وأي محاولة من جانب مصر أو من قوى متحالفة مع مصالحها لعرقلة الملاحة عبر باب المندب ستكون لها تداعيات تتجاوز القرن الإفريقي بكثير.
ومن شأن مثل هذا الاضطراب أن يخلق حالة من الفوضى في التجارة العالمية. فباب المندب يمثل حلقة حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن ومنظومة التجارة الأوسع في المحيط الهندي. ويمكن أن يؤدي تعطله إلى إجبار السفن على اتخاذ طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح، ما يرفع بشكل حاد تكاليف النقل وأقساط التأمين وأوقات التسليم واستهلاك الوقود. كما يمكن أن يؤدي إلى تعطيل إمدادات الطاقة وحركة الأغذية والسلع المصنعة والسلع الأساسية بين آسيا وأوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط. وإذا جاء اضطراب خطير في باب المندب فوق حالة عدم الاستقرار القائمة حول نقاط الاختناق البحرية الرئيسية الأخرى، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على سلاسل الإمداد العالمية الهشة بالفعل.
وبالنظر إلى هذه العوامل مجتمعة، فإن الشراكات العسكرية المتوسعة لمصر وتحالفاتها السياسية وتموضعها الاستراتيجي في الصومال والسودان وإريتريا، تخاطر بتعميق الاستقطاب في القرن الإفريقي. وإذا استُخدمت هذه العلاقات كأدوات للمواجهة مع إثيوبيا، فقد تسهم في مزيد من العسكرة حول البحر الأحمر وباب المندب. ولن تقتصر العواقب على إثيوبيا أو القرن الإفريقي؛ إذ يمكن لأزمة تؤثر في باب المندب أن تتصاعد إلى حالة طوارئ بحرية أوسع نطاقاً، تهدد الاستقرار الإقليمي وتتسبب في اضطرابات شديدة للتجارة الدولية والتجارة العالمية.
لماذا تهم عودة إثيوبيا إلى البحر؟
هنا تكتسب قضية إثيوبيا البحرية أهمية تتجاوز المصالح الاقتصادية الوطنية. فاعتماد إثيوبيا على الموانئ البحرية الخارجية يجعل تجارتها الدولية عرضة للاضطرابات على طول ممرات النقل الإقليمية. وقد مر تاريخياً أكثر من 90 بالمئة من تجارة إثيوبيا من الواردات والصادرات عبر ممر أديس أبابا–جيبوتي. ويؤدي الاعتماد الكبير على منفذ رئيسي واحد إلى زيادة التعرض للمخاطر الاقتصادية عندما تؤثر الاختناقات أو الصراعات أو الخلافات السياسية أو انعدام الأمن البحري على هذا الطريق.
ويمكن لوجود بحري إثيوبي موثوق ومتفاوض عليه قانونياً أن يوفر خياراً إضافياً. ومن شأن ذلك أن ينوع ممرات النقل، ويقلل الاعتماد على منفذ واحد، ويعزز قدرة إثيوبيا على مواجهة الاضطرابات الإقليمية.
ولا ينبغي أن يكون الهدف هو سيطرة إثيوبيا على البحر الأحمر، بل ينبغي أن يتمثل في توفير وصول يمكن التنبؤ به ومتفق عليه بصورة متبادلة، من خلال ترتيبات تحترم سيادة الدول الساحلية وسلامة أراضيها.
ويمكن لمثل هذا الترتيب أن يوفر فوائد تتجاوز بكثير المصالح البحرية المباشرة لإثيوبيا. إذ يمكن أن يعزز قدرة التجارة العالمية على الصمود من خلال توفير خيارات إضافية لحركة السلع، والحد من المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على عدد محدود من الممرات البحرية المعرضة للخطر.
كما يمكن أن يسهم في تعزيز الأمن البحري من خلال تشجيع مزيد من التعاون بين دول البحر الأحمر والقرن الإفريقي في حماية طرق الملاحة والاستجابة للتهديدات الأمنية الناشئة. وفي الوقت نفسه، يمكن لتحسين وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر أن يخفف الضغط عن ممرات التجارة القائمة، ولا سيما تلك التي تواجه الازدحام أو انعدام الأمن أو ارتفاع تكاليف النقل، مع توفير طرق أكثر كفاءة لإثيوبيا والدول المجاورة للوصول إلى الأسواق الدولية.
ويمكن أيضاً للمشاركة البحرية الإثيوبية أن تعمق التكامل الاقتصادي الإقليمي من خلال ربط سوقها المحلية الكبيرة باقتصادات وموانئ القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر الأوسع. ومن شأن زيادة الترابط أن تدعم التجارة العابرة للحدود والخدمات اللوجستية والتصنيع وتطوير البنية التحتية، بما يخلق فرصاً للدول للاستفادة من الاقتصاد الإثيوبي المتنامي، مع تعزيز سلاسل الإمداد الإقليمية.
كما أن تحسين الوصول إلى التجارة البحرية من شأنه أن يعزز الأمن الغذائي وأمن الطاقة من خلال توفير قنوات أكثر موثوقية وتنوعاً لإثيوبيا لاستيراد السلع الأساسية والوقود والمدخلات الصناعية. ويمكن لهذا الترابط أيضاً أن يجعل المنطقة أكثر جاذبية للمستثمرين من خلال تحسين الوصول إلى الأسواق، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية، وتشجيع الاستثمار في الموانئ وشبكات النقل والمناطق الصناعية والبنية التحتية ذات الصلة.
ولذلك، ينبغي التعامل مع الأجندة البحرية لإثيوبيا باعتبارها جزءاً من إطار إقليمي أوسع للاقتصاد والأمن، وليس باعتبارها منافسة للسيطرة على أراضٍ استراتيجية.
ويمكن لترتيب يتم التفاوض عليه أن يجمع بين حاجة إثيوبيا إلى وصول موثوق إلى البحر والمصالح المشروعة للدول الساحلية. إذ يمكن لإثيوبيا تأمين وصول تجاري يمكن التنبؤ به، في حين يمكن للدول الساحلية الاستفادة من عائدات العبور، والاستثمار في البنية التحتية، وفرص العمل، وتوسيع الأسواق، وتعزيز الروابط الاقتصادية مع واحدة من أكبر الأسواق المحلية في إفريقيا.
كما يمكن لهذا الإطار أن يساعد في الفصل بين الترابط الاقتصادي والمواجهة العسكرية. فالوصول التجاري إلى البحر لا يتطلب بالضرورة السيطرة على الأراضي. ويمكن لترتيب يتم التفاوض عليه بعناية أن يوفر الوصول مع الحفاظ على سيادة الدولة الساحلية ودعم المصالح الأمنية للدول المجاورة.
وهذا التمييز بالغ الأهمية. فلن تكون عودة إثيوبيا البحرية مستدامة إلا إذا استندت إلى المصالح المتبادلة والقانون الدولي والشفافية واحترام السيادة. وينبغي أن يتمثل الهدف الاستراتيجي الأوسع في إقامة بحر أحمر تصبح فيه الاعتمادية الاقتصادية المتبادلة مصدراً للاستقرار بدلاً من أن تكون محفزاً للمواجهة. ويمكن أن يؤدي تعزيز التجارة والترابط في البنية التحتية والأمن البحري المشترك إلى خلق حوافز للدول لحماية النظام التجاري نفسه الذي تستفيد منه.
وبهذا المعنى، يمكن أن تصبح عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر جزءاً من جهد أوسع لبناء اقتصاد إقليمي أكثر قدرة على الصمود. ويمكن لسكان البلاد الذين يتجاوز عددهم 130 مليون نسمة، وسوقها المحلية المتوسعة، وإمكاناتها الصناعية والزراعية المتنامية، أن تولد طلباً كبيراً على الخدمات البحرية، في حين يمكن لتحسين الوصول أن يساعد على ربط الاقتصادات المجاورة بالأسواق الإثيوبية.
خلاصة القول
إن أهمية عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر تتجاوز بكثير مسألة الموانئ أو طرق التجارة أو المصالح الاقتصادية الوطنية. ففي عصر يمكن فيه للاضطرابات في هرمز وباب المندب أن تتردد أصداؤها عبر أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، يحتاج القرن الإفريقي إلى نظام بحري أكثر قدرة على الصمود وتوازناً.
ويمكن أن يوفر الوصول الإثيوبي الموثوق إلى البحر الأحمر، الذي يتحقق من خلال ترتيبات سلمية وقانونية ومتفاوض عليها ومفيدة للطرفين، مثل هذه الفرصة. فمن شأنه أن ينوع طرق التجارة الإقليمية، ويقلل الاعتماد على ممر واحد، ويعزز الأمن البحري، ويجذب الاستثمارات، ويحسن الوصول إلى السلع الأساسية، ويعمق التكامل الاقتصادي في أنحاء القرن الإفريقي.
وبالنسبة إلى إثيوبيا، فإن الوصول إلى البحر سيقلل من نقطة ضعف أساسية مرتبطة بكونها دولة حبيسة. وبالنسبة إلى الدول الساحلية، يمكن أن يوفر استثمارات وعائدات عبور وأسواقاً أوسع. وبالنسبة إلى الملاحة الدولية، يمكن أن يسهم في تعزيز بيئة أمنية إقليمية أكثر قوة. أما بالنسبة إلى الأسواق العالمية، فيمكن أن يضيف طبقة أخرى من القدرة على الصمود في وقت أصبحت فيه نقاط الاختناق البحرية معرضة بصورة متزايدة للاضطرابات الجيوسياسية.
ومن ثم، لا ينبغي أن يكون الهدف الاستراتيجي هو هيمنة أي دولة منفردة على البحر الأحمر، بل إنشاء نظام بحري مستقر تتمتع فيه إثيوبيا بوصول مشروع ويمكن التنبؤ به، وتحافظ الدول الساحلية على سيادتها، وتحظى الملاحة الدولية بمزيد من الأمن.
وبهذا المعنى، ينبغي النظر إلى عودة إثيوبيا إلى البحر الأحمر ليس فقط باعتبارها طموحاً وطنياً، وإنما باعتبارها مساهمة محتملة في الاستقرار الإقليمي وقدرة التجارة العالمية على الصمود. ويمكن لتسوية بحرية سلمية أن تحول إثيوبيا من اقتصاد حبيس معرض للخطر إلى طرف اقتصادي وأمني أكثر نشاطاً في واحدة من أكثر المناطق البحرية أهمية وتأثيراً في العالم.